بقلم:  الدكتور/ محسن هويدى

         ظن كثير من الناس سوءًا بالدين، ولقد كان ذلك نتيجة لأسباب متعددة: منها ثورة أوروبا على دينها في القرون الوسطى، ومنها نشوء المذاهب المادية التي لا تعترف بالروح ولا تنظر إلى السماء، ومنها غلبة الشهوات على النفوس حتى أمست لا ترضخ لعقيدة ولا تستكين لنظام، واستمر هذا التيار عبر الزمن، وسرى إلى أكثر البلاد، فظن الناس في بلادنا أن (الدين) هو (الدين) في كل عصر، وكل مصر، ورأوا لأوروبا نهضة عارمة، وقوة غالبة، فتوهموا أنها ما كانت إلا للتجرد من الدين وليس عليهم – إزاء هذه النظرة الساذجة – إلا أن يثوروا على دينهم، ويعطلوا أحكامه حتى ينهضوا كما نهض غيرهم.

         ولقد أمسى هذا المفهوم السطحي لدى كثير من شبابنا – بكل أسف – أمرا مسلما به؛ بل أصبح – في نظرهم – الدليل على التقدم والعلم؛ بل تعداه إلى كثير من الغرور، وإيغال في الجهل والجور، حينما انقلب مفهوم الاستغناء عن الدين اشمئزازا منه، وتكبرا عليه وحربا لا هوادة فيها أعلنت عليه من كل جانب.

         حدث كل ذلك والبلاد العربية والإسلامية تغط في نوم عميق من التأخر العلمي والخلقي، وليس فيها أولئك الأفذاذ من العلماء، ولا الفطاحل من الحكماء، يدفعون عنها العاديات، ويبصرون أبناءها بما يرد عليهم من الطامات، فأخذت الأمة على غرة، واقتنص فيها الدين على حين غفلة، وليس الأمر واحدا في أمة تهاجم وهي قوية مستعدة، وأخرى تهاجم وهي ضعيفة غافلة، وهكذا تهيأت أسباب الهجوم على الدين من كل جانب، فهوجم الإسلام في عقر داره، فوصف بالخرافة وهو العقل السليم، وبالقسوة وهو اللين والسهولة، وبالقبح، وهو المشرق الجميل.

         غير أن العاقل الذي يحترم نفسه، ولا ينساق مع الهوى، ولا يكون حكمه تبعا للشائعات يأبى إلا أن يفكر قبل أن يحكم، وأن يتجرد من الهوى، ولا يطلق الحكم قبل الاطلاع على الأمر والإحاطة به من كل جانب. فهل الإسلام مثل تلك الأديان التي أطرحتها الشعوب؟ وهل في الإسلام عسر لا يطاق؟ وهل في عباداته ومعاملاته وتشريعه ما تشمئز منه النفوس وتعافه الفطرة السليمة؟ أم أن في تشريعه الخلقي والاجتماعي من الجمال، واليسر، والحكمة ما يسحر الألباب، ويأخذ بمجامع القلوب؟

         لا ريب أن العاقل لا يحتاج إلى كبير جهد لكي يميز الإسلام عن سائر الأديان بما يتجلى فيه من التوحيد، والانسجام مع العقل وتمجيد العلم، والبحث عن المصلحة، والمرونة التي يقتضيها الزمان والمكان، وإنكاره الشديد على كل ما يشين الرشد: من الخرافة والكهانة والسحر، وما ينقص الخلق: من الظلم والكذب والغدر والخيانة.

         ومن الواضح أننا لا نستطيع في مثل هذا المقال، أن نمعن في التفصيل، استيعابا لفضائل الإسلام، ولكننا نتحرى في قواعد الإسلام، وأركانه الأساسية ما يظهر الحق جليا لمن تسمم فكره بتلك المفاهيم المشوهة عن الإسلام، حتى يدرك جمال الإسلام وكماله، وافتراء الخصم وضلاله.

لا مشقة ولا حرج:

         أما عن رمي الإسلام بالمشقة والعسر، كبقية الأديان، حتى أظهره الخصوم شبحا مخيفا مرعبا، فإن الإسلام قد اتخذ السهولة واليسر قاعدة أساسية، وأصر عليها حتى بدت آثارها واضحة في العبادات، والمعاملات، والحدود. وإليك الأدلة من الكتاب والسنة.

         قال الله تعالى في محكم كتابه:

         ﴿يُرِيدُ ‌ٱللَّهُ ‌بِكُمُ ‌ٱلۡيُسۡرَ ‌وَلَا ‌يُرِيدُ ‌بِكُمُ ‌ٱلۡعُسۡرَ﴾ (البقرة:185).

         ﴿هُوَ ‌ٱجۡتَبَىٰكُمۡ وَمَا جَعَلَ عَلَيۡكُمۡ فِي ٱلدِّينِ مِنۡ حَرَجٖۚ﴾ (الحج:78).

         ﴿لَا ‌يُكَلِّفُ ‌ٱللَّهُ ‌نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ (البقرة:286).

         ﴿لَا ‌يُكَلِّفُ ‌ٱللَّهُ ‌نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ﴾ (الطلاق:7)

         وقال الرسول ﷺ: «يسِّروا ولا تعسِّروا وبشِّروا ولا تنفروا» متفق عليه.

         «إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا» البخاري.

         وفي الصحيح أنه ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسر هما ما لم يكن إثما. وإذا ثبتت هذه القاعدة الأساسية الجميلة في الإسلام فما هي تكاليفه في المأمورات، والمنهيات، والمعاملات على وجه الاجمال:

         أما في المأمورات فيقول ﷺ: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وأقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان» فهي عقيدة تدعو إلى الإيمان بالخالق الأعظم الواحد، وأي عقل يستطيع أن يصبر على الجحود إذا فكَّر وأنصف وهل يسيغ العقل للعاقل أن يعتقد بأن الوجود قد انبثق من العدم؟ أو أن الوجود بغير موجد؟ أو أن التدبير المحكم المتناسق بغير مدبر؟(1)(1).

         إن العقل السليم قد ألزم العاقل أن يعتقد بخالق الوجود، فأي حرج إذن يصيب العقل من الدعوة إلى ذلك؟ بل إن الحرج الشديد من تكلف اعتقاد العكس لأنك حينئذ تدعو العقل إلى الإيمان بالمستحيل، حيث تدعوه لأن يؤمن بأن الشيء خلق من لا شيء، وأقبح به من اعتقاد متناقض مشين. والدعوة هنا أيضا إلى توحيد الخالق، وهذا التوحيد الخالص أصر عليه الإسلام، وامتاز به، وجعله الأساس الأول، وذلك هو الذي ينسجم مع العقل في أكثر من برهان، حيث يبطل العقل كل قول بالتعدد ببراهين كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، وقد أشارت إليها الآيات الكريمة التالية مظهرة استحالة التعدد وبطلانه:

         قال تعالى: ﴿لَوۡ ‌كَانَ ‌فِيهِمَآ ‌ءَالِهَةٌ إِلَّا ٱللَّهُ لَفَسَدَتَاۚ فَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ رَبِّ ٱلۡعَرۡشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء:22).

         وقال تعالى: ﴿مَا ‌ٱتَّخَذَ ‌ٱللَّهُ ‌مِن ‌وَلَدٖ وَمَا كَانَ مَعَهُۥ مِنۡ إِلَٰهٍۚ إِذٗا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهِۭ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون:91).

التوحيد نداء الفطرة:

         إذن فعقيدة التوحيد هي ضالة العقل المنشودة، وهي أمنية النفس في صميم فطرتها، إليها تأوي، وبها تطمئن. وإنها لتبقى حائرة معذبة بغير الإيمان بالخالق، يائسة مضطربة بغير التوحيد الخالص، فهذا تكليف جميل انسجم مع نداء الفطرة الأصيل، وهل أجمل من تلبية النداء العميق الملح بتحقيق مطلبه، وإيصاله إلى هدفه، ﴿فِطۡرَتَ ‌ٱللَّهِ ‌ٱلَّتِي ‌فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ﴾ وان الفرق يبدو واضحا بين ثبات المؤمن ﴿يُثَبِّتُ ‌ٱللَّهُ ‌ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱلۡقَوۡلِ ٱلثَّابِتِ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ﴾، واضطراب الملحد ﴿يَجۡعَلۡ ‌صَدۡرَهُۥ ضَيِّقًا حَرَجٗا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي ٱلسَّمَآءِۚ﴾ حينما يشتد عليهما البلاء، وتحيط بهما الكوارث، فيسخر الملحد قوته، ويستنفد حيلته، فلا ينفرج البلاء، وتضيق به المذاهب، وتسود الحياة في عينيه، وينفد صبره وينقطع أمله، ويتحمل من جراء ذلك في شعوره، من الضنك، والحيرة والقلق، والوجل، ما يعجز عن وصفه القلم فينتحر أو يجن ﴿‌وَمَنۡ ‌أَعۡرَضَ ‌عَن ‌ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ﴾ (طه:124) فإن كان انتحارا أفضى إلى الموت فهي المصيبة. وإن كان انتحار القلب فهو ميتة في كل لحظة، وهي أكبر مصيبة.

         ولسان حاله حينئذ يقول:

         كفى بك داء أن ترى الموت شافيا

وحسب المنايا أن يكن أمانيا

         أما المؤمن فيأخذ بالأسباب، ويبذل الجهد، غير منكر لسلطان الأسباب التي فطر الله الطبيعة عليها – فإن لم يبلغ غايته، ولم تنفرج عنه كربته، تعلق بمسبب الأسباب، وركن إلى رب الأرباب فكان له في قلبه أجمل العزاء، وأنجع الدواء؛ بل ربما قنع من الغنيمة بالإياب ذلك أن تعلقه الجميل بمولاه العظيم، يجعله يزهد في طلبته، ويستمرئ ألم مصيبته، راضيا بتقدير خالقه وحكمته، وربما قال كما قال الرسول ﷺ «يا أرحم الراحمين… إلى من تكلني: إلى عدو يتجهمني، أم إلى غريب ملكته أمرى، إن لم يكن بك علي سخط فلا أبالي).

         ومن اعتاد النظر إلى الأمور من جميع الوجوه أدرك أنها نسبية، فرب مكروه محبوب ورب ضار نافع. والمهم فيها بعد الحيطة حصول الرضا، فإنه الذي يورث الراحة والسكون، ويهب القلب السرور والاطمئنان. وهذا هو الفرق بين من يسير على بصيرة وفي طريق مستقيمة، ومن يمشي مكبا على وجهه، لا ينظر إلى أبعد من أنفه يتردى في ظلمات من التردد والحيرة، وضلالات من الريب والشبهة، لا يهتدي إلى منار، ولا يقر له قرار: ﴿أَفَمَن ‌يَمۡشِي ‌مُكِبًّا عَلَىٰ وَجۡهِهِۦٓ أَهۡدَىٰٓ أَمَّن يَمۡشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ﴾ (الملك:22).

العبادات شكر وتربية:

         والصلاة لو استعرضت ما فيها عقلا لوجدته فنونا من الجمال ومعارج من الكمال:

         فهي نظافة ورياضة، ونظام، وجد، وتهذيب وندم على الذنب، وعهد مع الرب على ألا نطغى، ولا نسيء، وأن نحسن ونصلح، وهي مع الجماعة: مساواة، وطاعة، ووحدة، يتجلى فيها المجتمع منسجما، متماسكا: عنوانه المحبة والوئام وسبيله الطاعة والنظام. ونحن لا نريد بذلك تجريد الصلاة من كونها عبادة للخالق الأعظم الذي يستحق العبادة، ولكنه سبحانه لم يكلفنا ما لا نستطيع؛ بل التكليف في حدود الطاقة مقترنا بمصلحة الإنسان، متصفا أبدا بالكمال والجمال، منسجما مع العقل الحر السليم.

         والصيام من فوائده الجسمية والخلقية، كما هي مدونة في كتب الفقه، والطب، والأخلاق، وكما يصفه علماء العصر في المجال الصحي، والخلقي، والفلسفي، كل حسب اختصاصه، يكاد يكون غنيا عن البيان. ولعل جماله يبرز في قوة الإرادة عند طلوع الفجر، وجو الفرح والبهجة عند غروب الشمس وحين يتجلى النظام في المجتمع: فيحجم في ساعة واحدة، ويقدم في ساعة واحدة، مما تعجز عن تصميمه في ظاهره وباطنه أنظمة الدنيا:

         ومن جميل عدالته وعميق حكمته أنه إذا سافر المرء أو مرض، أو خاضت المرأة، أو عجزت من حمل أو رضاع ﴿فَعِدَّةٞ ‌مِّنۡ ‌أَيَّامٍ ‌أُخَرَۚ﴾، فإن لم يستطع المريض القضاء، فعليه الفدية، فإن لم يجد، فلا شيء عليه ﴿يُرِيدُ ‌ٱللَّهُ ‌بِكُمُ ‌ٱلۡيُسۡرَ ‌وَلَا ‌يُرِيدُ ‌بِكُمُ ‌ٱلۡعُسۡرَ﴾.

         والزكاة التي يتجلى جمالها في موقف الغني تجاه الفقير، وجعل ذلك القسط من المال حقا في أموال الأغنياء، يؤدونه بغير منٍّ ولا أذى ﴿وَٱلَّذِينَ ‌فِيٓ ‌أَمۡوَٰلِهِمۡ حَقّٞ مَّعۡلُومٞ ٢٤ لِّلسَّآئِلِ وَٱلۡمَحۡرُومِ﴾ (المعارج:24-25).

         ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ‌ٱلَّذِينَ ‌ءَامَنُواْ ‌لَا ‌تُبۡطِلُواْ صَدَقَٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ﴾ (البقرة:267).

         وبذلك وغيره من التشريع الاقتصادي في الإسلام يتحقق التوازن المالي، وتنعدم الطبقية الممقوتة، وتزول ظواهر البؤس القاتل، ولقد مر على المسلمين زمن كانت الزكاة تنقل فيه من بلد إلى بلد فلا تجد من يقبلها. ولم يكلفنا الإسلام في ذلك مالا نطيق سوى تلك النسب المعلومة المقبولة ﴿وَإِن ‌تُؤۡمِنُواْ ‌وَتَتَّقُواْ يُؤۡتِكُمۡ أُجُورَكُمۡ وَلَا يَسۡـَٔلۡكُمۡ أَمۡوَٰلَكُمۡ ٣٦ إِن يَسۡـَٔلۡكُمُوهَا فَيُحۡفِكُمۡ تَبۡخَلُواْ وَيُخۡرِجۡ أَضۡغَٰنَكُمۡ﴾ (محمد: 36-37). وذلك من يسر الإسلام وشدة تلطفه بالنفس البشرية.

         وقارن بين هذا التشريع الاقتصادي العادل، وبين المذاهب الاقتصادية الحديثة تجد الفرق كبيرا بين يسر راعى كوامن النفس وضمن لها الحرية، وعسر أرهقها وحملها مالا تطيق وقضى عليها بالعبودية؟.

         فأين مثل هذا الجمال الكامن في هذا النظام الرباني الذي يكفل العدالة الاجتماعية، ويصون الحرية، ويوزع فيه المال برا وقسطا، وتنقاد إليه النفوس طوعا وحبا، بغير إكراه ولا إرهاق ولا تعسف.

         والحج تلك العبادة الخالصة، والسياحة الرائعة، ومواقف المساواة الكاملة، بين الغني والفقير، والمأمور والأمير حتى لكأنه الحشر بين يدي السميع البصير، وإنك لتدرك إنصاف الخالق للمخلوق في جميل قوله تبارك وتعالى ﴿وَلِلَّهِ ‌عَلَى ‌ٱلنَّاسِ ‌حِجُّ ‌ٱلۡبَيۡتِ مَنِ ٱسۡتَطَاعَ إِلَيۡهِ سَبِيلٗاۚ﴾ (آل عمران:97) معلقا ذلك على الاستطاعة، وتلمس اليسر والسهولة في جعله مرة واحدة في العمر ولم يجعل الاقتصار على مرة واحدة مفروضا؛ بل جعل باب الحرية مفتوحًا أمام القادر إذا أراد أن يستكثر من الخير.

         ولا بد أن يلوح للمستبصر ما يشتمل عليه ذلك المؤتمر السنوي العام من فوائد جمة، ومنافع متنوعة، حيث تبحث شؤون الأمة، وتتوثق عرى المودة، وتتجلى آيات الرحمة، فهل تجد رحمك الله في أنظمة الدنيا جمالا يضارع هذا الجمال، في جميل اللقاء، وتقوية الأواصر، وشحذ الهمم، وعمق النظر، وبعد الأثر؟

المحرمات خبائث:

         وإذا كانت تلك هي تكاليف الإسلام فيما أمر، فما هي تكاليفه فيما نهى؟

         يطول بنا البحث جدا لو استقصينا جميع المحرمات لنظهر وجه المصلحة في حكمة التحريم، ولكننا نعلم أن البشر متفقون على كراهة الظلم في نفوسهم، ولذلك نجد مشرعا يبيح الظلم أو يقول به، والإسلام قد حرم قتل النفس، وشهادة الزور ونقض العهد، والزنا، والربا، والكذب، والخيانة، والخمر، والميسر، والسرقة، … وإنك لو تحريت الأساس الذي تبنى عليه جميع هذه المعاصي لوجدت الظلم فيها جميعا.

         وإذا غاب عن ذهن القارئ أن شرب الخمر ظلم فليعلم أن شارب الخمر ظالم لجسده ولماله ولأسرته ولذريته، لأن سوء الخمر ممتد إليها جميعا لا محالة. وإذا تساءل عن سر كون الزنا ظلما فليستمع إلى حديث رسول الله ﷺ مظهرا الحكمة في التحريم، ومبينا أن الزنا ظلم للناس لا يرتضيه المرء لنفسه. روى أبو أمامة أن غلاما شابا أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال:

         يا نبي الله أتأذن لي في الزنا؟ فصاح الناس به. فقال النبي ﷺ «قربوه: ادن» فدنا حتى جلس بين يديه، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أتحبه لأمك» فقال: لا، جعلني الله فداك.

         فقال: «كذلك الناس لا يحبونه لأمهاتهم. أتحبه لابنتك؟» قال: لا، جعلني الله فداك، قال: «كذلك الناس لا يحبونه لبناتهم. أتحبه لأختك؟». وزاد ابن عوف حتى ذكر العمة والخالة وهو يقول في كل واحدة: لا، جعلني الله فداك، وهو ﷺ يقول: كذلك الناس لا يحبونه، وقالا جميعًا في حديثهما «فوضع رسول الله ﷺ يده على صـــــدره وقال: «اللهم طهر قلبه، واغفر ذنبه، وحصن فرجــــــه»، رواه الإمام أحمد بإسناد جيد.

         أفترى يا أخي القارئ أن الإسلام كان جميلا حينما حرم هذه المظالم لكي يحفظ لك مالك، وعرضك وكرامتك، وحريتك، وصحتك، أم أنه قبيح مخيف كما يدعي الخصوم عدوانا وظلما؟.

         هل ترى يا أخي من الصواب أو الجمال في شيء: أن نحل الخيانة محل الأمانة، والكذب محل الصدق، والغدر محل الوفاء، والزنا محل العفاف، والميوعة محل الرجولة؟

         وإنك إذا أدركت مواطن القبح والجمال من جميع هذه الخصال، أدركت بلا شك أن الإسلام في الذروة من الجمال في كل ما أمر به ونهى عنه.

جمال المعاملة:

         وإذ يتجلى لنا الإسلام جميلا فيما أمر به وفيما نهى عنه فإنه يتجلى لنا أجمل في أدب المعاملة مع الناس حيث يظهر العفو، والتسامح، وكظم الغيظ والإحسان، والتواد، والحرص على العدل حتى مع الخصوم: يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا ‌تَسۡتَوِي ‌ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّيِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِي بَيۡنَكَ وَبَيۡنَهُۥ عَدَٰوَةٞ كَأَنَّهُۥ وَلِيٌّ حَمِيمٞ﴾ (فصلت:43).

         ﴿ٱدۡفَعۡ ‌بِٱلَّتِي ‌هِيَ ‌أَحۡسَنُ ٱلسَّيِّئَةَۚ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون:96).

         ﴿وَٱلۡكَٰظِمِينَ ‌ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ﴾ (آل عمران:134).

         ﴿وَلَا ‌تُجَٰدِلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ﴾ (العنكبوت:46).

         ﴿وَقُولُواْ ‌لِلنَّاسِ ‌حُسۡنٗا﴾ (البقرة:83).

         الآيات في ذلك كثيرة، والصور التي أنزلت بها جميلة، حتى ليكاد المطلع لا يغادر منها آية إلا أوردها ولا صورة من حسن المعاملة إلا سجلها، فهل ترى حسنا يضاهي هذا الحسن أو يدانيه، وسلوك الإنسان تجاه أخيه الإنسان؛ بل إنك لتجد كمال الحسن الإنسان، بل إنك لتجد كمال الحسن في معاملة العدو حين يحرص الإسلام على إيصال حقه إليه، ويجعل تفويت حقه جريمة وظلما، وفي ذلك يقول تعالى: ﴿وَلَا ‌يَجۡرِمَنَّكُمۡ شَنَـَٔانُ قَوۡمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعۡدِلُواْۚ ٱعۡدِلُواْ هُوَ أَقۡرَبُ لِلتَّقۡوَىٰۖ﴾ (المائدة:8).

         وقد وردت في حسن المعاملة ومكارم الأخلاق، أحاديث كثيرة في السنة الصحيحة، لم تدع زيادة لمريد من درجات الكمال، ولا لطامع في صور البهاء والجمال، يقول ﷺ: «اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن» أحمد والترمذي. حسن صحيح.

         «اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا، ولو أن تلقى أخاك ووجهك منبسط إليه» أبوداود والترمذي.

         «وما من شيء أثقل في ميزان العبد المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق» (الترمذي: حسن صحيح)

         «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا» (الترمذي: حسن).

         وقد ورد في الأثر «صل من قطعك وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك..».

جمال المظهر:

         ومن جملة ما شرعه الإسلام للناس – بعد تنظيم المعاملة، وإضفاء ذلك البرد الجميل عليها من العدل والتسامح، والعفو، والتراحم، وإظهار النعمة، والتمتع بالزينة، فالمسلم في تحقيق الإسلام جميل في باطنه، جميل في ظاهره:

         يقول تبارك وتعالى: ﴿وَأَمَّا ‌بِنِعۡمَةِ ‌رَبِّكَ ‌فَحَدِّثۡ﴾ (الضحى:11).

         ﴿قُلۡ ‌مَنۡ ‌حَرَّمَ ‌زِينَةَ ‌ٱللَّهِ ٱلَّتِيٓ أَخۡرَجَ لِعِبَادِهِۦ وَٱلطَّيِّبَٰتِ مِنَ ٱلرِّزۡقِۚ﴾ (الأعراف:32) وفي الحديث: «أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده» الترمذي وحسنه.

         فهل تجد مثل هذا التوجيه في دين آخر، أو نظام من نظم البشر، بمثل هذا الضبط وعمق النظر؟ إنه ضبط يلتزم الاعتدال، فلا يميل إلى البطر والإسراف، ولا ينحرف إلى التقتير والإلحاف، وهذه حسنة كبرى من حسنات هذا الدين الجميل، حرص عليها وجعلها أساسا في كثير مما شرع، يقول الله تبارك وتعالى:

         ﴿وَٱلَّذِينَ ‌إِذَآ ‌أَنفَقُواْ لَمۡ يُسۡرِفُواْ وَلَمۡ يَقۡتُرُواْ وَكَانَ بَيۡنَ ذَٰلِكَ قَوَامٗا﴾ (الفرقان:67).

         ﴿وَلَا ‌تَجۡعَلۡ ‌يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا﴾ (الإسراء:29).

         ﴿وَكَذَٰلِكَ ‌جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ﴾ (البقرة:143).

         وروي عنه عليه الصلاة والسلام في الاعتدال بالعبادة، والاقتصاد في الطاعة:

         «إن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى» روي من طرق، ورجح البخاري إرساله.

         وحينما قال أحد الرهط الثلاثة: أنا أصلي الليل أبدا، وقال الثاني: وأنا أصوم الدهر أبدا، وقال الثالث: وأنا اعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. قال لهم رسول الله ﷺ: «لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني».

         أفلا ترى يا أخي أن الجمال ضربة لازب على هذا الدين، وأن الاعتدال يلازم أمره ونهيه، وأن اليسر مزيته، وأن العقل قرينه، وأن حسن الخلق أساس معاملته؟.

لا بد من نظام:

         وأحب قبل أن أختم المقال، أن ألفت النظر إلى أنه ما من مجتمع بشري يعيش بغير نظام، وإذا كان ثمة نظام، فثمة تكليف لا محالة، فالطامع في الحرية المطلقة التي ليس لها قيود ولا حدود، إنما هو طمع في السراب، وتيه في الخيال، ذلك أنه إذا اطرح الناس كل نظام، هبطوا إلى مستوى الحيوان، وعاشوا عيشة الذئاب، وعانوا الأهوال من شريعة الغاب.

         وإن رجعوا إلى الحرية النسبية التي تنتهي فيها حرية الفرد حيث تبدأ حرية الآخرين، فقد رجعوا إلى إنسانيتهم واعترفوا بالتكليف سببا لسعادتهم وعزتهم وكرامتهم.

         وإن التاريخ لم يذكر لنا مجتمعا يلهو ويلعب نال حظًّا من الكرامة والعزة، أو تسلق مرقى من المجد والسؤدد؟.

         وإذا كان لا بد من التكليف، فقارن بين تكليف الإسلام كما رأيته، وبين تكاليف أي نظام أو دين في الدنيا تجد الفرق كبيرا في السهولة واليسر والعدالة والإنصاف، والانسجام مع العقل، والمرونة الباقية مدى الدهر. ورحم الله من قال:

         لم يمتحنا بما تعيا العقول به

حرصا علينا فلم نرتَبْ ولم نهِم

         هذا هو الإسلام. توحيد خالص ينسجم مع العقل، وتطمئن به النفس، وعبادات سهلة فيها صلاح الروح والجسم، وتهذيب الخلق وتوجيه الغريزة، وهي ضمن نطاق القدرة، فلا تكليف بما لا يطيق العقل، أو لا يستطيعه الجسد، ومحرمات أثبت العقل والعلم والطب ضررها، وخطرها، وظلمها، فالجمال والكمال في تركها والابتعاد عنها.

         ومكارم أخلاق في معاملة الناس هي زينة الدهر في تاريخه، وفخر الإنسانية في سجلات الخلود، فالمسلم حين يلقاك بإسلامه عاقل لا تلج الخرافة إلى عقله، عالم لا يصل الجهل والسفه إلى حلمه، يزينه التواضع، وتعلوه البشاشة، ويملأ صدره الحلم والتقى، وتغشى جسمه الوضاءة والبهاء، وهو مع كل ذلك قوي في غير قسوة، متواضع في غير ذلة، عزيز بغير استكبار، فهو بحق صورة الجمال وعنوان الكمال.

         ولا غرابة في ذلك فهو ثمرة الدين الرباني الذي أنزله الحكيم العليم رب الكمال والجمال، وأرسل به محمدا ﷺ رحمة للعالمين، يحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث ويضع عن النفوس إصرها، ويحطم أغلالها، ويبدد شكوكها، وأوهامها، ويخرجها من الظلمات إلى النور، كما قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ‌يَتَّبِعُونَ ‌ٱلرَّسُولَ ‌ٱلنَّبِيَّ ‌ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُۥ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَـٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِۦ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُۥٓ أُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ (الأعراف:157).          جعلنا الله من المفلحين، ووفقنا جميعا لاتباع ذلك الرسول الكريم، ولنصرة الدين القويم، وتبليغه إلى الناس كافة، لكي تستنير القلوب بنور الإيمان، وتستضيء الدنيا من جديد بشمس الإسلام.


(1)    من أراد التفصيل في هذا الأمر فليراجع رسالة (الوجود الحق) طبعة المكتب الإسلامي بيروت – دمشق.

مجلة الداعي، المحرم – صفر 1445هـ = يوليو – سبتمبر 2023م، العدد: 1-2، السنة: 48

Related Posts