بقلم:  الشيخ عبد الله بن إبراهيم الطريقي

         أقسام السرف من حيث طبيعة ما يقع عليه الإسراف: هذا فيما ظهر لي قسمان:

         1 – الإسراف في الإنفاق.

         2 – الإسراف في الاستهلاك.

         وأقصد بالأول صرف المال في وجوهه المختلفة. وبالثاني: استنفاد الممتلكات والمباحات وإهلاكها.

         والإنفاق في اللغة هو بمعنى الإنفاد والإفناء، وعلى هذا فيدخل فيه الاستهلاك، غير أنه لما أصبح الإنفاق قد شاع بمعنى صرف المال، رأيت الفصل بينهما من أجل التقريب والتسهيل للفهم.

         (1) أما الإسراف في الإنفاق فيدخل في مجالات ثلاثة:

         1 – الإنفاق في الطاعة (الخير).

         2 – الإنفاق في المعصية (الشر).

         3 – الإنفاق في المباح.

         وأما الإسراف في الاستهلاك، فأعني به استنزاف الثروات والمحاصيل والعناصر البيئية الطبيعية والمرافق العامة. فإن الله تعالى قد سخر للإنسان عموم الكائنات.

         قال عز وجلِ: ﴿وَسَخَّرَ ‌لَكُم ‌مَّا ‌فِي ‌ٱلسَّمَٰوَٰتِ ‌وَمَا ‌فِي ‌ٱلۡأَرۡضِ ‌جَمِيعٗا ‌مِّنۡهُۚ﴾ [الجاثية:13].

وقال: ﴿‌أَلَمۡ ‌تَرَوۡاْ ‌أَنَّ ‌ٱللَّهَ ‌سَخَّرَ ‌لَكُم ‌مَّا ‌فِي ‌ٱلسَّمَٰوَٰتِ ‌وَمَا ‌فِي ‌ٱلۡأَرۡضِ ‌وَأَسۡبَغَ ‌عَلَيۡكُمۡ ‌نِعَمَهُۥ ‌ظَٰهِرَةٗ ‌وَبَاطِنَةٗۗ﴾ [لقمان: 20].

         والمطلوب من الإنسان أن يصرف هذه المسخرات في إطار وظيفته الرئيسة (عبادة الله وطاعته) ﴿وَمَا ‌خَلَقۡتُ ‌ٱلۡجِنَّ ‌وَٱلۡإِنسَ ‌إِلَّا ‌لِيَعۡبُدُونِ﴾ [الذاريات:56].

         وذلك فيما يحقق المصلحة العامة والخاصة، العاجلة والآجلة، حاشا ما كان فيه مفسدة عامة أو خاصة، عاجلة أو آجلة، فإنه لا يجوز أن تصرف فيه تلك المسخرات.

         ومن مظاهر هذه المسخرات وعناصرها:

         – الهواء.

         – الماء.

         – التربة.

         – النبات والمحاصيل الزراعية.

         – الحيوان.

         وكلها من نعم الله الظاهرة التي يجب المحافظة عليها وتقييدها بالشكر ﴿وَإِذۡ ‌تَأَذَّنَ ‌رَبُّكُمۡ ‌لَئِن ‌شَكَرۡتُمۡ ‌لَأَزِيدَنَّكُمۡۖ ‌وَلَئِن ‌كَفَرۡتُمۡ ‌إِنَّ ‌عَذَابِي ‌لَشَدِيدٞ﴾ [إبراهيم:7].

         وقد حذر الشارع من إتلاف هذه النعم وإفسادها بأي لون من ألوان الإفساد، ما لم يكن في ذلك مصلحة راجحة.

         قال سبحانه: ﴿وَلَا ‌تُفۡسِدُواْ ‌فِي ‌ٱلۡأَرۡضِ ‌بَعۡدَ ‌إِصۡلَٰحِهَا﴾ [الأعراف:56].

         يقول ابن كثير (ت774 هـ): «ينهى تعالى عن الإفساد في الأرض، وما أضره بعد الإصلاح، فإذا كانت الأمور ماشية على السداد ثم وقع الإفساد بعد ذلك كان آخر ما يكون على العباد»(1).

         وقال سبحانه: ﴿وَمِنَ ‌ٱلنَّاسِ ‌مَن ‌يُعۡجِبُكَ ‌قَوۡلُهُۥ ‌فِي ‌ٱلۡحَيَوٰةِ ‌ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِۦ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ ٢٠٤ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَۚ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ﴾ [البقرة:204-205].

         وهذه الآية – كما يقول القرطبي (ت671هـ): «تعم كل فساد كان، في أرض أو مال أو دين، وهو الصحيح إن شاء الله»(2).

         وقريب من هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَهَلۡ ‌عَسَيۡتُمۡ ‌إِن ‌تَوَلَّيۡتُمۡ ‌أَن ‌تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَتُقَطِّعُوٓاْ أَرۡحَامَكُمۡ ٢٢ أُوْلَـٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ فَأَصَمَّهُمۡ وَأَعۡمَىٰٓ أَبۡصَٰرَهُمۡ﴾ [محمد:22-23].

         يقول الشيخ الطاهر بن عاشور (ت1393هـ): «وفي الآية إشعار بأن الفساد في الأرض وقطيعة الأرحام من شعار أهل الكفر، فهما جرمان كبيران يجب على المؤمنين اجتنابهما»(3).

         وهكذا يظهر أن الفساد جريمة اجتماعية تجب محاربتها، وذلك أن من أهم مقاصد التشريع – كما يقول ابن عاشور-: «حفظ نظام العالم، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه، وهو نوع الإنسان، ويشمل صلاحه صلاح عقله وصلاح عمله وصلاح ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه، قال الله حكاية عن بعض رسله وتنويها به… ﴿إِنۡ ‌أُرِيدُ ‌إِلَّا ‌ٱلۡإِصۡلَٰحَ ‌مَا ‌ٱسۡتَطَعۡتُۚ ‌وَمَا ‌تَوۡفِيقِيٓ ‌إِلَّا ‌بِٱللَّهِۚ﴾ [هود:88].

         وقال حكاية:.. ﴿‌وَقَالَ ‌مُوسَىٰ ‌لِأَخِيهِ ‌هَٰرُونَ ‌ٱخۡلُفۡنِي ‌فِي ‌قَوۡمِي ‌وَأَصۡلِحۡ ‌وَلَا ‌تَتَّبِعۡ ‌سَبِيلَ ‌ٱلۡمُفۡسِدِينَ﴾ [الأعراف:142] فهذه أدلة صريحة كلية دلت على أن مقصد الشريعة إصلاح هذا العالم وإزالة الفساد منه، وذلك في تصاريف أعمال أهل العالم…. ولقد علمنا أن الشارع ما أراد الإصلاح المنوه به مجرد صلاح العقيدة وصلاح العمل بالعبادة كما قد يتوهم؛ بل أراد منه صلاح أحوال الناس وشؤونهم في الحياة الاجتماعية، فإن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ‌تَوَلَّىٰ ‌سَعَىٰ ‌فِي ‌ٱلۡأَرۡضِ ‌لِيُفۡسِدَ ‌فِيهَا ‌وَيُهۡلِكَ ‌ٱلۡحَرۡثَ ‌وَٱلنَّسۡلَۚ﴾ [البقرة:205] أنبأنا بأن الفساد المحذر منه هنالك هو إفساد موجودات هذا العالم…»(4).

         وإذ عرفنا أن الفساد للبيئة وعناصرها مما حظره الشارع؛ فإن الإسراف في استعمالها والاستفادة منها يعد لونا من ألوان الإفساد.

مجالات السرف:

         مجالات الإنفاق كثيرة جدا لا تكاد تنحصر، حيث تشمل كل شؤون الحياة الدينية والدنيوية، ومن ثم تدخلها الأحكام التكليفية الخمسة كلها: الوجوب، والندب، والإباحة، والتحريم، والكراهة.

         وفي هذا المطلب نركز على أهم المجالات التي يدخلها السرف، في مصروفاتنا اليومية أو الشهرية أو السنوية.

         ولعل من أهم المجالات:

         1 – المأكل والمشرب.

         2 – الملبس.

         3 – المسكن (السكنى).

         4 – المركب.

         5 – الأفراح والمآتم.

         6 – التسلية والترفيه.

         وهي في جملتها تدخل في قسم المباح، عدا المآتم.

         (1) أما الأكل والشرب فهما قوام بدن كل حيوان، ومنه الإنسان، والحياة الإنسانية تقوم في طبيعتها على عناصر يأتي في مقدمتها الغذاء والهواء.

         وتكاد تتفق الديانات والشرائع – تبعا للعقل – على هذه الحقيقة، إلا أن بعضًا من الديانات الوضعية تضيق مجال الأكل والشرب على الإنسان بما يشق عليه، كما هو ملحوظ عند بعض الديانات الهندية، والرهبانية النصرانية، وغيرهما(5).

         بل مما يفعله بعض رجال الدين – من الأحبار وغيرهم، من التدخل في التحليل والتحريم وفق الهوى. هذا إلى أن أكثر البشر يتعاملون مع شهواتهم ورغباتهم وفقا لما تطلبه أنفسهم بلا قيود.

         أما الإسلام فإنه أعدل الديانات وأقومها وأكثرها واقعية، فإنه بنظرته الصحيحة للإنسان أحل له الطيبات وحرم عليه الخبائث. يقول سبحانه: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ‌ٱلَّذِينَ ‌ءَامَنُواْ ‌كُلُواْ ‌مِن ‌طَيِّبَٰتِ ‌مَا ‌رَزَقۡنَٰكُمۡ ‌وَٱشۡكُرُواْ ‌لِلَّهِ ‌إِن ‌كُنتُمۡ ‌إِيَّاهُ ‌تَعۡبُدُونَ﴾  [البقرة:172]. ويقول: ﴿قُلۡ ‌مَنۡ ‌حَرَّمَ ‌زِينَةَ ‌ٱللَّهِ ‌ٱلَّتِيٓ ‌أَخۡرَجَ ‌لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ قُلۡ هِيَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا خَالِصَةٗ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٣٢ قُلۡ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَ وَٱلۡإِثۡمَ وَٱلۡبَغۡيَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَأَن تُشۡرِكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ﴾ [الأعراف:32-33].

         ومن هنا شرع الإسلام طلب الرزق، وأحل المكاسب الخالية من الضرر والغرر. يقول سبحانه: ﴿فَإِذَا ‌قُضِيَتِ ‌ٱلصَّلَوٰةُ ‌فَٱنتَشِرُواْ ‌فِي ‌ٱلۡأَرۡضِ ‌وَٱبۡتَغُواْ ‌مِن ‌فَضۡلِ ‌ٱللَّهِ ‌وَٱذۡكُرُواْ ‌ٱللَّهَ ‌كَثِيرٗا ‌لَّعَلَّكُمۡ ‌تُفۡلِحُونَ﴾ [الجمعة:10]. ويقول: ﴿هُوَ ‌ٱلَّذِي ‌جَعَلَ ‌لَكُمُ ‌ٱلۡأَرۡضَ ‌ذَلُولٗا ‌فَٱمۡشُواْ ‌فِي ‌مَنَاكِبِهَا ‌وَكُلُواْ ‌مِن ‌رِّزۡقِهِۦۖ ‌وَإِلَيۡهِ ‌ٱلنُّشُورُ﴾ [الملك:15] ويقول: ﴿وَلَقَدۡ ‌مَكَّنَّـٰكُمۡ ‌فِي ‌ٱلۡأَرۡضِ ‌وَجَعَلۡنَا ‌لَكُمۡ ‌فِيهَا ‌مَعَٰيِشَۗ ‌قَلِيلٗا ‌مَّا ‌تَشۡكُرُونَ﴾ [الأعراف:10].

         قال ابن عطية (ت542هـ) عند هذه الآية: «الخطاب لجميع الناس، والمراد أن النوع بجملته ممكن في الأرض، والمعايش جمع معيشة، وهي لفظة تعم المأكول الذي يعايش به، والتحرف الذي يؤدي إليه»(6).

         وفي منظومة الاعتدال والوسطية في الإسلام يأتي الأكل والشرب في مقدمتها. يقول الحق سبحانه: ﴿يَٰبَنِيٓ ‌ءَادَمَ ‌خُذُواْ ‌زِينَتَكُمۡ ‌عِندَ ‌كُلِّ ‌مَسۡجِدٖ ‌وَكُلُواْ ‌وَٱشۡرَبُواْ ‌وَلَا ‌تُسۡرِفُوٓاْۚ ‌إِنَّهُۥ ‌لَا ‌يُحِبُّ ‌ٱلۡمُسۡرِفِينَ﴾ [الأعراف:31].

         قال أبو بكر الجصاص (ت370هـ): «ظاهر الآية يوجب الأكل والشرب من غير إسراف، وقد أريد به الإباحة في بعض الأحوال، والإيجاب في بعضها، فالحال التي يجب فيها الأكل والشرب هي الحال التي يخاف أن يلحقه ضرر كأن يكون ترك الأكل والشرب يتلف نفسه أو بعض أعضائه أو يضعفه عن أداء الواجبات، فواجب عليه في هذه الحال أن يأكل ما يزول معه خوف الضرر، والحال التي هما مباحان فيها هي الحال التي لا يخاف فيها ضررا بتركهما، وظاهره يقتضي جواز أكل سائر المأكولات وشرب سائر الأشربة مما لا يحظره دليل بعد أن لا يكون مسرفا فيما يأتيه من ذلك؛ لأنه أطلق الأكل والشرب على شريطة أن لا يكون مسرفًا فيهما، والإسراف مجاوزة حد الاستواء، فتارة يكون بمجاوزة الحلال إلى الحرام، وتارة يكون بمجاوزة الحد في الإنفاق فيكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿إِنَّ ‌ٱلۡمُبَذِّرِينَ ‌كَانُوٓاْ ‌إِخۡوَٰنَ ‌ٱلشَّيَٰطِينِۖ﴾ [الإسراء:27]. والإسراف وضده من الإقتار مذمومان، والاستواء هو التوسط، ولذلك قيل: دين الله بين المقصر والغالي….. وقد يكون الإسراف في الأكل أن يأكل فوق الشبع حتى يؤديه إلى الضرر فذلك محرم أيضا»(7).

         قلت: وهذا الكلام من الإمام الجصاص تفصيل ما منه بد سواء من حيث حكم الأكل والشرب في الأصل، وأنه قد يكون واجبا وقد يكون مباحا أو من حيث حكم الإسراف فيهما، وأنه قد يكون أكلا للحرام وقد يكون بالإفراط في الإنفاق، وقد يكون بأكل ما زاد عن الحاجة فما أحسنه من تفصيل!!.

         فلنتوقف عند أنواع الإسراف تلك.

         أما الإسراف بأكل الحرام وشربه، فهذا سرف وطغيان وشهوانية حيوانية لا تنضبط بعقل ولا شرع.

         فأكل الربا مثلا والميسر والرشوة، والغش التجاري والتحايل على أموال الغير، كل ذلك أكل لأموال الناس بالباطل وهو إسراف دون شك. وكذلك أكل الخنزير والميتة وسباع البهائم والطيور والخمر ونحو ذلك كله إسراف وتجاوز لحدود الله. واغتصاب أموال الغير وأملاكهم والتعدي عليها بأي لون من ألوان التعدي والاحتيالات كله إسراف.

         وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَلَا ‌تَأۡكُلُوٓاْ ‌أَمۡوَٰلَكُم ‌بَيۡنَكُم ‌بِٱلۡبَٰطِلِ ‌وَتُدۡلُواْ بِهَآ إِلَى ٱلۡحُكَّامِ لِتَأۡكُلُواْ فَرِيقٗا مِّنۡ أَمۡوَٰلِ ٱلنَّاسِ بِٱلۡإِثۡمِ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة:188]. وأما الإسراف في الإنفاق فهو كما أسلفنا إما أن يكون في معصية أو طاعة أو مباح، ووقفنا على شيء من تفصيلها.

         لكن تهمنا الإشارة هنا إلى ما يتعلق بالأكل والشرب، إذ مما يلحظ أن كثيرا من الناس يسرف في الإنفاق في شراء المواد الغذائية بطريقة غير معقولة ولا مقبولة، مما لا يحتاجه، ولا يمكن أن يستهلكه على المدى البعيد، الأمر الذي يعرضها للفساد، أو يتسبب في حصول الملل منها وعزوف النفس، فيتخلص منها بطرق غير صحيحة، قد يكون أسهلها رميها في القمامة.

         وتبرز هذه الظاهرة بصورة أشد عند المواسم والمناسبات، ففي رمضان مثلا يتجه الناس أو أكثرهم إلى شراء المواد الغذائية وتخزينها بكميات ضخمة جدا تستلفت الأنظار.

         ففي مجلة الدعوة السعودية(8) عملت إحدى الفاضلات تحقيقا حول (النساء والموائد في رمضان) وكان مما جاء في التحقيق:

         1 – تقول امرأة: إنها كانت تنفق في رمضان عشرة آلاف ريال على شراء الأغراض التي تحتاجها لإعداد الأكلات المتنوعة.

         2 – وتقول أخرى: إنها اشترت ثلاثة كتب (طبخ) منوعة في رمضان، ومعروف أن ثمن الكتاب الواحد يتجاوز مئة ريال في الغالب.

         3 – وتقول ثالثة: إنها تتابع الصحف والمجلات والتلفاز باستمرار للتعرف على طبخات جديدة.

         قلت: وكل ذلك – وشبهه – مما يحول هذا الموسم الجليل – شهر رمضان – إلى موسم موائد، وتقاليد شعبية تُذهب بهاء العبادة وقدسيتها، وذلك هو الخسران المبين.

         أما المناسبات كالأعياد والزواج ونحوهما فلهما مساحة عريضة للإسراف.

         وسيأتي الحديث عنها.

         «وخلاصة المسألة أن التدافع لشراء الحاجات لشهر رمضان يعد محظورا إذا كان يؤدي إلى الإسراف في الأكل والشرب لما في ذلك من الضرر للنفس، ناهيك عما فيه من مخالفة لما ورد في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من نهي عن الإسراف، أما القول بأن البعض قد يستهين بالزائد من الطعام والشراب فهو أيضا محرم؛ بل شديد التحريم لما في ذلك من عدم شكر الله، ولما فيه من الكفر بنعمه، والاستهانة بها»(9).

         ذلك عما يتعلقّ بالإسراف في أكل الحرام وشربه، وفي الإنفاق على المواد الغذائية.

         أما الإسراف بأكل ما زاد عن الحاجة وشربه فهو داخل في النهي في قوله تعالى: ﴿وَكُلُواْ ‌وَٱشۡرَبُواْ ‌وَلَا ‌تُسۡرِفُوٓاْۚ﴾ [الأعراف:31]

         يقول القرطبي (ت671 هـ): «قال ابن عباس: أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفا أو مخيلة.

         فأما ما تدعو الحاجة إليه وهو ما سد الجوعة، وسكن الظمأ فمندوب إليه عقلا وشرعا، لما فيه من حفظ النفس وحراسة الحواس، ولذلك ورد الشرع بالنهي عن الوصال؛ لأنه يضعف الجسد ويميت النفس ويضعف عن العبادة، وذلك يمنع منه الشرع ويدفعه العقل….. وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين: فقيل حرام، وقيل مكروه، قال ابن العربي: وهو الصحيح فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطعمان»(10). وقد تقدم قبل قليل نحو من هذا الكلام وأوسع منه عن أبي بكر الجصاص.

         والإسراف هذا له أضرار بدنية ظاهرة. ولهذا فإن الآية الكريمةَ المتقدمة… ﴿وَكُلُواْ ‌وَٱشۡرَبُواْ ‌وَلَا ‌تُسۡرِفُوٓاْۚ﴾ [الأعراف:31] جاءت بنظام دقيق محكم بشأن الأكل والشرب، زاده إيضاحا الحديث الصحيح: «ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطن، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه»(11).

         يقول القرطبي: «قال علماؤنا: لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة، ويذكر أن الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال لعلي بن الحسين: ليس في كتابكم من علم الطب شيء، والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان. فقال له علي: قد جمع الله الطب كله في نصف آية من كتابنا، فقال له: ما هي؟ قال قوله عز وجل:.. ﴿وَكُلُواْ ‌وَٱشۡرَبُواْ ‌وَلَا ‌تُسۡرِفُوٓاْۚ﴾ [الأعراف:31] فقال النصراني ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبًّا»(12).

         ونرجئ الحديث عن الأضرار البدنية للإسراف في الطعام والشراب إلى مبحث الآثار السلبية للسرف.

         على أنه لا تفوتنا الإشارة هنا إلى أنواع الإسراف في الطعام والشراب، فدونك أهمها:

         1- إسراف من جهة الكم، بحيث يأكل الإنسان إلى حد الامتلاء، ومن ثم يتحول إلى عادة وذلك شره حيواني، يمقته العقلاء.

         فعن ابن عمر قال: «تجشأ رجل عند النبي ﷺ فقال: «كُفَّ عنا جُشاءك فإن أكثرهم شبعا في الدنيا أطْوَلُهم جوعا يوم القيامة»(13).

         2- إسراف من جهة النوع:

         كالمداومة على نوع من أنواع الأغذية، وترك الأنواع الأخرى كمن يداوم على النشويات مثلًا، أو السكريات، أو اللحوم وهذا فيه أضرار صحية بالغة.

         3- إسراف في التكثير من ألوان الأغذية في كل وجبة، وصرف الأموال الباهظة في تحصيلها.

يقول عمر بن الخطاب ؓ: «كفى بالمرء إسرافا أن يأكل كل ما اشتهى»(14).

         4- طلب الأغذية المحرمة كالخنزير والخمر، واستبدالها بالمباحات(15).

         وأما اللباس فهو من أعظم نعم الله على عباده.

﴿يَٰبَنِيٓ ‌ءَادَمَ ‌قَدۡ ‌أَنزَلۡنَا ‌عَلَيۡكُمۡ ‌لِبَاسٗا يُوَٰرِي سَوۡءَٰتِكُمۡ وَرِيشٗاۖ وَلِبَاسُ ٱلتَّقۡوَىٰ ذَٰلِكَ خَيۡرٞۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ لَعَلَّهُمۡ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف:26].

         قال ابن كثير (ت774هـ): «يمتن الله على عباده بما جعل لهم من اللباس والريش، فاللباس ستر العورات وهي السوءات، والرياش والريش ما يتجمل به ظاهرا، فالأول من الضروريات والريش من التكملات والزيادات، قال ابن جرير: الرياش في كلام العرب الأثاث وما ظهر من الثياب»(16).

         ثم خرج ابن كثير من مسند الإمام أحمد قوله ﷺ: «من استجد ثوبا فلبسه فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الخلق فتصدق به، كان في ذمة الله وفي جوار الله وفي كنف الله حيا وميتا»(17).

         وتسري الأحكام التكليفية الخمسة المعروفة – الوجوب والندب والإباحة والتحريم والكراهة – على اللباس(18).

         فإنه يجب منه ما يستر العورة لكل من الرجل والمرأة، بشرط ألا يكون من المحظورات، كالمواد النجسة، أو الحرير والذهب بالنسبة للرجل، أو يكون فيه تشبه بالكفرة والفجرة، أو تشبه الرجل بالمرأة أو العكس.

         ويندب منه أخذ الزينة والتجمل عند أداء الصلاة وقراءة القرآن والأعياد ونحو ذلك.

         ويكره إذا كان فيه إسراف يسير في المباح.

         ويحرم إذا كان للفخر والخيلاء أو كان محرما في ذاته كالحرير والذهب بالنسبة للرجل. ويباح منه ما عدا ذلك.

         والإسلام يدعو إلى التوسط في اللباس وينهى عن الإفراط أو التفريط فيه.

         والقاعدة هنا ما جاء في الحديث: «كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا في غير إسراف ولا مخيلة»(19).

         وقول ابن عباس: «كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة»(20).

         وإذا كان التقصير والتفريط؟ فإن الإسراف والإفراط في اللباس مذموم أيضا.

         ويتجلى الإسراف هنا في صور عديدة، من أبرزها:

         1- لبس ما يحرم لذاته، كالحرير والذهب بالنسبة للرجل.

         2- مجاوزة الحد المشروع في اللباس، كجر الثوب، ولبس ثوب الشهرة.

         3- مجاوزة الحد المعقول، والمألوف في اللباس المباح.

         4- إهمال الملابس وتعريضها للتلف.

         وعصرنا هذا قد أصبح معتركا للتنافس والتباهي في مجال اللباس، حيث ظهور الأزياء المتجددة، والموديلات المنوعة، والموضات والصرعات.

         وأبرزت هذه المظاهر تحت أسماء غريبة ولامعة، حتى انساق وراءها ودخل معتركها كثير من الشباب المسلم وأكثر النساء المسلمات، بلا وعي ولا بصيرة، فأخذوا ينفقون فيها النفقات الباهظة، ويظهرون بمظاهر تثير العجب، محاكاة لمن يسمون بالمشاهير، من فئات مختلفة في مجالات: الفن والتمثيل والرقص والرياضة وعارضات الأزياء.. وهلم جرا.

         وقد ترى فيهم من التلون في المظاهر والمخابر ما يشككك في عقولهم؛ بل وفي إنسانيتهم، وربما أوقعتك الحيرة بين الضحك والبكاء. ولكنه ضحك كالبكاء.

         وأما المسكن فإنه من نعم الله تعالى على عباده أيضا.

         قال عز وجل: ﴿‌وَٱللَّهُ ‌جَعَلَ ‌لَكُم ‌مِّنۢ ‌بُيُوتِكُمۡ ‌سَكَنٗا ‌وَجَعَلَ ‌لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ﴾ [النحل:80].

         يقول القرطبي (ت671هـ): «قوله (جعل لكم) معناه صير، وكل ما علاك فأظلك فهو سقف وسماء، وكل ما أقلك فهو أرض، وكل ما سترك من جهاتك الأربع فهو جدار، فإذا انتظمت واتصلت فهو بيت، وهذه الآية فيها تعديد نعم الله تعالى على الناس في البيوت، فذكر أولا بيوت المدن، وهي التي للإقامة الطويلة، وقوله (سكنا) أي تسكنون فيها وتهدأ جوارحكم من الحركة، وقد تتحرك فيه وتسكن في غيره إلا أن القول خرج على الغالب وعد هذا في جملة  النعم…. ثم ذكر تعالى بيوت النقلة والرحلة…. فقال: ﴿وَجَعَلَ ‌لَكُم ‌مِّن ‌جُلُودِ ‌ٱلۡأَنۡعَٰمِ ‌بُيُوتٗا ‌تَسۡتَخِفُّونَهَا﴾ [النحل:80] أي من الأنطاع والأدم بيوتا يعني الخيام والقباب يخف عليكم حملها في الأسفار»(21).

         لذا كان من طبع الإنسان أن ينشئ البيوت ويسكن إليها وفيها، رغبة في القرار والاستتار والاحتماء.

         ونظرا لهذه الأهمية جعل الإسلام لها حرمة عظيمة، بحيث لا يدخلها غير صاحبها إلا بإذن.

         وغني عن البيان أن الإسلام – وهو دين الوسطية – يندب إلى اتخاذ البيوت المعتدلة قوة واتساعا، ومظهرا.

         فإذا كان من غير المقبول عقلا أن يعيش الإنسان في مكان لا يحقق غرضه بسبب ضيقه أو فساده أو قذارته، فكذلك لا يستحسن شرعا أن يتباهى الناس في البنيان ويتطاولوا فيه، وينفقوا فيه أموالهم التي يحتاجونها في أمور ضرورية أخرى.

وقد وردت آثار نبوية تحذر من ذلك.

         ومنها ما جاء عن عبد الله بن عمرو قال: «مر بي رسول الله ﷺ وأنا أطين حائطا لي أنا وأبي، فقال: «ما هذا يا عبد الله؟» فقلت: يا رسول الله، شيء أصلحه، فقال «الأمر أسرع من ذاك»(22).

         غير أن البناء المعتدل وإن كان واسعا فإنه من المباحات. فقد قال عليه الصلاة والسلام: «من سعادة المرء، الجار الصالح، والمركب الهني، والمسكن الواسع»(23).

         وليس ذلك من الإسراف في شيء(24).

         قال ابن مفلح المقدسي (ت763هـ): «اعلم أن المسكن لا بد للإنسان منه في الجملة، فيجب تحصيله لنفسه ولمن تلزمه نفقته، ومثل هذا يعاقب على تركه ويثاب على فعله، وموته عنه كبقية ماله المخلف عنه لورثته يثاب عليه… وأما الزيادة على ذلك فإن كانت يسيرة لا تعد في العادة والعرف إسرافا واعتداء ومجاوزة للحد فلا بأس بها ولا تكره، وهل يثاب عليها؟ يحتمل وجهين»(25).

         والمتأمل في واقع الحضارات العالمية – قديمها وحديثها – يلحظ من خلال ما يراه ويدركه من العمران الحي أو ما بقيت آثاره وأطلاله، أن البشر – ومنهم المسلمون – كانوا يتنافسون في البنيان والعمران إشادة وزخرفة، وأن ذلك كان من مظاهر الترف عندهم، لكن المسلمين كما يقول ابن خلدون(26) (ت808هـ): «كان الدين أول الأمر مانعا من المغالاة في البنيان والإسراف فيه في غير القصد… فلما بعد العهد بالدين والتحرج في أمثال هذه المقاصد وغلبت طبيعة الملل والترف واستخدم العرب أمة الفرس وأخذوا عنهم الصنائع والمباني ودعتهم إليها أحوال الدعة والترف فحينئذ شيدوا المباني والمصانع، وكان عهد ذلك قريبا بانقراض الدولة ولم ينفسح الأمر لكثرة البناء واختطاط المدن والأمصار إلا قليلا، وليس كذلك غيرهم من الأمم، فالفرس طالت مدتهم آلافا من السنين وكذلك القبط والنبط… طالت آمادهم ورسخت الصنائع فيهم».

         والمجتمعات المسلمة في عهدها الحاضر يعصف بها تياران متعارضان، أحدهما: تيار الفقر والخوف والاضطهاد، كما هو ملحوظ في بعض البلدان التي انخرم فيها زمام الأمن وتسلط عليها العدو وتسلق عليها أقزام البشر(27). وهؤلاء يعيش كثير منهم بلا مأوى ولا استقرار. التيار الثاني: تيار الغنى والترف، وهو ملحوظ في البلاد الغنية بالثروات الطبيعية، وهنا تلحظ تنافسا في البناء سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات، بحيث ينفق في تشييدها الملايين من الريالات، وقد تكون هذه النفقات ديونا في ذمة صاحب البناء. الأمر الذي يثقل كاهله، ويحمِّله من الهموم والغموم ما ينغص حياته وحياة أسرته، (ولا أفدح من دين) كما تقول العرب.

         ولعل هذا ما يومئ إليه خباب بن الأرت رضي الله عنه (ت37هـ) في قوله: «إن المسلم يؤجر في كل شيء ينفقه إلا في شيء يجعله في التراب»(28).

         وأما المركب – وهو ما يركب عليه في البر والبحر والجو – فإنه من أجل نعم الله على الناس.

         قال سبحانه: ﴿وَٱلَّذِي ‌خَلَقَ ‌ٱلۡأَزۡوَٰجَ ‌كُلَّهَا ‌وَجَعَلَ ‌لَكُم ‌مِّنَ ‌ٱلۡفُلۡكِ ‌وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مَا تَرۡكَبُونَ ١٢ لِتَسۡتَوُۥاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِۦ ثُمَّ تَذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ رَبِّكُمۡ إِذَا ٱسۡتَوَيۡتُمۡ عَلَيۡهِ وَتَقُولُواْ سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَٰذَا وَمَا كُنَّا لَهُۥ مُقۡرِنِينَ ١٣ وَإِنَّآ إِلَىٰ رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾ [الزخرف:12-14]. وقال: ﴿‌وَٱلۡخَيۡلَ ‌وَٱلۡبِغَالَ ‌وَٱلۡحَمِيرَ ‌لِتَرۡكَبُوهَا ‌وَزِينَةٗۚ ‌وَيَخۡلُقُ ‌مَا ‌لَا ‌تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل:8].

         يقول الشيخ الشنقيطي (ت1393هـ) عند قوله تعالى:.. ﴿وَيَخۡلُقُ ‌مَا ‌لَا ‌تَعۡلَمُونَ﴾ [النحل:8] «ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يخلق ما لا يعلم المخاطبون وقت نزولها، وأبهم ذلك الذي يخلقه لتعبيره عنه بالموصول ولم يصرح هنا بشيء منه، ولكن قرينة ذكر ذلك في معرض الامتنان بالمركوبات تدل على أن منه ما هو من المركوبات، وقد شوهد ذلك في إنعام الله على عباده بمركوبات لم تكن معلومة وقت نزول الآية كالطائرات والقطارات والسيارات»(29).

         أجل.. منذ بدء القرن العشرين لميلاد المسيح عليــــــــه السلام ظهـــــــرت وسائل جديدة للمواصلات لم تكن معروفة من قبل، وبانتشارها وتكاثرها هجرت وسائل الركوب الحيوانية في معظم المجتمعات الإنسانية، وحلت محلها تلك الوسائل الحديثة.

         ثم أخذت بالتطور والتحديث حتى صارت مجالا للتنافس بين الشركات المنتجة والمصنعة، ومن ثم التنافس بين المستهلكين، وعلى رغم غلاء أسعار كثير منها إلا أن ذلك لم يقف حائلا دون التباهي والمفاخرة من لدن كثير من الأفراد الشباب والمؤسسات المختلفة في وسيلة السيارات بوجه خاص.

         وتبرز صور الإسراف هنا في:

         1- اختيار النوع الفاره والفاخر من السيارات، مما لا يطيقه المستهلك؛ بل قد لا يطيق معشاره.

         2- الاستكثار من السيارات مما لا يدعو إليه حاجة.

         3- تجديد الوسيلة (السيارة) في كل سنة أو سنتين مع كونها جديدة قوية، دون سبب معقول، اللهم إلا الركض وراء كل جديد والتفاخر به أمام الأقران.

         4- عدم العناية بها وإهمال صيانتها، بحيث يسرع إليها الخراب. ولا سيما إذا كانت السيارة ليست ملكا له؛ بل تابعة لمؤسسة خاصة أو حكومية. وهذا فوق كونه إسرافا فإنه خيانة للأمانة التي عهدت إليه، وهي قيادة  السيارة، أو صيانتها.

         5- التكلف في مظهر السيارة، مما يدخل تحت اسم (زينة السيارات) حتى لقد يوازي ذلك قيمة السيارة ذاتها.

         6- عدم استعمالها على الوجه الصحيح، بل بطرق عشوائية جنونية لا تلتزم قواعد السير وأنظمته.

         ومن ذلك ما يعرف بالتفحيط، الذي أصبح ظاهرة عند كثير من الشباب الذي يملك السيارة من قبل الغير، ولم يدفع في شرائها شيئا يحسب له حسابه.

         ومن هنا، وفي ضوء تلك المظاهر المؤلمة، أصبحت هذه الوسيلة (السيارة) مصدر خطر على الأفراد والجماعات ، حيث كثرت الحوادث المرورية داخل المدن وخارجها، وأنتجت خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.

         (5) والمجال الخامس يتعلق بالمآتم، وهي جمع المأتم وهو: كل مجتمع في حزن أو فرح(30).

         وجاء في المعجم الوسيط:(31)  «المأتم: الجماعة من الناس في حزن أو فرح، وغلب استعماله في الأحزان».

         «والحزن: خشونة في النفس لما يحصل فيها من الغم، ويضاده الفرح»(32).

         ومن حكمة الإسلام ووسطيته وواقعيته أنه يقر إظهار الفرح والسرور، والحزن والأسف عند وجود سبب كل منها.

         إذ الإنسان قد طبع على ذلك وجبل عليه، فإنه يفرح بما يسره ويحزن لما يسوؤه.

         بيد أن الإسلام قد نظم ذلك كله ولم يتركه للأهواء والأعراف والتقاليد.

         ففي ما يتعلق بالأفراح فإن مجالها رحب واسع، فالمسلم يفرح بكل نعمة أنعمها الله عليه، كالشفاء من مرض، ورزق ولد، ومال؛ بل وبأدائه لطاعة من الطاعات وتوبته من معصية وغير ذلك. ففي الحديث: «من سرته حسنته وساءته سيئته فذلك المؤمن»(33).

         وقد تكون مظاهر الفرح فردية شخصية أو عائلية أو اجتماعية، وهكذا بالنسبة لمظاهر الحزن.

         ومن أسباب الفرح الجماعي: انتصار المسلمين وهزيمة الكافرين، وكذا انتصار من فيه نصرة للمسلمين، وهزيمة من كان في هزيمته خذلان للعدو.

         قال عز وجل: ﴿الٓمٓ ١ ‌غُلِبَتِ ‌ٱلرُّومُ ٢ فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيَغۡلِبُونَ ٣ فِي بِضۡعِ سِنِينَۗ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُۚ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤ بِنَصۡرِ ٱللَّهِۚ﴾ [الروم:1-5] .

         ويوم بدر تبع النبي ﷺ رجل من المشركين كان له قوة وجلد ففرح بذلك أصحاب رسول الله ﷺ(34).

         ومن المناسبات العامة لدى المسلمين الأعياد، وقد حددها الشارع في عيدين اثنين كل عام، هما: عيد الفطر، وعيد الأضحى، بالإضافة إلى عيد الأسبوع: يوم الجمعة.

         فليس – إذًا – لأحد أن يشرع أعيادًا غيرها، فإن الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك التي قال الله سبحانه: ﴿لِّكُلِّ ‌أُمَّةٖ ‌جَعَلۡنَا ‌مَنسَكًا ‌هُمۡ ‌نَاسِكُوهُۖ﴾ [الحج:67].

         «وهي من أخص ما تتميز به الشرائع، ومن أظهر ما لها من الشعائر»(35).

         وللمسلم أن يظهر معالم الفرح والسعادة في الأعياد – ومثلها أفراح الزواج ونحوها – بشرط ألا يدخل حوزة المحظورات، «فله الحق في التمتع بالملابس الجديدة والمآكل الطيبة، واللهو البريء، الذي لا يخدش عرضًا ولا يقتحم كرامة، ولا يمس حرمة، اقتضاء لحق الطبيعة البشرية في ترويض البدن والترويح عن النفس»(36).

         ذلك ما يتعلق بالأفراح، أما الأحزان فمجالها في الإسلام ضيق لأن الأصل عدمه، وهو طارئ على الإنسان لأمر يهمه ويقلقه ويدخل في قلبه الغم والكآبة(37).

         ولذا جاء النهي عنه في آيات عديدة من كلام الله. كقوله تعالى:.. ﴿إِذۡ ‌يَقُولُ ‌لِصَٰحِبِهِۦ ‌لَا ‌تَحۡزَنۡ ‌إِنَّ ‌ٱللَّهَ ‌مَعَنَاۖ﴾ [التوبة:40]. وقوله: ﴿وَلَا ‌تَهِنُواْ ‌وَلَا ‌تَحۡزَنُواْ ‌وَأَنتُمُ ‌ٱلۡأَعۡلَوۡنَ ‌إِن ‌كُنتُم ‌مُّؤۡمِنِينَ﴾ [آل عمران:139].

         وفي الحديث: «اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن…»(38).

         لكنه واقع لا محالة، فعن عبد الله بن عمر قال: «اشتكى سعد بن عبادة شكوى له، فأتى رسول الله ﷺ يعوده مع عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي  وقاص وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم، فلما دخل عليه وجده في غاشية أهله فقال: أقد قضى؟ قالوا: لا يا رسول الله، فبكى رسول الله ﷺ فلما رأى القوم بكاء رسول الله ﷺ بكوا، فقال: «ألا تسمعون؟ إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذب بهذا – وأشار إلى لسانه – أو يرحم»(39).

         وهكذا نرى أن الفرح والحزن ينتابان الإنسان، وأن الأول أكثر من الثاني.

         غير أن لكل منهما شروطا لا يسوغ التفريط بها، من أهمها:

         1- ألا يتحول الفرح إلى أشر وبطر وغرور.

         كما قال تعالى في سياق قصة قارون:.. ﴿إِذۡ ‌قَالَ ‌لَهُۥ ‌قَوۡمُهُۥ ‌لَا ‌تَفۡرَحۡۖ ‌إِنَّ ‌ٱللَّهَ ‌لَا ‌يُحِبُّ ‌ٱلۡفَرِحِينَ﴾ [القصص:76].

         وهكذا الحزن لا يتحول إلى مأتم يجدد الأحزان ويذكر بها ويوهن النفوس ويزيدها كآبة.

         2- ألا يترتب على أي منها مفسدة دينية أو دنيوية كالاختلاط بين الجنسين، وشرب الخمور والمخدرات والمفترات، أو النياحة والنعي، ونحو هذا.

         3- ألا يصاحب الأفراح إسراف في النفقات.

أما الأحزان فالبذل فيها إسراف مهما قل.

         والمتأمل في واقع المجتمعات المسلمة لا ينتهي به العجب حين يرى الإسراف في هذا المجال (الأفراح والمآتم) فإن ما ينفق عليها يشكل نسبة كبيرة من جملة النفقات سواء من قبل الأفراد أو الجماعات.

         وإذا كانت المآتم تشكل عبئا ثقيلا في النفقات، وتعقيدا في إجراءات المراسم (والبروتوكولات!!) في كثير من المجتمعات المسلمة، فإن الأمر في منطقة الخليج العربي على وجه الخصوص ربما برز فيه العبء الأكبر في جانب الأفراح، نظرا لعدم الاهتمام فيها بجانب الأحزان والمآتم – وتلك محمدة ومكرمة – أما الأفراح في هذه المنطقة ولا سيما الأعياد والزواجات فحدث عن الإسراف فيها ولا حرج.

         ومن صور الإسراف هنا:

         المغالاة في المهور، ودفع الأموال الباهظة للمرأة وأهلها، بصورة تثير الدهشة.

         فهذا يدفع مليون ريال، وذاك يدفع نصفه، وثالث يعطي كيلا من الذهب وعشرا من السيارات، وقصرا مشيدا وهكذا.

         ويزيد الأمر نكاية إعلان ذلك في وسائل الإعلام.

         وهذا يذكرنا بزواج المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل الذي أنفق فيه من الأموال ما يصعب حصره على أهل الإحصاء(40).

         المبالغة في الولائم من الأغنام والجمال وغيرها، في الزواج الواحد بما يكفي الزواجات المتعددة.

         وكم نشاهد ذلك في جل مناسبات الزواجات، حتى أصبح ذلك معروفا عند أكثر الناس.

         وكان من آخر ما رأيته، أن أحد هذه الأعراس قدم فيها خمس وثلاثون رأسا من الغنم لجملة الحاضرين الذين لم يتجاوزوا المئة.

         ما يصاحب العرس والفرح من الأغاني والموسيقى والرقص مما لا تقره الشريعة.

         هذا بالإضافة إلى المنكرات السافرة التي تختلط بالفرح، ومن أهمها: الاختلاط بين الجنسين، وتبرج النساء وسفورهن، والتصوير، وشرب المخدرات والمفترات، وظهور العروسين وهما بأبهى زينة – أمام الجمهور من الرجال أو النساء وتقبيل الزوج لزوجته أمامهم، والصفير المزعج من الشباب والنساء. وغير ذلك مما لا يدخل تحت الحصر.

*  *  *

الهوامش:

(1)  تفسير القرآن العظيم 2/231.

(2)  الجامع لأحكام القرآن 3/18.

(3)  التحرير والتنوير 26، 113 بتصرف يسير.

(4)  مقاصد الشريعة الإسلامية لابن عاشور ص63-65.

(5)  ينظر الملل والنحل للشهرستاني 2/263 دار المعرفة-بيروت-الطبعة الثانية.

(6)  المحرر الوجيز 7/15. 

(7)  أحكام القرآن للجصاص 3/33 دار الكتاب العربي-بيروت، بتصرف يسير.  

(8)  العدد 1575-30 شعبان 1417هـ-ص46 فما بعدها.  

(9)  عن مجلة البحوث الفقهية المعاصرة. العدد 28، رجب-شعبان-رمضان 1416 هـ ص 230.

(10)   الجامع لأحكام القرآن 7/191. بتصرف يسير.

(11)   رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح (سنن الترمذي، ك: الزهد الباب 47).

(12)   الجامع لأحكام القرآن 7/192، على أنه يوجد ضمن النص أثر نسب إلى النبي ﷺ وهو (المعدة بيت الأدواء والحمية رأس كل دواء وأعط كل جسد ما عودته) وكان ذلك ضمن جواب علي بن الحسين، والحق أنه من كلام الحارث بن كلدة طبيب العرب (انظر: كشف الخفا ومزيل الإلباس، الحديث رقم 2320) لذا حذفته من النص، وينظر أيضا: الإسراف دراسة فقهية مقارنة للدكتور عبد الله بن محمد الطريقي ص 158 الحاشية رقم (4).

(13)   رواه الترمذي في السنن. ك: صفة القيامة الباب 37 وقال: حديث غريب. ورواه ابن ماجه في سننه. ك: الأطعمة-الباب 50. قال الشيخ الألباني: سنده حسن (صحيح سنن ابن ماجه 2/237)

(14)   أخرجه أحمد في كتاب الزهد ص153.  

(15)   يراجع في هذا: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا، مقال للدكتور محمود ناظم نسيمي في مجلة حضارة الإسلام

(16)   تفسير ابن كثير 2/216.  

(17) مسند الإمام أحمد: 1/44، ورواه الترمذي في السنن، ك اللباس الباب 2.   

(18)   يراجع: اللباس والزينة في الشريعة الإسلامية للدكتور محمد عبد العزيز عمرو ص211، والإسراف دراسة فقهية مقارنة للدكتور الطريقي ص162، مرجع سابق.

(19)   تقدم تخريجه في التمهيد: ص 8.

(20)   صحيح البخاري، ك: اللباس الباب 1.

(21)   الجامع لأحكام القرآن 10/152.

(22)   رواه أبو داود في سننه، ك: الأدب باب ما جاء في البناء-ح/5235.

(23)   رواه الإمام أحمد في المسند: 3/407. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (8/163): رجاله رجال الصحيح. قلت: وله شواهد عديدة. انظر: مجمع الزوائد 4/272، وصحيح الأدب المفرد للبخاري ص175.

(24)   انظر: أحكام القرآن لابن العربي 3/1167-1168.

(25)   الآداب الشرعية 3/409، وينظر كتاب مراتب الإجماع لابن حزم ص155. 

(26)   المقدمة ص358.

(27)   يلحظ هذا في كثير من دول أفريقيا المسلمة، ودول وسط آسيا التي انفصلت عن الاتحاد السوفيتي، وكذلك في كشمير والفلبين وأفغانستان، وغيرها.  

(28)   أخرجه البخاري في الأدب المفرد (صحيح الأدب المفرد. للألباني ص 172). وقد صححه الشيخ الألباني.    

(29)   أضواء البيان 3/218.

(30)   القاموس المحيط باب الميم فصل الهمزة ص 1388. 

(31)   ص4 مادة أتم. 

(32)   مفردات غريب القرآن ص 115.  

(33) رواه الترمذي في سننه وقال: حسن صحيح. ك: الفتن باب 7ح/2165.

(34)   رواه الإمام أحمد في المسند 6/149.

(35)   اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية ص471 تحقيق الدكتور ناصر بن عبد الكريم العقل.

(36)   من توجيهات الإسلام للشيخ محمود شلتوت ص501.   

(37)   وبناء على ذلك فإنه يكون من غير الجائز أن تخصص أماكن أو قصور-على غرار قصور الأفراح-لإقامة المآتم والأحزان. (انظر في هذا ما كتبه الشيخ عبد الرحمن آل فريان ردا على من يطالب بإقامتها في مجلة الدعوة السعودية ص12 العدد 1153).   

(38)   رواه البخاري في صحيحه، ك: الجهاد الباب 74.  

(39)   متفق عليه (صحيح البخاري، ك: الجنائز-الباب 45، وصحيح مسلم، ك: الجنائز-ح/12). (40)  ينظر: مقدمة ابن خلدون ص173.

مجلة الداعي، المحرم – صفر 1445هـ = يوليو – سبتمبر 2023م، العدد: 1-2، السنة: 48

Related Posts