علماء ديوبند: اتجاهمم الديني ومزاجهم المذهبي

بقلم:        الشيخ المقري حكيم الإسلام محمد طيب رحمه الله تعالى                

    الرئيس الأسبق لجامعة دار العلوم / ديوبند ، الهند                            

تعريب:       الشيخ نور عالم خليل الأميني                                                      

    رئيس التحرير «مجلة الداعي» العربية و أستاذ الأدب العربي بالجامعة    

 

(مقدمة الكتاب) أساس مذهب علماء ديوبند

علماء ديوبند اتجاهمم الديني ومزاجهم المذهبي

مزايا أهل السنة والجماعة

الاستعراض المفصّل للأساسين اللذين يقوم عليهما مذهب علماء ديوبند

مذهب علماء ديوبند فيما يتعلق بالصحابة (رضي الله عنهم أجمعين)

مذهب علماء ديوبند فيما يتعلق بالتزكية والإحسان ورجالهما

مذهب علماء ديوبند فيما يتعلق بالعلماء والمؤلفين

مذهب علماء ديوبند فيما يتعلق بالحديث والمحدثين

مذهبهم فيما يتعلق بالكلام والمتكلمين

مذهب علماء ديوبند فيما يتعلق بالكلام والمتكلمين

موقفهم من السياسيات والاجتماعيات

مذهب علماء ديوبند ليس مذهباً نظرياً فقط

سبع سنابل

 

أساس مذهب علماء ديوبند

بقلم: العلامة الشيخ محمد تقي العثماني - قاضي التمييز الشرعي بالمحكمة العليا بباكستان

 

Back

الحمد الله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد:

فلم تكن هناك أية حاجة في الواقع إلى كتاب مستقل يتناول مذهب علماء ديوبند بشرح أو إبانة؛ لأنهم ليسوا فرقة أو جماعة شقّتْ طريقًا فكريا أو عملياً يختلف عن طريق جمهور الأمة المسلمة، بل إنهم يتبعون في تفسير الإسلام وعرضه نفس المسلك الذي سلكه جمهور علماء الأمة عبر أربعة عشر قرنًا. إن الدين وتعاليمه الأساسية إنما تنبع من الكتاب والسنة، وإنها – تعاليم الكتاب والسنة – في شكلها الشامل هي أساس مذهب علماء ديوبند.

خذ أي كتاب موثوق به في عقائد أهل السنة والجماعة، واقرأه ستجد أن مذهب علماء ديوبند هو كل ما جاء فيه من العقائد ، واقرأ أيّ كتاب موثوق به في الفقه وأصول الفقه على مذهب الإمام أبي حنيفة ، ستجد أن ما جاء فيه من المسائل الفقهية والأصولية هو المذهب الفقهي لدى علماء ديوبند؛ وراجع أي كتاب صحيح في الأخلاق والإحسان، ستجد أنه هو مرجع علماء ديوبند في الإحسان وتزكية الأخلاق. إنهم إنما يتخذون أولئك الأشخاص الذي أجمعت الأمة على جلالة قدرهم ومكانتهم العلمية والعملية – بدءًا بالأنبياء الكرام عليهم السلام، ومرورًا بالصحابة والتابعين، وانتهاء بأولياء الأمة وصلحائها – نماذج جديرة بالاتباع والتقليد.

وجملة القول: إنه ليس هناك ناحية من نواحي الدين ينحرف فيها علماء ديوبند قيد شعرة عن التفسير المُتوَارَث للإسلام وعن مزاجه وذوقه الأصيلين. ولذلك كله لا نرى حاجة ما إلى كتاب مفرَد لشرح مذهبهم . فلو شاء أحد أن يطلع على مذهبهم فعليه بمراجعة الموثوق به لدى جمهور علماء الأمة، من تفاسير القرآن وشروح الحديث وكتب الفقه الحنفي والعقائد والكلام والإحسان والأخلاق، التي تتحدث عنه – عن مذهبهم – في تفصيل.ولكنه استجدّ هناك أمران في العصر الأخير تَسبّبَا في شعورنا بالحاجة إلى إبانة مذهب علماء ديوبند و مزاجهم الديني وذوقهم الإسلامي، في كتاب مستقل .

الأمر الأول: أن الإسلام دين الاعتدال ، وحينما وصف القرآن الكريم هذه الأمة بـ «أمة وسط» أعلن أن من مزاياها الأساسية هو التوسط والاعتدال. وبما أن علماء ديوبند يتبنون هذا الدين الوسط، فإن مذهبهم ومزاجهم وذوقهم الديني معجون بهذا الاعتدال، وطريقهم يمر بين الإفراط والتفريط بشكل لا يتورط ذيلهم في أي من الطرفين المتقاصيين . ومن خصائص الاعتدال أن الإفراط والتفريط كليهما يشكوانه ويتأذيان به؛ فالإفراط يتهمه بالتفريط ، والتفريط يعيبه بالإفراط .

ومن ثم فإن التوجهات المتطرفة قامت ضد علماء ديوبند بدعايات متضاربة ، فمثلا: من اعتدال علماء ديوبند أنهم بجانب إيمانهم الكامل بالكتاب والسنة يثقون بالسلف الصالحين و يتبعونهم. وتُشَكِّل لديهم بياناتُ السلف وتعبيراتهم وتعاملاتهم أهمية أساسية في شرح وتفسير الكتاب والسنة ، كما أنهم يرون حبهم والإعجاب بهم عنصرًا لمذهبهم؛ ولكنهم – إلى جانب ذلك – لا يَدَعُوْنَ هذا الحب والإعجاب يصل إلى العبادة وتقديس الشخصية، وإنما يضعون في اعتبارهم دائمًا مبدأ إنزال كل حقيقة في منزلها الصحيح .

فالسادة الذين يزعمون الإيمان والعمل بالكتاب والسنة ، ولكنهم لا يرضون بإعارة السلف الصالحين أية مكانة أساسيّة في شرحهما وتعبيرهما، وإنما يثقون بأن عقلهم وفكرهم كافيان في فهمهما وتعبيرهما، يتهمون علماء ديوبند بتقديس الشخصية والاعتقاد الزائد في أشخاص السلف، ويقومون بالدعاية ضدهم بأنهم اتخذوا سلفهم آلهة ، ونعوذ بالله من ذلك!

وفي جانب آخر فإن السادة الذين ارتفعو بحب السلف والإعجاب بهم إلى عبادة الأشخاص في الواقع، يتهمون علماء ديوبند بأنهم لا يحملون أي حب وإعجاب في قلوبهم نحو السلف أو إنهم يسيئون الأدب – معاذ الله – مع هؤلاء العلماء الأجلة ذوي المكانة المحترمة في الإسلام .

ومن أجل هاتين الدعايتين المتضاربتين ضد علماء ديوبند ، يعود الإنسان الذي لا يعلم حقيقة الحال في نصابها الصحيح، متورطاً في الشكوك في شأنهم. ولهذا كله كان هناك شعور في أوساط ديوبند بضرورة بيان مذهب علماء ديوبند المعتدل في شكل موضوعي إيجابي شامل يجعل رجلاً محايدًا يفهم المذهب على حقيقته .

والأمر الثاني: أن مذهب علماء ديوبند عنوان للمنهاج العملي والفكري الذي تلقاه مؤسسو (الجامعة الإسلامية) دار العلوم – ديوبند وكبار مشيختها المعتبرين من مشايخهم بالسند المتصل الذي يرتفع مارًّا بالتابعين والصحابة رضي الله عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان ذلك منهاجاً للفكر والاعتقاد جديراً بالاستناد، ونظامًا مثاليًا للأعمال والأخلاق، ومزاجًا و ذوقًا دينيًا معتدلاً لا يتلقاه المرأ بمجرد قراءة الكتب أو الحصول على الشهادة ، وإنما يتلقاه من صحبة الأشخاص المصوغين في قالب ذلك المزاج والذوق ، كما تلقاه العلماء من التابعين ، والتابعون من الصحابة ، والصحابة من سيدنا و نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.

وفي جانب آخر : إن (الجامعة الإسلامية) دار العلوم ديوبند التي يُنْسَبُ إليها هذا المذهب في الأغلب، مركز تعليمي يعمل جاهدًا منذ أكثر من قرن وربع قرن على تدريس العلوم الإسلامية . وقد خرَّج خلال هذه الفترة الطويلة من العلماء من قد يبلغ عددهم مئات الآلاف إلى جانب آلاف من المدارس المنتشرة في شبه القارة الهندية التي تنتسب إلى دار العلوم ديوبند باعتبارها منبعًا لها، وخريجوها هم الآخرون يُسَمَّوْن في المصطلح العام «علماء ديوبند» .

ومن الواضح أن الخريجين من هذه المدارس والجامعات كلها البالغين عددَ مئات الآلاف، لا يصحّ أن يقال في كل فرد منهم: إنه ناطق صحيح بـ «مذهب علماء ديوبند» وذلك أن أية مدرسة مستقلة متقيدة بنوع خاص من المناهج الدراسية والنظم التعليمية واللوائح الإدارية إنما يتناول طلابَها بالخدمة التعليمية والتربوية والرعاية الأخلاقية لحد تسمح له به قواعدها ولوائحها ؛ ولكنها لا تقدر في حال على أن تتابع الأفكارَ التي تُوْلد وتشب في قلب وذهن كل طالب من طلابها في الخلوة، والخطوطَ التي يرسمها لنفسه ليسير عليها في المستقبل، ولاسيما فيما بعد انقطاع صلته الرسمية عنها؛ حيث لا تعود هناك أية إمكانية لمثل هذه المتابعة والتعهد .

فتخرّج من هذه المدارس عدد من السادة يعملون في شتى مجالات الحياة، ينتسبون تعليمياً – بلا شك – إلى دار العلوم ديوبند ؛ ولكنه لم يُتَحْ لهم أن يتلقوا بشكل صحيح مذهبَ كبار علماء ديوبند ومزاجهم الديني وذوقهم الإسلامي المُتَوَارَث الذي لا يمكن أن يُتَلَقّى من مجرد الكتب. وبهذه الحيثية فلم يكونوا هؤلاء ناطقين بمذهب علماء ديوبند؛ ولكن الناس ظنوهم ناطقين به لكونهم متخرجين من (الجامعة الإسلامية) دارالعلوم، ديوبند أو من مدرسة أو جامعة نابعة منها، فعَزَوْا كل فكرة من أفكارهم إلى علماء ديوبند.

وقد كان من بين هؤلاء من لم يَرُدّوا فقط على بعض عقائد وأفكار علماء ديوبند ولم يفندوها فقط، وإنما اعتبروها ضلالاً صريحًا ؛ ورغم ذلك ظلوا يُعَرِّفُوْنَ أنفسهم بأنهم ناطقون بلسان حال علماء ديوبند . كما وُجِدَ هناك أناس نسبوا أفكارهم الشخصية إلى علماء ديوبند ، كما أخذ أناس جزءًا واحدًا من الهيكل المتكامل المعتدل لمذهب علماء ديوبند، وعرضوه على أن ذلك هو «الديوبندية» ونبذوا عناصر أخرى للهيكل وراءهم ظهريًا (لغرض أو مرض).

فمثلاً : وَجَدَ بعض الناس أن مشايخ علماء ديوبند أدَّوا مسئوليتهم كاملة نحو مقاومة ومكافحة كل نظرية باطلة كلما مست الحاجة إلى ذلك؛ فاعتبروا هذه المكافحة وحدها مذهب علماء ديوبند ، وأعطوا بموقفهم العملي انطباعًا بأن مذهب علماء ديوبند عبارة عن حركة سلبية لا تُعيرُ في أهدافها أية قيمة للنواحي الإيجابية للدين . ثم إن شتى الاتجاهات توزعت شتى مجالات العمل في خصوص مكافحة النظريات الباطلة، وربما كانت هذه المجالات صحيحة في إطار توزيع الأعمال والمسؤوليات ؛ ولكن بعضهم قد غلا في ذلك وأعطى انطباعًا بأن مذهب علماء ديوبند ينحصر في مجاله العملي. كما أن بعض الناس تبنى مبدأ الرد على الأفكار الباطلة ؛ ولكنهم لم يتبنوا كليًا تلك المبادئ التي تَقَيّدَ بها علماء ديوبند في سبيل الرد والمكافحة . وكذلك أسلوب العمل الذي اختاره بعض الناس يشف عن أن مذهب علماء ديوبند هو جزء من ذلك التحزب المستشري في العالم، القاضي بأن رجال الحزب أخطاؤه جديرة بالعفو والدفاع، والرجال المنتمين إلى غيره، جميعُ حسناته جديرة بالإضاعة هدرًا.

والحقيقة أن مذهب علماء ديوبند بريء من هذه اللاّاعتدالات كلها، وقد صدرت من أولئك الأشخاص الذين مهما انتموا في تلقي العلم الرسمي إلى دار العلوم/ ديوبند أو إلى أحد من المعاهد التعليمية المنتسبة إليها ؛ فإنهم لم يكونوا في المذهب والمزاج والذوق ناطقين بلسان حال مشايخ علماء ديوبند؛ حيث لم يتلقوه بالطريقة المُتَوارَثة التي هي الطريقة الصحيحة لتلقيه .

ورغم أن متابعة تاريخ دار العلوم ديوبند منذ قيامها لحد اليوم تؤكد أن أمثال هذه اللااعتدالات ليست بكثيرة؛ ولكنها عادت تتزايد بمضي كبار العلماء والمشايخ ، وعاد الجاهلون بحقيقة الأمر يعزونها إلى مذهب علماء ديوبند .

ولهذا السبب هو الآخر برز هناك شعور بشرح مذهب علماء ديوبند ومزاجهم وذوقهم ، وتدوين ذلك بشكل جامع لا يدع مجالاً للالتباس .

ولم يكن هناك شخص أقدر كفاءة و أجدر بهذا العمل النبيل من حكيم الإسلام محمد طيب رحمه الله (رئيس الجامعة الإسلامية دار العلوم / ديوبند سابقًا) حيث لم يشغل فقط منصب رئاسة الجامعة – الجامعة الإسلامية دار العلوم ديوبند – لأكثر من نصف قرن، وإنما استفاد مباشرة من مشايخ علماء ديوبند الذين كانوا – دونما خلاف – ناطقين حقيقيين بمذهب علماء ديوبند؛ فلم يكتف بتلقي العلم من شيخ الهند العلاّمة محمود حسن [المتوفى 1339هـ / 1920م] وحكيم الأمة العلامة أشرف علي التهانوي [المتوفى 1362هـ / 1943م] وإمام العصر العلامة السيد أنور شاه الكشميري [المتوفى 1352هـ / 1933م] والمفتي الأكبر الشيخ عزيز الرحمن [المتوفى 1347هـ / 1928م] بشكل رسمي، وإنما لازمهم طويلاً و تشرّب مزاجهم وذوقهم. ومهما اختلف معه أحد في القضايا السياسية والإدارية، فإنه لا يشك أبدًا في أنه كان ناطقًا ثقةً بمذهب علماء ديوبند.

فكلما شعرنا مدفوعين بالتبيين المذكورين بالحاجة الماسة إلى شرح و تفصيل مذهب علماء ديوبند، إنما وقعت أعيننا على فضيلته. وقد سبق أنه رحمه الله وضع عدة رسائل و كتابات في الموضوع، كان أطول رسالة من بينها تلك التي صدرت باسم «مذهب علماء ديوبند» .

ولكن هذه الكتابات كلها جاءت – كما صرح بذلك الشيخ محمد طيب رحمه الله بنفسه في مقدمة هذا الكتاب الذي نقدمه إلى القراء – ضمن الحديث عن موضوع آخر، ولم يرمِ منها رأسًا إلى الحديث الضافي المشبع عن موضوع مذهب علماء ديوبند. ومن الطبيعي أن الحديث العفوي الفرعي عن موضع ما لا يأتي مفصلاً مقنعًا كالحديث المقصود رأسًا.

فشعوراً منه رحمه الله بهذه الحاجة الملحة وضع في أواخر أيام حياته هذا الكتاب المفصل الذي نضعه بين أيدي القراء الكرام.

والمؤسف أن الكتاب لم يصدر في حياته، وظل في شكل المسودة فيما بعد وفاته، لأنه مُنِيَ في أواخر عمره بمعاناة مريرة لم تدعه يفكر في إخراج المسودة إلى النور.

واطلع ورثته على هذه المسودة القيمة فيما بين مسوداته الأخرى، فسمحوا بطبعها و توزيعها لنجل أخي العزيز «محمود أشرف العثماني» – أستاذ الحديث بالجامعة الأشرفية بمدينة لاهور – وعلى ذلك فتصدر هذه الثروة العلمية والفكرية لأول مرة عن مؤسسته «إدارة إسلاميات».

وقد أمكن لي أن أتحدث عن خلفية الكتاب. وأما مضامين الكتاب، فإن حديثين عنها لا يعني إلا مقابلة الشمس بالسراج، وإليكم هذا المسك الفواح الذي لا يحتاج إلى تعريف عطار.

وموجز القول: إن الأريج الزكي الفائح من أفكار و أعمال علماء ديوبند النابعة من مذهبهم و طريقتهم ومزاجهم و ذوقهم ، قد تَطَعَّمَ به قلب الشيخ و ذهنه، ثم تمثل في الألفاظ والكتابات في هذا الكتاب، وفصَّل رحمه الله المنهج الفكري والعملي لعلماء ديوبند في وضوح أي وضوح لا يبقى معه التباس أو اشتباه {لِيَهْلِكَ مَن هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَّ يَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ} (الأنفال/ 42)

ولا نود أن نحول بين الكتاب وبين القراء الكرام بمزيد من الحديث، سوى أنني أود أن أؤكد أنه ينبغي أن لا يُحْرَمَ قراءةَ الكتاب أيُّ مسلم مثقف ولا سيما أي طالب أو أستاذ في مدرسة إسلامية دينية ، بل ينبغي أن يكون تدريس الكتاب أو قراءته الحرة جزءًا من المقررات الدراسية للمدارس الدينية.

علماء ديوبند اتجاهمم الديني ومزاجهم المذهبي

Back

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين ، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، والملائكة المقربين والمعصومين، وعلى أئمة الهدى والدين، الذين تمسكوا بالكتاب وسنة الرسول الأمين، واستنبطوا منها الشرائع الفرعية ببذل الصدق واليقين، وصدّقوا صحف الأولين ، وجعلوا الكعبة المقدسة قبلة لقرباتهم وهي مركز للعالمين؛ فرضينا بالله رباً و إلهاً، وبمحمدٍ صلى الله عليه وسلم رسولاً ونبياً، وبالإسلام ديناً و شريعةً، وبالإيمان محبة واعتقاداً، وبالإحسان تزكية ومعرفةً، وبدفاع الفتن إعلاءً و إظهاراً، وبتداول الأيام عبرةً و نصيحةً وبالقرآن حجةً و إماماً، وبالحديث شرحاً و بياناً، وبالفقه تفريعاً و تفصيلاً ، وبالكلام تعقلاً و تدليلاً، وبالرسل تصديقاً و إقراراً، وبالكتب المنزلة إيقاناً وشهادةً، وبالملائكة عصمةً و تدبيراً، و بالشخصيات المقدسة حباً و انقياداً، وبتربيتهم سمعا و طاعةَ، وبالكلمة الطيبة جمعاً واجتماعاً، وبالكعبة المعظّمة قبلةً و جهةً، و بجميع شرائع الله تعظيماً و تبجيلاً، و بالقضاء والقدر رضاءً و تسليماً، وباليوم الآخر حشراً و نشراً، وبالبعث والوقوف صدقا و عدلاً، وبجميع هذه الأمور مسلكاً (مذهباً) و مشربًا، وكفانا هذا الرضاء سراً وعلانيةً.

وبعد فإن هذا بيان لمسلك (مذهب) أهل الحق و الإتقان، وشرح لمشرب أهل الصدق والإيقان، وإيضاح لذوق أهل المحبة والعرفان، فنسأل الله التوفيق والسداد والعدل والاقتصاد، وبه الثقة وعليه الاعتماد.

ما هي الديوبندية؟

اتجاه علماء ديوبند الديني و مزاجهم المذهبي أو منهجهم الفكري و جهة نظرهم و مشربهم وذوقهم ، شيء ظل معروفاً لدى العامة والخاصة؛ حيث ظلوا يُرَبّون عليه المسلمين منذ أكثر من قرن. وكانت دعوتهم شاملة وعالمية عمّت الشرق والغرب؛ ولكنهم لم يعتمدوا في نشرها على الدعايات والإعلانات والنشرات: وسائل الإعلام المعروفة المتبعة، وإنما اعتمدوا في ذلك – ولا يزالون- على الدرس والتدريس، والتعليم والتربية، والدعوة والتوجيه ، والإصلاح و تزكية الظاهر والباطن. إن هدفهم الوحيد هو إبقاء الأمة في ضوء الكتاب والسنة على ذلك المزاج الذي أنشأه النبي صلى الله عليه وسلم بصحبته و تربيته في الصحابة ، والصحابةُ في التابعين، والتابعون فيمن بعدهم من الأجيال المتلاحقة على اختلاف الأمكنة و مرور الأزمنة.

لكن التحرر الفكر والانطلاق العقلي في هذا العصر، قد أنشأ مدارس فكرية شتى، وظهرت دعوات متنوعة بل متضاربة، وبدأت كل جماعة تدعو الناس باسم الإسلام إلى توجّهاتها و مزاياها؛ الأمر الذي أدى طبيعياً إلى حدوث بلبلة فكرية و تقلقل نفسي لدى الجمهور ، ونشأ عن ذلك أن مذهب علماء ديوبند و مشربهم اللذين كانا لديهم مُتَوَارَثَيْنِ من السلف ومعروفَين و ممتازين، عادا لحد ما مشتبهاً فيهما لدى العامة، وصارت بعضُ الأوساط تتساءل:

ما هي «الديوبندية»؟ وأن جماعة ديوبند أهي فرقة حديثة من فيض الساعة، أم أن لها سنداً من السلف، وأنها من أهل السنة والجماعة أم أنها شيء آخر؛ وإن كانت من أهل السنة والجماعة فما هي مركزها بين الحشد من المدعين بالانتماء إلى أهل السنة الأحناف، وما هو الخط الفاصل بينها وبينهم، وما هي النقطة المميزة في معتقداتها، التي تضع فرقاً واضحاً بينها – جماعة ديوبند – وبين من يختلف عنها. وما إلى ذلك من التساؤلات التي عادت تطفح اليوم.

ولذلك كله شعرتُ بالحاجة إلى تدوين اتحاههم الديني ومزاجهم المذهبي لحد مستطاع، ولهذا الغرض أقدمت على كتابة السطور الآتية. وإنها ليست قائمة كاملة بمعتقدات علماء ديوبند، كما أنها ليست دراسة للمسائل الفرعية الجزئية المتصلة بمذهبهم ، وإنما هدفتُ منها إلى الدلالة على المبادئ والكليات لمزاجهم الديني وذوقهم المذهبي، تلك التي تحتل مكانة الروح في عقائدهم و توجهاتهم العملية، التي تضع خطاً فاصلاً بينهم وبين من يخالفهم.

أمور أساسيّة :

وقبل أن ندخل في صميم الموضوع، يجب أن نضع في الاعتبار أموراً أساسيّة توطئ للتوصل إلى الغرض و لفهمه ولإدراك مبادئه الأساسية.

1-             الأمر الأول أن المراد من علماء ديوبند في هذه المقالة ، ليست فقط تلك الجماعة التي تقيم في الجامعة الإسلامية دارالعلوم / ديوبند وتقوم فيها بخدمة التدريس والتعليم أو الإفتاء والقضاء، أو التبليغ والوعظ، أو التأليف والكتابة، وما إلى ذلك؛ وإنما المراد منهم جميع العلماء الذين ينبع فكرهم من فكر الشيخ مجدّد الألف الثاني أحمد بن عبد الأحد السرهندي المتوفى 1034هـ / 1624م فمن فكر الإمام الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم المتوفى 1176هـ / 1762م و يتصل بفكر مؤسس جامعة دارالعلوم ديوبند. الإمام محمد قاسم النانوتوي المتوفى 1297هـ / 1880م والشيخ الفقيه رشيد أحمد الكنكوهي المتوفى 1323هـ / 1905م والشيخ محمد يعقوب النانوتوي المتوفي 1302هـ / 1884م. وسواء كانوا من خريجي جامعة دارالعلوم ديوبند، أم من خريجي جامعة «مظاهر علوم» بسهارنفور، أم خريجي «الجامعة القاسمية» و «المدرسة الإمدادية» و «حياة العلوم» و «جامعة الهدى» بمدينة «مراد آباد» أم خريجي مدرسة الجامع بأمروهه، أم خريجي «المدرسة الأمينية» بدهلي و «مدرسة عبد الرب» و مدرسة جامع فتحبوري» و «مدرسة كاشف العلوم» في منطقة «نظام الدين» بدهلي ، أم خريجي مدرسة «مفتاح العلوم» بمدينة «جلال آباد» أم خريجي مدسة «نور الإسلام» و مدرسة «دارالعلوم» و «المدرسة الإمدادية» بمدينة «ميروت» ، أم علماء مدارس «مئو» أم علماء «الجامعة الرحمانية» بمدينة «مونجير» أم علماء مدارس بيهار, أم علماء «الجامعة الأشرفية» و «المدرسة الحسينيّة» بمدينة «راندير» أم علماء مدارس ولاية «غوجرات» أم علماء مدارس ولايتي «بنغال» و «آسام» أو مئات العلماء في الولايات والمديريات الهندية.

وسواء كانوا مشتغلين بالتعليم أوعمل من الأعمال المدنية والسياسية والاجتماعية، أو كانوا منتشرين في العالم يقومون بالدعوة والتبليغ، أو كانوا منصرفين إلى التأليف؛ وسواء كانوا في أوروبا و آسيا وإفريقيا و أمريكا؛ كل هؤلاء يندمجون في «علماء ديوبند» وكلهم علماء ديوبند في الواقع.

2-             انتماء علماء ديوبند إلى مدينة ديوبند، أو إسماؤهم بــ «جماعة ديوبند» ونسبتهم «الديوبندية» أو «القاسمية» ليست نسبة وطنيّة أو قوميّة أو طائفيّة, و إنما هي نسبة تعليمية عُرِفَتْ بمكان التعليم: «ديوبند» أو شخصية محور الرواية : الإمام محمد قاسم النانوتوي، مما يؤكد ويبين انتماء الجماعة التعليمي وثقة روايتها ودرايتها الفكرية ؛ ولذلك فهي ليست عنوان فرقة أو طائفة أو حزب؛ فلا يجوز أن يُفْهَمَ هذا الانتماء إلا في هذا الإطار، وأن يُوضعَ في الاعتبار أن جماعة ديوبند هي جماعة المشتغلين بالتدريس والتربية والتوعية والتزكية والدعوة والتبليغ، كما يُعْرَفُ خريج جامعة «علي كره» بــ «عليك» و خريج «الجامعة الملّية الإسلامية» بدهلي بــ «جامعي» وخريج «مظاهر علوم» بسهارنفور بــ «مظاهري» وخريج ندوة العلماء بلكناؤ بــ «ندوي» وخريج مدرسة الإصلاح بــ «إصلاحي» وخريج الباقيات الصالحات بــ «باقوي». وكل هؤلاء ليسوا أحزابًا أو فرقاً أو طوائف، وكلذلك فـ «الديوبندي» -أو «القاسمي» لا يشف عن الطائفية أو الحزبية.

3-             إن علماء ديوبند بالنسبة إلى اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي من أهل السنة والجماعة تماماً ، وليسوا فرقة جديدة أو جماعة حديثة تحمل معتقدات من نوع جديد، أدت الظروف الراهنة إلى نشوئها . إن جماعة ديوبند هذه سعدت باتخاذ كل ما كانت تستطيعه للحفاظ على عقائد أهل السنة والجماعة ومبادئها وأصولها في داخل الهند وخارجها، ولقّنتها الجماهيرَ، مما ساعد على بقاء أهل السنة والجماعة بهويتها الصحيحة؛ وقد جعل مؤسسوا جامعة ديوبند هذه المهمة بصبغتها الأصلية علامةً عالميةً عن طريق تلاميذهم و أتباعهم المُرَبَّينِ لديهم مباشرة أو غير مباشرة.

4-             وبما أن فضائل أهل السنة والجماعة ومزاياهم مستقاة من النصوص الشرعية – كما ستعرفون من خلال السطور الآتية – وبما أن علماء ديوبند انتهجوا طريقهم بشكل كامل؛ فانعكست عليهم أنوارهم ، فثبت لهم من خلال تطبيق صفات أهل السنة والجماعة عليهم، من الفضيلة والمزية ما هو خاص بأهل السنة والجماعة ، وما جاء ذكره في الحديث عنهم؛ ولكن إثبات هذه الفضيلة لجماعة ديوبند إنما جاء كبيان للواقع للواقع؛ لأن اتجاهها الديني ومزاجها المذهبيّ لم يكن ليتضح بدون ذلك؛ ولذلك فلا يجوز أن يوضع ذلك في إطار الفخر والمباهاة أو العصبية الجماعية، ولا يجوز الظن بأن «المثني على الشمس راح يثني على نفسه» كما يقول المثل الفارسي؛ فإنما صنعنا ذلك كحديث عن النعمة، وإيضاح للحقيقة ، ولم يكن الغرض هو التفاخر والتعصب أوالإعجاب بالذات.

5-             وما عرضناه في هذه المقالة إنما جاء في إطار الأصول، وتحدثنا عن القضية بشكل موضوعي، وكميزان فقط ، يمكن أن نزن به أنفسنا نحن و يمكن أن نزن به الجماعات الأخرى أنفسها؛ لكي يستطيع كل منا أن يحاسب نفسه و يقيّمها تقييماً صحيحاً، ولم نضع في الاعتبار في حديثنا هذا شخصية بعينها أو جماعة بعينها أو فرقة بعينها. وما اعترض حديثّنا من كلمة سلبية أو شبه سلبية، فإنما جاء لتحقيق الجانب الإيجابي وإبانته، ولم يجئ للنيل من أحد. على كل فهذه المقالة إنما وُضِعَتْ كميزان مبدئي، فمن وزن به نفسه فجاءت كاملة غير منقوصة، لكان ذلك مكسباً لنا جميعاً يجدر بنا أن نشكر عليه، وإن لم تجئ كاملة، يجب أن تُبْذَلَ المحاولات للإكمال، ومن ثم فلا يجوز أن يُحْسَبَ هذا الحديثُ ضد جماعة أو فرقة، أو إساءةً إليها ؛ لأن ضمير الكاتب خالٍ عن ذلك، وكفى بالله شهيداً.

6-             وفي مبادئ التربية والإعداد النفسي التي تحدثنا عنها في هذا الكتاب ركّزنا على التعليم والتدريس الذي قام به السلف باعتباره الآلة الوحيدة لتربية القلب والعقل. وقد صرح الأنبياء عليهم السلام وعلى رأسهم سيدنا خاتم الأنبيياء صلى الله عليه وسلم بأن الغرض من بعثتهم هو تعليم الدين وتكميل مكارم الأخلاق، واعتبر القرآن الكريم «التدريس» لازماً للعلماء الربانيين لكي يكونوا ﴿رَبانيين في قوله ﴿وَبَمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُوْنَ (آل عمران/79). ولذلك على هذه الناحية ركّزنا في هذه المقالة تركيزاً أكثر؛ ولكن المقالة إذا كانت تتبنى «التدريس» فإنها لا تتبنى «المدرسة» ؛ فلو وُجِدَ هناك شخص تلقّى التعليم والتربية بدون مدرسة، على «طريقة التدريس المنزلية» على شيخ في الأسرة، أو على عالم رباني، وبالشروط التي ذكرناها في هذه الرسالة، وتخرّج عالماً ضليعاً ثقة، فإنه سيُعَدُّ ثقة وإن لم يتعلم في «مدرسة».

ولكنه بما أن أداء هذه الفريضة إنما يتم في هذه الأيام عن طريق المدارس الدينية؛ حيث خلت البيوتات من النظام التعليمي – المتبع لديها في الماضي – في الأغلب ؛ فعاد «التدريس» و «المدرسة» شيئًا واحداً؛ وبالتالي أصبح أمراً طبيعياً ومألوفاً أن يقال بلزوم المدارس الدينية وأن يُعَدُّ تعليمها وتدريسها مِحَكًّا لتقييم الشخصيات.

7-             وكما أن الإسلام هو أعدل الأديان في العالم بالقياس إلى روايته ودرايته وأصوله و فروعه؛ وكما أن الشريعة الإسلامية هي أعدل الشرائع بين شرائع الأديان بالنسبة إلى مسائلها الأصولية والفروعية ؛ كذلك مذهب أهل السنة والجماعة بالنسبة إلى أساسه أعدل المذاهب بين المذاهب الشرعيةالإسلامية ، وأتباع هذه المذاهب – سواء كانوا أحنافاً أو شوافع أومالكيين أوحنابلة، على اختلاف أصول تفقههم – من أهل السنة والجماعة؛ حيث يمتازون بعدم الغلو والمبالغة، واللاإفراط واللاتفريط، ولا يوجد فيهم تشدد أو تقصير، وإنما يوجد فيهم كمال العدل والاعتدال، ويتصلون في أصولهم وفروعهم وكلياتهم وجزئياتهم بالكتاب والسنة، ويصح أن يوصفوا بــ «أمة وسط» وهم يشكلون حجة فيما بين جميع المذاهب.

﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَّسَطًا لِّتَكُوْنُوْا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُوْنَ الرَّسُوْلُ عَلَيْكُمْ شَهِيْدًا (البقرة/ 143)

8-                         وستشتمل هذه السطور على ثلاثة أجزاء :

أ‌-        الشرح الأساسي لمذهب أهل السنة والجماعة وذوقهم و مشربهم و مزاجهم الديني، و تحليل العناصر التي يتألف منها، وذلك في ضوء الكتاب والسنة.

ب‌-      تطبيق مذهب علماء ديوبند على المذهب المذكور والتدليل والتفصيل لكونهم جزءاً أصيلاً من أهل السنة والجماعة.

ج‌-            تقديم أمثلة نوعية على ذلك.

9-             ومن أجل القيام بعملية التطبيق والتوفيق قد يشعر القراء بالتكرار في محتويات الرسالة؛ لأننا قد احتجنا في بيان التوافق إلى إعادة الأمور التي كنا قد ذكرناها كمبادئ وأصول لدى الحديث عن مذهب أهل السنة والجماعة؛ حيث سقناها في الحديث عن اتجاه علماء ديوبند الديني كنتيجة ؛ وذلك لأن عملية التطبيق والمقارنة لم تكن لتتم بدون ذلك، وبما أن العناوين ستختلف في الإعادة مهما كانت المعاني واحدة، فلا تبدو الإعادة إعادة وإنما تبدو معنى جديداً لا يثقل علىالذهن، وإنما يفيض بطرافة وجدة. ومثل ذلك مثل المحدثين الذين يسوقون حديثاً واحداً مرات عديدة في أبواب شتى، ويستنبطون منه أحكاماً شتى؛ لكونه مشتملاً حقاً على نواحٍ عديدة تليق بأبواب شتى ؛ فيتحدثون عن كل ناحية في الباب المخصص لها، مما يُحْوِجُهم إلى ذكر الحديث مرتين أو ثلاث مرات أو أكثر ؛ ولكن تغيّر ترجمة الباب وعنوان المسألة يجعل القارئ لا يشعر بالتكرار ؛ لأن ذلك يصبح إذاً معنى جديداً. ونفس الصورة حدثت في هذه المقالة؛ فالمرجو من العلماء أنهم سوف لا يسأمون مثلَ هذه الإعادة والتكرار وإنما سيتمتعون بها - إن شاء الله.

10-           وقد سبق أن وضع كاتب هذه السطور مقالات و رسائل في بيان مذهب علماء ديوبند وذوقهم الديني؛ ولكننا كنا قد احتجنا فيها إلى الإيجاز في هذا الموضوع ؛ لكونها لم يُقْصد منها أصلاً بيانُ مذهب علماء ديوبند، وإنما تعرضنا له من خلال الحديث عن موضوعات أخرى؛ فلم نتحدث عن مذهبهم إلا بالقدر الذي اقتضته تلك الموضوعات ولم يتسع المجال للتفصيل.

وصدرت المقالة الأولى في الموضوع عام 1350هـ تحت عنوان «تقرير عن دارالعلوم التي مضى عليها 67 عاماً» . وكان موضوعها بيان إنجازات دارالعلوم ديوبند عبر 67 عاماً من حياتها، وتحدثنا فيها عن المذهب بشكل فرعي، واكتفينا بإشارة مجملة إليه؛ حيث لم يكن الموضوع هو الحديث عنه.

وصدرت المقالة الثانية عام 1375هـ بعنوان «تاريخ دارالعلوم» وكان غرضها هو الحديث عن المنهج العام لدار العلوم وأحوالها السنوية، وكان محتوياً على تعريف موجز بها ، وتعرضنا فيها عبر صفحات عن مذهب علماء ديوبند، ولكننا لم نتعرض لأي تفصيل في هذ الصدد.

والمقالة الثالثة صدرت عام 1396هـ كمقدمة لـ «تأريخ دار العلوم» وكان موضوعها أيضا تأريخ دار العلوم، والحديث عن مؤلفه ، والتقريظ اللائق بالكتاب، ولم يكن الموضوع هو بيان المذهب ؛ ولكنه جاء ذكره بمناسبة الحديث عن تأريخ دارالعلوم ؛ ولكنه اكتفينا هنا بالحيثية التأريخية للمذهب، أي إن هذا المذهب من تلَقَّاه من علماء ديوبند و متى تلَقَّوه وما هو مبدؤه و مبتدؤه، وكم مرحلة تاريخية قد مضت عليه، و ما هي الصور التي أخذها لدى الظهور، ولم نتعرض في هذه المقدمة أيضا عن جميع تفاصيل المذهب؛ حيث لم يكن ذلك موضوعها ، ورغم ذلك تم فيها تسليط ضوء كاشف عليه يكفي لفهم المذهب.

والمقالة الرابعة كنا قد وضعناها عام 1383هـ حول موضوع مذهب دارالعلوم ديوبند؛ ولكنها لم تصدر، وقد تعرضنا فيها للمذهب رأساً ، فتحدثنا فيها عن نوعيته وعناصره و مظاهره العلمية، مما كان يلقى ضوءاً على نوعية المذهب ، وسقنا في شأنه أمثلة نوعية، ولكننا لم نتعرض فيها أيضا لذكر الدلائل ومصادرها الشرعية، ولشهادة السلف الصالحين باعتدال المذهب وتوسطه ؛ لأنه لم يكن هناك داع لكتابة تلك الدلائل والتفصيلات آنئذ، وإن كان مؤلف تاريخ دارالعلوم ديوبند (السيد محبوب رضوي) المتوفى (1399هـ / 1979م) قد جعل كثيرًا من محتويات المقالة جزءاً من التأريخ بإذن منا وبألفاظنا ، فهذه المقالة وإن كانت لم تصدر مستقلاً؛ ولكنها صدرت ضمن الجزء الأول من «تاريخ دارالعلوم، ديوبند».

والآن لما ظهرت تساؤلات عن ذوق علماء ديوبند الديني ومزاجهم المذهبي ، أشرنا إليها من قبل، رأينا الحاجة ماسة إلى إتمام معاني هذه المقالة وأن تُجْمَع من أجل وجود الدواعي – وهي التساؤلات المشار إليها – الدلائل والشواهد التي كانت تنقص تلك المقالة وأن يُعَضَّد كل جزء من البحث ببراهين من الكتاب والسنة وآثار السلف. وبذلك كله فقد حولناها موضوعاً مستقلاً و نقدمه في صورة كتاب مستقل عام 1400هـ ، وهي المقالة الخامسة في هذا الموضوع، وهي صورة متكاملة لحد ما لعلماء ديوبند و اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي.

فالمقالات الأربع السابقة تشكل متناً وهذه المقالة أو الرسالة تشكل شرحاً لها؛ ولكنه بما أن تلك المقالات تتضمن صوراً أخرى للمذهب، فإن تناولها قارىءٌ دراسةً ولاسيما مقدمة تاريخ دارالعلوم وصفحات أخرى من التأريخ يتصدرها عنوان «مذهب دارالعلوم» فإنه يكون قد استوعب هذا المذهب والذوق دراسةً ، وتجلت له كل ناحية من نواحيهما كالمرآة.

ولا بد أن نصرح بأن هذه السطور بما أنها وُضِعَتْ لبيان المذهب والذوق الديني الذي هو قضية علمية تماماً مشتملة على مباحث علمية ، فتخللتها كلمات اصطلاحية وتعبيرات علمية و عبارات فنية، ثم إن العبارات المصوغة في الأردية هي الأخرى ليست أردية سلسة كالأردية التي تُتَدَاوَل اليوم؛ فالمرجومن القراء ألا يبحثوا فيها عن الحلاوة الأدبية والصبغة الإنشائية ، على أن لغتي هي الأخرى لغة التلميذ، ولستُ أديباً في الأردية ولا أتمتع بالكفاءة الإنشائية؛ فالملتمس من القراء أن يضعوا نصب أعينهم المعاني والأهداف فقط، وسيفهمونها إن شاء الله بهذه العبارة المتكسرة أيضا، ومهما خلت العبارة من «الأدبية» فإنها لا يشوبها سوء الأدب في موضع ما.

وبعد هذه الأمور الموطئة نرجو القراء أن يدرسوا أولاً مذهب أهل السنة والجماعة ، الذي سيجدون طيه ذوق علماء ديوبند الديني ومزاجهم الإسلامي متبلوراً، وبالله التوفيق.

مذهب أهل السنة والجماعة ، تحليل عناصره ومكانته الشرعية :

ولإدراك الذوق المذهبي لأهل السنة والجماعة ، الذوق الذي عُجِنَتْ طينته بغاية الاعتدال والتوازن، يكفي أن نمعن النظر في لقبهم المذهبي : «أهل السنة والجماعة» لأن النظر فيه يجلي مرتكزاته بشكل تلقائي كما يُبَلْوِرُ نوعيته الاتزانية والشمولية.

واللقب مركب من الكلمتين : السنة والجماعة، ومجموعتُهما هي التي تُشَكِّلُ مذهبهم الذي لا يتكوّن من إحداهما. والسنة تشير إلى القانون والدستور والطريق والهداية والصراط المستقيم الذي أُمِرَتِ الأمة باتباعه: ﴿هَذَا صِرَاطِيْ مُسْتَقِيْمًا فَاتَّبِعُوْهُ وَ لاَ تَتَّبِعُوْا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيْلِهِ (الأنعام/153.)

والجماعة ترمز إلى هداة الطريق: الذوات القدسية والشخصيات المقدسة ذوي الصدق والصفاء، الذين في هدايتهم وصحبتهم وتربيتهم أُمِرْنَا أن نسلك الصراط المستقيم و ننتهج سبيل التقوى ونعيها.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا اتَّقُوْا اللهَ وَ كُوْنُوْا مَعَ الصَّادِقِيْنَ (التوبة / 119)

مما يوضح أن الأصول والقوانين في هذا المذهب في معزل عن الذوات وأن الذوات في غنى عن الأصول والقوانين غير موثوق بها؛ حيث إن القوانين إنما انتقلت إليها عن طريق هؤلاء الذوات وإن هؤلاء الذوات إنما عُرِفَتْ و كَسَبَتِ الاعتبارَ عن طريق هذه القوانين.

والسبب الواضح في الجمع بين عنصري المذهب الأساسيين: القانون والشخصية في تعليم الدين والقانون السماوي، أن الحقائق المعنوية إنما تُوْجدُ منطويةً على تعبيراتها الخاصة ومعجونةً بها، فلو حدث تغير ما في التعبير لتغيرت هذه الحقائق من داخلها، وتبدلت بغيرها تماماً، ويتلاشى ما كان المتكلم قد أراده من ورائها. ولذلك فإنه فيما يتعلق بالقوانين الوضعية هي الأخرى تناقش مجالسُ التشريع لدى وضعها جملةً جملةً منها لأسابيع، حتى تتوصل إلى كلمات مرضية لديها. وهذه الكلمات هي التي يكمن فيها غرض القانون الذي تتم تسوية قضايا الدول والأمم في ضوئه ؛ فكأن الحكومات أيضاً إنما تدار بألفاظ القانون و تغيراتها. ولو وُجِدَتْ ثغرة ما في ألفاظ القانون أو حصل تغير ما، فإن سياسة العالم تنقلب ظهراً لبطن و تحدث ثورات كبيرة.

كلمات القانون تحمل أهمية مثل معانيها:

ومن الواضح أنه إذا كان عماد المعاملات العاجلة في الدنيا الباقية لأيام محدودة ، وعماد قضاياها و مرافعاتها هو تعبيرات القانون وصياغته اللفظية ، فإن شؤون الآخرة الأبدية أهم بكثير و أخطر من شؤون الدنيا الفانية. إن هذه الكلمات الإلهية للقانون الأخروي، وتعبيراته الغيبية واصطلاحاته الدينية، لئن لم تنزل من السماء أو لم تبق محفوظة أو تسرب إليها تغير، فإن هذه الحقائق هي الأخرى التي كانت مودعة تلك الألفاظَ، لا تبقى محفوظة ، مما يجعل جهاز الهداية والنجاة في الآخرة يختلّ بدوره. ولذلك اختار الله عز وجل في كل عصر أن يُنْزِل قانونه في تعبيراته و تعبيرات رُسُله وألفاظهم ، و أقام تعالى نظاماً دقيقاً للحفاظ عليها حتى تبقى الحقائق المطلوبة بألفاظها، وحتى يبقى عرض هذه الألفاظ هو وسيلة لاستحضار الحقائق وتذكرها كلما طرأ عليها نسيان أو خطأ.

ومن الواضح أنه لئن لم تكن قد نزلت التعبيرات اللفظية لكتاب الله عز وجل ، فإن فهم محتويات قانونه ومضامينه وبقاءها وتذكرها من جديد لدى النسيان، لم تكن إلى ذلك سبيلٌ ، على حين إن كثيراً من المعاني والأغراض إنما تُسْتَنْبَطُ من نص الكلام الإلهي، وكثيراً منها تتضح من دلالة أسلوبه، وإشارته، بينما تتجلى كثيرٌ منها من مقتضيات نصه. ولم تكن لتتجلّى هذه المعاني والأغراض لئن لم تُوْجَدْ تعبيراته البليغة. وجملة القول: إن هذه المدلولات لا يمكن أن تتضح لئن لم توجد التعبيرات الإلهية تلك بأسلوبها.

كان القرآن الكريم آخر الكتب السماوية، وأنزله الله ليبقى ليوم الساعة؛ فأنزل الله تعالي تعبيراته اللفظية هي الأخرى من عنده، وتولى هو حفظها. ولم يتم الاكتفاء بذلك وإنما تولى الله عز وجل بجانب إعطاء الضمان بحفظ القرآن، الاهتمامَ بكتابة بيانه وحفظه أعنى الأحاديث النبوية الشريفة. بل كان الاهتمام بها أكثر لكونها شرحاً عملياً وعلمياً لمعاني القرآن ومراداته، وكونه تفسيراً أوليًّا لها أثبَت في الأذهان و رَسَّخ فيها مفهومات القانون القرآني ومراداته الحقيقية؛ فتم حفظها – مثل القرآن – أولاً في الصدور ثم تم تدوينها في السطور؛ حيث لم يكن ممكناً بدونها فهم المرادات الربانية؛ فلم يكن الاكتفاء بإنزال تلك الألفاظ والتعبيرات فقط ، وإنما كان الاهتمام باتخاذ تدابير بصيانتها الكتابية وتدوينها و قراءتها، حتى تكون هذه التعليقات والمذاكرات والقانون المدون ذريعةً للحفظ والتذكّر لدى الذهول والغفلة. ومن ثم كانت العناية إثر نزول الألفاظ بكتابتها بشكل دقيق؛ حيث كانت صيانة المعاني متوقفة على صيانة الألفاظ، وقد كان السبيل الوحيد إلى ذلك هو الكتابة والتقييد، وقديماً جاء المثل قائلاً؛ «العلم صيد والكتابة قيد».

وكان الله عز وجل هو الذي قيّد تعبيراته تلك بقلمه الأعلى في اللوح المحفوظ، ثم أنزلها مكتوبة إلى بيت العزة الذي هو مكان سامٍ في السماء الدنيا، ثم أنزلها منه مُنْجمَّةً على قلب النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم ، فكأنّ هذه الألفاظ هي التي كُتِبَتْ في الأماكن العليا في السماوات، وهي التي أعيدت كتابتُها في الأماكن السفلى في الأرض، حتى تبقى هي مُقَيَّدَةً مضبوطةً في جميع دوائر السماوات والأرضين، ثم تلاها النبي صلى الله عليه وسلم بلسانه النبوي على الصحابة رضي الله عنهم فثبتها في قلوبهم.

وجرياً على السنة الإلهية تلك عُنِيَ صلى الله عليه وسلم عنايةً كاملة بكتابة الآيات القرآنية هذه وألفاظها وتعبيراتها، وكلّفَ جماعة خبيرة من الصحابة رضي الله عنهم بكتابة القرآن، حتى تم جمع هذه الكتابات وتدوينها على عهدي أبي بكر الصديق و عثمان ذي النورين رضي الله عنهما، وفي صورة المصحف، وبنفس الترتيب الذي وُجِدَتْ به على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مُوَزَّعَةً في الأوراق والأحجار والألواح الجلدية . وذلك كله لكي تصل إلى الأمة نفسُ الألفاظ الإلهية عن طريق هذه الكتابات، وتبقى تصل إلى الأجيال المتلاحقة حتى يوم الساعة.

محاسن الذات والصفات مكنونة في التعبيرات:

ومن الواضح أنه لما كانت المعاني والمرادات الربانية وأيضا كانت محاسن الذات والصفات الإلهية مكنونةً في تلك التعبيرات، وكانت الألفاظ والنقوش مرآة تتجلى فيها هذه المعاني، كانت هذه الألفاظ وسيلة لانتقال المحاسن العلمية والمعرفية إلى الأذهان. وذلك كما جاء في الشعر الفارسي الذي قال فيه الشاعر عن نفسه :

«إني كامن في حديثي كرائحة الزهرة في وُرَيقَاتِها؛ فكلُّ من يود أن يراني فَلْيَرَني في حديثي».

وجملة القول إنه فيما يتعلق بنزول الوحي أعطيتِ الأوليةُ لأداء الألفاظ وقراءتها، ثم ضُبِطَتْ في اللوح المحفوظ بالكتابة، ثم أنزِلَتْ هي إلى بيت العزة مكتوبة، ثم أنزِلَتْ على قلب النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم كُتِبَتْ عن طريقه صلى الله عليه وسلم في هذه الدنيا، ثم جمعها الصحابة في مصحف بالتدوين والترتيب. وكل ذلك يؤكد جلياً أن الكلمات والألفاظ هي التي أُعْطِيَتِ الأولويةَ في كل من النزول والقراءة والحفظ والكتابة، لكونها مداراً لجميع المعاني والأغراض والحقائق والمعارف، حتى انتشرت مجموعتها – الألفاظ – بشكل كتاب في الدنيا كلها، ودُعِيَ «كتابَ الله» ولذلك أطْلِقَ على الكلام الإلهي هذا لقبُ «قرآن مبين» في جانب؛ حيث قُرِىءَ في العالم الأعلى والعالم الأسفل، وأطْلِقَ عليه في جانب آخر لقب «كتاب مبين» حيث كتب في العالم الأعلى والعالم الأسفل.

الحاجة إلى الشخصية بجانب الكتاب:

وإلى جانب ذلك هناك حقيقة لا تُنْكَرُ أن الكلام الإلهي مهما كان جامعاً كاملاً وغاية في البلاغة بل كان معجزةً كلامية وكان محفوظاً بصورة معجزة؛ فإنه مهما جاء إلى الدينا فإنما جاء عن طريق شخصية تولت إبلاغَه إلى الناس وقراءته عليهم، ولم يحدث أن الكلام الإلهي نزل على جبل أو حجر لا يقدر على السمع والإسماع والقراءة والإقراء؛ مما يؤكد أنه من أجل إبلاغ ألفاظ الكتاب وتعبيراته ومن أجل فهم مراداته ، كانت الحاجة إلى شخصية معلم الكتاب أشدّ منها إلى الكتاب نفسه ونقوشها نفسها، حتى تتلوه على الناس وتفهّمهم مراداته.

وإذا أمعنا أكثر، أدركنا أن الحاجة إلى الشخصيات بجانب الكتب، إنما كانت أشد لسبب أكبر آخر، وهو أن الكلام له مزايا كثيرة لا يمكن أن تُدْرَك إلا بلهجة المتكلم وأسلوب أدائه وطريقة إلقائه وكيفية تفهيمه وحركاته وسكناته الكلامية، ولا يمكن أن ترتسم هذه الكيفيات في الورق و نقوشه وحروفه ما لم يكن هناك معلم ومتكلم، بهيئاته الكلامية والإلقائية، يقوم بأدائه باللهجة والكيفيات الصوتية والحركات الحديثة ، التي لابد منها طبيعيًّا من أجل فهم مراداته . وجملة القول إن المراد الحقيقي للكلام لا يمكن أن يتضح بمجرد الورق أو بمجرد المكتوب فيه.

وإلى جانب ذلك إن منبع الكلام إنما هو الكيفيات التي يصدر عنها الكلام والتي تجعل المتكلم يصوغ بشكل طبيعي أسلوباً خاصاً للهجته وهيئة تكلمه . فالجملة الواحدة إذا أدِّيتْ بالأسلوب الغاضب وبالعينين المفتوحتين المحمرتين ، فإنها ستعطي معنى الزجر والملام مهما كانت الألفاظ لينة مُؤَدَّبَةً، وإذا ألقيت بأسلوب ملؤه الحنان واللطف وبطرف خافض ، فإنها ستشف عن الرحمة والكرم مهما كانت الألفاظ قاسية خشنة.وكذلك فحركة التعجب إذا أُدِّيَتْ بالأسلوب التعجبي كان الكلام باعثاً للعجب، وإذا أُدِّيَتْ بهيئة الدهشة كان الكلام باعثاً على الدهشة، وإذا أدِّيَتْ بلهجة التحكم والبطش كان تعزيرياًّ تأديبياًّ، وإذا أُدِّيَتْ بلهجة الحب كان نامًّا عن الحب والحنان، وإذا أُدِّيَتْ بلهجة التساؤل دلّ على السؤال. وخلاصة القول إن هيئة التكلم وكيفية الأداء ونوعية الصوت تنم عن الكيفية الباطنة التي صدر عنها الكلام والتي تحدد أغراضه وتشخص الأهداف التي أُطْلِقَ من أجلها. وإذا كان الكلام صادراً عن كيفياته الباطنة فكيف يجوز أن لا تكمن هي فيه وأن لا تبرز هي بشكل خاص لدى التكلم.

وجملة القول إنه مهما كانت الألفاظ واحدة وموحدة في شتى المواضع ؛ ولكنها تأتي مصوغة في قالب الكيفيات الباطنة للمتكلم ، التي تدلّ عليه لهجته وأسلوب أدائه و هيئة تكلمه. فإن تبدلت هيئة التكلم ولهجة الأداء، تبدلت المعاني وتغيرت الحقائق . ومن الواضح أن اللهجة، وهيئة التكلم، وإحداد النظر، والحياء المترشح من العينين، أو التموجات المتلبسة بالصوت، والأشكال المعنوية للعواطف، والكيفيات النفسية، وظهور ذلك كله بالأسلوب الأدائي للألفاظ ، لا يمكن أن ينطبع ذلك كله في الورق أو الحروف والنقوش، وإنما يتجلى ذلك كله من شخص المتكلم . وعلى ذلك فالحاجة إلى الشخصية بجانب الكتاب، ليست من أجل ألفاظه فقط، وإنما هي كذلك من أجل فهم معانيه هي الأخرى. وذلك كما يقول الشاعر الفارسي:

«إذا حاول المصور أن يقوم بالتقاط صورة للحبيب القاتل ذلك، فإني أحتار أنه كيف يقدر على التقاط صورة لدلاله وغَنَاجِه»؟.

الورق والحروف لا تستوعب الحقائق:

ثم إن مرادات كلام الله تعالى تنطوي على ذخيرة كبيرة من الحقائق الغيبية المكنونة التي يكون الغرض منها هو الوصول بالمخاطب إلى أبعاد الأهداف وإحداثُ السمول والتعمق في علمه. وإذا تقدمنا خطوةً وجدنا أن هذه الحقائق تكون مشتملة على أحوال و مراتب إنما تطرأ على القلب عند ما تتشرب هذه الحقائق، ويكون الغرض هو صبغ قلب المخاطب وتكييفه بتلك الأحوال والمراتب، كالحب والأنس ، والرغبة والاشتياق ، والرجاء والخوف، والحرص على الغرض الحق، والأخذ بالعزيمة في ذلك، والاجتناب مقابل ذلك من الباطل والابتعاد عنه، وامتناع المخاطب عنه وعن مقتضياته، والخوف من الاقتراب منه، والشعور بعاطفة الاستنكار والرفض تجاهه. ويراد أن يمتلئ قلب المخاطب بذلك كله حتى لا يبقى هو في مرتبة «القال» وإنما يتحول إلى مرتبة «الحال» ويعود جزءاً من طبيعته وسارياً مع روحه.

ومن الواضح أنه من غير الممكن أن يستوعب الورقُ هذه الأمورَ كلها وأن تصل هي إلى القلوب مباشرة بدون واسطة صاحب الكلام أو رسله أو الأشخاص الذين تربَّوْا عليه وتلقَّوا منه التفهيم والتمرين والتدريب. وبكلمة أخرى: إنه من غير الممكن أن يقدر قلب المتكلم على صياغة قلب المخاطب في بوتقته بمجرد الورق والنقوش الموجودة فيه ما لم يؤثّر المتكلّم في المخاطب بهمته الباطنة.

فإذا كان الذهن البشريّ لا يقدر على استيعاب المراد اللفظي من الكلام بدون شخص من البشر يقوم بتفهيمه إيّاه على حين إن الألفاظ الدالة على المراد تكون موجودة أمام عينيه؛ فأنّى للورق و نقوشه أن تستوعب تلك الكيفيات الباطنة والأحوال اللطيفة. إنها لا يمكن أن تَثْبُتَ في القلب بدون معلم يكون قد تلقّى التربية وبدون تفهيمه و تمرينه، فضلاً عن أن يصطبغ بها القلب و يأخذ صبغة الله.

وإلى جانب ذلك لا يمكن أن يُنْكَرَ أن القانون الإلهي إنما الغرض منه هو العمل الذي تتوقف عليه سعادة البشر. ومن الواضح أن القانون مهما كان جامعاً مانعاً و بالغاً من البلاغة أن يكون دالاً بنفسه على معانيه، فإن قوة تكلم المتكلم هي الأخرى – فضلاً عن مجرد الألفاظ والنقوش والحروف- لا يمكن أن تكشف الهيئة المطلوبة للعمل ما لم يكشفها شخص عامل من خلال عمله هو؛ ولذلك فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكتفِ بتلاوة الأمر الإلهي «صَلُّوْا» – أي أيها الناس ! صَلُّوْا كما تشاؤون – وإنما قال (ليحدّد الهيئة المطلوبة لأسوته الحسنة) : «صَلُّوْا كَمَا رَأيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْ».

وذلك إن دل على شيء فإنما يدل على أن المطلوب بجانب مفهوم الصلاة هو الشكل المرضيّ لها عند الله تعالى. وذلك الشكل لا يمكن الوصول إليه ما لم يحدده الرسول الإلهيّ، ولا يمكن أن يحدده الورق أو التكلم ، ولذلك فإن جبرئيل – عليه السلام – علّمه – صلى الله عليه وسلم – الصلاة بشكل عملي بجانب إبلاغه إيّاه الأمر الإلهيّ بها، كما حدد عليه السلام مواقيتها بعمله هو.

ومن الواضح أن جاهلاً أو متعنتاً إذا اعتمد – بعد نزول القانون – على مجرد الكتاب و نقوشه السوداء في معزل عن المعلم – الذي جاء ليعلم القانون – تلك النقوش التي لا تشتمل على لهجة التفهيم ولا على مسحة للحركات والسكنات الكلامية وأسلوب الأداء، ولا على ارتسامة للشكل المطلوب للعمل، ولا على كيفية معنوية له، ولا على صبغة للحرارة القلبية والوجدان السليم؛ فإنّه لا يفهم من ذلك الكلام إلا ما تكيفت به نفسه هو من المراد الذي لا يكون المراد الإلهيّ وإنما يكون مراده هو. ومن الواضح أن ذلك لا يكون منه مجرّد سوء الفهم، وإنما يكون سوء السلوك والسيرة كذلك، الذي يُعَبَّرُ عنه بــ «التلبيس» الذي يعني أن يُؤخَذ اللفظ الإلهي ويُحَمَّلَ من المراد ما ترضاه النفس.

فكان من اللازم أن يجيء مع القانون المنزل من الله الأشخاصُ المبعوثون من الله كذلك، وأن يتتابع فيما بعد من العصور الأشخاصُ المباركون المتلقون منهم التربيةَ؛ فيقوموا بتلاوة الكلام وتفهيمه وتعليم مراداته، ويطرحوا النموذج العملي، وأن يطهروا قلوب المخاطبين بتعليمهم وتربيتهم عن الزيع والضلال، و يزودوها بالاستقامة والفهم والعقل والكيفيات الروحانية، ويجعلوها صالحة لفهم المراد الحقيقي والحرص على العمل والتكيف مع الأحوال المعنوية. وذلك كله استلزم أن يصاحب الكتابَ الشخصُ الذي يقوم بتعليمه؛ حتى يتم تجاوز هذه المراحل كلها في صحبته وتحت تربيته وتدريبه؛ وإلا فلم تكن هناك حاجة إلى بعثة الأنبياء عليهم السلام مع الكتب التي نزلت من السماء.

الكتاب غرضه التذكير والمعلم غرضه التبيين :

وإذاً فإن الكتاب غرضُه «التذكير» ، يقول تعالى : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ (القمر/17) والمعلم غرضُ بعثته هو «التبيين» يقول تعالى : ﴿لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ» (النحل/ 44) حتى تطّلع القلوب على الأغراض الحقيقية للكتاب والحقائق والكوائف المكنونة في الأغراض . ولهذا كله أعطى الله عز وجل بعد نزول «الذكر» – القرآن الكريم – الأولويةَ لتبيين المعاني وإيضاح المراد، إذ قال:

﴿وَ أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُوْنَ (النحل 44)

والنقطة الجديرة بالتأمل في هذه المناسبة أن الآية الكريمة قدَّمت «لتبيين للناس» على «لعلهم يتفكرون»؛ حيث إن الجملة الأولى تتعلق بشخصية النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخَّرت الجملة التي تأمر بالتأمل والتفكير؛ مما يؤكّد أن تبيين المراد مقدم على التأمل والتفكير الذي يتعلق بالعقل. وذلك يدل على أن التأمل إنما ينبغي أن يُعْمَلَ في حدود المراد، حتى تتضح حقائق المراد الرباني وأن لا يُحَدَّدَ المرادُ عن طريق التأمل الشخصيّ، وإنما ينبغي أن يُحَدَّدَ عن طريق إبانة شخص النبي المعلم، وإلا فإنه يكون مرادَ النفس ولا يكون مراد الله تعالى.

وإذاً فإن مراد النص سماعي؛ حيث أسْنِدتْ إبانته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وليس قياسياًّ حتى يُقْتَدى فيه بالعقل والفكر ، وإنما سُمِحَ للعقل أن يتأمل ويتفكر في إطار المراد؛ حتى تنكشف عليه حقائق المعنى المراد؛ ولكنه رغم ذلك أُسْنِدَتْ تربية العقل هو الآخر إلى شخصيات الرسل المقدسة؛ لأن زلة العقل أشد من زلة الشعور؛ الأمر الذي يدل عليه دلالةً واضحةً تضاربُ أقوال الفلاسفة.

وذلك يؤكد أن حقائق المراد الرباني العميقة هي التي سُمِّيَتْ بالحكمة، واستنتاجُ النكات من المراد الذي منشؤه النفس ، هو مجرد الفلسفة التي لا علاقة لها مع الحكمة.

ولذلك فإن مدار كون عالمٍ ما أعلى أو أدنى أو أوسط ليس هو جودة إخراج الكتاب ورواؤه، أي ليس أنه إذا كان ورق الكتاب من النوعية الممتازة، وكان مصقولاً ، وكان قطعه متزنا ، فإن العالِم القاريء منه يُعدّ عالماً كبيراً ؛ وإذا كان الكتاب رديء الإخراج والطباعة؛ فإنّ العالم القارئ منه يُعَدُّ عالمًا سافل الرتبة ؛ وإنما العبرة في كون العالم كبيراً أو صغيراً بقوة أو ضعف ثقة الشخصيات و مستوى تعليمها وتربيتها؛ حيث يُنْظَرُ إلى شيوخها الذين تلقت منهم وإلى أسنادهم ، وإلى مدى علمهم وتقواهم، وإلى أن أسنادهم ورواياتهم وإجازاتهم هل ترتفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم أم لا؛ فلو لم يكن لهم سند, أو كان سندهم منقطعاً؛ فإن هؤلاء العلماء يُعَدّون علماء صناعين مزعومين غير حاملين لرصيد سوى قراءة وكتابة وقوة دراسة. ولكونهم غير مُرَبَّيْنَ – على صيغة اسم مفعوم – إطلاقُ كلمة «العلماء» عليهم سيكون من قبيل «قلب الوضع الصحيح» ؛ فأقوالُهم وأفعالُهم لا تُعْتَبَرُ حجةً في الأمور الدينية ولا يُلْتَفَتُ إليها فيها.

ثقةالعالم تقاس بشهادته:

على كل فإن ثقة العالم تقاس بشهادته التي يتم بها الاطلاع على شيوخه ومربيه، ولا تقاس بأسماء الكتب التي قرأها وبجودة أوراقها وكتابتها وطباعتها؛ وإذا جاء ذكر الكتاب فإنما يجيء خلال ذكر الشهادة بشكل غير مباشر ولا يأتي ذكرها مستقلاً. وإلا فإن هناك أدعياء كثيرين للعلم اليوم، لا يستند علمهم إلاّ إلى قراءة تراجم الكتب، أو إلى بعض الإلمام بالأدب واللغة، أو إلى قوة المطالعة أو الذكاء الشخصي والفطانة الموهوبة ؛ وقد تحتشد حولهم جموع للجهال أو «العلماء الجهال» ولكنهم لكونهم محرومين من السند المتصل والتربية المتوارثة، مجردون في الواقع من الإرث العملي. وإذا كان الأمر كذلك، فلا حاجة إلى الحديث عن مدى ما يتمتعون به هم ومن يستفيدون منهم، من العلم والفهم وصحة إساغتهم للمراد واستقامتهم على الطريق؛ ولهذا عدّ النبي صلى الله عليه وسلم ذهابَ العلم من الدنيا نتيجةً لذهاب العلماء الحق ولم يعدّه نتيجةً لفقدان الكتاب؛ فقد جاء في الحديث فيما يرويه سيدنا عبد الله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:

«إن الله لا يَقبِض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد؛ ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهّالاً ، فسئُلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا».

( رواه البخاري ، كتاب العلم 2/ 41، الحديث رقم 100. و رواه مسلم، كتاب العلم باب (5) الرقم 13)

وذلك يدل على أن العلم ليس معناه مجرد القراءة والكتابة، وإنما العلم هو التلقي من العلماء الثقات والمسندين والتربي عليهم ؛ حتى يعود المتلقي المتربي صحيحَ الذوق والمزاج. والأصلُ في ذلك أن العلم في الواقع هو تراث النبوة، وإنما يستحق هذا الإرثَ من يتصل سنده الروحاني دونما انقطاع بصاحب النبوة. ومثلُ ذلك مثلُ الإرث الماديّ الذي لا يستحقه المرأ إلاّ إذا ثبت نسبه من جده وأبيه؛ فإن لم يثبت نسبه منهما يعود محروماً من الإرث. وكذلك فإرث العلم النبوي لا يستحقه إلا من ثبت سنده المتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وذلك السند يصح أن نسميه بـ «النسب الروحاني»؛ إذ قال النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه:

«أنا لكم بمنزلة الوالد». (السلسلة الصحيحة للألباني 3 / 289)

أي إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الوالد الروحاني للأمة؛ فإن لم ينتهِ هذا السند العلمي للمرإ وهذه السلسلة التعليمية والتربوية إلى النبي صلى الله عليه وسلم مارًّا بشيوخه ومعلميه، فإنه يُعَدّ محجوب الإرث بالنسبة إلى علم النبوة، ويكون علمه لفظيًّا مزعوماً و ناتجاً عن أفكاره وعواطفه هو؛ فلا يُعَدُّ حجة في الأمور الدينية ولا جديراً بأي اهتمام، ولا يتسبّب في الهداية ، وإنما يؤدي إلى الضلال.

والحديث يوضح أن السبب في فقدان العلم ليس هو فقدان الكتب، وإنما هو فقدان رجال العلم؛ وأن مراتب العلم إنما تتفاوت بتفاوت شخصيات العلم الثقات وكونها العليا والدنيا في السند ، ولا تتفاوت أبداً بكون الكتب جيدة أو رديئة. ولهذا السبب أوجب القرآن الكريم للمذهب الحق الشخصية الربانية مع الكتاب الرباني؛ حيث لم يكن بالإمكان – عادةً – بدون هذا الاقتران أن يتم تحديد مرادات الكتاب الإلهي ، وتحديد هيئة العلم وفق هذه المرادات، وأن تترتب على هذا العلم والعمل آثارهما من الخوف والتقى ، والرجاء والثقة ، والخشية والأمل، وحبّ الحق، وعداء غير الحق.

حكمة أخرى في الجمع بين الكتاب ومعلم الكتاب:

و لا يعزبنّ عن البال بهذه المناسبة أن الجمع بين الكتاب ومعلم الكتاب لم يكن ضرورياً لمجرد العلم أو فهم مرادات الكتاب أو التكيف مع الأحوال والكيفيات ؛ وإنما كان ضرورياً من أجل الأخلاق هي الأخرى التي هي منبع العلم وبمنزلة البذرة للعمل؛ وأيضاً إن الكيفيات الباطنة للعمل إنما تنشأ منها. أي إننا إذا أخذنا الكتاب واستغنينا عن المعلم أو اكتفينا بالمعلم دون الكتاب، فإننا لا نخطىء فقط في فهم مراداته، وإنما نخطىء في الأخلاق كذلك، ونتعرض في شأنها للإفراط والتفريط واللااعتدال. والسبب الأساسي في ذلك أن العلم ليس صفة ذاتية للإنسان، وإنما هو صفة إلهية؛ فلا يمكن أن تظل سافلة بل إنها رفيعة الرتبة وعظيمة المكانة بذاتها فلا تقبل الذل والانحطاط في وقت من الأوقات؛ فالشخصية الحاملة للعلم الإلهي هي الأخرى لا يمكن أن تصبر على الانحطاط.

وإذا كان الأمر كذلك، فإنه كان هناك خطر كبير لأن ينشأ في العالم عن طريق الرتب العلمية العالية، التكبرُ والتعالي، والإعجابُ بالنفس والأنانية، وما إليها من العواطف الكريهة من الاستبداد بالرأي، والنرجسية. والشعور بالعلو، واحتقار غيره ؛ الأمر الذي يجعله لا يبقى عالماً ؛ حيث لم يكن العلم صفته الذاتية ؛ ولا يبقى جاهلاً ساذجاً؛ حيث توجد عليه – على كل حال – مسحة من العلم. وعلى ذلك فلا تبقى فيه أصالةُ العلم التي كان من شأنها أن تكيّفه بالخشية والتقوى، ولا يبقى فيه الجهل الذي كان من شأنه أن يجعله لا يتردد لحظةً في الاعتراف بجهله. ومن الواضح أن تعليمه في هذه الحالة لا يعطي ثمرة، وإن أثمر، فإن نقائصه و معايبه ستنتقل إلى المستفيدين منه كذلك؛ فكان لزاماً أن يثار في العالم الانكسارُ والتواضع وإنكار الذات وما إلى ذلك من العواطف. وما كانت لتثور بدون الخضوع لرجل ربّاني، وما كان لذلك طريق سوى أن يضطر أن يخضع ويستمر خاضعاً أمام المعلم والمربي بكل أدب و احترام، وتذلل وانقياد، وطاعة واستسلام؛ حيث لم تكن أنانية وتكبره العلمي ليزولا بدون ذلك. وكلنا يعلم أن ذلك لم يكن ليتحقق بالخضوع للورق الذي هو والحروفُ والكتابات المُثْبَتَة فيه إنما كانت من صنعه هو؛ فلم يكن ليخضع أمام صنيعه . وأكثر ما كان ممكناً أن يحترمه تقليدياً ؛ فما كانت هذه العقدة لتنحل إلا بالمعلم والمربي – مكان الورق – وبالخضوع لديه والإكثار من ملازمته ومصاحبته والتعامل معه بالتواضع والأدب. وما كانت هذه الأنانية لتتلاشى والأكدار الخلقية لِتزولَ إلا بتعليم المربي وتربيته وتهذيبه؛ فالقرآنُ الكريم استوجب مصاحبة الصادقين من أجل هذا الأساس الأخلاقي إلى جانب فهم مراداته كذلك، وفيما أمر بالتزود بالتقوى والطهارة وتزكية النفس عن طريق العلم، إذ أمر بملازمة الصادقين فقال: ﴿يَا أيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا اتَّقُوا اللهَ وَ كُوْنُوْا مَعَ الصَّادِقِيْنَ (التوبة/119)

وبينما علّم في سورة الفاتحة مسألة الهداية «اِهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيْمَ» إذاً لم يدع الصراط مطلقاً، ولم يُخيّره أن يختار من الصراط ما يراه هو مستقيماً بعقله، وإنما نماه إلى «الَّذِيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» و أمر أن لا يسأل الإنسانُ ربّه إلا الصراطَ الذي سلكه المُنْعَمُ عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، والذي لا يمكن أن يناله بدون أن يتعلق بهم ؛ فهو كما يقول الشاعر الأرديّ:

تَعَلَّق بالذين يلاقونه؛ فإنه ليس هناك سبيلٌ إلى لقائه إلا ذلك.

وليس يعني ذلك إلا الأمرَ – بجانب اتّباع الصراط المستقيم – باتباع الشخصيات المقدسة – الأنبياء – التي هي التي تهدي إلى الصراط المستقيم وتدع المرأ يسير عليه دائماً.

فذكرُ هداة الطريق في سورة الفاتحة بجانب تعليم مسألة الهداية يعني طبيعيّاً وبشكل مؤكد أنه عُلِّمَ المسألةَ للتوفيق لمصاحبة تلك الشخصيات الهادية ؛ مما يدلّ دلالة صارخة على كون تعليم و تربية وصحبة الشخصيات المقدسة لازمة.

الصحبة النبوية هي السبب الأساسيّ في كون الصحابة أفضل أفراد الأمة:

ولو تأملنا وجدنا أن هذه الصحبة النبوية هي السبب الأساسيّ لكون الصحابة رضي الله عنهم أفضل من جميع أفراد الأمة؛ لأن الصحابي معناه المتمتع بالصحبة ، وليس معناه مجرد المتلقي للتعليم، ولذلك عُدَّتْ صحبتُهم هذه في موضع بعد موضع منقبةً عظيمةً لهم و فضيلةً كبرى، على أساسها فَضِّلُوْا على الأمة تفضيلاً مطلقاً:

﴿مُحَمَّدٌ رَّسُوْلُ اللهِ وَ الَّذِيْنَ مَعَه أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ الخ (الفتح/ 29)

وجاء في ذكر التهجد : ﴿وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِيْنَ مَعَكَ (المزمل/20)

و في موضع ذُكِرَ المُنْعَمُ عَلَيْهِم فَعُدَّتِ المعية نعمةً على أتباعهم: ﴿فَأولئِكَ مَعَ الَّذِيْنَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّيْنَ وَ الصِّدِّيْقِيْنَ والشُّهَدَآءِ وَ الصَّالِحِيْنَ وَ حَسُنَ أولئِكَ رَفِيْقًا (النساء/69)

ولهذا السبب لم يُطْلَقْ في السلف الصالحين على المستفيدين والمتلقين للعلم والتربية كلمةُ «التلاميذ» أو «الطلاب» وإنما كانت تُطْلَقُ عليهم كلمةُ «الأصحاب» فكان يقال: «أصحاب أبي حنيفة» وهكذا. وكان ذلك اتّباعاً للحديث؛ حيث وصف النبي صلى الله عليه وسلم المستفيدين منه بلقب «الأصحاب». فقال: «وددت أنا قد رأينا إخواننا ! قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد ويؤيده أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي وصف فيه الصحابة رضي الله عنهم بقوله : «أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ».

على كل حال فإن اتّباع السلف والاصطباغ بصبغتهم بشكل كامل لم يكن ليتحقق بدون مصاحبتهم و ملازمتهم، فكلما ذُكِرَ هذا الاتباعُ المقصود عُدَّتْ أشخاص هؤلاء البررة سنداً للاتباع وحجة، وجاء التركيز على اتّباعهم بعناوين مختلفة:

﴿وَاتَّبِعْ سَبِيْلَ مَنْ أنَابَ إلَيَّ (لقمان/15)

وفي بعض المواضع أُمِرَ الأنبياء عليهم السلام بإصلاح الخلق وبالامتناع عن سبيل المفسدين ؛ فقد قال سيدنا موسى عليه السلام، وهو قاصد للطور لإتمام ميقات ربه، لأخيه سيدنا هارون عليهما السلام:

﴿وأَصْلِحْ ولاَ تَتَّبِعْ سَبِيْلَ الْمُفْسِدِيْنَ (الأعراف/42)

ومن الواضح أن الأمر بالامتناع عن معية المفسدين يستلزم الأمر الخفي باتّباع المصلحين ؛ حيث لا يمكن أن يتحقق اجتناب سبيل المفسدين بدون صحبة المصلحين.

وفي موضع أمِرَ موسى وهارون عليهما السلام بـ ﴿وَلاَتَتَّبِعانِّ سَبِيْلَ الَّذِيْنَ لاَ يَعْلَمُوْنَ (يونس/89.) والأمر بالامتناع عن اتّباع سبيل الذين لا يعلمون يقتضي اتّباع «الذين يعلمون»؛ لأن النهي عن شيء يعني – مبدئيّاً – الأمر بضده.

ولهذا السبب فإن المحدثين يفضلون أحاديث الراوي الذي ثبت أنه بجانب لقائه شيخَه ، وُفِّقَ أن تمَتّعَ بصحبته طويلاً ولازمه في أدب و طاعة لمدة أطول، فاصطبغ بصبغته . وقد جاء فيما قاله عليّ رضي الله عنه ما يُعَدُّ أساساً لإطاعة المربين والمصلحين ؛ حيث استوعب جميع الطاعات وأشكال الخضوع والتواضع التي يمكن أن يتعامل بها المرأ مع شيوخه و مربيه: «أنا عَبْدُ من علّمني حرفاً، إن شاء باع وإن شاء أعتق». (تعليم المتعلم في طريق التعلم، للإمام برهان الدين الزرنوجي، ص:43)

على كل حال فإن التعاليم القرآنية وآثار وروايات الشخصيات المُشْربَةِ بتعاليم القرآن تؤكد أن عالماً لم يكن ليتخلى عن الأناينة والتعالي العلمي، وما إلى ذلك من الأدواء الكريهة، بدون صحبة و ملازمة العالم الذي فوقه، من المنيبين إلى الله، وذوي الصدق والتقى، المتبعين للصراط المستقيم، والمُنْعَم عليهم من رب العالمين؛ ولم يكن ليكون بدون ذلك متواضعاً منكسراً و منكراً لذاته، الصفات التي هي وحدها التي تجعله مُؤَهَّلاً لإصلاح خلق الله ؛ بل إن إعجابه بنفسه كان ليكون فتنة أشد في حق العباد؛ ولذلك قُيِّدَ العلمُ بالكتاب بملازمة معلّم الكتاب ومربي النفوس ؛ حتى يكون المرأ صالحاً فيكون مُؤَهَّلاً للإصلاح؛ لأن الإصلاح بدون الصلاح يؤدي حتماً إلى الفساد.

وقد نقل تلميذ مؤلف الهداية [الإمام الفقيه برهان الدين الزرنوجي] قطعة شعرية أنشده إيّاها أستاذه الفقيه برهان الدين صاحب الهداية المتوفى 593هـ / 1197م لبعض العلماء صَوّرَ فيها اولئك الذين ينهضون للإصلاح بدون الصلاح وللتربية بدون أن يتلقوا التربية، وعدّهم فتنة كبيرة في أبلغ تعبير و أصدق تصوير فقال:

فَسَادٌ كبيرٌ عالمٌ مُتَهَتِّك         وأكبرُ منه جَاهِلٌ مُتَنَسِّك

هُمَا فتنةٌ في العالمين كبيرةٌ لمن بهما في دينه يتمَسَّك

ولذلك فلم يَخَفِ النبي صلى الله عليه وسلم على أمته من العوام، وإنما خاف عليها من الخواص الذين لا يمتون إلى الصلاح والإرث النبوي بصلة، فقال:

«وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين»

(رواه الترمذي، أبواب الفتن ، باب ما جاء في الأئمة المضلين)

«إذا وُضِعَ السيفُ في أمتي لم يُرْفَعْ عنها إلى يوم القيامة»

(رواه الترمذي، أبواب الفتن، باب ما جاء في الهرج).

وهؤلاء المضلون ليسوا إلا نوعين : الأول عالم بلا سند، والثاني عابد جاهل . ولذلك ركّز العلماء على الاجتناب من كلا النوعين، فكان العلماء القدامي يقولون:

«احذروا من الناس صنفين: عالم قد فتنته هواه و عابد قد أعمته دنياه».

إعجاب التابع بمتبوعه قد يجعله يظنّه ربًّا من دون الله:

واتضح من ذلك جليّاً أن العالم لا يستحق أن يُعَدَّ عالماً ثقة ومصلحاً ثبتاً ما لم يتصل – بجانب تلقيه العلم – بعالم صالح و مُرَبٍّ تقيّ، ويُقَوَِّمُ سيرته وأحواله العلمية والخلقية في صحبته ؛ بل اتّخده قوّامًا ومسيطراً ومؤاخذاً على سيرته وسلوكه . ولا يتسحق بدون ذلك أن يُعدّ عالماً مهما أسماه جمع غفير من الناس «عالماً» واتّبعوه.

ومن الحقيقة الصارخة أن هذه التربية الخلقية والتزكية النفسية لا يمكن أن تتحققا بالورق والنقوش والكتابات الموجودة فيه، وإنما تتحققان بشخصية مربية. مما يؤكد أن ملازمة الشخصيةالمعلّمة المربية واتّباعها لا يتوجّبان من أجل الحصول على العلم ومن أجل تفهم المرادات فقط، وإنما يتوجّبان كذلك من أجل تقويم الأخلاق و تزكية السيرة؛ لأن صحة العلم تتوقف على صحة الأخلاق.

ولكنه كانت هناك مخافة من أن إعجاب التابع بمتبوعه ، وانقياده له في كل وقت، وملازمته له بالحب والتكريم، قد يُحْدِث فيه – التابع – غايةَ التذلل النفسي وعاطفة تقديس الشخصية ، ويدفعه ذلك بالتالي إلى اعتبار المربي دكتاتوراً مستبداً بالأمر في شأن الدين ، فيظنه رباً من دون الله ، فيسير على درب البدع والشرك والمنكرات.

ولا حاجة إلى القول إن مثل هذا العالم المتذلل الذي يتخذ العبد معبوداً ، أخطر على عباد الله من العالم المتكبر ؛ لأنه يفسد الخلق ولا يصلحهم ؛ حيث يعود مُفْعَماً بجراثيم العصبية والحمية الجاهلية والطائفية ، ويتعودعلى الخصام والجدال، وتترسخ فيه العادة السيئة من البدعة والشرك و نبذ التوحيد، والناشئة عن الاتّباع الجارف للأقوال والأفعال لشخصيات المربين. ومن لوازم هذه العادة هو الجدال والنزاع، وإثارة الفتنة والمفسدة ، والتفريق بين المسلمين وتوزيعهم في أحزاب وجماعات ، والوقوف في وجوه أهل الحق والترغيب عنهم وتحدّيهم. وكلُّ ذلك من الخواص الطبيعية للبدعة والشرك، وقد صرّح بذلك كله الحديث النبوي الشريف.

الحكمة في الإلزام بالجمع بين علم الكتاب وحبّ الشخصيات:

ولذلك ألْزِمْنَا بعلم الكتاب بجانب حب الشخصيات المقدسة واتّباعهم ؛ حتى يعرف المرأ الحدود في ضوء العلم، ويفرق بين التوقير والعبادة، وبين التربية والربوبية، وبين الطاعة والعبودية؛ حتى لا يتدرّج إلى إحلال المربي محلّ الرب، كمثل اليهود والنصارى الذين نبذوا هذا الفرق ، و وضعوا الشخصيات نصب أعينهم، ضاربين عرض الحائط الفرق بين العباد و رب العباد . وبلغ الأمر ببعض الجهال أنْ أضْفَوْا على الرب صفات ناقصة يتصف بها العبد . وكان ذلك غاية في إهانة الرب عزّ و جلّ، بينما أدّت غاية الإعجاب بالشخصيات البشرية ببعض الناس إلى أن أقرّوا لها بالصفات الربانية الخاصة، وكان ذلك غاية في تعظيم العباد. وعلى ذلك فالبعض عادو يعبدون الخلق، والبعض عادوا ينصرفون عن عبادة الخالق.

وموجزُ القول أنه ما لم يتزامن مع الكتاب تعليمُ الشخصيات المقدسة و تربيتهم وصحبتهم وتزكيتهم، ومالم يصاحب ذلك علمُ كتاب الله، والشعورُ بالمراتب والفروق، لن يقوم أساس لمذهب معتدل ، فضلاً أن يخطو هذه المذهب إلى إحداث الاتزان والاستقامة في القلوب.

فبهذين النوعين الحكيمين من التعليم لئن أزِيْلَتْ في جانب مساوىء التكبر بالتقييد بإطاعة الشخصيات ؛ فإنه في جانب آخر وُضِعَ سدٌّ أمام التذلل الزائد و عبادة المخلوق ، عن طريق علم الكتاب و معرفة الفروق بين العبد والمعبود. وذلك لأن الاعتدال لا يتحقق إلا بإزالة الإفراط والتفريط في الجانبين المذكورين . وعلى هذا الاعتدال يقوم أساس المذهب الحق . ولذلك فإن القرآن الكريم عرض هذين العنصرين : الكتابَ والشخصيةَ – اللذين هما مدا العدل والاعتدال – أمام الأمم والأقوام كضابطة كلية وقانون عام، وأكد أن الغرض منهما هو إقامة العدل و القسط فيما بين الخلق؛ فقال تعالى:

﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَ أَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَ المِيْزَانَ لِيَقُوْمَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (الحديد/25)

والنظرُ في الآية يبين أن الله تعالى قدّمَ إرسال الرسل على إنزال الكتب ، وأشار إلى أن الحاجة إلى الشخصية أشد من الحاجة إلى الكتاب؛ على حين إن الكتاب إنما ينزل على الشخصية، كما أن الإشعار بأن الكتاب هو كتاب الله وأن تبليغ ألفاظه وتعبيراته إلى الناس، وتفهيمهم لمراداته، وإزالة الزيغ عن عقولهم و قلوبهم ليكونوا قابلين لفهم المرادات بشكل صحيح ، إنما كان ذلك كله متوقفاً على الشخصية ، ولم يكن متوقفاً على الحروف المكتبوبة في الورق،. فالقرآن الكريم قدّم الشخصيات المقدسة على الكتب ليُجْلِيَ ما للشخصيات من الأهمية والأقدمية؛ ولكن ذلك لا يعني أن يفهم الإنسان أن الكتاب ليس له أهمية – معاذ الله – وإنما المراد أن ظهور كتاب الله يتوقف على الشخصية ، وليس المراد أن الكتاب لا يحمل أهمية ؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لم تكن حاجة إلى ذكر إنزال الكتب . فثبت أن إنزال الكتب ليس مُهِمًّا فقط وإنما هو ضروري لابد منه؛ لأن قوانين التعليم والتربيةوتعاليم التزكية والتقويم ، لمن تكن لِتُؤْخَذَ إلا من الكتب .

الكتاب مذكرٌ والشخصية مُبَيِّنة:

وتجلّى مما أسلفنا أن الكتاب «مذكر» وأن الشخصية «مبينة» وكلا العنصرين لابد منهما للهداية والإرشاد والتعليم والتربية. ولذلك تقرر إرسال الرسل وإنزال الكتب كما ينص عليه القرآن الكريم ؛ لأنه لو لم ينزل القرآن لما وُجِدَ القانون، ولو لم تُبْعَث الشخصية لما فُهِمَت مرادات القانون وأغراضه ، وهي روح القانون التي وجوده وعدمه سواء بدونها. في حالة عدم إنزال الكتب لم يكن وجود للقانون، وفي صورة عدم إرسال الرسل ما وُجِدَت روح القانون، ويكون الخلق قد تعرّض للفوضى، وذلك أمر كان مستبعداً من رحمة الله الواسعة ولطفه بعباده؛ فأخبر في كتابه الأخير بتحقيق كلا الأمرين ، وأكد على الجمع بينهما، وأشار إلى الفرق الموجود بينهما في الرتبة بأسلوبه المعجز: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤتِيْهِ مَنْ يَّشَآءُ وَ اللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيْمِ (الجمعة/4)

ولذلك لم يأت في هذه الدنيا عهدٌ خلا من العنصرين ، أي لم يمضِ عهد لم ينزل فيه كتاب من الله ولم يُبْعَثْ فيه نبي منه تعالى، أو نزل فيه كتاب ولم يُرْسَلْ نبي أو بالعكس. ففي بداية العالم لئن نزلت صحف آدم فإنه في الوقت نفسه نزل صاحبها آدم، وإن نزلت صحف إبراهيم بُعِثَ معها إبراهيم أيضاً، وإن نزلت التوراة بُعِثَ معها موسى، وإن نزل الزبور والإنجيل فإنه أرسِلَ معهما داؤود و عيسى، وإن نزل خاتم الكتب: القرآن فإنه بُعِثَ معه خاتم الرسل: سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى الأنبياء والمرسلين وسلم.

فالآية التي جاء فيها الإخبار بإكمال الدين ، جاءت فيها أيضاً الإشارة إلى عنصري الهداية المذكورين ، والبشارة بالجمع الدائم بينهما، وذكرت الآية ذلك كله في معرض المن من الله تعالى على عباده، إذ قالت:

﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ إذْ بَعَثَ فِيْهِمْ رَسُوْلاً مِّنْ أنْفُسِهِمْ يَتْلُوْا عَلَيْهِمْ آياتِه وَ يُزَكِّيْهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ وإنْ كَانُوْا مِنْ قَبْلُ لَفِيْ ضَلاَلٍ مُبِيْنٍ (آل عمران/164)

فـ «رَسُوْلاً مِنْ أنْفُسِهِمْ» تدل على الشخصية المربية و «يَتْلُوْ عَلَيْهِمْ» إلى آخر الآية تبين مسؤولية شخصية النبي المربية وهي إبانة قانون الدين وأحكامه.

وهي تتلخص في أربع نواح آتية:

1-                  تلاوة الآيات، حتى تُوْضَع أمام الخلق نفس التعابير التي وضعها الله عز و جل وأودعها أغراضَ الهداية ومناهجَ الإرشاد.

2-                                   تعليم المرادات، حتى يفهم العباد من ألفاظ القانون تلك الحقائقَ والأهدافَ التي أرادها الله تعالى منها.

3-                                   النموذج العملي أو الأسوة الحسنة، حتى يأتي عمل الأمة مطابقاً لما عمله النبي صلى الله عليه وسلم .

4-                  تزكية النفس ، حتى يزول زيغ النفس، وتنشأ فيها قابليةُ فهم المراد الإلهي، ولااندفاعُ إلى العمل، ولااحوالُ والكيفيات المعنوية، والعنايةُ بالاحتفاظ بها في حدودها.

أربعة مواقف بالنسبة لعنصري الهداية:

وفي ضوء الآية السابقة، لا يمكن أن يبرز إلا أربعة مواقف بالنسبة إلى عنصري الهداية: القانون وشخصية المربي أومعلم القانون.

1- أن يؤخذ بالعنصرين عن عاطفة إيمانية.

2- أن يكون الصدود عنهما جميعاً.

3- أن يؤخذ بألفاظ القانون و يُسْتَغْنَى عن شخصية المعلم المربية.

4- أن يؤخذ بشخصية المربي و يُسْتَغْنى عن القانون.

والموقف الأول هو موقف أهل الحق الذين انقادوا للقانون الإلهي وشخص النبي في وقت واحد، ولم يخضعوا لعواطفهم العقلية ونزعاتهم الطبيعية أو تقليد الآباء، ولم يتخذوا من مجرد ألفاظ القانون منارةً نور؛ وإنما سلكوا الطريق الذي أحاطه الله تعالى بالقانون وشخصية المعلم. وعلى ذلك عادت طائفة متبعي الحق هذه مصداقاً للمنة والنعمة التي ذكرها الله تعالى قائلاً: «قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ» (آل عمران/164) ويأتي ضمن هذه الطائفة كل من الصحابة والذين اتبعوهم بإحسان من بعدهم، الذين سلكوا هذا الطريق المستقيم و وضعوا عليه غيرهم يسلكون عليه.

ومن الواضح أن الطرق الثلاثة غير الطريق الأول المنصوص عليه في الكتاب، طرق مصطنعة، وسالكوها يأتون ضمن ﴿لَفِيْ ضَلاَلٍ مُّبِيْنٍ.

وفي ضوء هذا المبدإ إذا ألقينا نظرة على تأريخ أقوام العالم ، وجدنا أن قوماً منهم لم يضلّ إلا لرغبتهم عن العنصرين أو لأخذهم بأحد منهما في غنى عن الآخر.

وقد أوضح القرآن ذلك في الحديث عن الأمم السابقة . فمثلاً إن أول أمة زرعت بذرة الشرك والكفر في الدنيا كانت أمة نوح، وإن أول نبي بُعِثَ لمقاومة الكفر والشرك كان سيدنا نوحاً عليه السلام. فلما دعاها نوح رفضت الإيمان به قائلة: إنك لا تفوقنا بفضيلة : فلماذا نخضع لك، ونؤمن بك؛ ولاسيما وإن الذين اتبعوك إنما هم أراذلنا، وأقل منا عقلاً و حلماً؛ فكيف نكون أعضاء منهم؟

﴿مانَرَاكَ إلاّ بَشَرًا مِثْلَنَا (هود/27)

﴿وَ مَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ (هود/27)

﴿وَ مَا نَرَكَ اتَّبَعَكَ إلاَّ الَّذِيْنَ هُمْ أرَاذِلُنَا بِادِيَ الرَّأيِ (هود/27)

كما رفضت الإيمان بالقانون الذي جاء به نوح من عند الله قائلة:

﴿بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِيْنَ (هود/27)

ورفضت أن تستمع لدعوته وحديثه ، وجعلت أصابعها في آذانها؛ حتى لا تقع كلمةُ حقٍ فيها يقولها نبي الله نوح، وكانت تضع النقاب على وجوهها حتى لا تقع عيونها على وجه نوح.

قوم نوح نبذوا كلا العنصرين:

وجملة القول إن قوم نوح عليه السلام نبذوا كلا العنصرين :

الشخصية والقانون، فأخذهم الطوفان الذي عم الأرض.

وهذا الموقف نفسه وقفته عاد؛ حيث إن طبقتها العليا – التي كانت تخضع لها جميع طبقات القوم– رفضت الإيمان بسيدنا هود عليه السلام، قائلة إن بعض آلهتنا المصنوعة من الحجارة قد أصابك بسوء في عقلك فعُدْتَ تهذي :

﴿إنْ نَقُوْلُ إلا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوْءٍ (هود/54) فأهْلِكَتْ بالعاصِفَةِ.

وهذا الموقف هو الذي وقفته ثمود؛ حيث أنكرت القانون الإلهي قائلة: إنه مشكوك فيه لدينا:

﴿وَإنَّنَا لَفِيْ شَكّ مِمَّا تَدْعُوْنَآ إلَيْهِ مُرِيْبٌ (هود/62)

ورفضت الإيمان بالشخصية النبوية قائلة: إنك كنت رشيداً ومرجواً فينا من قبل ؛ ولكنك عُدْتَ مشتبهاً فيه لدينا منذ أن بدأت تُبْعِدُنا عن آلهتنا الحجرية المعبودة منذ عهود آبائنا. فأخذتها الصيحة: صيحة جبرئيل عليه السلام وطارت لها قلوبها شعاعاً.

وكذلك قوم إبراهيم رفضوا الإيمان بشخصية إبراهيم عليه السلام قائلين : إنك من الظالمين . و وصفوا القانون الإلهي بأنه لهو ولعب:

﴿أجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أمْ أنْتَ مِنَ اللاَّعِبِيْنَ (الأنبياء/55)

وكذلك صنع قوم شعيب عليه السلام؛ حيث رفض الإيمان به المتهالكون منهم على الجاه قائلين :

﴿إنَّا لَنَرَاكَ فِيْنَا ضَعِيْفًا (هود/91). فكيف نخضع لك وليس لك أي قيمة لدينا ﴿وَمَآ أنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيْزٍ (هود/91). واعتبروه كاذباً فقال لهم شعيبٌ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُوْنَ مَنْ يَّأتِيْهِ عَذَابُ يُّخْزِيْهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ (هود/93)

وهددوه بإخراجه من قريتهم:

﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَ الَّذِيْنَ آمَنُوْا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَآ أوْ لَتَعُوْدُنَّ فِيْ مِلَّتِنَا (الأعراف/88)

وقالوا في شأن ما جاء به شعيب من عند الله:

﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيْراً مِمَّا تَقُوْلُ (هود/91).

فأُهْلِكُوا بعذاب من النار.

وكذلك كان موقف فرعون وقومه من سيدنا موسى عليه السلام ؛ حيث رفضوا الإيمان به قائلين : ﴿إنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ (الأعراف/109) وقالوا: ﴿مَا هَذَآ إلاّ سِحْرٌ مُّفْتَرًى (القصص/36). ثم استدعى فرعون جميع السحرة وأرغمهم على مقاومته، وصرح فرعون: ﴿وَإنِّيْ لأظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِيْنَ (القصص/38).

ورفض الإيمان بالآيات الإلهية البينة قائلاً:

﴿إنّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوْهُ فِي الْمَدِيْنَةِ (الأعراف/123) فأغرِقَ ومن معه في بحر القلزم.

وخلاصة القول : إن هؤلاء الأقوام رفضوا شخصيات الأنبياء وما جاؤا به من عند الله في وقت واحد ، وكانوا صادرين في ذلك عن الكبر والتعالي حيناً مثل قارون وهامان وفرعون ؛ فسمى القرآن الكريم كلاً منهم، وصرح بأنهم كانوا مصابين بداء الاستكبار:

﴿وَ قَارُوْنَ وَ فِرْعَوْنَ وَ هَامَانَ وَ لَقَدْ جَآءَهُمْ مُوْسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوْا فِي الأرْضِ وَ مَا كَانُوْا سَابِقِيْنَ (العنكبوت/39)

وحيناً آخر صادرين عن التقليد الأعمى للآباء والعصبية الجاهلية والاعتقاد في الشخصيات ؛ فرفضوا الإيمان بالنبي ودعوته التي جاء بها من عند الله :

﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِيْ ءَابَائِنَا الأوَّلِيْنَ (المؤمنون/24)

وجملة القول إن الطبقات المحبة للجاه والسلطة من الأقوام رفضت الإيمان بكلا العنصرين صادرة عن الاستكبار والعلو، بينماالجماهير منها رفضت الإيمان بهما صادرة عن الجهل والتقليد والعصبية ، وأثرت الناب على «العار».

الدعوة المحمدية قُوْبِلَتْ بالطبقات الأربع المذكورة:

ولما طلعت الدعوة الإسلامية ظهرت بالقياس إلى عنصري الهداية المذكورين الطبقات الأربع المذكورة في هذه الأمة هي الأخرى؛ طبقة آمنت بالعنصرين وكانت صحابةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفاقت العالم كله. أما الطبقات الثلاث، فالطبقة الأولى كانت طبقة المشركين التي كفرت بالعنصرين كالأمم السابقة ، وتضمنت أيضاً المنافقين الذين كان الفرق بينهم وبين المشركين أنهم – المشركين – كانوا قد كفروا بهما بالقلب واللسان معاً، أما المنافقون فكانوا يكفرون بهما قلباً؛ ولكنهم كانوا يقرون بهما لساناً إبقاء عليهم وعلى مصالحهم. وكلتا الطائفتين لم يعد لديهما دستور سماوي ولا شخصية مربية مقدسة تقوم بتربيتهما ؛ فأخذ الضلال بتلابيبهما لحد أن أحد عنصري الهداية وهو شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم لما ظهر، سمّتاه شاعراً، ودعتاه كاهناً، وساحراً، وكذاباً أشراً، ومجنوناً . ولما ظهر عنصر آخر للهداية وهو القرآن الكريم ، أسمتاه ﴿أسَاطِيْرُ الأوَّلِيْنَ (النحل/ 24) و ﴿قَوْلُ شاعرٍ (الحاقة/41) وهكذا رفضتا العنصرين.

وعلى ذلك فلم تؤمنا بالشخصية ولا بالقانون الذي جاءت به. فظلّنا بدون شخصية وقانون، كما كانتا من قبل: قبل مبعث النبي ونزول الكتاب ، وبقيتا محرومتين من الهداية حرماناً مطلقاً. ولم يقتصر أمرهماعلى الحرمان، وإنما بذلتا كل ما كانتا تستطيعانه من أجل استئصال العنصرين؛ فتناولتا الشخصية النبوية بكل نوع من الأذى، ودّبَّرتا خطةً لقتلها، فهاجرت إلى المدنية المنورة على أمر من ربّها ، فلم تدعاها تستريح فيها، فجهزتا الجيوش وخاضتا بها الحروب معها، ولم تألوا جهداً في ممارسة الأذى التي اهتدتا إليه. أما القانون الإلهي – القرآن الكريم – فإنهما كانتا تثيران ضجيجاً ضده؛ حتى لا تقع كلمة منه في آذانهما، وكانتا تمنعان صبيتهما منه خوفاً أن يؤثر فيهم، فانصرفتا عن الشخصية والقانون معاً و حُرِمَتَا الاهتداء إلى الصراط المستقيم، واستحقّتا نار جهنم.

﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِيْنَ وَ الْمُنَافِقَاتِ وَ الْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِيْنَ فِيْهَا، هِيَ حِسْبُهُمْ وَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَ لَهُمْ عَذَابٌ مُقِيْمٌ (التوبة/68)

أما الفرقتان الأخريان فقد اختارتا أحد العنصرين ، وتركتا الآخر ،وهما اليهود والنصارى.

إن اليهود جُعِلَتْ أمةً علمية فأكْرِمَتْ بالتوراة التي كانت قد تضمنت تفصيلاً لكل شيء، الأمر الذي جعلها تفوق العالم في عصرها مكانة وفضيلة؛ ولكنها من أجل النخوة العلمية نهضت بعد قليل لتنفصل عن الشخصيةالمربية، ورأت أنه إذا كان لدينا الكتاب والعقل الذي فكر فيه والذكاء الذي يعين على فهمه، فلا حاجة بنا لفهم الكتاب إلى الشخصية واتباعها وتبني العبودية الفكرية لها؛ فكأنها رأت بعقلها الناقص أن اتباع الشخصية هو قبول العبودية لها؛ ولكنها لم تَرَ أن الإعجاب بالنفس أسوأ من الإعجاب بشخصية النبي؛ فالإعجابُ بالنفس والحرمان من تعليم الشخصية وتربيتها أدّيا بها إلى التجرد من كل رصيد من السمع والطاعة وإلى التملّؤ من الإثم والمعصية ، الأمر الذي ذكره القرآن الكريم في لفظها هي (اليهود):

﴿وَيَقُوْلُوْنَ سَمِعْنَا وَ عَصَيْنَا (النساء / 46)

فلما حلّ هوى النفس محل المربي، والعصيانُ محل الطاعة ، نتج عن ذلك أنها رفضت كل حكم من أحكام كتاب الله يتصادم مع هواها، وقد تحدّث القرآن الكريم عن ذلك بما يلي:

﴿أفَكُلَّمَا جَآءَكُمْ رَسُوْلٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أنْفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ (البقرة / 87)

والنتيجة الثالثة لصنيعها، أن ألفاظ كتاب الله بقيت أمامها؛ ولكنه من أجل أهواء عقلها الذي لم يَعْرِفِ التربية ، ونفسها التي لم تنل التهذيب ، لم تتوارَ معانيه عنها ولم تختفِ عليها أحوالُه وكيفياته فحسبُ ، وإنما حلّت محلها مقتضياتُ نفسها واختراعات هواها، وهي التي باتت لديها معاني للكتاب، ونشأت فيها من ذلك أسوأ خصلة ، وهي أنها تعودت على رفض الحق باعتباره باطلاً، وعلى قول الباطل باعتباره حقاً. أي إن فهمها هو الذي انقلب ، وحلّ الوهمُ محلَّ الفهم، والجهلُ محلَّ العلم ؛ وأدى ذلك كله إلى أن الله تعالى قد صرف عنها آياته وحرمها الحقّ ، وكان كما قال القرآن الكريم:

﴿سَأصْرِفُ عَنْ ءَايتِيَ الَّذِيْنَ يَتَكَبَّرُوْنَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ إنْ يَّرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُوْا بِهَا وَ إنْ يَّرَوْا سَبِيْلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوْهُ سَبِيْلاً وَ إنْ يَّرَوْا سَبِيْلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوْهُ سَبِيْلاً (الأعراف / 146)

والنتيجة الرابعة لذلك كانت أنه لما لم تعد لديها أهلية التفريق بين الحق والباطل، فإنها لم تمتنع عن التكذيب الصريح للآيات الإلهية ، فحلّت السفاهة والغباء والغفلة والتكذيب محلَّ العقل والفكر الصحيح والرأي السديد؛ وكان الأمر كما قال القرآن الكريم :

﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمْ كَذَّبُوْا بِآيتِنَا وَ كَانُوْا عَنْهَا غفِلِيْنَ (الأعراف / 146)

وترتبت على ذلك النتيجة الخامسة ، وهي أنها لم تقتصر على تكذيب آيات الله ، وإنما تجرأت على القيام بالتحريف والتغير فيها، فقال عنها القرآن:

﴿يُحَرِّفُوْنَ الْكَلِمَ عَنْ مَّوَاضِعِهِ وَ نَسُوْا حَظّاً مِّمَّا ذُكِّرُوْا بِهِ (المائدة/ 13)

والنتيجة السادسة المرتبة على ما سبق أنها لم تكتفِ بتكذيب الأنبياء ، والانقطاع عنهم ، وإنما نصبت لهم العداء والبغضاء وتجرأت على قتلهم ، فتحدث عنها القرآن بما يلي:

﴿فَفَرِيْقًا كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيْقاً تَقْتُلُوْنَ (البقرة/87)

وعلى كل فإن هذا الإعراض عن الكتاب الإلهي و القانون الحق، ثم الاستكبار الناتج من هوى النفس ، ثم التكذيب ، ثم التحريف، ثم صريح الإنكار، ثم مباغضة الحق ومعاداته، وبالتالي تبني العنف والإقدام على قتل الأنبياء؛ كان ذلك كله نتيجة للإعجاب بالنفس والعلو والاستكبار الذي ترسّخ فيهم من أجل انقطاعهم عن شخصيات المربين ؛ فشبوا وعاشوا علىاللاتربية. مما أدى إلى فقدان الرقة واللين والنعومة في قلوبهم، تلك التي تبعث على قبول الحق والسمع والطاعة والانقياد والانكسار. وقد سمى القرآن الكريم هذه الصفة بالقساوة ، فقال:

﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوْبُكُمْ مِّنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أو أشَدُّ قَسْوَةً (البقرة / 74)

إذا نظرنا بعين الاعتبار وجدنا أن هذه النتائج كلها ترتّبت على الإعراض عن أوراق كتا ب الله ،غير أنها إنما برزت من خلال الإعراض عن شخصيات المربين والحرمان من تعليمهم وتربيتهم ؛ الأمر الذي سلبهم كلَّ بركة من بركات الدين ، وسقطت أقوام بعد أقوام في قعر المذلة وصارت مغضوباً عليها . وتلك كانت نتيجة ثامنة، امتدت من دنياهم لآخرتهم ، كما قال كتاب الله تعالى:

﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَ بَآءُوْا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ (البقرة / 61)

ومن جهة أخرى كانت النصارى قد جُعِلَتْ أمة عاملة ، وأُكْرِمَتْ بالإنجيل المقدس الذي كان يحمِل من الأحكام في باب إصلاح الباطن وتزكية النفس، أكثر مما كان يحمله في باب الفقه. وذلك لكي تصلح القلوب ، وتميل لعبادة الله وتزكية الأخلاق، وتمتليء رقة ونعومة. ومن الواضح أن هذه المرحلة من التربية لا يمكن أن تُقْطَعَ بالورق، وإنما كانت لتُقْطَعَ بتربية المربين وتعليمهم وتزكيتهم ، ولذلك أُكْرِمُوْا بشخصية سيدنا المسيح عليه السلام، فأقبلوا إليه وارتموا في حضنه ، فتخرج الحواريون ؛ ولكنه كلما قلّت فيهم البصيرة والمعرفة مع الأيام، وظل إعجابهم بالمربي في غنى عن البصيرة باقيا على حاله، نشأ فيهم الغلو مع التقليد الأعمى، مما جعل الأمة النصرانية تتطرف في تقديس الشخصية والتذلل النفسيّ. ولكي تبقى على مستوى الاعتدال كان مفروضاً عليها أن تلتزم بمعرفة الحدود إلى جانب علم الكتاب؛ ولكنها لم تتقيد بذلك ، ولم تُبالِ إلا بالشخصيات وأقوالها وأفعالها، وعادتترى أن أوراق الكتاب: التوراة والإنجيل ، كتاب ساكت وأن الحواريين والأولياء كتاب ناطق ؛ فماذا يمنعنا من أن نلجأ إلى الكتاب الناطق بدل الكتاب الساكت؟

وإذا كان التقيد مقتصرا على الشخصيات دون الكتاب فهناك يعود دينُ الله خليطاً من الأفعال والأقوال البشرية ، ومعجوناً من البدع والطقوس الخرافية ؛ لأن الشخصيات أفعالُها وأقوالها قد تكون شخصية أيضاً ، ويكون فيها احتمال الخطأ والصواب ؛ كما أنه قد تصدر عنها في أوقات غلبة الحال أفعالٌ و أقوال لا تتوافق بعضَ الأحيان مع ظواهر الشرعية وإن كانت غير متصادمة مع الشريعة في الواقع، لكونها صادرة بموجب رتبهم الرفيعة في الدين ؛ ولكنها تكون – على كل حال – شخصيَّةً لا تتفق والقانونَ العامَ ؛ فلا تكون رسالةً مُوجَّهةً إلى عامة الناس. وإذا كان الأمر كذلك فمن المحتمل أن تتسرب إلى هذه الأقوال والأفعال والأحوال نقائص بشرية فيما بعد عهد النبي المعصوم ؛ فلا تعود شريعة أو أحكاماً شرعية ؛ لكنها تصير مع الأيام ديناً خالصاً وشريعة محضة لدى العوام ولدى الخواص الفاقدين للبصيرة. وذلك بجراء تقديس الشخصية والغلو في الاعتقاد. فيضحي الدين الذي يكون قد أنزله الله تعالى على نبيه مجموعةً من البدع والخرافات والطقوس والأوهام.

وذلك هو الضلال الذي وقع فيه النصارى ، وتدرّجوا من البدع إلى الضلال الصريح . وقد تحدث القرآن الكريم عن بدعهم و طقوسهم التي أحدثوها ولم يكلفهم الله تعالى بها:

﴿وَرَهْبَانِيَّةَنِ ابْتَدَعُوْهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إلاَّ ابْتِغَآءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا مِنْهُمْ أجْرَهُمْ وَ كَثِيْرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُوْنَ (الحديد / 27)

ومع الإعراض عن كتاب الله لم تقتصر النصارى على هذا الإعجاب الزائد بالشخصيات ، وإنما جرّتها البدع إلى الشرك الذي هو من لوازم البدعة ومن عواقبها الطبيعية ؛ فاتّخذتِ الشخصيات حاكمةً مطلقةً ودكتاتورةً فيما يتعلق بالدين؛ فأحلّت حلالها وحرّمت حرامها، وبالتالي نسيت الرب الحقيقي، واتخذت الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله، واعتبرت أقوالها و أفعالها هي الدين الواجب الاتباع. وقد كان ذلك رتبة الربّ القدير وليس رتبة بشر ضعيف . وتحدث القرآن عن تصرّفها هذا فقال:

﴿اِتَّخَذُوْآ أحْبَارَهُمْ وَ رُهْبَانَهُمْ أرْبَابًا مِنْ دُوْنِ اللهِ وَالْمَسِيْحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَ مَآ أُمِرُوْآ إلاَّ لِيَعْبُدُوْآ إلهًا وَاحِدًا (التوبة / 31)

وتخطوا عاطفة الغلو في العقيدة والإعجاب البالغ بالشخصية المربية إلى اتّخاذها شريكةً في الألوهية، فوصفوا المسيح عليه السلام بأنه «ثالث ثلاثة»:

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِيْنَ قَالُوْا إنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلثةٍ (المائدة / 73)

وتجاوزا هذا الحدّ أيضاً فجعلوا المسيح عَيْنَ اللهِ:

﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِيْنَ قَالُوْا إنَّ اللهَ هُوَ الْمَسِيْحُ بْنُ مَرْيَمَ (المائدة / 72)

ولما جعلوا المسيحَ وخالقَ المسيح شيئاً واحداً ، لم يعد شاقاً عليهم أن يعتبروا في المسيح خواص الألوهية ؛ فادّعوا له علم الغيب، واعتبروا أحياء الموتى تصرفاً شخصياً منه ، وعدّوه منجياً ، وتوصّلوا أخيراً إلى القول بأنه ابن الله، وأعلنوا أن هناك إلهاً مجرداً وهو الذات الإلهية وإلهاً مجسدًا وهو المسيح ابن مريم. وهذه النتائج كلها ترتبت على انقطاعهم عن الكتاب وغلوهم في الاعتقاد في الشخصية . و وقعوا فريسةً للتذلل النفسي، وأفسدوا عليهم أنفسهم في العمل والقول .

على كل فقد كانت هناك أمة وهي اليهود انقطعت عن الشخصيات المقدسة ، و وقعت فريسة للإعجاب بالنفس والغلو والاستكبار، وبلغت من الجحود أن كذّبت الأنبياء ، وتجرأت على قتلهم.

بينما وُجِدت أمة وهي النصارى، امتنعت عن الكتاب وتهالكت على الشخصية ، وغالت في الإعجاب بها والتذلل لها، وتسلفت في ذلك لحد أنها لم تعتبر النبيّ فحسب وإنما اعتبرت أتباعه وأصحابه كذلك أرباباً وشارعين مستقلين فأحلّت حلالهم وحرّمت حرامهم.

فكانت هناك أمة انقطعت عن الشخصيات وهلكت بالعلو والاستكبار، بينما كانت أمة انقطعت عن الكتاب الإلهي وتشبعت بالعبودية لغير الله ، وبلغت النهايةَ في المذلة النفسية . إحدى الأمتين تعرضت لفتنة الشبهات ، وأخراهما تعرضت لفتنة الشهوات.

المقارنة بين هذه الأمم وبين أمة محمد صلى الله عليه وسلم :

وإذا وضعنا في الاعتبار هذه القصص والأخبار لتلك الأمم ، وقارنا بينها وبين أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، وجدنا أن ما كانت عليه الأمم الضالة أي اليهود والنصارى وغيرهما من الضلالات والإفراط والتفريط، ظهر في هذه الأمة كذلك . وكان ظهوره مُؤكَّدًا ؛ حيث جاء الخبر بذلك على لسان النبوة على صاحبها الصلاة والسلام:

«لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبراً بشبر، وذراعاً بذراع، حتى لو دخلوا في حجر ضب، لا تبعتموهم. قلنا: يا رسول الله ! اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟» (رواه مسلم في كتاب العلم، رقم الحديث: 5)

وبين حديثٌ آخر صورةً أسوأ وأخبث لتشبّه هذه الأمة باليهود والنصارى ومحاكاتها لهما:

«ليأتين على أمتي ما أتىعلى بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان منهم من أتى على أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك».

وطبقاً لهذا التنبأ الصادق ، ظهرت في هذه الأمة محاكاة كاملة للأمم الماضية بالقياس إلى القانون المركب للهداية: الكتاب وشخصية معلم الكتاب.

فقد ظهرت في الأمم فرقة لم ترتحْ إلى أي من الأساسين، ولا تزال لها فروع تمتد وتزهر وتثمر. ورغم أنها تدعي الإسلام؛ ولكنها لا تقول من أعمال القلب بالشخصيات النبوية المقدسة ولا بالقانون المقدس.

فعندما تُعْرَضُ عليها قوانينُ الدين وأصولها وفروعها ، تقول بصوت خفي وبأسلوب مُلْتَوٍ متداول اليوم وبشكل حكيم عندها: إن الزمن القديم قد ولّى بدون رجعة ، وإن الإسلام لن يساير الحياة اليوم بمعناه القديم ؛ فهو في أمس الحاجة إلى التعديل ، وفقهُه يقتضي إعادةَ النظر، وقانونُ أحواله الشخصية لا يتمشى اليوم مع الحياة ما لم يُتَنَاوَلْ بالتغيير والتعديل وفق المتطلبات المعاصرة والحاجات الحاضرة؛ وبالجملة فالإسلام القديم يجب أن يُصاغَ إسلامًا جديداً.

وهي لا تصدر في ذلك عن حجة مقنعة ، ولا تقدر على تقديمها ، وإنما تصدر في ذلك إما عن المصالح الساسية أو الدواعي الاقتصادية والاجتماعية ، أو الملازمة الدائمة للكفار، بالإضافة إلىالجهل التام بقانون الدين وأحكامه .

ولذك كله عندما تحال إلى الشخصيات المقدسة ترفضها قائلة: «نحن رجال وهم رجال» أي إننا أيضاً رجال ذوو عقل وشعور، وهم أيضاً كانوا رجالاً؛ فلما ذا يُعْطَوْنَ هذه الفضيلةَ غَيْرَ العادية، ولماذا نُبْهَرُ بأقوالهم ورواياتهم. بل إنها ترى في شخصيات العلماء رؤيةً واضحةً، فتصارح أن العلماء الذين يُوْصَفون بأنهم المربون هم الذين يحولون دون تقدّم الأمة ، وهم المسؤولون عن تخلفها وانحطاطها ، ولن تتقدم ما لم يُزَالُوْا عن الطريق.

وعندما يوضع أمامها الكتاب والسنة ، تتظاهر بالأدب الجم وتقول: إنهما طيبان ؛ ولكنهما كانا كافيين للبدو وغير المتحضرين . أما اليوم فهو عصر الاستنارة الفكرية ، فالمسلمون مُطَالَبُون بالتقدم إلى الأمام، وبتفهم مقتضيات العصر الذي لا يجيز التقليد الأعمى.

على كل فإنها غير مطمئنة إلى القانون ولا إلى علماء القانون بل إنها ترفض أن تعدّهم جديرين بالاقتداء والطاعة.

نشوء طوائف في الأمة:

وكذلك فقد نشأت في الأمة طائفة اتصلت – على زعمها – بكتاب الله ضاربةً الشخصيات المربية المقدسة عرض الحائط، وقد أقدمت على ذلك أولاً الخوارج الذين نادوا بـ «إن الحكم إلا لله» والذين اكتفوا بفهم مرادات حروف كتاب الله ونقوشه تحت ضغط من «تنورهم» المزعوم وبعقولهم الناقصة وبعقلانيتهم غير المهذبة ، وانقطعوا عن شخصيات المربين ، ولم يكتفوا بالإعراض عنهم وإنما عارضوهم ، حتى أصبح شغلهم الشاغل هو استغلالهم لاسم كتاب الله. وذلك باللسان أو القلم حيناً وبالسيف حيناً آخر: ﴿فَفَرِيْقًا كَذَّبْتُمْ وَ فَرِيْقًا تَقْتُلُوْنَ (البقرة / 87)

وكان ذلك ليؤدي طبعاً – وقد أدّى فعلاً – إلى أن حدثت فيهم فتنة العلم، وثارت فيهم الوساوس، وأثر ذلك أولاً على العقائد؛ حيث بدأوا يستقون العقائد من العقل السقيم بدل النقل الصحيح ، واتخذوا الوحي الإلهي خاضعاً لعقولهم ، حتى سبحوا بعقولهم في خضم المتشابهات ، واختلقوا لها معاني من عندهم ، مما أدّى إلى حدوث فرق عديدة في الذين اتبعوا آثارهم من بعدهم. وذلك من أجل عقولهم المريضة ؛ فوقعوا فريسة للعقائد والأفكار المتضاربة ، ولم يجدو منها فكاكاً قط.

القدرية وغيرها :

فَوُجِدَتْ «قدرية» قسمت قدرة الخالق عزّ وعلا بينه وبين خلقه على حد سواء ، واعتبرت العباد خالقين لأفعالهم . و وُجِدَتْ «جبرية» اعتبرت العباد مجبورين تماماً كالطوب والحجر ؛ فسلبتهم الصلاحيات التي لم يعتبرها فيهم النقل الصحيحُ فقط؛ ولكن اعتبرها فيهم العقل السليم والحس المستقيم كذلك. و وُجِدَتْ «مجسمة» اعتقدت أن الله أعضاءً وجوارح كالبشر. و وُجِدَتْ «مشبهة» شبهت الله تعالى بخلقه واعتقدت فيه بصفات توجد في خلقه من البشر وغيره. و وُجِدَتْ «معطلة» أنكرت جميع الصفات التي يملكها الله عزّ وعلا ؛ فجعلت الذات الإلهية مجردة من صفات الكمال، معطلة من كل قدرة وفضيلة ، واعتقدت أن ذلك هو التوحيد الخالص. و وُجِدَتْ «لا أدرية» أنكرت وجوداً محسوساً للكون والعالم كله ، وصرّحت أن وجوده إنما هو خيالي.

حتى جاءت طوائف في الأزمة اللاحقة تحذو حذو الطوائف القديمة ، تقول : إذا كان القرآن قانوناً أبدياً، وضروراتُ الحياة والنظريات تتغير بتغير الزمان ؛ فلماذا لا يجوز لنا أن نصوغ الآيات القرآنية في بوتقة أفكارنا، في ضوء المستجدات والمتغيرات ؛ فالمعاني التي تتفق والمستجدات نعتبرها مصداقاً لآيات القرآن . وأضافت: إننا لسنا في حاجة إلى هؤلاء العلماء القاصري النظر والفكر، وإلى المربين الضيقي الأفق؛ إننا أنفسنا وعقولنا حرة ويجوز لنا أن نستخرج من القرآن المعاني التي تتفق ونداء الوقت!

وخلاصة القول أنه تعدد المذاهب بعدد القول. وبما أن هذه العقول صارت إماماً بنفسها تعمل ما تهواه ؛ فاتخذت كتاب الله أيضاً ألعوبةً؛ حيث أخضعته لأفكارها ، حتى تجرأت على الأحكام الدينية من أجل إفراطها في التحرر في التفكير ، وقامت بتحريفات في معاني آيات القرآن الكريم، حتى ساغ لها أن تثبت الإلحاد من القرآن نفسه:

﴿إنَّ الَّذِيْنَ يُلْحِدُوْنَ فِيْ آيَاتِنَا لاَ يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا (حم السجدة / 40)

وتجرأت طائفة من أصحاب العقول المريضة هذه ، على اصطناع مَعانٍ للأسماء والصفات الإلهية ، تاركة وراءها المعاني المرادة منها في الشّريعة الإسلامية:

﴿وَذَرُوا الَّذِيْنَ يُلْحِدُوْنَ فِيْ أسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوْا يَعْمَلُوْنَ (الأعراف / 180)

ولو حال الحديث النبويّ دون اختلاقاتها هذه ، رفضته قائلة : إنه ليس حجة شرعية ؛ وكأن أقوال النبي هي الأخرى ليست حجة إذا تعارضت مع مرئيات عقولها. ثم حالت دون إلحاداتها هذه الجزئياتُ الفقهيةُ وأصولُ التفقه، فرضتها بشكل قاطع؛ وكأنها زعمت : إننا بدورنا فقهاء فلا حاجة بنا إلى فقه السلف. وكان مصدرُ هذه الفوضوية في الأفكار ، والإلحاد في العقائد والأعمال، هو الاستكبار العقلي ، والاستعلاء العلمي، على شاكلة اليهود؛ الأمر الذي كان قد أدّى دائماً إلى الإنكار والجحود اللذين نشآ من الإعراض الكلي عن الشخصيات وتربيتها وعن اللجوء إلى اقتدائها، والاكتفاء – بدلاً من ذلك – بمجرد الكتاب. وكشف القرآن، الكريم القناعَ عن هذا العلم الخيالي والاصطناعي وعدّه إخلاداً إلى الدنيا، واتّخاذاً لزيناتها ومباهجها، وزهداً في ذكر الله ، وتقصيراً في الغايات ، وضلالاً عن سبيل الله تعالى . وأوصى اللهُ باجتناب هؤلاء الذين يتبنون هذه الصفات ، فقال:

﴿فَأعْرِضْ عَمَّنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إلاَّ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا، ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إنَّ رَبَّك هُوَ أعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيْلِهِ وَ هُوَ أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (النجم /29-30)

وفي موضع آخر اعتبر القرآن الكريم هذا «العلم الاصطناعيّ» علماً سطحياً معادلاً للجهل ، نابعاً من الغفلة عن الآخرة والانهماك في الحياة الدنيا:

﴿يَعْلَمُوْنَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَ هُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُوْنَ (الروم / 7)

وفي جانب ظهرت طائفة ثالثة أعرضت عن الكتاب وأعْجبت بالشخصيات المقدسة إعجاباً مفرطًا؛ فاعتبرت الكتاب «كتابًا ساكتاً» والشخصيات «كتاباً ناطقاً» واتخذت كل قول من أقوالها وكل فعل من أفعالها وكل موقف من مواقفها وكل مظهر من سلوكها الشخصي ديناً لها. وخَطَتْ إلى ذلك أولاً الروافض التي كان مذهبها هو اتّباع الشخصيات واتّباع الأسر والبيوتات. إنها باسم حبّ أهل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم وصفت كبارَ الصحابة بالنفاق والغدر والتعامل بالتفريق، واعبترت اللعن والطعن عليهم والتبرأ منهم، جزءاً من الدين أو عينَ الدين. ومقابل ذلك اعتبرت صحابةً معدودين – كانوا وحدهم موضع إعجابها – معصومين عن الخطأ كالأنبياء، حتى اعترفت لهم باسم «الإمامة» بالحق في ممارسة التغيير في شريعة الله تعالى ، وهو الحق الذي لم يُعطِ الله الأنبياء أيضاً ؛ مما أدى إلى ترك الرب الحقيقي إلى أرباب من دون الله متمثلين في هذه الشخصيات ؛ فكانت هذه الطائفة كالنصارى التي اتّخذت الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله.

ونهجت نهجها كثير من الطوائف اللاحقة التي ظهرت باسم حبّ الأولياء، وكانت تتسم هذه الطوائف بالحزبية والعصبية العفنة ، و وصلت بحب الأولياء وتعظيمهم إلى حد العبادة ، وروجت أعمال الشرك باسم التوحيد؛ فعبدت الصالحين الأحياء باسم «سجدة التعظيم» وعبدت الأموات منهم باسم «سجدة القبور» فطافت حولها، واعتكفت لديها ، و استغاثت بها، ونذرت بأسماء أصحابها ، وسألتها قضاءَ الحوائج ، وقدّمت لها القرابين، ونادت بأسمائها ، وهتفت عندها بـ «شيئاً لله». ولإبداء العبودية لها سمّت أولادها بأسماء «عبد الرسول» و «عبد النبي» و «عبد المصطفى» و «عبد الحسين» كما كان الجاهليّون في الجاهلية يسمون أولادهم «عبد العزى» و «عبد اللات» و «عبد مناة» – تلك الأسماء التي غيّرها النبي صلى الله عليه وسلم بغيرها ومحا هذه العبودية المزعومة – و وصلت أعمال الشرك إلى أن كانت وجوههم – وجوه الجاهليين – متهللة إن ذُكِرَ غيرُ الله و مسودة بالحزن إن ذُكِرَ الله:

﴿وَ إذَا ذُكِرَ اللهُ وَ حْدَهُ اشْمَأزَّتْ قُلُوْبُ الَّذِيْنَ لاَ يُؤْمِنُوْنَ بِالآخِرَةِ وإذَا ذُكِرَ الَّذِيْنَ مِنْ دُوْنِهِ إذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُوْنَ (الزمر / 45)

وجملة القول إن كتاب الله وسنة رسوله أضحيا متروكين لدى هذه الطوئف المعادية للتوحيد ، المعجبة بالشخصيات ، الزاهدة في الكتاب، الراغبة في الأشخاص ؛ واعتمدت على الشخصيات كل الاعتماد وكان موقفها كما يقول القرآن :

﴿وَمَا يُؤْمِنَ أكْثَرُهُمْ باللهِ إلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُوْنَ (يوسف /106)

وعلى ذلك، فتعرضت طائفة للشبهات ، وأخرى للشهوات، وثالثة لفتنة العلم ، ورابعة لفتنة العمل ، وخامسة انصرفت عن الكتاب إلى الشخصيات ، وسادسة انقطعت عن الشخصيات إلى مجرد حروف الكتاب ونقوشه ، وسابعة ضلّت بالكبر والعلو ، وثامنة انحرفت عن الصراط بالسقوط الفكري والمذلة النفسية . وقد قال سفيان الثوري [أبو عبد الله المتوفى 161هـ / 778م] رحمه الله فيما يتعلق بالطائفتين : اليهودية الواقعة في الإفراط والنصرانية الواقعة في التفريط . وكأنه رحمه الله وضع في اعتباره عصرَنا هذا ؛ فمقاله ينطبق عليه انطباقاً حياً:

«من فسد من علمائنا ، ففيه شبه من اليهود؛ ومن فسد من عُبَّادنا ، ففيه شبه من النصارى». (اقتضاء الصراط المستقيم لابن تيمية رحمه الله)

على كل فقد خلصنا إلى تلك النتيجة الحتمية التي أشرنا إليها من قبل ، من العنصرين اللازمين للهداية وهما: (القانون والشخصية) ولعلاج ذلك أطلق السلف مقولة حكيمة للغاية أثرها عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

«احذروا من الناس صنفين ؛ عالم قد فتنته هواه وعابد قد أعمته دنيا».

وإذا كانت الاستقامة والعدل والاعتدال لم تكن لتأتي بدون الجمع بين العنصرين (القانون والشخصية) وقد خلّف النبي صلى الله عليه وسلم هذه التركة – الجمع بين العنصرين – في أمته من بعده ؛ فحصر الهداية للأبد في الجمع بينهما، إذ قال:

«تركتُ فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله و سنة نبيه». رواه الإمام مالك في المؤطا في «كتاب القدر». وقد أشار بالكتاب إلىالقانون، وبــ «السنّة» إلى ذاته الشريفة وأسوته في العمل.

وقد ظهرت – كذلك – في الأمة طائفة رابعة لا تكاد ترضى بالثقة بالشخصيات الموثوق بها لدى الشريعة، وهي شخصيات الصحابة رضي الله عنهم ، لكونها – الطائفة – غنية لحد كبير عن شخصية المعلم المربي، وكأنها تدّعي أن نفسها هو المعيار لديها ؛ فإذا وافق قولٌ من أقوال السلف معيارها هذا ، فهو مقبول ، وإلا فهو مرفوض ، مهما أدّى ذلك إلى بقاء عظمة السلف أو إلى زوالها.

وإذا كانت أقوال السلف غير معتبرة في فهم مرادات الشريعة ، فإنما تعود عمليةُ حلّ معاني الكتاب والسنة نابعة من الآراء الاصطناعية الشخصية ، التي ليس فيها ضمان بالثقة بالمرادات المأثورة.

إن النية لا يعلمها إلا الله الخبير، ولكن المسائل التي تستنبطها هذه الطائفة من مجرد الألفاظ ، والتي لا مسحة عليها من تعليم المربين وتربيتهم ، ولا أثر فيها للذوق المُتَوَارَث من الصحابة فمن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ ذلك الذوق الذي جاءت الإشارة إلى إيجاده عن طريق النبي بقوله تعالى: «وَيُزَكِّيْهِمْ» (آل عمران/164). وكم من السلف والخلف صقلوا قلوبهم وجعلوها تتصف بالاستقامة بتربية المربين عن طريق الرياضيات الشاقة؛ الذوق الذي لا يزال مُتَوَارَثًا بين الأمة خلفاً عن سلف. إن هذه المسائل والمرادات المستنبطة في غنى عن الاهتداء بالآثار والأقوال المنقولة عن السلف لا تُعْتَبرَرُ – إذاً – إلا مرادات مُلْهَمَةً من النفس. ولذلك فإن هذه المنطلقات الاصطناعية لاستقاء مسائل الدين وحلها، المجردة من العناصر المذكورة ، مخالفةٌ للطريقة المتبعة لدى أهل السنة والجماعة، وحائدةٌ عن المبدإ القرآني لفهم الشريعة ، المتمثل في الجمع بين الكتاب ومعلم الكتاب. كما أنها منحرفة عن طريق الجمع بين التعليم والتربية والحب والعلم، التي ظلّت تسلكها الأمة عبر تأريخها الطويل. وقد ذكرنا تفاصيل ذلك بدلائلها في الصفحات الماضية.

ومن الواضح أنه لئن كان أساس فهم الدين مُعْوَجًّا، فإنه سيأتي البناء القائم عليه مُعْوَجًّا كذلك. وقد يجوز أن تقوم مثل هذه الطائفة بمواقف فرعية إيجابية ، ولكنها ستُعْتَبَرُ خاطئة بشكل إجمالي، لكون المورد الذي تصدر عنه مُكَدَّرًا، وصدق الشاعر الفارسي إذ قال: «إن الخطأ خطأ وإن صحَّ».

مزايا أهل السنة والجماعة

Back

 

عصارة القول أن التنكب عن الصراط المركب من العنصرين : الكتاب ومعلم الكتاب، أو الضلال عنه – في التعبير القرآني- أدى إلى أربع صور ظهرت في إطارها أربع طوائف في الأمم والأقوام. وكذلك ظهرت الطوائف الأربع في هذه الأمة حسبما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بها. وكان من اللازم أن نُفَصَّل ذكرها؛ لأن مذهب أهل السنة والجماعة لم يكن ليتضح كلياً ما لم يُذْكَرْ ضِدُّه؛ ولكنّ ما ذُكِرَ لم توضَعْ فيه في الاعتبار شخصيةُ فرد أو جماعة أو حزب، وإنما خضنا في البحث باعتباره مبدئياً، وكان الغرض من وراء ذلك هو إبانة مذهب أهل السنة والجماعة وما يضادّه من المذاهب ؛ حتى يتبين هذا المذهب بشكل مشبع ، بتسليط الضوء عليه ومقارنته مع المذاهب الأخرى؛ لأنه كما يقول المتنبئ (أبو الطيب أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكندي الكوفي المتوفى مقتولاً 354هـ): «وبضدها تتبين الأشياء» .

فلو ألقينانظرة نابعة من صدق الضمير لوجدنا أنه إن كانت هناك طائفة تتقيد بالعنصرين معاً، بكامل الإعجاب والتقدير والاعتدال، ودونما انقطاع عن الكتاب أو معلمه ، ودونما إعراض عن أحدهما واتصال بالأخر اتصالاً مُغالًى فيه، وكذلك دونما الإفراط والتفريط اللذين تورطت فيهما اليهود والنصارى –إن كانت فإنما هي طائفة أهل السنة والجماعة، التي لم تُمْنَ بشقاء فهم كتاب الله في غنى عن معلمي الكتاب و مربي النفوس؛ حتى تتخذ القانون الإلهي ألعوبةً لآرائها ونظرياتها؛ ولا بشقاء الحب والإعجاب المتخطيين للحدود، بشخصيات المربين؛ حتى تَعْتَبرَ كلّ شيء من أحوالهم وأقوالهم ومواقفهم الشخصية قانوناً منزّلاً من الله تعالى. ولذلك تحتضن هذه الطائفة – طائفة أهل السنة والجماعة – بعد حب النبي صلى الله عليه وسلم بصفته الجدّ الأعلى لجميع الشخصيات المقدسة ، حبَّ الصحابة الكرام رضي الله عنهم وطاعتهم ، قبل جميع السلف الصالحين ؛ لأنهم – الصحابة – الحَمَلَةُ الأولون للدين وطلائعُ دعاة الإيمان واليقين ؛ وترى أن استكمال الحب لهم والإعجاب بهم إنما هو وسيلة للإيمان؛ حيث إن حبهم إنما هو متفرع من حبّ النبي صلى الله عليه وسلم وناشىء منه ؛ فقد قال صلى الله عليه وسلم :

«من أحبهم فبحبي أحبهم ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم». (رواه الترمذي ، أبواب المناقب، باب ما جاء فيمن سبّ أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم)

إن الحديث يؤكد أن حبّ الصحابة وبغضهم إنما ينبعان من حبّ النبي صلى الله عليه وسلم وبغضه؛ فإيمان المرإ لا يتم إلا بحبهم. وإذا كان حبّ النبي صلى الله عليه وسلم أصلَ الإيمان فإن حبهم فرع من الإيمان . وأساس ذلك أن ما يوجد في شخص النبي صلى الله عليه وسلم من أسباب الحب كالأصل، يوجد في الصحابة كالفرع بفضل صحبته صلى الله عليه وسلم . ولذلك زكّى القرآن الكريم جماعة الصحابة من حيث الكل، واعتبرهم مطَهَّري النفوس، صادقي الضمير، راشدين، ومرشدين، راضين ، مرضيين ، هادين ، مهديين ، مطاعين و متبوعين . ولذلك أجمع أهل السنة والجماعة على أن الصحابة كلهم عدول، ويرون أن تخطئتهم وانتقاصهم فسق ، يستحق مرتكبه التعزير.

الجمال المزين لظاهرهم وباطنهم:

وإذا أمعنا النظر في ذلك ، وجدنا أن هذه المزايا التي يتفرّد بها الصحابة رضي الله عنهم، من العدالة والإتقان وتقوى الباطن وكونهم راضين ومرضين وتحت الحماية النبوية المتمثلة في نص النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يتناولنّهم أحدٌ بالسباب والشتم أو اللعن والطعن وجدنا أن هذه المزايا هو الجمال المزين لظاهرهم وباطنهم، والذي غَرَسَ الميلَ إليهم والحبّ لهم بشكل جعل ذلك طبيعة ثانية لدى المسلمين .

فعلاقةُ أهل السنة والجماعة مع الصحابة رضي الله عنهم، ليست مجرد علاقة تأريخية أو تقليدية أو استنادية ، وإنما هي علاقة حبّ ؛ فهم ليسوا عندهم مُقْتَدَيْنَ – على صيغة اسم المفعول– فقط، وإنما هم يحلّون منهم محلّ القلب ؛ فهم – أهل السنة والجماعة – مُغْرَمُوْنَ بجمالهم الديني و مزاياهم الإيمانية . وبذلك يمتازون عن الروافض والخوارج؛ لأن هاتين الطائفتين لا تعتبران الصحابة كلهم عدولاً ولا أتقياء، ولا يرون حبهم ضرورياً باستثناء نفر منهم. وفي ضوء الحديث المسرود أعلاه تنحلّ بكل سهولة قضيةُ أن الصحابة لا يمكن أن يكونوا موضع انتقاد وانتقاص لدى من يدّعي حبهم والإعجاب بهم ، دع الحكمَ الشرعيَّ والفقهي في هذا الصدد؛ لأن اجتماع الحب والانتقاد هواجتماع الضدين لدى العقل والمنطق والأخلاق. إذا كان هناك رجل يقول: فلان غاية في الجمال والرشاقة ولذلك أحبّه وأكلَفُ به وأعشقه كل العشق؛ وفي الوقت نفسه يقول: ولكن هناك نقصاً في عينيه وأنفه ، وشحوباً في لونه ، وعدم اتزان في قامته وفي أعضائه ، ونقائص في شتى الأمكنة من جسمه ؛ فإنه سيقال له : من الذي أرغمك على عشقه ؟ . إن حبه له مع علاته المذكورة ثم انتقاده في شأنه هو اجتماع صريح للضدين.

ثم إنه إذا نظرنا في القضية في إطار المنظور الشرعي ، وجدنا أن الحديث النبوي يعطي معياراً لكون طائفة ما ناجية أونارية، وينص على أن الصحابة كلهم واجبٌ اتباعُهم بنص القرآن ؛ ولاشك أن ذلك نتيجة لجمالهم الظاهري والباطني. وفي جانب آخر نجد المدعين لمحبتهم هؤلاء يضعون فكرة كونهم غير جديرين بالثقة ؛ أوبكلمة أخرى يتخذون من أنفسهم محكاً ينتقدون به جمالهم.

إن هؤلاء المدعين الكاذبين للمحبة لا يمكن أن يكونوا معيارًا لمعرفة حقيّة أو بطلان الصحابة رضي الله عنهم أو حقية و بطلان الفرق من الأمة. وإنما الصحابة رضي الله عنهم هم المحك الدقيق في حق الأمة كلها تقاس بهم حقية وبطلان (73) فرقة فيها ؛ فهذه الجماعة : جماعة الصحابة المحبوبون لدى قلوب أهل السنة والجماعة فوق كل شبهة وانتقاد.

وباعتبار أنهم بهذا المستوى من العظمة يستوجب على أقل تقدير أن يكونوا موضع الحب والتقدير والاتباع دونما استثناء، فضلاً عن أن يكونوا هدفاً للتخطئة والتغليط. نعم يجوز أن يكون للعلماء الراسخين حق الاختيار والترجيح فيما يتعلق بأقوال الصحابة المختلفة ، وهذا الحق إنما يحصلون عليه بالسند المتصل ومن خلال الدرس والتدريس والعلم والعمل والأخلاق، كما يجوز لأئمة الفقه والحديث أن يمارسوا عملية الترجيح في خصوص الأحاديث المتعارضة . ولكن ذلك لا يُسَمَّى انتقاداً وانتقاصاً. غيرأن هذه الصلاحية لا ينالها إلا العلماء المتضلعون، ولا يجوز أن ينالها كل من هبّ ودب.

الفرق بين الترجيح والتخطئة :

وهناك فرق بين أن يُرَجّحَ قول اجتهاديّ من أقوالهم على قول اجتهاديّ لبعضهم وبين أن يُخَطَّأ قول مرجوح لهم أو يوصف بأنه ضار مشتمل على المفاسد؛ كما أن هناك فرقاً بين أن يُعْتَبرَ حديث من الأحاديث المتعارضة راجحاً في ضوء المبادىء المقررة وبين أن يوصف الحديثُ المرجوح بأنه مكذوب أو مغلوط. وإذا كانت هناك طائفة بريئة من هذا الذنب كل البراءة فهي طائفة أهل السنة والجماعة ، التي أكرمها الله تعالى – بفضل صحبة كبار العلماء والأتقياء الربانيين – بأن جَنَّبَهُمْ زيغَ القلوب والانحرافاتِ، وزوّدهم بسلامة الفهم واستقامة الفكر . فهم يعتبرون أقوالَ الصحابة كلهم دونما استثناء صحيحةً صادقةً، ثم يرجحون بعضها على بعض من أقوالهم المتعارضة – إذا مست بهم الحاجة إلى ذلك – نظراً للمصالح الشرعية ؛ ولكنهم لا يجترؤون على تناول قول من أقوالهم بانتقاص أو انتقاد، وإنما يتكلّمون – إذا تكلموا – في الأسناد التي وصلت بها الأقوال إليهم ، ولا يتكلمون بشيء في متن الرواية. على كل فإنهم يقفون من أقوال الصحابة المتعارضة الموقفَ الذي يقفونه من الأحاديث المتعارضة .

ومن الواضح أن أهل السنة والجماعة لئن كانوا يقومون بشرح مرادات الكتاب والسنة ضمن في إطار أقوال الصحابة؛ حيث يعتبرونهم في كل حال معياراً لدينهم وفهم مرادات تراثهم الديني ؛ فهم – طبعاً – فرقة حقة في ضوء المعيار الحديثي فيما بين الثلاث والسبعين فرقة ؛ لأنهم أخذوا بعنصري الهداية (القانون والشخصية) مُنْزِلِيْنَ كُلاًّ منهما في منزله الصحيح .

وكذلك فإن أهل السنة والجماعة ينظرون بكل أدب واحترام إلى الشخصيات الإسلامية المتلاحقة التي ظهرت فيما بعد عهد الصحابة رضي الله عنهم، متشربة للتراث الديني المتوارث منهم – رضي الله عنهم – كالراسخين في العلم ، والمجتهدين من الأئمة ، والعلماء الربانيين ، والمشايخ الحقانيين . ويعتبرون واضعين في الاعتبار تعليمها – الشخصيات الإسلامية المشار إليها– وتربيتها لكونها متشربة لروح تعاليم الصحابة وصحبتهم ومعيتهم ، يعتبرون ذوقها ومزاجها الديني أساساً فيما يتصل بالرواية والدراية ؛ فلا يتعدون إطار اتّباعها.وذلك أيضاً يدل دلالة واضحة على أن ذوقهم ومذهبم جامع للسنة والشخصية ، وجامع للرواية والدراية ، وجامع للعقل والحب؛ ولذلك سُمُّوْا بأهل النسة والجماعة ، وكانوا فرقة ناجية من بين الفرق الثلاث والسبعين ؛ حيث إن صلتهم تنتهى بالسند المتصل مارة بالصحابة رضي الله عنهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم دونما انقطاع، حتى إن كتبهم الدينية هي الأخرى ينتهى نسبها دونما انقطاع إلى الكتاب والسنة ؛ مما يؤكد أن هذه الفرقة ليست وليدة أحدثتها النظريات المعاصرة . ولذلك كانت فيما بين جميع الفرق الإسلامية مقياساً للحق بالنسبة للصحابة الكرام الذين ألحقهم النبي صلى الله عليه وسلم بذاته المقدسة معياراً للحق، كما جاء ذلك صريحاً في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه:

«وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة ، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله ؟ . قال: ما أنا عليه وأصحابي. (رواه الترمذي في «أبواب الإيمان» باب افتراق هذه الأمة.

وهذه الفرقة – فرقة أهل السنة والجماعة – هي التي كانت رمزًا للحق في العصور المتلاحقة، كما يدل عليه التعبير النبوي الدائم الاتجاه «ما أنا عليه وأصحابي». ولقبها المركب من كلمات أهل «السنة» و «الجماعة» التي تلقي الضوء على كل من «ما أنا وأصحابي» قد تم وضعه في القرن الأول وليس وليد القرون اللاحقة . فهذا القلب هو الآخر ليس حديث العهد. كما أن هذه الفرقة الناجية أيضا ليست مستحدثة . ويشهد بذلك شهادةً حيَّةً الأثرُ الذي ساقه الإمام جلال الدين السيوطي [جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر المتوفى 911هـ / 1505م] رحمه الله في كتابه «البدور السافرة» في تفسيره ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوْهٌ وَّ تَسْوَدُّ وُجُوْهٌ» نقلاً عن اللالكائي وابن أبي حاتم:

«عن ابن عباس في هذه الآية ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوْهٌ وَّ تَسْوَدُّ وُجُوْهٌ» قال: تبيض وجوه أهل السنة والجماعة وتسود وجوه أهل البدع والضلالة». (تفسير «الدر المنثور» ج: 2، ص:111)

خلاصة مزايا أهل السنة والجماعة:

وثبتت بهذا الأثر الأمور الآتية:

1-                إن أهل السنة والجماعة هم الجماعة القديمة الحقة، وليست جماعة حدثت فيما بعد؛ وإنما هي الأصل، والفرقُ الأخرى هي التي ظهرت فيما بعد منقطعةً عنها. وذلك هو الدليل الواضح على قدمها وأصالتها ، وإلا فلمن وَضَعَ الصحابةُ هذا اللقب: لقب «أهل السنة والجماعة» إن لم تكن آنذاك جماعة تستحقه؟.

2-                إن هذا اللقب للجماعة الحقة كانت معروفة بين الصحابة؛ ولذلك لم يَرَ ابن عباس رضي الله عنهما حاجة إلى تعريفٍ بها، وإنما رأى كفاية في ذكر اسمها ولقبها ؛ مما يُشَكَّل دليلاً على كونها معروفة معرفةً عامةً.

3-                بمقارنة هذه الجماعة الحقة مع الجماعة التي تقابلها أُكِّدَ كونها حقانية مهتدية ؛ وذلك هو الدليل الساطع على أن الجماعات والفرق الأخرى غيرها مبتدعة ضالّة . ومن ثم كانت هي وحدها جديرة بأن تكون السنة النبوية صدراً لعنوانها : لقبها، ولم تكن الفرق والجماعات الأخرى المستحدثة فيما بعد، جديرات بذلك ؛ حيث إن عنوانها هو التقاليد والبدع ومحدثات الأمور.

4-                إن أهل السنة إنما يكون لقب الجماعة التي يقابلها أهل البدع؛ ومن هنا لا تستحق جماعة مُلَطَّخَة بأرجاس البدع والمحدثات ، واختارت لنفسها طريقاً غير طريق السنة ومنهجاً غير منهج الصحابة لا يستند إلى أساس من السنة النبوية والسيرة الصحابية ، أن تطلق على نفسها هذا اللقب.

5-                على كل حال؛ فإن هذا الأثر لا يُثْبِتُ فقط أن هذا اللقب لهذه الجماعة قديم الأيام، وإنما يثبت في الوقت نفسه أن الجماعة بدورها قديمة يرجع أساسها إلى اتباع السنة النبوية والذات النبوية وسيرة الصحابة وأشخاصهم ، ولذلك كان إجماعها حجةً قانونيةً في الدين . والجماعات كلها سواها جماعات ذات خصائص شخصية ومبادىء تقليدية ؛ فلا ترتقي إلى مستوى الاعتبار القانوني.

لقب أهل السنة والجماعة ثابت بحديث مرفوع:

ولو تقدمنا خطوة وجدنا أن هذا اللقب لهذه الجماعة لا يَثـْبُتُ بأثر صحابي فقط، وإنما يوجد ثبوته في حديث مرفوع. فهناك جزءٌ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي رواه الترمذي:

«وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملّة واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله ؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي» (جامع الترمذي ، أبواب الإيمان، باب افتراق هذه الأمة)

ففي هذا الحديث إنما جعل النبي صلى الله عليه وسلم أمرين معياراً لمعرفة الحق والباطل من بين (73) فرقة في الأمة ، هما «ما» و «أنا وأصحابي» . وفي «ما» إشارة إلى السيرة النبوية والدستور النبوي والأسوة النبوية التي كان هو وأصحابه قائمين عليها. ومن الواضح أن «السنة» إنما هي عبارة عن السيرة النبوية والأسوة النبوية اللتين عمل بهما هو صلى الله عليه وسلم وأخذ بهما أصحابَه . فكلمة «ما» هي عنوان لــ «السنة» التي هي أول جزء من لقب الفرقة الحقة. أما كلمة «أناو أصحابي» فمن الواضح أن المراد بها الشخصيات المقدسة التي في طليعتها شخصية النبي «فشخصيات أصحابه؛ فلا يمكن أن يراد بــ«أنا وأصحابي» إلا «الجماعة» التي هي جزء ثان من لقب الفرقة الحقة. ومجموع الجزئين هو «أهل السنة والجماعة».

وعلى ذلك فإن ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما في شأن هذا اللقب في أثره صراحة ، ثبت بهذا الحديث المرفوع أيضاً. فاتضح أن هذا العنوان لهذه الجماعة في ضوء التحليل منطوق به من قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، فابن عباس رضي الله عنهما لم يصنع سوى أن أوضح المراد وأجلى الحقيقة . وفي ضوء هذه الدلائل لا تبقى هناك شبهة في كون الفرقة الحقة قديمة وكون لقبها المركب من الجزئين قديماً كذلك.

ولو أضفنا إلى حديث ابن عمر رضي الله عنهما رواية سيدنا معاوية رضي الله عنه التي نقلها الإمامان أحمد و أبوداؤد، والتي تشتمل على الموضوع نفسه الذي تناوله حديث ابن عمرو رضي الله عنهما، لاتّضحت هذه الحقيقة بشكل أقوى. وقد ساق صاحب «مشكاة المصابيح» هذه الرواية بعد حديث ابن عمرو رضي الله عنهما قائلاً؛ «وفي رواية». مما يدل على أن حديث معاوية رضي الله عنه تكملة لحديث ابن عمرو رضي الله عنهما، وأن كليهما يسلطان الضوء على واقع واحد و موضوع واحد وحقيقة واحدة.

وفي رواية أحمد وأبي داؤد: «عن معاوية ثنتان وسبعون في النار، و واحد في الجنة وهي الجماعة». (مشكاة المصابيح ، كتاب الإيمان، باب الاعتصام بالكتاب والسنة)

وهذه الرواية عبّرت عن مفهوم «أنا وأصحابي» بــ«الجماعة» فهي صريحة في أن «الجماعة» المرادة من «أنا وأصحابي» التي فُهِمتْ من حديث ابن عمرو رضي الله عنهما معنى ، قد نصّ عليها النبي صلى الله عليه وسلم في حديث معاوية . وإذًا فإن معنى «أنا وأصحابي» قد اتضح جلياًّ بعبارة النص للحديث المرفوع الذي نص على أن المراد بها هي «الجماعة» ، فلا تعود حاجة في شأن «الجماعة» إلى نقاش استنباطي ومحادثة استدلالية.

وبقي سؤال ، وهو أن حديث معاوية رضي الله عنه لم ينطق بمدلول لكلمة «ما» التي تشير إلى القانون والدستور والسنة النبوية، كما نطق بـ«الجماعة»، فكلمة «ما» بقيت غير منصوص عليها .ولكننا إذا أمعنّا النظر وجدنا أن «السنة» موجودة في مفهوم «الجماعة»؛ لأن جماعة الصحابة لم يكن منهجهم غير منهج النبي عليه الصلاة والسلام وسنته، فمن يجرأ على القول بأن دستور حياتهم كان – معاذ الله – البدعةَ. إنهم كانوا قد انصهروا في بوتقة السنة بحيث عادت السنة وذواتهم شيئاً واحداً؛ فمن ذكرهم وحدهم فكأنه ذكر السنة بعينها. فالجماعة لئن دلت على الشخصيات المقدسة ، فإنها دلت كذلك بشكل عفويّ على السنة التي كانت هي دستور حياتها؛ لأن الصحابة إنما كانوا صحابة من أجل اتّباعهم للسنة هذه وليس لاتّباعهم معاذ الله البدعة. فحديث معاوية رضي الله عنه جمع بين الحقيقتين في كلمة واحدة وهي «الجماعة» ، تينك اللتين أُدِّيَتَا في حديث ابن عمرو رضي الله عنهما بكلمتي «ما» و «أنا وأصحابي». وقد جاء هذا المفهوم للكلمتين منصوصاً عليه في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه بنحو لا تبقى معه حاجة إلى إعمال استنباط:

«إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ « يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوْهٌ وَّ تَسْوَدُّ وُجُوْهٌ» قال: تبيض وجوه أهل الجماعات والسنة وتسود وجوه أهل البدع والأهواء» («الدر المنثور» ، ج2، ص:112)

وهذه الرواية موجودة في تأريخ الخطيب البغدادي كذلك. وجاءت في هذه الرواية كلمة «الجماعات» مكان «الجماعة» فيمكن أن يكون التعبير بــ«الجماعات» إما أن جاء لأن الصحابة رضي الله عنهم عند ما انتشروا في شتى البلاد، ظهروا في صورة «جماعات» وليس في صورة «جماعة»، أو لأنه قد تعددت الجماعات التي تربت على الصحابة .

على كل حال، فإن هذا اللقب «أهل السنة والجماعة» لهذه الفرقة الحقة الناجية قد ثبت بثلاثة أحاديث وأثر صحابي، مما يؤكد أن ذلك حقيقة محكمة لا تقبل شكاً.

والطائفة التي شكلها النبي صلى الله عليه وسلم بدوره ، والتي عدّ صلى الله عليه وسلم نفسه منها، والتي أطلق عليها صلى الله عليه وسلم بنفسه لقبها «أهل السنة والجماعة» والتي قام صحابته صلى الله عليه وسلم بأنفسهم بنشره، هذه الطائفة لا يعود شك في كونها ثقة ثبتاً حقانية قديمة أصلية . وكفاها ذلك فخراً.

عصارة المبحث:

وعصارة المبحث أن الجماعة التي تحتوي على عنصري «السنة» و «الجماعة» الأساسيين، وتتصل بالقرن الأول بالسند المتصل ، وتتمتع بتوثيق النبي صلى الله عليه وسلم المتسلسل ، وشهد بها الصحابة وعمّ قولهم بها ، إنما تكون هي الفرقة الحقة ، وهي التي تستحق أن توصف بالقدم والأصالة. ولا تستحق ذلك أبداً جماعات وطوائف مستحدثة نشأت كفيض الساعة وسانحة الوقت ، وانقطعت عن أحد من العنصرين . ومن هنا فالطائفة التي تشذ عن الطائفة الحقة هذه ، هي التي تُعَدُّ مثيرة للخلاف. أما الطائفةالتي لا يقوم أساسها على خلاف أو شقاق فلا تُعَدّ مشاقّة مُتَبَنَّيَةً للخلاف والشتات. ولذلك عُدَّ الإيمان كإيمان الصحابة مقياسًا للإيمان، الأمر الذي يبين وجوب طاعتهم واتباعهم:

﴿فَإنْ آمَنُوْا بِمِثْلِ مَآ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوْا ، وَ إنْ تَوَلَّوْا فَإنَّمَا هُمْ فِيْ شِقَاقٍ، فَسَيَكْفِيْكَهُمُ اللهُ وَ هُوَ السَّمِيْعُ الْعَلِيْمُ ، صَبْغَةَ اللهِ وَ مَنْ أحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَّ نَحْنُ لِهُ عَابِدُوْنَ (البقرة / 137-138)

وهذا اللقب: لقب أهل السنة والجماعة، هو الذي كان من شأنه أن يُبدِيَ جامعية الفرقة الحقة وشمولها واعتدالها ومزاجها الديني الذي تكون لديها من الجمع بين الكتاب وشخصية معلم الكتاب . ولم يكن لقب آخر ليعبر عن هذه الحقيقة تعبيراً دققيقاً. مثلاً : لو كان لقبها في ضوء الاعتبار العلمي «أهل القرآن» أو «أهل الحديث» أو «أهل الفقه» أو «أهل الكلام» أو «أهل التصوف» ؛ وفي ضوء الاعتبار الجماعي «الجماعة الدينية» أو «الجماعة الإيمانية» أو «الجماعة الإسلامية» لتم لحد كبير إحضار مصداق «ما» في الذهن ، وهو القانون أوالملّة أو السنة ؛ ولكنه لم يكن ليتمثل في الذهن مصداق «أنا» وهو الانتماء إلى الشخصيات المقتداة وهداة الطريق ونظام الاستفادة من تربيتهم والصدور عن منهجهم ؛ الأمر الذي هو العنصر الأساسي لمذهب أهل السنة والجماعة. وعندئذ لم يكن ليتجلّى أنهم – أهل اسنة والجماعة – هل وصلوا إلى ما وصلوا إليه من المرتبة عن طريق تعليم وتربية طائفة كانت قد تلقت التربية ، أو أنهم بدورهم أصبحوا جماعة ناشئة بشكل اصطناعي. وكل ما يمكن أن يتجلّى حينئذ هو أنهم دائرون في فلك آرائهم الحرة ، مرتبطون بالورق وحروفه ونقوشه ، ولم يحظوا بمرب يتناولهم بالتهذيب والتربية بالذوق الديني المتوارث. فكانت هذه الألقاب كلها ناقصة غير وافية بأداء المطلوب والدلالة على المقصود.

وكذلك لو كان لقبهم في إطار الانتماء والانتساب «محبّو الرسول» أو «محبو الصحابة» أو محبو أهل البيت» أو «أتباع المحدّثين» أو «أتباع الفقهاء» أو «محبو أولياء الله» لحصلت به الإشارة إلى «أنا» ولكن بقيت «ما» دون أن تستوفي حقها ؛ ولأوْهَمَ ذلك أن هذه الطائفة مُعْجَبَةٌ بالشخصيات ، متعصبة متحزبة ، لا يوجد لديها، سوى فكرة تبني الشخصيات والإعجاب بها، قانون مبدئي و دستور أساسي واضح سويّ، تسير في ضوئه ، فتميز بين الحق والباطل والحلال والحرام. فكانت هذه الألقاب كذلك ناقصة غير مؤدية للغرض. وإذاً فلم يكن للطائفة الحقة لقب شامل سوى لقب «أهل السنة والجماعة» الذي يبين في وقت واحد أنها آخذة بعنصري الهداية: الكتاب والشخصية ، أو بالعلم وأهل العلم ، والذي يسلط الضوء على اتجاهها الديني ومزاجها المذهبي ، ويؤكد أنها جامعة بين المبدئية والشخصية ، وبين البصيرة والاتّباع، وبين الوقار والتواضع ، وبين العلم والحبّ.

ثم إن كل لقب سوى هذا اللقب إنما كان اصطناعياً كالجماعات المستحدثة التي تطلق على نفسها لقباً أو عنواناً مناسباً للظروف التي دعت إلى نشوئها. أما هذه الطائفة الحقة فبما أنها لم تكن طائفة مستحدثة ، وإنما يرجع تاريخها إلى القرن الأول، فلم يكن جائزاً أن يكون لها لقب أو عنوان اصطناعي سوى اللقب الذي كان قد وضعه لها القرن الأول.

وفي حالة كون هذا اللقب ثابتاً بالحديث النبوي وآثار الصحابة ، وشائعاً مشهوراً منذ القرن الأوّل بمشيئة الله تعالى ورغبة النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يكن أهل السنة والجماعة ليرضوا بألقاب أخرى اصطناعية محدودة المفهوم قاصرة الأداء، وبطرح أنفسهم كجماعة حديثة وهم جماعة قديمة. ولو صنعوا ذلك لكانوا مصداقاً لقوله تعالى:

﴿أتَسْتَبْدِلُوْنَ الَّذِيْ هُوَ أدْنَى بِالَّذِيْ هُوَ خَيْرٌ (البقرة /61)

ولكان ذلك كفراً للنعمة وجحوداً للمنة .

أهل السنة والجماعة طائفة أصيلة قديمة:

وخلاصة القول : أن هذه الروايات والواقعات تؤكد بما لا مزيد عليه أن طائفة «أهل السنة والجماعة» طائفة أصيلة قديمة اسماً ورسماً، وصورة وحقيقة ، وذوقاً و مذهباً، ولوناً وصبغةً. وهذه الطائفة جزء أصيل من الإسلام تَمثَّلَ فيه الإسلام منذ يومه الأول. وبذلك فإنها قد وُجِدَتْ في القرن الأول، وفيه وُضِعَ لقبه وعنوانه المذهبي، وفيه عُرِف هذا اللقب وشاع و ذاع؛ وذلك دليل قاطع على قدمها وأصالتها، وعلى أنها لم تُوجَدْ وليدةً للنظريات الطارئة في القرون اللاحقة، حتى تُتَّهَمَ بحداثة أو ابتداع أو زيغ وانحراف . وإنما الثابت المجزوم المسلَّم به أنّ الفرق الأخرى هي التي وُجِدَتْ شاذَّة عنها ومضادة لها وقائمة على العداء لها.

أما هي فلم تقم على خلاف أو على أساس من الجانب السلبي؛ فلقبُها هذا – لاحتوائه على العنصرين – قرآني وحديثي وفقهي وسلفي في وقتٍ واحد؛ وذلك دليل صارخ على أنها مظهر أوّل للإسلام ومورد كامل له.

ثم إنها لم تكن مظهراً للإسلام بالنسبة للقبها وعناصره الأساسية، وإنما كانت مظهراً أتم للإسلام بالنسبة للغرض الأساسي للدين كذلك؛ لأن الغرض الذي حدده القرآن الكريم لهذه الطائفة ضِمْنَ الجمع بين الكتاب والشخصية ، وهو العدل والاعتدال ، جعله بعينه غرضاً للإسلام كله. فعندما قال القرآن الكريم : ﴿لِيَقُوْمَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وأشار إلى غرض الطائفة الحقة ، نصّ الكتاب والسنة على أن الإسلام إنما جاء ليجعل بني آدم يأخذون بالعدل والاعتدال اللذين لا علاقة لهما مع الإفراط والتفريط. وقد سلط القرآن الكريم الضوء على هذه الحقيقة في مواضع شتى:

1- إنَّ اللهَ يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الإحْسَانِ. (النحل / 90)

2- اعْدِلُوْا هُوَ أقْرَبُ لِلتَّقْوَى. (المائدة / 8)

3- وَ أمِرْتُ لأعْدِلَ بَيْنَكُمْ . (الشورى / 15)

4- إنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِيْنَ. (المائدة / 42)

5- قُلْ أمَرَ رَبِّيْ بِالْقِسْطِ. (الأعراف/ 29)

6- كُوْنُوْا قَوَّامِيْنَ بِالْقِسْطِ شُهَدَآءَ لِلّهِ. (المائدة / 8)

وكذلك الحديث النبويّ يقول فيما يتعلق بالعقيدة والعمل في الإسلام:

1- لا تشددوا على أنفسكم فيُشَدَّدَ عليكم. (سنن أبي داؤد. كتاب الأدب، باب (25) في الحسد. رقم الحديث 4883)

2- من شاقّ شقّ اللهُ عليه . (مسند الإمام أحمد . ج4، ص:487. رقم الحديث 15328)

ونهى القرآن الكريم نهياً مؤكداً عن ممارسة الإفراط والتفريط والغلو والمبالغة في أمور الدين؛ لأن هذه العناصر ضد العدل والقسط اللذين يود الإسلام أن يتقيد بهما أبناؤه:

1- لا تَغْلُوْا في دِيْنِكُمْ. (المائدة / 77)

وقال القرآن الكريم في شأن الصلوات الجهرية :

2- لا تَجْهَرْ بِصَلوتِكَ وَ لاَ تُخَافِتْ بِهَا وابْتَغِ بَيْنَ ذَلكَ سَبِيْلاً. (بني إسرائيل / 110)

3- لاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُوْلَةً إلَى عُنُقِكَ وَ لاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوْمًا مَحْسُوْراً. (بني إسرائيل / 29)

وقال في خصوص الفكر والموقف:

4- وَ لاَ تُطِعْ مَنْ أغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَ كَانَ أمْرُهُ فُرُطًا. (الكهف / 28)

إن هؤلاء الآيات الكريمات والأحاديث النبوية تبين أن الإسلام يود أن يتبنى أتباعه العدل والاعتدال في كل من العبادات والمعاملات ، والسيرة والأخلاق، والماليات والاقتصاديات، والأفكار والنظريات ، وجميع الدينيات والدنيويات؛ وأن يجتنبوا الغلو والمبالغة والتشدد والتطرف. وإنّ هذا الغرض نفسه يتبناه أهل السنة والجماعة، الذين تجري في جميع مبادئهم وأصولهم وفروعهم، وكلياتهم وجزئياتهم، روح العدل والاعتدال اللذين إنما يُوْجَدان بالجمع بين عنصري الهداية: الكتاب والشخصية ؛ ذلك الذي تتجرد منه جميع الطوائف غير طائفة أهل السنة والجماعة ، التي تزهد في أحد العنصرين أو كليهما؛ ودلّ ذلك على أنها – الطوائف – لا تخلو من الغلو والمبالغة والتطرف والتشدد ؛ وبالتالي فإنهامجردة من العدل والاعتدال اللذين جعلهما الكتاب والسنة هدفاً شاخصاً للإسلام ولهذه الطائفة الحقة.. ومن هنا فيجوز أن يقال: إن ما جاء في الحديث النبوي أن الطوائف الاثنتين والسبعين كلها في النار وأن واحدة من الثلاثة والسبعين فرقة التي تفترق عليها الأمة ، ناجية من بينها، هي فرقة أهل السنة والجماعة المُعَبَّرَة بـ «ما أنا عليه وأصحابي».

علماء ديوبند يعضون بالنواجذ على مذهب أهل السنّة والجماعة

النظرة العادلة تؤكد أن ما يتميز به أهل السنة والجماعة من الجمع بين القانون – الشريعة– وبين الشخصيات، والاهتمام بفهم مرادات الكتاب والسنة من خلال درس وتدريس الأساتذة الثقات دون الاعتماد على الرأي الشخصي ، والاعتناء بتحقيق استقامة الفهم وتزكية القلب عن طريق ملازمة المربين الثقات ومعاشرتهم وفي ضوء توجيهاتهم وإرشاداتهم، والتعلق في شعبتي العلم والأخلاق بصاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام من خلال السند المتصل ، واحترام السلف والتأدب معهم والاعتراف بعظمتهم فيما يخص الشعبتين؛ كل ذلك مبادئ تُشَكِّلُ بمجموعها مذهبَ أهل السنة والجماعة . وإن علماء ديوبند يعضون بالنواجذ على هذا المذهب بالذات دونما نقص وزيارة.

أما الاستناد العلمي فهناك أسناد القرآن والحديث التي لا يوجد لها مثيل لدى أي أمة من الأمم على وجه الأرض؛ ولكن علماء ديوبند لا يقبلون كتب بقية العلوم والفنون الدينية كذلك إلا إذا كانت مُسْنَدَةً، حتى الكتب الأساسية في الفقه والكلام لا تُعْتَبَرُ إلا مسندة يتصل نسبها بأئمة الفة والكلام الثقات.وبلغوا في الاهتمام بهذا الجانب أنهم لا يعتدّون بكتب التزكية والإجسان الأساسية أيضا إلا إذا كانت ذات سند؛ على حين إنها لا تتعلق بأحكام الحلال والحرام الظاهرة ، وإنما تتعلق بأحكام إصلاح الباطن، التي لا علاقة لها مع قضاء القاضي أو موضوع الحكومت أو ما تقوم عليه الشؤون الدنيوية . حتى إن الأحوال والكيفيات القلبية التي تنشأ من المجاهدة في العبادة وذكر الله عز وجل، لا يُعتدّ بها عندهم – علماء ديوبند – إلا إذا كانت مُتَوَارَثة لها شجرة نسب موثوق بها. بل إن ذوقهم ومزاجهم المذهبي هو الآخر متصل بالصحابة الكرام وصاحب الشريعة عليه الصلاة والسلام بسند متصل.

والشعبة الأولى وهي (العلم والتعليم) لا يمكن أن يتحقق – في الأغلب – فيها السند والاستناد وصحة الذوق وسلامة الفهم للمرادات الربانية وإنزالها في موضعها الصحيحة ، إلا عن طريق الدراسة والتدريس والتربية والتمرين. فلو أخذنا من شعبة العلم علم الكتاب والسنة لوجدنا أن أساسه أيضاً إنما جُعِلَ الدراسةَ والتدريسَ؛ فحينما استنكر القرآن الكريم إعجابَ اليهود برايهم وتقديس النصارى للشخصيات ، وأمرهم أن يكونوا علماء ربانيين ، فلم يجعل الطريق إلى الربانية مجرّد قراءة الكتاب أو مطالعةَ الأوراق، وإنما جعلها – الطريق إلى الربانية – الدرس والتدريسَ ، فقال:

﴿وَلَكِنْ كُوْنُوْا رَبَّانِيِّيْنَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُوْنَ الْكِتَابَ وَ بِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُوْنَ (آل عمران / 79)

يقول العلامة الخازن [علي بن محمد علاء الدين المتوفى 741هـ / 1341م] في تفسيره «لباب التأويل في معاني التنزيل» المعروف بــ«تفسر الخازن» في تفسير الآية :

«أي كونوا ربانيين بسبب كونكم عالمين ومعلمين وبسبب دراستكم الكتاب؛ فدلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانياً» (تفسير الخازن: 1/667)

مما يوضح أن «الربانية» إنما تتأتى عن طريق الدراسة والتدريس والتعليم، ولا تتحقق بمجرد تصفّح الأوراق ومطالعة الكتب.نعم لا تتحقق الربانية في غنى عن التدريس والدراسة كما لا تتحقق إذا كان التشاغل بهما بسوء النية أو بسوء الهدف، وإذاً فلا يكون الذنب هو ذنب الطريق، وإنما يكون الذنب هو ذنب النية التي تعني أن صاحبها لا يود أن يكون ربانياً.

وحين خاطب الله تعالى اليهودَ والنصارى بقوله «وَلَكِنْ كُوْنُوْا رَبَّانِيِّيْنَ فكأنّه نبّههم قائلاً : أيها اليهود والنصارى! إذا كنتم مشتغلين بالدراسة والتعليم اللذين هما المؤديان حتماً إلى الربانية، فلماذا لم تُوَفَّقُوْا أن تتحولوا ربانيين ؟ فلماذا ارتكبتم جريمة الإشراك بالألوهية والإشراك بالنبوة والإشراك بالكتاب؟. ومعنى ذلك أن هناك خللاً في نيتكم .

ودل ذلك دلالة واضحة على أن الطريق إلى الربانية أو بكلمة أخرى أن الطريق إلى تحصيل العلم الديني حسب القانون العاديّ الأغلب إنما هو الدراسة والتدريس، وليس مجرد قراءة الكتب أو دراستها. فلو لم ينتهج أحد هذه الطريق المؤدية إلى الربانية، أو انتهجها بسوء نية وبأسلوب خاطئ، لما استحق أن يُسمّى ربانياً أو عالماً دينياً؛ لأنه في هذه الحالة لم ينتهج طريق العلم الصحيح.

ومن البين أن الدرس والتدريس والتعليم والتربية أمور إنما تتعلق بالشخصية وتتوقف عليها، ولا يمكن أن تتحقق بمجرد معالجة الأوراق وفي غنى عن الأستاذ المربي ومصاحبته وتمرينه وترويضه. فقد كانت أوراق الكتاب من قبل بيد اليهود وكانوا يقرؤونها ؛ ولكنهم كانوا محرومين من تعليم المعلمين وتربيتهم ، وكانوا قد اقتصروا على قوة الدراسة منصرفين عن الشخصيات المقدسة ، مما جعلهم يشب زيغهم النفسي. ومن ثم قال التابعي الجليل الإمام ابن سيرين [أبوبكر محمد المتوفى 110هـ / 729م]. «إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم» (مقدمة صحيح مسلم ، ج1، ص78، باب بيان أن الإسناد من الدين، ط: دار الكتب العلمية، بيروت)

وإذا كانت الحال هذه فإنه سواء أكانت المسائل المُسْتَمَدَّة من مجرد ألفاظ النصوص أو المستقاة من مجرد إعمال التفكير – الذي يكون لا دخل فيه لتربية المربين أو تعليم المعلمين، ولا للذوق المُتَوَارَث والتهذيب الفكري – فإنه لا يعود هناك طيق لفهم المرادات إلا تخيل النفس غير الحظيّة بالتربية ، الأمر الذي ليست له أي قيمة فيما يتعلق بالدين. حتى لم يستثن الله عز وتبارك شخصَ النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً من هذا الأسلوب للتعليم، وإنما قام تبارك و تعالى بنفسه بتعليمه صلى الله عليه وسلم ؛ حيث قال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيْمًا (النساء / 113)

وإذا كان الأمر كذلك فإن أمته صلى الله عليه وسلم كانت أحوج ما تكون إلى ذلك؛ فجعل صلى الله عليه وسلم هذه الطريق نفسها لأمته، فقال: «إنما بُعِثْتُ معَلمًا». (رواه ابن ماجة في مقدمة سننه/ باب فضل العلماء)

وجملة القول: إن تحصيل العلم في مذهب أهل السنة والجماعة المُتَّبَع من لدن النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما يتوقّف على العالم المربّي الثبت المسند، ولا يتعلق بمجرد أوراق الكتاب. ولذلك فإن علماء ديوبند كذلك اتّخذوا تعليم و تدريس المعلمين الثقات أساسًا تعليميّاً لهم، سالكين في ذلك مسلكَ أهل السنة والجماعة . واختياراً منهم لأسلوب أهل السنة والجماعة فيما يتعلق بالتعليم ، أقاموا شبكة من آلاف المدارس الإسلامية في داخل البلادوخارجها ، تلك التي لا تقوم على الخطابة والوعظ فقط، وإنما تقوم على الدراسة والتدريس.

أما تطهير الأخلاق وتزكية القلوب فقد جعل في شأنه علماءُ ديوبند التزكية والتربيةَ مبدءاً أساسيّاً . والمنهج المتبعُ في ذلك هو توجيه المربي، وتقوى الله ، والمجاهدة في العبادة، وترويض النفس عليها؛ حيث لا يمكن بدون ذلك أن تترسخ في القلوب الكراهيةُ تجاه الكبائر والصغائر ، والرغبةُ في الطاعات والعبادات؛ ولذلك فقد اعتبر الله عزّ وجل بيعة أوليائه لنبيه صلى الله عليه وسلم بيعةً منهم له تعالى:

﴿إنَّ الَّذِيْنَ يُبَايِعُوْنَكَ إنَّمَا يُبَايِعُوْنَ اللهَ يَدُ اللهِ فَوْقَ أيْدِيْهِمْ (الفتح / 10)

وعلى ذلك فإن الله تعالى لم يَدَعْ عباده يقتصرن على المُدَوَّن من فن الإحسان أو المصطنع الموضوع من الرياضات، وإنما دلّهم في هذا الصدد على الأصل الأصيل وهو التقوى ، وعلى ما تؤدي إليه من النتائج الخيرة، وعلى التمرن عليها بشكل ثابت ، فقال تعالى:

﴿وَاتَّقُوا اللهَ وَ يُعَلِّمُكُمُ اللهُ (البقرة / 282)

وقال في معرض الحديث عن الخضر عليه السلام :

﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَّدُنَّا عِلْماً (الكهف / 65)

وكذلك فقد تكفل تعالى تعليمَ و تربيةَ الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام ، كما تنص على ذلك آيات عديدة في القرآن ، نعرض عن سردها تفادياً من الإطالة.

فعلماءُ ديوبند أيضاً اعتمدوا فيما يتعلق بإصلاح الأخلاق وتزكية النفس على أسلوب التزكية والتربية ، وخرّجوا مشايخ ربانيين عملوا على تعميم «الإحسان» الذي دلّ عليه الكتاب والسنة؛ وذلك عن طريق التزكية والتربية ، وبذلك فقد استطاعوا القيام بإصلاح قلوب الآلاف من الناس.

وكما هو المعلوم أن هذين القسمين : العلم والأخلاق أو علم الظاهر وعلم الباطن، أوجِبَ في شأنها صحبةُ الصلحاء ومعيّةُ الأتقياء؛ حيث لا يُتَصَوَّرُ أن تعود بدون ذلك المفاهيمُ والمراداتُ العلميةُ جزءاً من الذهن الإنساني، وأن تثبت الأخلاق الظاهرة والقيم المثلى في القلوب ، وأن تتكيف الروح مع الأحوال الطيبة والخواطر الصادقة . ومن الواضح أن هذا الغرض لم يكن ليتحقق بمجرد الفتوى ما لم تصاحبها التقوى التي لم تكن لتكون فاعلة ما لم تعاضدها صحبة الصديقين ؛ ولذلك فقد قرن القرآن الكريم الأمر بالتقوى مع الأمر بصحة الصادقين، فقال:

﴿يَآ أيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا اتَّقُوا اللهَ وَ كُوْنُوْا مَعَ الصَّادِقِيْنَ (التوبة / 119)

وكذلك فقد اعتبر القرآن هذه المعيةَ مصدراً لانشراح الصدر والحالات الباطنة والأفعال الحسنة للقلوب؛ فلما نشأ في قلب أبي بكر الصديق رضي الله عنه بعضُ القلق من أجل الملابسات، طَمْأنَه النبي صلى الله عليه وسلم بالإحالة إلى هذه المعية ، فقال:

﴿لاَ تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنَا (التوبة / 40)

وجملة القول أنه سواء أكان تحصيل العلم أو تكميل الأخلاق، إن الإسلام يطرح الاتّصال في الإسناد من العلماء الربانيين فيما يتعلق بالعلم وصحبة الصالحين وإصلاح الأخلاق، يطرحه كحجر للزاوية. ولذلك فقد انصبَ اهتمامُ علماء ديوبند أيضاً فيما يتصل بتعليمهم الظاهر والباطن على التقوى الداخلية وصحبة عباد الله الصالحين الخارجية؛ وذلك اتّباعاً منهم للسلف الصالح.

علماء ديوبند من أهل السنة والجماعة في الصورة والحقيقة:

ومجموع هذه الأمور الأساسية هو مذهب أهل السنة والجماعة الذي يأخذ به علماء ديوبند بشكل متكامل ، بل يصح أن يقال: إنهم بدورهم أهل السنة والجماعة اسماً و رسماً، وصورة وحقيقة، وعلماً و عملاً، وذوقاً ووجداناً. فلا حاجة إلى شرح اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي بشكل مستقل؛ بل إن ما أسلفناه من الاتجاه الديني والمزاج المذهبي لأهل السنة والجماعة ، في الصفحات الماضية ، وما دل على أسسه الكتابُ والسنة، هو نفسه تفصيل للمزاج الديني لدى علماء ديوبند ؛ فهم ليسوا بحاجة إلى شرح مزيد وتفصيل جديدٍ أو لقب مستحدَث، وفعلاً ليس لهم لقب مستحدث. أما «الديوبندي» أو «القاسمي» فهو لقبهم التعليمي الانتمائي ، وليس لقبهم المذهبي والطائفي، كما يحاول معارضوهم أن يعرَّفوهم في الجماهير كفرقة مستقلة ، وهم براء من هذه التهمة ، كما أوضحنا ذلك في البنود التمهيدية.

فهم – علماء ديوبند – لسوا أهل سنة مصطنعين حتى يُطْلَقَ عليهم لقب «الطائفين» وليسوا من أهل السنة المزعومين الذي ولدتهم الحوادث والسوانح أو الطقوس والتقاليد الرائجة المُبْتَدَعَة ، ولا يحملون دستوراً سماوياً؛ وليسوا فرقة متحررة لا يشرف عليها المعلّمون الثقات والمربون المهذبون ، فيكونون لا يستندون إليهم ولا يصدرون عنهم ؛ بل إن ذوقهم وعملهم ، وهيئتهم العملية، كل ذلك يُوْجَد لديهم متوارثاً متصلاً بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم ماراً بالسلف الصالحين فالرعيل الأول من الأمة.

ومن أجل تشاغلهم الدائب المستمر بعلوم الكتاب والسنة تعلماً وتعليماً وفهماً وتنزيلاً وتطبيقاً، تَوَلَّد لديهم الشعُورُ القويّ بما يرضاه الله ولا يرضاه؛ وبالحلال والحرام، وبالمكروه والمستحب، وبالسنة والبدعة، وبالتوحيد والشرك، وحصلوا على العلم المُفَرِّق بين ما يصح وما لا يصح. الأمر الذي لم يكن ليُوْجَد بدون التقوى:

﴿إنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَّكُمْ فُرْقَانًا (الأنفال / 29)

وفي جانب آخر أكسبتهم ملازمة الشخصيات المربية الصالحة ، وحبُّهم والإعجاب بهم، والتربي عليهم، والصدور عن تهذيبهم وتثقيفهم ، عواطفَ فائضةً من الحب: الحب لله ولرسوله وللصحابة وأهل بيت الرسول والأئمة المجتهدين و أولياء الله والعارفين به والعلماء وحكماء الإسلام . الأمر الذي لم يكن ليُوْجَدَ بدون المداومة على الذكر والتفكير في جانب الآخرة ، والإنابة إلى الله ، والانصراف إلى كتاب الله، وسنة رسوله تعلماً وتعليماً و نشراً و تعميماً ، أي عندما يكون الإنسان مصداقاً لقوله تعالى: ﴿اَلَّذِيْنَ يَذْكُرُوْنَ اللهَ قِيَامًا وَّ قُعُوْداً وَ عَلَى جُنُوْبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُوْنَ فِيْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَ الأرْضِ (آل عمران / 191)

وإلى جانب ذلك أكسبهم الجمعُ بين الكتاب والشخصية ، أي بين عنصري الهداية كليهما، الاعتدالَ والاتزان وسعة الأخلاق.

إن حبهم للشخصيات الصالحة زوّدهم بالتواضع لله وإنكار الذات. الأمر الذي حال دونهم ودون الغلو والاستكبار والغرور يتسرب إليهم. أما العلم بالكتاب والسنة فقد أكسبهم المعرفةَ بالحدود والمراتب والمراكز ، مما أثار فيهم الإباءَ والاعتدادَ بالنفس؛ فتفادَوا من الذل النفسي لصالح الخلق والعبودية لغير الله تعالى. وعلى ذلك فهم – علماء ديوبند ليسوا متورِّرطين في الشبهات التي كانت دائماً فتنةً للعلماء، والتي أوقعت اليهود في الكبر والاستعلاء والجحود والنكران؛ وبالتالي جعلتهم مغضوباً عليهم. وليسوا مُسْتَعْبَدِيْن للشهوات والأهواء التي كانت دائماً فتنة للعاملين ، ومؤدية إلى البدع والمحدثات ؛ وبالتالي إلى الشرك ، والتي جعلت النصارى عبيداً للشخصيات المقدسة فانتهوا إلى الضلال؛ بل إنهم تجنبوا طرفي الغلو كليهما، وصاروا جماعة حقيقية لأهل الحق، لا يصح أن يُطْلَقَ عليها إلا «أهل السنة والجماعة» فهم مُتَفَادُوْنَ من الإفراط والتفريط وقائمون على الاعتدال؛ وعلى ذلك فهم متواضعون وأبَاةٌ ، منكرون لذواتهم ومحتفظون بشخصياتهم ، أغرارٌ ولكن لا يغرّون أحداً ، مطيعون للسلف ؛ ولكنهم بعيدون كل البعد عن تصور ربوبية الخلق، غير مُعْجَبِيْنَ بأنفسهم ؛ ولكنهم يتمتعون بالطموح ، فهم «كتابيون» و «شخصانيون» في وقت واحد.

فهذا اللقب المركب من «أهل السنة والجماعة» لا ينطبق على طائفة بمثل ما ينطبق عليهم لامتيازهم بالصفات والخصائص التي أشرنا إليها. ولكل من اسمه نصيب.

وخلاصة القول أن مذهب علماء ديوبند و مزاجهم المذهبي لا يقتصران على «السنة» وحدها، حتى يصيروا جماعة قد نشأت آخذة فقط بمفهومها اللفظي أواللغوي، صادرة عن نزعاتها الشخصية ، فتتعرض للأمواج المتلاطمة في خضم «السنة» أو «القرآن» تعرضاً عشوائياً تُمْنَى به لثقتها برأيها الشخصي ، فلا تجد دالاًّ يهديها للصواب.

وكذلك لم يتكون مزاجهم من مجرد «الجماعة» حتى يصبحوا طائفة متعصبة ، صادرة عن الإعجاب الزائد بالشخصيات ، والثقة المطلقة والمحاكاة الظاهرة لكل قول من أقوالها، وكل فعل من أفعالها، وكل حال من أحوالها؛ فلا تحمل دستوراً، ولا تسير في ضوء من الدلائل والبينات؛ وإنما يكون جل اعتمادها على تقليد الآباء والأجداد.

إن علماء ديوبند يتجنبون جانبي الإفراد والتفريط لكلتا الطائفتين هاتين، فهم يحملون قانون الشريعة أي الكتاب والسنة والفقه الناشئ منهما، ويحملون قانون الإحسان والتزكية والتربية التي يقوم بها أشخاص المربّين من العلماء الربانيين الصالحين.

وعلى ذلك فهم يتمتعون بالطريق وبهداة الطريق وبالصراط و بــ«الَّذِيْنَ أنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» وبسبيل الإنابة وجماعة المنيبين. وباجتماع العنصرين استقرَّت قلوبهم على الاستقامة ، فتوصّلت إلى مرتبة «القلب السليم» وتمتعت نفوسُهم بالتعليم والعلم بالأحكام، وبمعرفة ذات الله تعالى وصفاته ، وحب الله عز و جل والخشية منه.

وعلى ذلك فاتجاهُ علماء ديوبند الديني أو مزاجهم المذهبي إنما تَشَكَّلَ باجتماع «السنة» و «الجماعة» ؛ ولذلك فتسري روح الاعتدال والتوسط في جميع أحوالهم وكيفياتهم من المُعْتَقَدَاتِ والعبادات، والأخلاق والمعاملات، والسياسيات والاجتماعيات.

ومن ثم فبموجب مذهبهم المركب من «الشخصية» و «القانون» لم يكن منهجهم في فهم مرادات الكتاب والسنة ذلك المنهجَ الذي عم اتباعُه في هذا «العصر الجاهلي» حيث قد نهض المُثَقَّفُوْنَ المزعومون والمفكرون المزعومون ليتخذوا منهجاً لفهم مرادات الكتاب والسنة حسب هواهم. ومن المناهج المصطنعة تلك الرأيُ المجرد الذي يُتَّخَذُ نظراً لأوراق الكتاب والسنة وحروفهما وبمساعدة من الذهن – ذهن القارئ –ويُعْتَبَرُ ذلك الرأي هو الرأيَ الربانيَّ. ومنها الاعتماد على مجرد لغة العرب، أي تحديد الرأي الرباني في ضوء مجرد أساليب العرب في الكلام واستناداً إلى العلم بالعربية والبراعة في الأدب العربي. ومنها الاعتماد على التقاليد والاتجاهات الشعبية، أي يُصاغ ا لكتاب والسنة في قالبها، ويُقَرَّرُ للنصوص المعاني التي تتبادر في ضوء تلك الأعراف والتقاليد التي تتبعها عامة الناس. ومنها الاستناد إلى مُقْتَضَيَات العصر، أي تُتخذ مُقْتَضَيات الحاضر عماداً ودليلاً لفهم مرادات النصوص، ويُصْهَرُ ما في الكتاب والسنة في قالبه، و يقال: إن ذلك هو المراد الإلهي. وما إلى ذلك من الطرق التي اصطنعها الناس من عند أنفسهم.

ولكن مذهبَ علماء ديوبند يختلف في هذا الشأن عن جميع هذه الطرق المصطنعة المُتَّبَعَةِ؛ فهم لا يعتمدون في فهم نصوص الشريعة على الرأي ، ولا على مجرد التضلع من اللغة العربية ، ولا على التقاليد والأعراف، ولا على الأساطير والحكايات، ولا على نظريات العصر ومُقْتَضَيات الزمان؛ وإنما يعتمدون على التعليم والتربية القائِمَيْن على العنصرين الأساسيين؛ الكتاب والسنة ، والمعلم المربي ، الذكي القلب ، الثاقب النظر ، الزكي الفؤاد، مع الشرطين الهامين، وهما: الإسناد والنفسيّة التي هذّبتها التربية المُتَوَارَثَة؛ كما يتمثَّل ذلك في أن الصحابة تعَلَّموا الكتاب والسنة من النبي صلى الله عليه وسلم وأن التابعين تعلّموهما من الصحابة ، وأن أتباع التابعين تعلّموهما من التابعين ، وأن الأجيال اللاحقة أخذتهما ممن سبقها بشكل متَوَارَث وبإسنادغير منقطع وبسلسلة متصلة؛ وكسبت فيما يتعلق بفهم القرآن والحديث، بصحة من فوقها وتربيتهم ، ذلك الذوقَ المُتَوَارَث الذي كانوا يمتازون به، وعن تعليمهم وتربيتهم تلقَّوا مرادات الكتاب والسنة المقررة من عند الله تعالى. وتلك هي الطريقة التي لا يزال يتوارثها الخلف عن السلف بالسند العلمي والعملي، ومن خلالها ظلت تُرَسَّخُ في الأذهان المراداتُ المُتَوَارَثة المنتقلة من الله إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومنه إلى الصحابة ، ومنهم إلى التابعين ، ومن أتباع التابعين إلى الأجيال التالية المتلاحقة لحد اليوم. ولم يكن بالإمكان أن تكسب الأذهانُ أهليةَ هذا الانصباغ وتلقّي هذه المرادات المأثورة من خلال مجرد الورق، أومجرد الدراسة ، أو الأعراف والتقاليد ، أوالظروف الموقتة، والملابسات الحاضرة، أو النظريات التي يطرحها الزمان ، أو اللغة والأدب، أو الأساطير والقصص، ما لم تتمتع بتربيةوصحبة الشخصيات المتذوقة للشريعة ، المتشربة لروح الدين.

ومن الحقيقة الجلية أن الهداية الحاصلة من اجتماع العنصرين، ستكون مُنَزَّهَةً من الإفراط والتفريط، قائمةً على الاعتدال . ومن الطبيعي أن المهتدين بها سيتمثّل فيهم الاعتدالُ الذي يؤدي أولاً إلى تجردهم كلياً من العنصر الفاسد للعصبية الجاهلية.

ومن ثم ظل علماء ديوبند المتلقّون للتربية عن هذه الطريق ممتازين بنزاهتهم، من حيث المجموع، من خصائل الجاهلية تلك؛ وظلوا دائماً على مستوى مثاليّ من الاعتدال والتوازن، مسالمين مع الجميع، بعيدين عن التورط في النزاع القائم على التعصب مع الطوائف الإسلامية؛ وإنما ظلوا ينظرون إليها نظرةَ الأخوة والمسالمة، ولم يزالوا يَسْعَوْنَ لجمعها على نقطة من الاعتدال.

نعم، ولكنه لئن وُجِدَ من تحامَلَ بسوء الأدب على مذهب الاعتدال لأهل السنة والجماعة، أو أساء الأدب مع السلف الصالحين أوالأئمة ، أو تجرّأ على تخطئتهم، أو اصطنع ممشىً بجانب جادّتهم ؛ فإنهم إذاً لم يلازموا السكوت، وإنما نهضوا للدفاع عن ذلك بشكل موضوعيّ جادّ مُعَضَّدٍ بالدلائل. ولكنه لا يجوز أن يُوْصَفَ موقفهم ذلك بـ«النزاع» أو بــ«العصبية» أو بـ«حمية الجاهلية» وإنما الواجب أن يوصف بـ«دفع النزاع» و «محاربة الشقاق» لأنهم امتثلوا ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِيْ هِيَ أحْسَنُ (النحل / 125). فلا يخدش ذلك كونَهم مسالمين مع جميع الطوائف؛ لأن تأريخهم الممتدّ على أكثر من قرن و ربع قرن دليل ناطق على ذلك.

الاستعراض المفصّل للأساسين اللذين يقوم عليهما مذهب علماء ديوبند

Back

 

وفي ضوء ما قدمنا يتلخّص مذهب علماء ديوبند في ضوء مراد الحديث النبوي في أنه «اتّباعُ السنة عن طريق أهل الإنابة» أو «العمل بالدين ممزوجاً بتربية أهل اليقين» أو اتّباع الدين والتقيّد بالشريعة في ضوء تربية أهل السنة» أو «انصباغ القلوب بصبغة علاّم الغيوب» أو «اتّباع أوامر الله بصحبة أولياء الله».

فإذا أردنا أن نبيّن المذهب بشكل أكثر وضوحاً يجوز أن نقوم به من خلال سرد التفاصيل الدلالية الواسعة لكلمة «السنة» وكلمة «الجماعة» الموجزتين. وذلك بأن نقول: كل ما تكوّن ضمن «السنة» من شُعَب الدين بفضل السيرة النبوية هو عناصر مذهب علماء ديوبند، أما «الجماعة» فكل من وُجِدَ بفضل الصحبة النبوية من الشخصيات العظيمة من الصحابة فالتابعين فالأئمة المجتهدين والعلماء الراسخين في العلم ضمن تلك الشُعَب، احترامُهم جميعاً – مع مراعاة الفرق بين مراتبهم – واتّباعهم و تعظيمهم والتأدب معهم هو روح مذهبهم. وعلى ذلك فهذا المذهب بالسنة إلى مبادئه وبالنسبة إلى الشخصيات المتبوعة المعتبرة لديه، كشجرة ناشئة عن السنة النبوية وحب واحترام شخص النبي صلى الله عليه وسلم ، وتتملأ كل زهرة وثمرة منها – الشجرة الناشئة عن السنة النبوية – من نفس رائحة ولون السنة النبوية ؛ فلا توجد شعبة دينية – ولا يمكن أن توجد – لا تكون متصلة بآثار السنة النبوية ، وإلا لم تكن لتُسَمَّى «دينية» ؛ ولا توجد شخصية دينية من نوع «أولي الأمر» لا تكون مستنيرة بالشخصية النبوية ، وإلا لم تكن ليُطْلَقَ عليها «شخصية دينية» فلن يتطابق مذهب ما مع رغبة النبوة إلا إذا اتخذ تبني جميع الشعب المنتمية إلى النبي صلى الله عليه وسلم والتعلق بجميع الشخصيات الصالحة المتصلة به صلى الله عليه وسلم عنصراً من نفسه ، وإلا إذا خطا إلى الأمام في ضوء ذلك؛ حتى يتمتع بكلا النوعين من الانتماء الشامل الصحيح إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ الانتماء المبدئي والانتماء الشخصي . وإذا كان شخص النبي صلى الله عليه وسلم شخصاً كاملاً وجامعاً لجميع انتماءات العلاقة مع الله تعالى، فكل الانتماء الصالح الذي ينبع منه صلى الله عليه وسلم ويصل إلينا سواء عن طريق شعبة من شعب الدين، أو تجلّى عن طريق شخصية دينية معتبرة، إنما يصل بصاحب الانتماء ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإنما يجعله يتعلق به صلى الله عليه وسلم .

وإذا أعلملنا النظر في ضوء هذا المبدإ ، وجدنا أن جميع شعب الدين العلمية والعملية – ليس الشعب الفرعية فقط بل جميع الدلائل والحجج الدينية التي تُشَكِّلُ الشريعة – إنما هي آثار وثمار للانتماءات المتنوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فالانتماء الإيماني إليه صلى الله عليه وسلم أوجد شعبةً العقائد التي تُسَمَّى في اصطلاح الفن «كلامًا» ؛ والانتماء الإسلامي إليه صلى الله عليه وسلم أوجد شعبةَ الأحكام العملية التي تُسَمّى اصطلاحاً بــ«الفقه» ؛ والانتماء الإحساني إليه صلى الله عليه وسلم أوجد شعبةَ تزكية النفس وتتميم الأخلاق التي اطّردت تسميتُه بــ «فنّ التزكية والإحسان».

وأوجد الانتماء إليه في إطار «إعلاء كلمة الله» شعبة الجهاد والسياسة التي أُطْلِقَ عليها لقب «الإمارة والخلافة» ؛ والانتماء الإسنادي إليه أوجد شعبةَ نقل الدين وحمله إلى من بعده، التي تُسَمّى اصلاحاً «فن الرواية والإسناد» ؛ والانتماء الاستدلالي إليه أوجد شعبة طلب الدليل وإبانته التي تُسَمّى في الاصطلاح «فن الدراية والحكمة»؛ والانتماء التقائي إليه أوجد شعبة علوم الفراسة والمعرفة التي أُصْطُلِحَ عليه بــ«فن الحقائق والأسرار»؛ والانتماء الاستقرائي إليه أوجد شعبة القواعد الشرعية وأصول الدين التي يُطْلَقَ عليها «فن الأصول» سواء أكان أصول الفقه أو أصول التفسير أو أصول الحديث وما إلى ذلك.

والانتماء الاجتماعي إليه صلى الله عليه وسلم أوجد شعبةَ التعاون المتبادل وحسن المعاشرة التي تُسَمّى اصطلاحاً «حضارة و مدنية» ؛ والانتماء التيسيري إليه أوجد شعبة الاعتدال والتسهيل التي تُسَمّى «العدل والاعتدال» ؛ وقد تجلى وتبلور بالانتماء الإنبائي إليه (أي كونه مُكْرَمًا بالنبوة) الوحيُ المتلوّ وقد سُمِّيَ مجموع هذا الوحي بالقرآن الكريم. وظهر بالانتماء البياني إليه الوحيُ غير المتلو بقسميه القولي والفعلي ، وقد سُمِّيَ مجموع هذا الوحي بـ «الحديث»؛ والانتماء التلقيني إليه نشأت منه شعبةُ الاستنباط واستخراج المسائل التي يُصْطَلَحُ عليه بـ «الاجتهاد»؛ والانتماء إليه في إطار «الخاتمية» نشأت منه صورة الهداية الأبدية في الأمة وعدم الاجتماع على الضلالة ، وقد تجلّت بذلك مكانة الحجية في هذه الأمة، وقد سُمِّيَ ذلك بـ «الإجماع».

وخلاصة القول: إن الانتماء إليه – صلى الله عليه وسلم – أقام حجج الدين الأربع التي منها تتفرع مسائل الشريعة : كتاب الله وسنة رسول الله وإجماع الأمة واجتهاد المجتهد. وكلها معروفة في الأمة باختلاف مراتبها؛ ولكن كلها حجة شرعية في الدين. والحجتان الأوليان تشريعية على اختلاف الرتبة بينهما، أما الأخريان فهما تفريعيتان.

وجملة القول إن جميع الشعب الدينية العلمية والعملية وجميع الحجج الدينية إنما هي نابعة من الانتماءات المختلفة إلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام. وقد اتُّخِذَتِ الأسماءُ الاصطلاحيةُ للشعبة الفرعية منها فيما بعد. بينما صيغت هي وقواعدُها المستقاة من السنة النبوية في قالب الفنون؛ لكن حقائقها ظلت متصلة بشخص النبي صلى الله عليه وسلم منذ اليوم الأول. ولذلك فجميعُ هذه الشعب من الفقه والحديث والتفسير والرواية والدراية والحقائق والحكمة والأصول وفن التزكية والإحسان والكلام والسياسة ؛ إنما هي كلها تأتي ضمن السنة وأجزاءً منها. وقد أخذ بها علماء ديوبند دونما تغيير فيها واتخذوها عناصر لمذهبهم.

ثم ظهرت في الإسلام طوائف مختصة كان لها اختصاص وبراعة وتعمق في شعبها وفنونها؛ فسُمِّيَتْ كل منها بأسماء شعبها. نحو المتكلمين والفقهاء ، والمحدثين والمجتهدين، والأصوليين والحكماء، والقائمين بالتربية والتزكية. وقد نبغ في هذه الطوائف كلها رجال في شعبهم وفنونهم وعاشوا بها وفيها ولها، حتى عادوا أسماءً على مُسَمَّيات هذه الفنون، وعاد من الصعب الفرق بينهم وبين الفنون التي نبغوا فيها واختصوا، حتى عادوا حججاً مقبولة ودلائل معتمدة في الدين، واعتُبِرُوْا أئمة في فنونهم، لمواهبهم ومآثرهم التي قاموا بها في تلك العلوم والفنون ، كأئمة الاجتهاد: أبي حنيفة نعمان بن ثابت التيمي الكوفي المتوفى عام 150هـ / 767م. ومالك بن أنس الإصبحي الحميري أبي عبد الله المتوفى 179هـ / 795م، والشافعي محمد بن إدريس الهاشمي القرشي المطلبي أبي عبد الله المتوفى 204هـ / 820م، و أحمد بن محمد بن حنبل أبي عبد الله الشيباني الوائلي المتوفى 241هـ / 855م وغيرهم رحمهم الله؛ وكأئمة الحديث : البخاري (1) ومسلم (2) والترمذي (3) وأبي داؤد (4) وغيرهم رحمهم الله . وكأئمة الدراية والتفقه: أبي يوسف (5) ومحمد بن الحسن الشيباني (6) والمزني (7) وداؤد الطائي (8) والزعفراني (9) وابن القاسم (10) وابن وهب (11) وابن رجب (12) وغيرهم. وكأئمة الحكمة والحقائق: الرازي (13) والغزالي (14) والشاطبي (15) والشاه ولي الله الدهلوي (16) وغيرهم. وكأئمة الأصول: فخر الإسلام البزدوي (17) والعلامة الدبوسي (18) وغيرهما. وكأئمة الإحسان والتزكية: الجنيد (19) والشبلي (20) ومعروف (21) وبايزيد (22) وغيرهم رحمهم الله.

===========

(1)             هو أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة البخاري، أمير المؤمنين في الحديث. وُلِد سنة 194هـ الموافق سنة 810م في «بخارى» ، ونشأ يتيماً. قام برحلات طويلة في طلب الحديث ؛ فزار خراسان، والعراق و مصر والشام. وسمع من نحو ألف شيخ ، وجمع نحو ستمائة ألف حديث. اختار منها في صحيحه ما وثق برواته . وهو أول من وضع في الإسلام كتاباً على هذا النمط، و كتابه «الجامع الصحيح» أوثق الكتب الستة، المعوَّل عليها في الحديث. أقام بـ«بخارى» ، فتعصب عليه جماعة ، ورموه بالتهم، فأخرج إلى «خرتنك» من قرى «سمرقند»، ومات بها سنة 256هـ الموافق عام 870م. كان حبر الإسلام، عالماً مخلصاً للعلم، حافظاً نادرة في الحفظ ، كريماً أعجوبة في الكرم، مجاهداً سبّاقاً إلى الجهاد ، وصدراً في كل شيء. وكان مع ذلك من أعبد العباد وأزهد الزهاد، وأشد المتواضعين. وقد صدق من قال: إنه أحد أعاجيب الرجال في تأريخ الإسلام العلمي. (تهذيب التهذيب 9 / 47؛ تاريخ بغداد 2 / 4-36؛ وفيات الأعيان 1 / 455؛ الأعلام للزركلي 6/ 34).

(2)             هو أبو الحسن مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري؛ أحد أئمة الحفاظ وأعلام المحدثين . وُلِد بمدينة «نيسابور» عام 204هـ الموافق 820م، وتوفي بها عام 261هـ الموافق 875. رحل إلى الحجاز ومصر والشام والعراق. وأخذ الحديث من يحيى بن يحيى النيسابوري، وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأخرين. وروى عنه الترمذي وغيره . ولما استوطن البخاري نيسابور و وقع بين محمد بن يحيى النيسابوري والإمام البخاريّ ما وقع في مسألة اللفظ بالقرآن ، قطعه الناس إلا مسلماً ، فإنه لم يتخلف عن زيارته غير مكترث بنهي السلطان. أشهر كتبه «الصحيح» جمع فيه اثنى عشر ألف حديث. وهو أحد الصحيحين عند أهل السنة. (وفيات الأعيان ج5، ص194؛ تاريخ بغداد ج:13، ص:100؛ الأعلام ج:7، ص:221؛ تذكرة الحفاظ 2 / 150).

(3)             هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى السلمي، البوغي الترمذي، من أئمة علماء الحديث، وحفاظه. من أهل «ترمذ» على نهر جيحون. تلمذ للبخاري وشاركه في بعض شيوخه ، وقام برحلة إلى خراسان و واسط والريّ والعراق والحجاز، وعمي في آخر عمره. وكان يضرب به المثل في الحفظ.

 وُلِدَ سنة 209هـ الموافق 824م، في «ترمذ» ، وتوفي بها عام 279 هـ الموافق عام 892م. من تصانيفه الجامع الكبير باسم جامع الترمذي في الحديث ، والشمائل النبوية ، و «التأريخ والعلل» في الحديث . (ميزان الاعتدال 3/ 117؛ وفيات الأعيان 1 / 484؛ تذكرة الحفاظ 2 / 187؛ الأعلام للزركلي 6 / 323).

(4)             هو سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير الأزدي أبو داؤد السجستاني محدث البصرة . أصله من «سجستان» . وُلِدَ عام 202هـ الموافق 817م وتوفي بــ «البصرة» سنة 275هـ الموافق عام 889م. رحل إلى مصر والحجاز والشام والعراق وخراسان، وسمع بها ، كما انتفع بالإمام أ؛مد ولازم مجلسه. كان إماماً ، فقيهاً، حافظاً للحديث ، عالماً بعلله وأسانيده مع غاية في الصدق والعفاف والورع والصلاح . وكان على مذهب السلف في اتّباع السنة والتسليم لها، وترك الخوض في مضائق الكلام. قال الصاغاني : لُيِّنَ لأبي داؤد الحديث كما لُيِّنَ لداؤد الحديد. له السنن وهو أحد الكتب الستة، جمع فيه 4800 حديثاً انتخبها من 50000 حديث . (تاريخ بغداد ج9، ص55؛ سير أعلام النبلاء ج13 ص203؛ وفيات الأعيان 1 / 214؛ تذكرة الحفاظ 2 / 152؛ الأعلام للزركلي 3/122).

(5)             هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، الكوفي ، البغدادي أبويوسف صاحب الإمام أبي حنيفة . ولد سنة 113هـ الموافق سنة 731م بالكوفة . وتوفي ببغداد عام 182هـ الموافق 798م، وهو على القضاء في خلافة هارون الرشيد العباسي. تفقه بالحديث والرواية على ابن أبي ليلى، والأعمش. وعطاء بن السائب وغيرهم. ثم لزم أبا حنيفة رحمه الله . تولّى القضاءَ ببغداد في أيام المهدي والهادي والرشيد من خلفاء الدولة العباسية. وكان الرشيد يكرمه ويُجِلُّه وهو أول من دُعيَ «قاضي القضاة» وأول من وضع الكتب في أصول الفقه على مذهب أبي حنيفة. كان فقيهاً ، علامةً من حفاظ الحديث، واسعَ العلم بالتفسير والمغازي. من كتبه «الخراج» ،و «مسند أبي حنيفة» ، و «أدب القاضي»، و «الجوامع» وغيرها، من الكتب النفيسة العلمية. (الجواهر المضيئة 2/220؛ وفيات الأعيان 2/303؛ شذرات الذهب 1/298؛ الأعلام للزركلي 8/193).

(6)             هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني بالولاء. وهو الذي نشر بتصانيفه علمَ أبي حنيفة. أصله من قرية «هرسته» في غوطة دمشق. ولد بواسط سنة 131هـ الموافق 748م ونشأ بالكوفة. قرأ الحديث على مالك والثوري والأوزاعي من الأعلام. ثم ورد على أبي حنيفة وتفقه عليه، وأخذ عنه الإمام الشافعي. وقال: ما رأيت سميناً أفهم منه. ولاّه الرشيد القضاء بالرقة، ثم عزله . ولما خرج الرشيد إلى خراسان صحبه ومات في الري عام 189هـ الموافق 804م ودفن بها. فكان الرشيد يقول: دفنت الفقه والعربية بالريّ.

كان أعلم بكتاب الله، إماماً بالفقه والأصول، بارعاً في النحو والعربية ، والرياضيات ، مع عفة وورع وكثرة صلاة والذكر لله. له تسع مائة وتسعة وتسعون كتابا معظمها في الفقه والأصول . (وفيات الأعيان ج4 ص184؛ الجواهر المضيئة ج2، ص42؛ الفوائد البهية 163؛ الأعلام للزركلي 6/80).

(7)             هو إسماعيل بن يحيى بن إسماعيل أبو إبراهيم المزني صاحب الإمام الشافعي من أهل مصر. ولد عام 175هـ الموافق 791م بـ «مصر» وتوفي بها عام 264هـ الموافق 878م، ودُفنَ بالقرب من تربة الإمام الشافعي. نسبته إلى «مزينة» من مصر (قبيلة مشهورة)

كان زاهداً ، عالماً ، مجتهداً ، فقيهاً، محققاً، مجاب الدعوة، وإمام الشافعيين في زمانه. وكان أعرفهم بطرق الشافعي و فتاواه وما ينقله عنه. قال الشافعي يصفه : المزني ناصر مذهبي ، ولو ناظر الشيطان لغلبه. وله مصنفات عديدة في مذهب الإمام الشافعي، من بينها «الجامع الصغير» و «الجامع الكبير» و «مختصر المختصر» وهو أصل الكتب المصنفة في الفقه الشافعي. (وفيات الأعيان ج1، ص217؛ الأعلام للزركلي 1/329).

(8)             هو داؤد بن نصير أبو سليمان الطائي من أئمة المتصوفين ، كان في أيام المهدي العباسي (المتوفى 169هـ / 785م) أصله من «خراسان». ولد بـ «الكوفة» ، وتوفي بها عام 165هـ الموافق 781م. رحل إلى بغداد، وسمع من كبار العلماء وروى عنه الأكابر، وأخذ عن أبي حنيفة، ثم عاد إلى الكوفة ، فاعتزل الناس ولزم العبادة إلى أن مات فيها، وكان ممن شغل نفسه بالعلم ودرس الفقه وغيره من العلوم.

قال أحد معاصريه: لو كان داؤد في الأمم الماضية ، لقص الله تعالى شيئا من خبره. وله أخبار مع أمراء عصره وعلمائه. (وفيات الأعيان ج2 ص259؛ حلية الأولياء 7/335؛ الجواهر المضيئة 2/536؛ الأعلام للزركلي 2/335).

(9)             هو الحسن بن محمد الصباح البزاز، الزعفراني، البغدادي، أحد الفقهاء و رجال الحديث . نسبته إلى «الزعفرانية» قرية بقرب بغداد. سمع من سفيان بن عيينة، و وكيع بن الجراح، ومن في طبقتهما، ثم لازم الإمام الشافعي، وتبحَّر و ذاع صيته في الآفاق. كان راوياً للإمام الشافعي لأقواله القديمة، بارعاً في الفقه والحديث، ولم يكن في وقته أفصح منه ولا أبصر باللغة . توفي عام 259هـ الموافق عام 873م. (وفيات الأعيان ج2 ص73؛ تهذيب التهذيب ج2 ص318؛ الأعلام للزركلي 2/212).

(10)           هو عبد الرحمان بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي ، المصري أبو عبد الله المعروف «بابن القاسم» فقيه مالكي. جمع بين الزهد والعلم، تفقه بالإمام مالك ونظرائه، وتفقه عليه كبار المالكيين . ولد بــ «مصر» عام 132هـ الموافق عام 750م، وتوفي بها عام 191هـ الموافق 806م، ودفن خارج «باب القرافة الصغرى». له «المدونة الكبرى» في ستة عشر جزءاً ، وهي من أجل كتب المالكية ، رواها عن الإمام مالك. (وفيات الأعيان ج3 ص129؛ الأعلام للزركلي 3/323).

(11)                هو أبو محمد عبد الله بن وهب الفهري بالولاء ، المصري، من أصحاب مالك. ولد بــ «مصر» عام 125هـ الموافق 743م، وتوفي بها عام 197هـ الموافق سنة 813م.

سمع من مالك وعبد الرحمن بن القاسم، وصحب مالكاً عشرين سنة، وصنف الموطّأ في الحديث . عُرِض عليه القضاء بمصر، فخبأ نفسه ، ولزم منزله. كان عابداً ، حافظاً، فقيهاً، محدثاً مجتهداً شديد الخوف من الله تعالى. ذُكِرَ أنه قُرِئَ عليه «كتاب الأهوال» من جامعه، فأخذه شيء كالغشي، ولم يزل كذلك حتى مات. مؤلفاته معروفة في الفقه. (وفيات الأعيان ج3 ص36؛ تذكرة الحفاظ 1/279؛ تهذيب التهذيب 6/71؛ الأعلام للزركلي 4/144).

(12)           هو الشيخ الإمام المقرئ المحدث شهاب الدين أحمد بن رجب عبد الرحمان البغدادي ، ثم الدمشقي الحنبلي الشهير بـ «ابن رجب». ولد بمدينة بغداد عام 763هـ الموافق عام 1335م وتوفي بدمشق عام 795هـ الموافق عام 1393م.

قدم مع والده إلى دمشق وهو صغير، فقرأ على ابن نقيب ، ويحيى بن شرف النووي وسمع بـ «مكة» من الشيخ عثمان بن يوسف وبمصر من الشيخ صدر الدين أبي الفتح الميدومي. كان غراً كريما، واعظاً مبكياً، حافظاً للحديث، وكان أعرف أهل عصره بالعلل والأسانيد. تخرج عليه غالب الحنابلة بدمشق. من كتبه شرح جامع أبي عيسى الترمذي، وشرح الأربعين للنووي، وشرح لصحيح البخاري لم يتمه. (شذرات الذهب ج3ص349؛ الأعلام للزركلي 3/295).

(13)           هو محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، أبو عبد الله فخر الدين الرازي من علماء الشافعية . أصله من «طبرستان» ، مولده في «الري» من أعمال «فارس» عام 544هـ الموافق عام 1150م، وإليها نسبته. وتوفي بــ «هراة» عام 606هـ الموافق عام 1210م. رحل إلى «خوارزم» وما وراء النهر وخراسان، وأخذ عنه خلق كثير، قدم على شهاب الدين الغوري سلطان غزنة، فبالغ في إكرامه.

 كان أصولياً ، حكيماً، متكلماً، مفسراً، فقيهاً، أديباً، شاعراً أوحد زمانه في المعقول والمنقول. وكان يحسن الفارسية. له مؤلفات نفيسة. (وفيات الأعيان 1/474؛ البداية والنهاية 13/55؛ الأعلام للرزكلي 6/313).

(14)           هو محمد بن محمد بن محمد الغزالي، الطوسي أبو حامد حجة الإسلام ، فيلسوف، زاهد متصوف له نحو مائتي مصنف في شتى العلوم. ولد في «الطابران» قصبة ببلاد «طوس» بخراسان سنة 450هـ الموافق 1058م. وتوفي بها عام 505هـ الموافق عام 1111م.

نسبته إلى صناعة الغزل أو إلى «غزالة: من قرى «طوس». درس و تخرّج على الشيخ أبي المعالي الجويني إمام الحرمين (المتوفى 478هـ / 1085م).

كان مدرساً بالمدسة النظامية ببغداد ، ثم ترك جميع ما كان عليه، وسلك طريق الزهد والانقطاع ، واجتهد في العبادة وزيارة المشاهد المقدسة. واتّخذ بجوار بيته مدرسة للمشتغلين بالعلم وزاوية للصوفية بمدينة «نيسابور» و وزّع أوقاته على وظائف الخير من ختم القرآن ومجالسة أهل القلوب، والقعود للتدريس إلى أن توفي. (وفيات الأعيان 1/463؛ شذارت الذهب 4/100؛ الأعلام للزركلي 7/22).

(15)           هو القاسم بن فَيُّرة بن خلف بن أحمد الرعيني، أبو محمد الشاطبي إمام القراء. كان ضريراً وُلِدَ بــ «شاطبة» في الأندلس عام 538هـ الموافق عام 1144م. وتوفي بـ «مصر» سنة 590هـ الموافق 1194م.

كان عالماً بالحديث والتفسير والنحو واللغة ، قوي الحفظ والإحاطة . وهو صاحب «حرز الأماني» قصيدة في القراءات تعرف بــ «الشاطبية» . قال ابن خلّكان: كان إذا قرئ عليه «صحيح البخاري» ، و «مسلم» ، و «الموطأ» تُصّحَّحُ النُّسَخُ من حفظه. والرعيني نسبة إلى ذي رعين أحد أقيال اليمن . (وفيات الأعيان 1/422؛ شذرات الذهب 4/301؛ الأعلام للزركلي 5/180).

(16)                قد مضت ترجمته ضمن عنوان «ماهي الديوبندية».

(17)           هو علي بن محمد بن الحسين بن عبد الكريم أبو الحسن فخر الإسلام البزدوي . من أكابر الحنفية من سكان مدينة «سمرقند» . نسبته إلى «بزدة» قلعة بقرب «نسف». ولد عام 400هـ الموافق عام 1010م، وتوفي عام 482هـ الموافق عام 1089م. دَرّس وأفاد لمدة مديدة بسمرقند، و وُلّيَ القضاءَ بها.

كان محدثاً، فقيهاً، مناظراً مُفْحماً، بارعاً في الفروع، والأصول والكلام، وفنون جمة. وكان يُضْرب به المثل في حفظ المتون والمذاهب. من تصانيفه «كنز الوُصول» في أصول الفقه يُعَرفُ بأصول البزدوي، و «تفسير القرآن» وهو كبير جداً. (الفوائد البهية 124؛ الجواهر المضيئة 1/372؛ الأعلام للزركلي 4/328).

(18)                هو عبد الله بن عيسى أبو زيد الدبوسي،نسبته إلى «دبوسية» بين بخارى و سمرقند . تفقه على أبي جعفر الأشتروني.

كان فقيهاً، باحثاً، أصولياً، وأول من وضع علم الخلاف و أبرزه إلى الوجود. ذكر الإمام السمعاني أنه كان يُضْرب به المثل في النظر واستخراج الحجج. وكان له بسمرقند وبخارى مناظرات مع الفحول.

توفي بــ «بخارى» عام 430هـ الموافق 1039م. من كتبه «تأسيس النظر» فيما اختلف به الفقهاء أبو حنيفة. وصاحباه، ومالك ، والشافعي؛ و «الأسرار» في الفروع ؛ و «تقويم الأدلة» في الأصول . (وفيات الأعيان 1/253؛ كشف الظنون 1/334؛ البداية والنهاية 12/46؛ الأعلام للزركلي 4/109).

(19)           هو الجنيد بن محمد بن الجنيد البغدادي ، الخزاز أبو القاسم صوفي من العلماء بالدين. وُلِد و نشأ ببغداد، وتوفي بها عام 297هـ الموافق 910م. أصل أبيه من «نهاوند». تفقه على أبي ثور صاحب الإمام الشافعي. عدّه العلماء شيخ مذهب التصوف ، وهو أول من تكلم في علم التوحيد ببغداد. قال أحد معاصريه ؛ ما رأت عيناي مثله، الكتبة يحضرون مجلسه لألفاظه والشعراء لفصاحته، والمتكلمون لمعانيه.

كان فقيهاً، أديباً ، صوفياً مصوناً من العقائد الذميمة ، سالماً من كل ما يوجب اعتراض الشرع. من كلامه: من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث ، ولم يتفقه، لا يُقْتَدَى به. (تاريخ بغداد 7/241؛ حلية الأولياء 10/255؛ وفيات الأعيان 1/117؛ الأعلام للزركلي 2/141).

(20)           هو دلف بن جحدر الشبلي ، ناسك، أصله من خراسان، ونسبته إلى «شبلة» قرية ببلاد ماوارء النهر. ولد بمدنية «سَرّ من رأى» عام 247هـ الموافق 861م، وتوفي ببغداد سنة 334هـ الموافق 946م.

كان في مبدإ أمره والياً في «دنباوند» من نواحي الريّ، وحاجباً للموفق العباسي، كما كان أبوه حاجب الحجاب، ثم ترك الولاية ، وعكف على العبادة، فاشتهر بالزهد والصلاح، له شعر جيد سلك به مسالك المتصوفة. (وفيات الأعيان 1/180؛ حلية الأولياء 10/366؛ تاريخ بغداد 14/389؛ الأعلام للزركلي 2/341).

(21)           هو معروف بن فيروز الكرخي أبو محفوظ، أحد أعلام الزهاد والمتصوفين . كان من موالي الإمام علي الرضي بن موسى الكاظم. ولد ببلدة «كرخ» ببغداد. ونشأ و توفي بها عام 200هـ الموافق عام 815م. كان أبواه نصرانيين، فأسلما بإسلامه. اشتهر بالصلاح وقصده الناس للتبرك به، حتى كان الإمام أحمد بن حنبل في جملة من يختلف إليه، كان صاحب الأحوال والكرامات، ومشهوراً بإجابة الدعوة. (شذرات ج1ص360؛ وفيات الأعيان ج2 ص104؛ تاريخ بغداد 13/199؛ الأعلام للزركلي 7/269).

(22)           هو طيفور بن عيسى البسطامي، أبو زيد ، ويقال بايزيد، زاهد مشهور. ولد بـ «بسطام» بلدة من أعمال «قومس» بين خراسان والعراق عام 188هـ الموافق عام 804م، وتوفي بها سنة 261هـ الموافق 875م. كان جده مجوسياً ، فأسلم.

كان أبو يزيد يقول : لو نظرتم إلى رجل أعْطي من الكرامات حتى يرتفع في الهواء ، فلا تغتَرُّوا به ، حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وأداء الشريعة. قيل: إنه أول من قال بمذهب الفناء، ويُعرف أتباعه بالطيفورية والبسطامية. (وفيات الأعيان ج2 ص531؛ حلية الأولياء ج10 ص33؛ ميزان الاعتدال 1/481).

==========

هذه الفنون والشعب وغيرها التي نبغ فيها رجال سعداء ، بجهودهم وصل الدين والعلوم الدينية إلينا؛ فهؤلاء الأعلام البررة كلهم احترامُهم واجب في مذهب علماء ديوبند، وكذلكهم مراجع في فنونهم ونواحي اختصاصهم لدى علماء ديوبند.

فكما أن علماء ديوبند يرجعون إلى هذه الشعب كلها رجوعاً مُوَحَّدًا ولا يقتصرون على إحدى منها ولا يتشاغلون بها عن غيرها. فمثلاً لا يأخذون بشعبة التزكية والإحسان وحدها، حتى ينبذوا وراءهم الحديث؛ أو لا يأخذون بالحديث وحده، حتى يستغنوا عن الكلام وشعبة التزكية والإحسان؛ أو لا يأخذون بالفقه وحده، حتى ينصرفوا إلى الحقائق والأسرار؛ ولا يصنعون عكس ذلك ، حتى يتشاغلوا عن الفقه وجزئياته. فهم يأخذون بجميع هذه الشعب بشكل سواء.

كذلك فهم يثقون برجال هذه الشعب المختصين فيها ويحترمونهم احتراماً متساوياً، لأن كلاً منهم ينتمون إلى شخص النبي صلى الله عليه وسلم من جهة أو أخرى، ويقتبسون النور من سراج النبوة الوهاج.

فكونُ علماء ديوبند محدّثين لا يعني أبداً أنهم لا يُلِمُّوْن بالفقه، أو كونُهم فقهاء لا يعني أنهم لا يُعْنَوْنَ بالحديث، أو كونُهم أصوليين لا يعني أنهم يحتقرون رجال التزكية والإحسان، أو كونهم رجال التزكية والإحسان لا يعني أنهم لا يقيمون وزناً للمتكلمين. وذلك أن هؤلاء الأشخاص كلهم خلفاء للنبي صلى الله عليه وسلم باعتبار من الاعتبارات ومتبعون لآثاره صلى الله عليه وسلم . كمثل الصحابة الذي كان فيهم رجال من كل نوع ومن كل لون؛ ولكنهم جميعاً كانوا على مكانة مرموقة في تبادل التأدب فيما بينهم واحترامهم بعضهم للبعض.

ولذلك فإن الأفضل الأسمى الأكثر قبولاً ومحبوبيةً فيما بين أفاضل الأمة وأعلامها، إنما عُدَّ من كانوا يجمعون بين الإحاطة والتعمق في هذه العلوم والفنون كلها؛ فكانوا في وقت واحد مفسرين ومحدثين ، وفقهاء ومتكلمين، ورجال تزكية وإحسان؛ وكانويتمتعون بالأحوال والكيفيات المشتركة من الرواية والدراية ، والأخلاق والعمل، والفقر والإمارة ، والزهد والمدنية، والعبادة وخدمة الخلق، وحب العزلة والاجتماع، والخلوة والجلوة، وافتراش الغبراء مع الحكم والسلطان. كما كانت حياة الصحابة رضي الله عنهم نموذجاً واضحاً لهذه الجامعية والشمول، وفيما بعدهم أيضا لم يخل تأريخ الأمة من الذين اقتفوا آثارهم واتبعوا خطواتهم في الجامعية هذه. وإن كانت بعض الشخصيات قد غلبت عليها بعضُ الشعب فعُرفت بها في الناس؛ ولكن ذلك لم يُخِلَّ بجامعيتها.

فكما أن جميع شعب الدين هذه : العلمية والعملية واجبة الاعتبار والأخذ، كذلك شخصياتُها كلها واجبة الثقة والإعجاب والاحترام؛ ولذلك فإن حبها جميعاً واحترامها معاً أساسٌ أهمُّ من أسس مذهب علماء ديوبند؛ لأن هذه الجامعية هي التي كانت مُتَّبَعَةً لدى الصحابة رضي الله عنهم، وهي التي كانت مذهباً لديهم عن طريق اتباعهم لنبيهم صلى الله عليه وسلم ، أي أنهم بجانب اتباعهم لجميع السنن النبوية وأخذهم بجميع شعب الدين أجادوا احترام الأشخاص ، و وَقَّر بعضهم بعضاً. وهذه الطريق نفسها: طريق الجامعية، سلكها أهلُ السنة والجماعة الذين اختير لقبهم هذا : «أهل السنة والجماعة» من عند النبي صلى الله عليه وسلم ، حتى تتجلى جامعية مذهبهم وأعمالهم باللقب هذا وحده.

وهذه الطريقة الجامعة هي التي وصلت كابراً عن كابر إلى الإمام أحمد بن عبد الرحيم المعروف بــ «الشاه ولي الله الدهلوي» [المتوفى 1176هـ / 1762م]««««مضت ترجمته ضمن عنوان «ماهي الديوبندية»»»» رحمه الله تعالى: تلك الطريقةن التي تمتاز بالجمع بين «الارتفاقات» والاقترابات». وإذا كانت «الارتفاقات» لها مصاديق كثيرة ؛ فإننا إذا نظرنا إليها من وجهة «الرفق» فإن مصداق معنى هذه الكلمة الأشدّ أهميّةً سيكون الاهتمامَ بتوجيه وإرشاد رفقاء الطريق وزملاء السفر، الذي إنما يتحقق عن طريق الشخصيات. أما «الاقترابات» فإنما تعني جميعَ شعب التقرب إلى الله تعالى التي يُغطّيها كتابه القيم «حجة الله البالغة» ((1)). وهذه الطريقة الجامعة – التي اتّبعها الصحابة ومن بعدهم – هي التي انتهت إلى علماء ديوبند مارّةً به – الشاه ولي الله الدهلوي – وأصبحت هي شعاراً لهم ورمزاً على شخصيتهم وهويتهم.

========

 ((1)) حجة الله البالغة ، كتاب باللغة العربية، في فن أسرار الشريعة ؛ ألفه الإمام الشاه ولي الله الدهلوي (أحمد بن عبد الرحيم) المتوفى 1176هـ / 1762م. وهو من نوادر المؤلفات في الموضوعات الإسلامية.

كان الإمام الدهلوي رحمه الله متاكّداً من أن العهد القادم سيكون عهداً عقلانياً، تكثر فيه إثارة الشكوك ضدّ أحكام الشريعة. وسدًّا لهذا الخطروَضَعَ مُؤَلَّفَه المنقطع النظير هذا ، على الحاج من الشيخ محمد عاشق الفلتي (المتوفى نحو 1187هـ / 1773م) بأسلوب يجمع بين الكلام والفقه والفلسفة والمناقشة العقلية ، الأمر الذي لم يكن ليتأتّى لغيره . وقد أثبت فيه كونَ تعاليم الإسلام موافقةً للفطرة، وكونَ الأحكا الشرعية مبنيّةً على العدل. وقد ذكر أسرار وحِكَمَ كل حكم من أحكام الشريعة بأسلوب مُعَضَّد بالدلائل يفنّد كل شك يمكن أن يثيره المتشككون ، ويفحم المعارضين الذين يوجّهون إلى الأحكام اعتراضات.

قد حاول الإمام الدهلوي من خلال هذا الكتاب أن يطرح فلسفة الإسلام بشكل منسق. وعقد أبواباً بأسلوب فقهيّ ، وتناول فيها جيمع الأحكام بالتحليل والتعليق ، وذكر لكل منها علة بطريقة تجعل القارئ يؤمن بهذه الأحكام إيماناً مبنياً على البصيرة.

فهذا الكتاب شرح لفلسفة الإسلام، وهو على شاكلة كتاب «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي (المتوفى 505هـ / 1111م) بل يفوقه بكثير من الأمور. وإلى جانب ذلك يمثل أسلوباً جميلاً فريداً متقناً رائعاً للكتابة بالعربية نبغ فيه عالم عبقريّ عسلته خلية الإسلام في ديار العجم .

========

وإذاً فإن مذهب علماء ديوبند ليس مجرد الأصولية (Fundamentalism)((1)) أو الشخصانية (Personalism) ولا يغني عندهم لفهم الدين أو التربية الدينية مجردُ الكتب والكتابات، ولا مجردُ الشخصيات، ولا مجردُ المطالعة والدراسة، ولا مجردُ التفكير الشخصي، ولا مجردُ الاعتماد على أقوال و أفعال الشخصيات. وإنما تكوّنَ مزاج هذا المذهب بالأصول والقانون وبالذوات والشخصيات معاً؛ أو بتعبير آخر: بالكتب والكتابات بشرطِ معية وملازمة الصديقين، وبالدراسة والتدريس المنتظمين معاً؛ فلا يجوز عندهم صرف النظر عن شيء من ذلك. وإذا كانت الجامعية والاعتدال والتحفظ والتوسط هي روح هذا المذهب؛ فإن التقيد بجميع الجزئيات الدقيقة واتّخاذها منارةَ نور – في حمة واعتدال – في كل شعب الدين وحجج الشرعية بدءاً من القرآن والحديث ، ومروراً بالفقه والكلام وغيرهما ، وانتهاء إلى الإحسان والتزكية ، أضحى شعاراً للمذهب.

أما في خصوص الذوات والشخصيات فإن اتّباعها وحبها والانتهاج بمنهجها في نجوة من الإفراط والتفريط والغلو والتقصير ، بدءاً من شخصيات الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام، وانتهاء إلى أئمة الاجتهاد، والعلماء الراسخين ، والصلحاء المتقين، والمشايخ العظام، ورجال التزكية والإحسان الكرام، وحكماء الإسلام ، كان ميزة لهذا المذهب ؛ مذهب علماء ديوبند.

الأصل الأصيل في مذهب علماء ديوبند هو التوحيد:

وإذا أمعنا النظر وجدنا أن أصول هذه الشعب كلها وقوانينها وعلومها و فنونها، إنما تتلخص في أمرين: العقيدة والعمل، ولأجلهما نزلت الشريعة التي وضعت الشعب المذكورة كلها . أما الأمور الأخرى فإنما هي آثار لهما ونتائج تبحثها تلك الفنون والشعب . أما العقائد فعلى رأسها بل التي هي أساس العقائد كلها هي عقيدة التوحيد التي ظلت أصلَ الدين لدى جميع الأنبياء عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام . أما الأعمال فإن أساسها هو اتباع السنة والتقيد بالأسوة الحسنة للنبي صلى الله عليه وسلم . وجميع طرق العمل المأثورة بالسند سواء أكانت طرق السلف أوالخلف إنما هي آثار ونتائج للسنة النبوية . ولذلك فإن الأصل الأصيل في هذا المذهب: مذهب علماء ديوبند إنما هو التوحيد والتركيز عليه بشكل لا يدع مجالاً لشوائب الشرك ودواعيه. ومع ذلك فإن هذا المذهب لا يتضمن بصورة أو بأخرى، الاعتقاد بأن احترام الصلحاء والأتقياء وحب ذوي الفضل والكمال من العلماء وأعلام الدين ، ينافي التوحيد.

إذاً فإن هذا المذهب ليس يعني تحقير الشخصيات والاستهزاء بها والتجرأ عليها، بالاهتمام بالتوحيد و التركيز عليه؛ لأن ذلك ليس كمال التوحيد، بل هو الغلو في التوحيد، أو الخلو عن الحقيقة ، أو الشعور بالعلو الشخصي. وكذلك فإن المغالاة في تعظيم الشخصيات ، التي تُخِلُّ بالتوحيد أو يَشوبه الشرك، ليست من هذا المذهب في شيء؛ لأن ذلك ليس تعظيماً ، وإنما هو غلو في التعظيم يتضمن صريحاً الاستهانة بالتوحيد. فالتعظيم بشكل لا يخدش التوحيد، والتوحيدُ بصورة لا تحول دون التعظيم ، هما نقطة الاعتدال التي هي مذهب علماء ديوبند.

أمثلة لاعتدال المذهب:

في هذا الخصوص إذا أخذنا في الاعتبار قضية الشخصيات والذوات ، وجدنا أن منبع الشخصيات المقدسة في العالم هو شخصيات الأنبياء عليهم السلام، ولا سيما شخصية آخرهم وخاتمهم سيدنا وسيد ولد آدم نبينا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، التي كان حبُّها و تعظيمها والإعجاب بها واتباعها أصلَ الإيمان. لكن علماء ديوبند في هذا الشأن كذلك لم يبرحوا نقطةَ الاعتدال ، ولم يُمْنَوْا بالغلو ، ولم يتبنوا الإفراط والتفريط، وذلك جرياً وراء مذهب أهل السنة والجماعة.

فليس مذهبهم فيما يتعلق بالأنبياء عليهم السلام كمذهب الطوائف وأبناء شتى الديانات القائل بعدم الفرق بينهم وبين الله ، وإنما الفرق هو كون الله وجوداً ذاتياً وكون الأنبياء وجوداً عرضياً و نعوذ بالله من ذلك؛ أو القائل بأن الله قد حلَّ في الأنبياء وأنهم مُغَطَّوْنَ بالحجاب المجازي ، وقد تمثلت فيهم الحقيقة الربانية السماوية ، أي أنهم مظهر الألوهية ؛ أو القائل بأنهم شيء فوق النوع البشري العام، فلا يوجد بينهم وبين البشر أية مماثلة؛ أو القائل بأنهم – ومعاذ الله تعالى من ذلك – خلاصة الروح الإلهية؛ أو القائل بأنهم من صلب الله أو أعزاؤه أو أحباؤه أو أولاده وأحفاده.

وكذلك فليس مذهب علماء ديوبند كمذهب الماديين السيّئي الأدب الوقحاء، القائلين بأن الأنبياء عليهم السلام – معاذ الله تعالى – مجرد الرسل أي حاملي الخطابات وسُعاة البريد؛ فوظيفتُهم تنتهي لدى نقل رسالة الله إلى العباد، وليست لهم قيمة وراء ذلك؛ أي أنهم لا يستحقون أي احترام أو تكريم أو حب و تقدير؛ لأنه مجرد واسطة؛ اللهم إلا الاحترام العادي الذي تميله الأخلاق الإنسانية نحو أي رسول ناقل للرسالة من شخص إلى شخص.

ومن الواضح أن ذلك ضلال مبين و تورط في الإفراط والتفريط، إنما يسببه الجهل والغباء، على حين إن الدين نابع من منبع العلم الإلهي الصافي. والإفراط والتفريطُ والغلو والمبالغة ، إنما نشأ من الظلم والسفاهة، وكلنا يعلم أن الدين مبنيّ على أساس العلم والعدل، وليس على أساس الظلم والجهل.

ولذلك فإن مذهب علماء ديوبند يتوسط بين هذا الإفراط وذلك التفريط، ويقوم على أساس الاعتدال والتوازن ؛ فعلماء ديوبند يقولون : إن الأنبياء عليهم السلام لئن كانوا رسل الله إلى عباده، نقلوا رسالاته إليهم في غاية الأمانة والاهتمام، ونهاية الحزم والاحتياط ، دونما نقص وزيادة وإفراط وتفريط؛ فإنهم في الوقت نفسه يعلمون حقائق الرسالة وأسرارها ؛ وبذلك فهم مُعَلِّمُوْا الخلق ومربوهم، والمحسنون إليهم؛ أي أنهم إذا كانوا رسلاً صادقين أمناء أوفياء لله تعالى إلى عباده، فإنهم معلمون و مربون ومزكون للعالم كله.

وبجانب ذلك فإنهم شيوخ يلقّنون الإنسانَ الأخلاقَ والآداب الإنسانية؛وجديرون بكل أدب واحترام وتقدير وتعظيم، وامتثال واتباع واقتداء؛ ولكنهم مع ذلك بشر،ولكنهم بشر مُطَهَّرُ مُزَّكيًّ كالياقوت في الحجر. أما اعتبارهم أنهم ليسوا بشراً فلا يعني إلا الوصول بهم إلى حدود الألوهية، وذلك شرح واضح . فإذا كانت إساءة الأدب معهم كفراً وكان احترامهم عين الإيمان، فإن مزج هذا الاحترام بالشرك كفر صريح أكفر من الكفر.

مذهب علماء ديوبند فيما يتعلق بالنبي صلى الله عليه وسلم :

والأكرم بين هذه الشخصيات النبوية المقدسة هو شخص النبي الأعظم سندنا ونبينا ومولانا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، الذي مكانتُه وعظمتُه سموه ، أكبر وأكثر بدرجات لا معدودة من جميع الشخصيات العظيمة السامية الرفيعة ؛ فحقوقُه من الاحترام والتوقير، أكثرُ من حقوق جميع العظماء من التقدير والحب.

غير أن مذهب علماء ديوبند فيما يخص النبي صلى الله عليه وسلم كذلك قائم على نقطة الاعتدال والتوسط التي هي مستقاة من تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم ، ومضبوطة في ضوء توجيهات ورثته. ويتلخص مذهبهم في شأنه صلى الله عليه وسلم أن النبي المصطفى الأكرم محمداً صلى الله عليه وسلم هو أفضل ا لكائنات ، وأفضل البشر، وأفضل الأنبياء، ولكنه صلى الله عليه وسلم بشر. ولا يتجرأ هذا المذهب أبداً حتى على استخدام أي كلمة ترمز من قريب أو بعيد إلى كونه صلى الله عليه وسلم شيئاً فوق البشر أو شخصيَّةً ماورائية، أو كونه مظهراً للألوهية، أو مصداقاً لقدرة الله تعالى. ونعوذ بالله من هذه التصورات الباطلة كلها.

إن علماء ديوبند يعتقدون أن النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين جميع الفضائل التي كان يتصف بها الأنبياء عليهم السلام على حدة، من الخلة والاصطفائية، والكليميّة والروحيّة والصادقية، والمخلصية والصديقية، وما إليها. بل إنهم يرونه صلى الله عليه وسلم منبع ولاية الأولياء، وصلاح الصالحين، وإصلاح المصلحين؛ ولكنهم يعتقدون أنه صلى الله عليه وسلم كان عبداً لله. ولا يستعينون في إثبات فضائله النبوية ودرجاته الرسالية العالية بالتجاوز به حدود العبودية إلى حدود المعبودية ، ولا يرون جواز ذلك بشكل من الأشكال. إنهم يعتقدون أن إطاعته صلى الله عليه وسلم فرضُ عين؛ ولكنهم يرون أن عبادته حرام الحرمةَ كُلَّها. إنهم يعتقدون أنه أفضل البشر ، وأكمل الناس أجميعن، وسيد الأنبياء والرسل؛ ولكنهم لا يعتقدون أنه كان – ونعوذ بالله من ذلك – يمتمتع بخصائص الألوهية، من الرزاقية والفتاحية ، ولإحياء والإماتة ، والعلم المحيط ، والقدرة المحيطة.ولا يأخذون في ذلك بالاعتبار العرضي والاعتبار الذاتي. إنهم يعتقدون أن ذكره صلى الله عليه وسلم ، والحديث عنه، ومدحه و الثناء عليه، واللّهج بفضله، نوعُ عبادة يثاب عليه العبد، ويزداد بذلك إيماناً ويقيناً؛ ولكنهم لا يجيزون مبالغةَ النصارى وإطراءهم ،ومزجهم حدودَ البشرية بحدود الألوهية.

إنهم يعتقدون بحياته صلى الله عليه وسلم في البرزخ، ولكنهم لا يقولون بعيشه هناك كعيشه في الدنيا . إنهم يقرون أن حفظ إيمان الأمة اليوم كذلك إنّما يتم بفضل الله وقدرته، من خلال المنبع الإيماني الروحاني له صلى الله عليه وسلم ؛ ولكنهم لا يعتقدون بكونه صلى الله عليه وسلم حاضرا في كل مكان، وناظراً لجميع الكون والأحداث الحاصلة فيه؛ لأن ذلك من خصائص الألوهية. إنهم يعتقدون بكون علمه صلى الله عليه وسلم أتم وأكمل و أوسع بدرجات كثيرة من علم جميع من في الكون ، بمن فيهم الملائكة والأنبياء والأولياء؛ ولكنهم لا يعتقدون بكونه محيطاً وشخصيًّا كعلم الله عز و جل.

وخلاصة القول: إن علماء ديوبند يرون النبي صلى الله عليه وسلم منقطعَ النظير بين الخلق أجمعين، في جميع الفضائل والكمالات الظاهرة والباطنة؛ ولكنهم يرون أن نسبة فضائله وكمالاته من فضائل وكمالات وقدرات الله تعالى هي نفس نسبة الخلق منه تعالى ؛ حيث إن ذاته تعالى و صفاته وكمالاته وقدراته كلها لا متناهية؛ أما ذوات الخلق وصفاته وكمالاته فهي كلها محدودة متناهية . ثم إن الأولى ذاتية والثانية عرضية. إن الأولى أزلية أبدية عفوية، والثانية زائلة فانية موهوبة من عنده تعالى.

على كل فإن مراعاة الحدود ، والأخذ بالاعتدال هو الأساس الأصيل والمُرْتَكَز المتين الذي يقوم عليه مذهب علماء ديوبند.

مذهب علماء ديوبند فيما يتعلق بالصحابة (رضي الله عنهم أجمعين)

Back

 

وأقدس طائفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، تلك التي تربّت عليه مباشرةً، وتسمى اصطلاحاً بـ «الصحابة» – رضي الله عنهم وأرضاهم – وإذا كان القرآن الكريم قد زكّى طائفةً وأشاد بذكر محاسنها ممن هم سوى الأنبياء ، فهي طائفة الصحابة ؛ فقد جاء فيه عنها جميعاً ما يؤكد أنها راشدة ومرشدة، وراضية مرضية، ونقية القلب ، ونزيهة الباطن، ومحافظة على الطاعة ،ومحسنة وصادقة، وموعودة بالجنة. ثم إن مرضيتها و محبوبيتها لم تُحَدَّدْ بقرن أو عهد، وإنما جُعِلَت عامة تطبق العهود والقرون. وقد صرّح القرآن الكريم أن ذكرها جاء كذلك في الكتب السماوية السابقة ؛ وبذلك فإنها كانت معروفة لدى السابقين أيضاً . وذكرها القرآن بمحامدها ومناقبها، ثم صرَّح بأنها ستظل معروفة لدى اللاحقين ليوم القيامة ؛ أي مادام القرآن سيظل يُتْلَى ، سيبقى ذكرهم على الألسن، وفي القلوب، وفي التلاوات المستمرة ،وفي الصلوات الخمس، وفي الخطبات والمواعظ ، وفي المساجد والمعابد، وفي المدارس والتكايا، وفي الخلوات والزوايا. وجملة القول إن القرآن اينما سيُتْلَى يتأتّى ذكرها، ويتأكد علوها على أفراد الأمة كلهم. فالصحابة رضي الله عنهم عديمو النظير بعد الأنبياء بالقياس إلى المحاسن والمحامد؛ ولكن علماء ديوبند لم يَدَعُوْا الوسطيّة والاعتدال في شأنهم أيضاً.

وإن علماء ديوبند لا يقولون بالتفريق بين الصحابة رضي الله عنهم فيما يخص الاحترام والتقدير والحب، ولا يتخذون بعضهم أحباء جاعلين بعضه أعداء، ولا يجيزون أن يُمارَس الإطراء في شأن بعضهم ، ويُنالَ بعضهم بالذم ويُتبرّأ منهم، وأن يُنال بعضهم بالسباب والشتائم، ويُرفعَ بعضهم إلى مرتبة ما فوق النبوة، بل وإلى الألوهية.

على كل فإن الصحابة كلهم – رضي الله عنهم – على مكان رفيع للغاية ، من العظمة والنزاهة والقداسة ، فيما بعد الأنبياء عليهم السلام؛ ولكنهم ليسوا إلهًا أو أنبياء، وإنما هم بشر يتصفون بالصفات البشرية ، ويحتاجون إلى ما يحتاج إليه البشر من اللوازم والحوائج والضرورات ؛ ولكنهم يمتازون عن عامة البشر بخصائص لا يتمتع بها حتى الصالحون والأولياء من الأئمة مهما كانوا متفانين في العبادة والطاعة ، وزاهدين في الدنيا ، وراغبين في الآخرة.

وتلك هي نقطة الاعتدال والوسطية التي ظل علماء ديوبند يتقيدون بها منذ اليوم الأول. فهم يعتقدون أن جميع الصحابة متساوون في شرف الصحبة والصحابية؛ فهم يتسحقون الحب والاحترام المتساويين بينهم ، إلا أن بينهم فرقاً في المراتب يقتضي فرقاً في عظمة الرتب ؛ ولكن هذا الفرق ليس ناشئا عن الفرق في الصحبة ؛ فلا يقتضي التقليل من احترام صحبة أحد منهم. فلا يجوز أن يقع الفرق فيما يخص الحب والاحترام للذين ينبغي أن يحملهما المسلم نحو الصحابة رضي الله عنهم نظراً لشرف صحبتهم. وحجرُ الزاوية في عقيدة علماء ديوبند نحو الصحابة – رضي الله عنهم – أن الصحابة كلهم عدول.

ويعتقدون – علماء ديوبند – أن الصحابة رضي الله عنهم نجوم الهداية دونما استثناء، وأن نجاة اللاحقين من الأئمة تنحصر في إطار اتباعهم العلمي والعملي؛ ولكنهم لا يعتبرونهم شارعين حاملين لحق التشريع وصلاحياته، ولا يعتقدون أبداً أن بيدهم الإحلالَ والتحريمَ؛ حيث لا يعود هناك في هذه الحالة فرق فيما بين النبوة والصحبة .

فالصحابة عند علماء ديوبند، كانوا أفراداً من الأمة؛ ولكنهم كانوا خَدَمَةً أوفياء للإسلام متهالكين من أجله. وبفضل جهودهم وجهادهم ضرب الدين بجرانه ، واستغلظ واستوى على سوقه ؛ فهم جديرون بأن يكونوا مخدومي العالم كله، وخير الخلائق بعد الأنبياء ولئن لم يكونوا شارعين فهم كانوا متفانين في الشريعة التي باتت شعارهم ودثارهم ، وقد بلغوا مستوى التفاني والاستغراق في الطاعة والعبادة ؛ ولذلك فإن علماء ديوبند لا يجيزون في شأنهم الاعتقاد بأنهم – ونعوذ بالله من ذلك – كانوا خَوَنَةً أو متساهلين أو مقصرين أو سيئي النية فيما بتعلق بالشريعة والدين ، أو كانوا مُسْتَعْبِدِينَ لحبّ الجاه والمال، ومتورطين في المعاصي والآثام ، كما يعتقد بذلك السبائية . إن علماء ديوبند يعتقدون أنهم كلهم كانوا حَمَلَةً للدين و رواة أولين له، وأنهم كانوا أصحاب الدراية الأولين للدين، وكانوا فاهمين أولين له، ومربين أولين للأمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وكانوا معياراً لنقد الحق والباطل فيما بين الأمة كلها، به يمكن التمييز بين الصحيح والفاسد من الفِرَق والطوائف والنَّحَل والمذاهب . فإذا كانت طائفة تحبهم وتحترمهم دونما تحفظ ، فهي الطائفة الحقة؛ وإن كانت هناك طائفة تبغضهم أو تسيء بهم الظن، فستكون منفصلة عن الفرقة الحقة الناجية بقدر ما تبغضهم وتحمل في قلبها غلاًّ لهم.

فالمحك الأول لمعرفة الحق والباطل هو حبهم واحترامهم، والاعتراف بأمانتهم وتقواهم، والاعتقاد بمكانتهم العليا في الدين ، وفضلهم وسبقهم في تلقيه وفهمه ونقله إلى من بعدهم . فالطائفة التي تعتبرهم عدولاً دونما لفّ ودوران هي الفرق الحقة الناجية ، وهي – ولله الحمد – طائفة أهل السنة والجماعة الذين علماء ديوبند ممثلوهم الصادقون .

أما الفرقة التي تسيء بهم الظن ، أو تمارس في شأنهم الشتائم أو تنالهم بسوء الأدب والبذيء من المقال، فهي المتباعدة عن الحقانية والمتورطة في الشيطانية ؛ لأن أدنى سوء ظن بهم يرفع الثقة عن الشريعة كلها ؛ حيث لئن كانوا هم الزائغين عن الصراط المستقيم – ونعوذ بالله من ذلك – وهم تربوا في مهد النبوة رأساً ، فكيف يجوز أن يكون اللاحقون من الأمة قائمين على الصراط المستقيم ؟ إن أية شبهة في شأنهم تجعل الأمة كلها في لمحة واحدة غير موثوق بها.

ولذلك يعتقد علماء ديوبند أنهم بينما هم أتقياء أوفياء أنقياء، إذ هم من حيث المجموع عماد نجاة الأمة ، أي إن نجاة الأمة تتوقف على اتباعهم علمياً وعملياً؛ وقد شهد بذلك القرآن الكريم. إنهم خير القرون ، ونائبون مناب النبي صلى الله عليه وسلم ، ومعيار حق للأمة كلها..

فكما أن الكافر بالنبوة مارق من الإسلام ، كذلك الكافر بإجماعهم خارج من الإسلام. حتى إن تعاملهم هو الآخر أعْتُبرَ حجةً شرعية لدى بعض الأئمة ؛ فالانتقاص منهم أو رفعهم فوق ما كانوا أو الصعود بهم أو الهبوط بهم صدوراً عن العاطفية لا يقبله العقل والنقل . إن علماء ديوبند يعدّونهم – لعظمتهم الدينية غير المحدودة – قادة للأولياء و أئمة للصالحين ، وفي الوقت نفسه لا يعتقدون في عصمتهم ؛ ولكنهم يرونهم مصونين من قبل الله تعالى . وذلك هو أرفع مقام الصلاح والتقوى الذي تعود فيه بشاشة الإيمان الحاصلة من التقوى جزءاً من النفس ؛ فكانت تقواهم الباطنة المخالطة للحمهم ودمهم منبهةً لهم في كل وقت .

فلكون أنهم لم يكونوا معصومين ، كان هناك إمكان لصدور المعصية عنهم ؛ ولكنهم لكونهم مصونين بأعلى درجات التقوى عادوا لا يُقْدِمُوْنَ على ارتكاب الذنوب، وإذا كان هناك إمكان لصدور المعصية ، فلم يكن لحد دواعي القلب ، وإنما كان لحد الدواعي الخارجية فقط ؛ لأن زكاة قلوبهم قد شهد بها القرآن الكريم. فإن كان قد صدرت زلة من بعضهم في بداية الأمر، فلم تكن قد صدرت للدواعي القلبية المتمكنة من النفس؛ فلم يُفْضِ أثرها إلى ملكاتهم وأحوالهم الباطنة وتقواهم المُخَالِطَةِ قلوبَهم؛ فمثل هذه الزلة السانحة ليست لتعيب صلاحَهم القلبي وتقواهم الداخلية المتمكنة التي شهد بها القرآن الكريم .

فكانت دواعي المعصية مضمحلة فيهم لكمال زهدهم وقوة تقواهم وغاية فراستهم الإيمانية وبصيرتهم الدينية، وكانت دواعي الطاعة قوية متأججة فيهم ؛ لأنهم لانقطاعهم إلى الله وانصرافهم من الدنيا وزينتها كانوا متباعدين عن المعاصي ، ومتفانين في العبادة والطاعة ، وكان الإيمان والتقوى مُزَيَّنَيْنِ في قلوبهم ، وكان الكفر والفسوق والعصيان مُكَرَّهاً إليهم. ولذلك يذهب علماء ديوبند إلى أنهم رغم كونهم غير معصومين ، لا يجوز نيلهم بالانتقاد والانتقاص، والتعليق والتحليل ، وإخضاعهم لمحك التغليط والتصحيح ؛ ذلك أنهم كانوا محاطين بسياج التقوى ومحفوفين بإطار الخوف من الله . بل إن علماء ديوبند يتأدبون في الحديث عن الخلاف الواقع بينهم الذي كان لهم حق في ذلك ؛ فضلاً عن أن يجيزوا لأحد من الأمة أن يتخذ مشاجراتهم أو انتقاد بعضهم لبعض ذريعةً إلى انتقادهم وأخذهم بالتعليق والاتهام. ذلك أن كون تقواهم منصوصاً عليها في القرآن، يجعل تعثرهم في أمور الدين في إطار «الخطأ» ويجعلهم مرفوعين فوق مستوى تعمّد المعصية . فقد تجوز المقارنة بين الخطأ والصواب فيما يتعلق بمشاجراتهم ونزاعاتهم ، ولا تجوز المقارنة فيما يتعلق بها على أساس الحق والباطل والطاعة والمعصية . وكلنا يعلم أن المجتهد المخطئ أيضاً يتسحق الأجر ولا يستحق الردع والزجر.

خلاصة مذهب علماء ديوبند فيما يتعلق بالصحابة :

فَحَسَبَ مذهبِ علماء ديوبند لا تجوز إساءة الظن أو المقال فيما يخص مشاجراتهم التي كانت صادرة بالتأكيد عن حسن النية ونزاهة النفس ، وإنما يجب التماس العذر واللجوء إلى التفسير الحسن والتعليل المرضي . وقد صدق سيدنا عمر بن عبد العزيز (61-101هـ / 681-720م) رحمه الله رحمةً واسعة عندما قال : «تلك دماء طهر الله يدي منها؛ فلا أحبّ أن أخضب لساني فيها . (حلية الأولياء ج؛9, ص؛ 114, ط؛ بيروت)

ويتخلص مذهب علماء ديوبند فيما يتعلق بالصحابة رضي الله عنهم فيما يلي:

1-                إن جماعة الصحابة أفضل طوائف هذه الأمة ، وأقدسها ، وأتقاها قلباً ، وأنقاها نفساً ، وأكثرها رضاً لدى الله تعالى؛ فهم كلهم – بلا استثناء – متقون عدول نزهاء القلوب ، ولن يبلغ مكانتهم أي وليّ أو زاهد أوّاب من أفراد الأمة مهما بلغ من درجات الصلاح والتقوى .

2-                إنهم معيار حق لنقد الحق والباطل من الفرق ؛ فهم ناقدون في شأن الأمة وليسوا بمنقودين ؛ لأن المقياس يكون آلة للنقد والقياس ، ولا يكون محلاً للنقد. وإذا كان كذلك فإنه لا يعود مقياساً، ولذلك فالصحابة رضي الله عنهم فوق كل انتقاد فيما يخص الدين «بأيهم اقتديتم اهتديتم» .

3-                والعلامة الأولى البارزة لمعياريتهم وأفضليتهم هي حبّهم والإعجاب بهم دون استثناء ، لأن علاقة الأمة معهم ليست مجرد تأريخية تقليدية، وإنما هي علاقة حب وتقدير، وذلك هو مقتضى حديث النبي صلى الله عليه وسلم .

4-                وإثارة قضية المشاجرات والنزاعات التي كانت بينهم، والتقوّل فيها وإدارة الرأي والنقاش حولها، إنما هو دليل الزيغ القلبي.

5-                ولا تجوز المقارنة في شأن مشاجراتهم مقارنةً تكون بين الحق والباطل ، وإنما تجوز المقارنة فيما يخصها مقارنةً تكون بين الخطأ والصواب. ومن المعلوم أن الأمور الاجتهادية يُوْجَرُ فيها المؤمن على الخطأ أيضاً ؛ فلا يجوز أن توصف مشاجراتهم بـ «المعصية».

6-                ولم توجد – كما يعتقد علماء ديوبند – بعد الصحابة – رضي الله عنهم – طائفة من الأمة تُعَدُّ كلها متّقيةً وعدولاً بلا استثناء . ولكن أي قرن من قرون هذه الأمة ولا سيما قرن التابعين وأتباع التابعين ، لم يخلُ من المصلحين والهداة والمجددين والصلحاء المقدسين ، ولم يقلَّ فيه أئمة العلوم وأئمة الهدى وأئمة الفضل والكمال. ويذهب علماء ديوبند إلى أن هؤلاء الأعلام العظام كلهم جديرون بالإكرام والحبّ ؛ سواء كانوا أئمة مجتهدين إطلاقاً ، أو أئمة مجتهدين في المذهب ، أو راسخين في العلم، أو أئمة في الفنون، أو محدثين ، أو متكلمين ، أومربين زاهدين ، أو حكماء عارفين . كل هؤلاء يستحقون التقدير والإعجاب ؛ لأنه لا توجد طائفة منهم لم تقم بدور الحارس المحافظ للإسلام والإيمان، أو بدور الخفير المتيقظ للإحسان والمعرفة .

7-                وبكلمة أخرى ؛ وُجِدَتْ في الأمة دائماً طائفة علماء الظاهر الذين هَدَوْا إلى الأحكام الظاهرة أي الأعمال، و وُجِدَتْ بجانبهم علماء الباطن ، الذين تبنّوا إصلاح الأخلاق وتهذيب الأفكار والأحوال والكيفيات القلبية. وستظل توجد هاتان الطائفتان إلى يوم الساعة مع الفرق الطبيعي القائم بينهما. ومذهب علماء ديوبند أن وسطية الإعجاب والاستفادة منهما ينبغي أن توجد في اللاحقين من طوائف الأمة بعد الصحابة أيضاً؛ ولكن الفارق أن الصحابة كلهم كانوا متقين عدولاً، فكانوا جميعاً موضع الحب والتقدير دونما استثناء ، أما الصلحاء والأعلام اللاحقون من الأمة ففيهم متقون وفيهم غير متقين ؛ فلم يكن متسع للخلاف فيما يخص الصحابة. أما غيرهم فهم مجال للخلاف والاتفاق ؛ لأنهم لا يتمتعون بالخيرية المطلقة العامة مثل الصحابة . غير أن علماء ديوبند تقيّدوا بالوسطية والاعتدال فيما يتعلق بقضية هذا الخلاف والاتفاق؛ فلم يغالوا في الخلاف ولم يغالوا في الاتفاق أيضاً. فلم يتصدّوا لأحد حتى يتخذوا جبهة ضده ، ولم يتبنوا أحداً ، انطلاقاً من الطائفية والتحزب والتكتل ؛ حتى يتخذوا كيل المدح له جزافاً ، موضوعاً مستقلاً ؛ وإنما اعترفوا بعظمة الشخصيات ؛ ولكنهم صوَّبوا صوابها وخطَّأوا خطأها. وبجانب ذلك وضعوا نصب أعينهم العذر العلمي للخطأ الذي يكون مكنوناً في أخطاء الشخصيات العظيمة أولي الصلاح والتقوى. ثم إنهم لم يتورطوا في ارتكاب خطأ اعتبار حياة هؤلاء الشخصيات كلها خاطئةً من أجل خطأ علمي يكون قد صدر عنهم ؛ ولكنهم إذا لم يهتدوا إلى عذر علمي لخطأ شخصية ، فلم يتصدَّوا لإثارة الخطأ وتشهيره أو اتهام الشخصية بذلك، وإنما فوَّضوا الأمر فيما يخص الخطأ إلى الله عز وجلّ واطمأنوا ذهنيّاً ، ولم يتخذوا الخطأ ذريعة إلى جرح الشخصيات والطعن فيها، كما ظلّ يصنع ذلك المغالون أو المتعالون أو المجردون عن الفهم السليم ؛ ولا سيما في هذا العصر الذي تموج فيه الفتن ، والذي يتسم بغلبة الغلو، وتعدي الحدود على العلم والفهم ، وغلبة التكبر والتعالي على التأني والحلم، وغلبة لغباء والجهل على العقل والمعرفة . وكل هذه الأدواء راجعة إلى الظلم واللاعدل. أما مذهب علماء ديوبند فإنّ قوامه العلم والعدل؛ فهو متسام عن السوءات المذكورة ، ممتاز فهماً و علماً، وتعقلاً و وسطيةً وعدلاً.

مذهب علماء ديوبند فيما يتعلق بالتزكية والإحسان ورجالهما

Back

 

و موقفُ العدل والاحتياط هذا هو الذي يقفه علماء ديوبند من عباد الله الصالحين وأوليائه المتقين ؛ ولكن الفرق بين موقفهم من الأنبياء عليهم السلام والصحابة – رضي الله عنهم – وبين موقفهم من عباد الله والمشايخ الصالحين ، أن الأمة إنما يُمكن أن تمارس الغلو وتتجاز الحدود فيما بتعلق بالأنبياء عليهم السلام بالنسبة لحبها لهم؛ لأنه لا يُتصَوَّرُ فيما سوى لفكرة – أن تُوْجَد في الأمة طائفة تعارض النبي صلى الله عليه وسلم أوتعاديه مكانَ أن تحبه ؛ حتى يتحقق الغلوّ في الخلاف أوالعداء تجاه النبي صلى الله عليه وسلم . وكذلك لا يُتَصَوَّرُ عداء أو خلافٌ للصحابة رضي الله عنهم لدى فرد أو جماعة من أهل السنة والجماعة ؛ حتى يُوْجَدَ الغلو في العدا أو الخلاف.

أما المشايخ الصالحون فيمكن أن يُوْجَدَ بينهم التفاوت الطبقي، حيث يمكن أن تتعلق طائفة بمشايخها وحدهم، وتستغني عن مشايخ طائفة أخرى. ومن الواضح أن هناك مظنةً للغلو في الحب لدى الملازمين المنتمين إليهم لأجل الاتحاد في الذوق والميل للحب والإعجاب، ومظنّة لقلة التقدير بل للخلاف من قبل غير المنتمين . على ذلك فيُتَصَوَّرُ أن يتجاوز الناس الحدودَ فيما يتعلق بالجماعتين كلتيهما، وقد يجوز أن يقف فريقٌ موقف الإطراء والمبالغة في المدح والثناء ، وفريقُ آخر موقف المبالغة في الإساءة والهجو ، كما يحدث عموماً في عصرنا هذا : عصر الجهل والغباء ودوس القيم.

أما علماء ديوبند فهم يبعدون كل البعد عن الموقف المُغَالِي في الحب والبغض للعباد الصالحين والمشايخ المنيبين . إن في قلوبهم للمشايخ والصلحاء الآخرين الذين لا يتعلقون بهم نفسَ الحب والتوقير اللذين يحملونهما لمشايخهم وعلمائهم ؛وإن رأوا أتباعهم ومريديهم يأتون بشيء يبدو للناظر في أول وهلة حائداً عن السنة بعضَ الشيء ، و وجدوا مشايخهم قائمين على السنة متقيدين بطريق السلف الصالحين ؛ فهم يمتنعون عن توجيه الملام إلى المشايخ وعن الطعن فيهم ، ولا يتّخذون زلات المريدين ذريعةً إلى تجريح المشايخ.

سلاسل الطريقة الإحسانية ومسائلها الفنية:

ونفس هذا الموقف وقفه علماء ديوبند من سلاسل الطريقة الإحسانية ومسائلها الفنية ؛ فهم يرون وصفَ العلاج عن طريق التدابير الموضوعة من قبل رجال التزكية والإحسان المحققين ، لإصلاح الباطن وتزكية النفس ودراسة الأمراض النفسانية ، يرون وصفَ العلاج هذا حقيقةً من الحقائق. ولو كانت هناك طريقة من طرق التزكية تبدو للعيان لأول وهلة غيرَ مربوطة بعضَ الشيء بتعامل السلف أو كانت غير مأثورة عنهم ، فإن علماء ديوبند لا يتجاسرون على نفيها نفياً قاطعاً إذا كانت مباحةً في الأصل؛ ولكنهم في الوقف نفسه لا يتبنَّون القيامَ بنشرها وتبليغها، بل إنهم يثقون بحُذّاق الفن وسالكي الطريق المجربين ، ويرونها – طريقتهم – اجتهاداً فنياً واستبناطاً علاجياً منهم تكون قد اقتضته نوعية المرض، ويكون مُعْتَبَرًا و مُتَصَوَّرًا من كل حاذق في فنه. وإذا كانت – الطريقة المشار إليها – غير مُتَّبَعَةٍ لدى السلف الأولين ، فلأن الأمراض النفسانية المنتشرة اليوم في عصرنا لم تكن معهودة في عصرهم ؛ فلم تكن الحاجة ماسة لعلاجها إلى هؤلاء المعالجين . كما لم تكن كثير من الجزئيات والمجتهدات الفقهية موجودةً في عهد السلف ؛ لأنهم لم يعايشوا الحوادث التي نعايشها اليوم ، غير أننا توارثنا الأصولَ التي وضعوها ، فاستنار بها الفقهاء اللاحقون في استنباط المسائل الجزئية للحوادث المستجدة.

أو كما يشير طبيب نطاسي بشتى الوصفات على شتى المرضى، حَسَبَ حالاتهم ونوعية أمراضهم ، وقد لا تكون هذه الوصفات منصوصاً عليها في كتب الطبّ؛ ولكنها تكون مذكورةً في أصول الفن، فيستخرجها الحاذق في الفن في ضوء براعته فيه وطول ممارسته له؛ مهما بدت غيرَ مستدة إلى أصل في نظر الجاهل بالفن .

وكذلك الشأن في العلاجات الروحانية، فكم من طريق لمعالجة النفس وتهذيبها وتزكية القلب وتطهيره – عندما ظهرت أمراض نفسانية جديدة – خرج بها الأطباء الروحانيون من المشايخ والعلماء الربانيين ، في ضوء قواعد الفن وأصوله الكلية مما لم يكن في الظاهر مُصَرَّحاً به في عبارة واضحة من الكتاب والسنة ؛ ولكنه كان مذكوراً ضمن الأصول والكليات ، فاستخرجه أطباء الروح والقلب من العلماء الصلحاء والمربين ، من أعماق الأصول ؛ كما يتسخرج الغواص البارع والسبَّاح المتفنن ، اللآلئ الثمنية من أعماق البحار ، ولا يقدر على استخراجها المتفرجون على الساحل، الجاهلون بفن السباحة والغياصة .

على كل فإن هناك شيئا كثيراً من دقائق تدابير تهذهب النفس ، إنما اعتُبِرت وأخِذَ بها ثقةً بالعلماء الربانيين المحققين في فن التزكية والإحسان ، واعتماداً على أئمة الزهد والعبادة ، المتذوقين للانقطاع إلى الرب الرحمن ، العارفين بفكرهم النير وبصيرتهم النفاذة بأحوال النفس ومكائد الشيطان والأدواء الروحانية تتسرب إلى القلوب دبيباً.

علماء ديوبند يقولون ويتعاطون هذه الطرق العلاجية :

وقد ظل علماء ديوبند يقولون بهذه الطرق العلاجية المُجَرَّبَةِ في معالجة أمراض النفس، شريطةَ أن تكون متوارَثَةً من أعلام هذا الفن، وأئمة الزهاد المصلحين ، والربانيين المتبتلين ، الذين لا ترتقي شبهة إلى فهمهم لروح الشريعة وأغوار طبيعة الإسلام، وتضلعهم من علوم الكتاب والسنة . لأنه إن أخِذَ بقول كل من هبّ و دبّ، لم تعد جزئيات الفقه أو المسائل الكلامية كذلك موضعَ ثقة.

انتهج علماء ديوبند – وهم كانوا متعمقين في علوم الكتاب والسنة ، وعارفين معرفة كاملة بفن الإحسان والتزكية – منهجَ الاعتدال والتوازن ، فلا يجيزون صرفَ النظر كلياً عن هذا الفن بوصفه «أفيوناً مخدراً للعقل والأدمغة» – كما يصفه كثير من الجاهلين بالفنّ – ولا يجيزون التظاهرَ بالأحوال الباطنة و وجدات القلب واتخاذها ذريعة للدعاية بالزهد والتقوى ومعرفة الله. فهم لا يعيرون التفاتاً للمتصوفين المتصنعين و «الفقراء» المزعومين الذين يرتدون أزياء خاصة ويَتَعَاطَوْنَ عرضاً خاصاً للوجد والهيام.

علماء ديوبند لا يرون الصلحاء الأحياء أو الأموات قادرين على دفع البلاء:

وخلاصة القول: إن جماعة الأولياء الكرام وسادة رجال التزكية والإحسان بموجب مذهب علماء ديوبند روحٌ وثابة في الأمة تقوم بها حياة الأمة الباطنة ؛ فيرى علماء ديوبند حبهم وإكرامهم ضروريين للحفاظ على الإيمان ؛ ولكنهم يتبرؤون ويتفادون من الغلو في حبهم والوصول بهم إلى منزلة الربوبية كما يصنع الجهال الأغبياء . يرون تقديرهم واحترامهم واجبين ؛ ولكنهم لا يجعلونهما مرادفين لعبادتهم – ونعوذ بالله عز وجل من ذلك – أو السجود لهم أو الطواف حول قبورهم ، أو تقديم النذور والقرابين إلى أضرحتهم أو اتخاذها مساجد. إن علماء ديوبند لا يظنونهم في حال من الأحوال قادرين على دفع البلاء والضراء ، وقضاء الحوائج ، وشفاء الأمراض ، وإعطاء الرزق ، وجلب المسرة . إنهم يجيزون زيارة القبور للاتعاظ والاستفادة الدينية ؛ ولكنهم لا يجيزون اتخاذها مساجد و مواضع للاحتفالات و أمكنةً للمهرجانات.

فهم يقولون بإثارة الروحانية ولا يقولون بإثارة الأهواء الشيطانية . إنهم يقولون بالانتماء إلى الربانيين ، وبتأثير هذا الانتماء في الصلاح والإصلاح، والترقي في الإيمان واليقين ، وفي الحرص على العمل ، وعلى التزود من الحسنات والتنحى عن السيئات ، وعلى التحلي بالفضائل، والتخلي عن الرذائل ؛ ولكنهم لا يرونه مداراً للنجاة.

إنهم يرون من اللازم في ضوء التجربة – لتتميم مكارم الأخلاق وتزكية النفس – أن يبايع المرأ صالحاً ربانياً ويصاحبه ويتبع إرشاداته وتعلمياته حَسَبَ طريقته في التزكية والإحسان ؛ يرونه نافعاً في التشفي من الأمراض القلبية والروحانية ؛ ولكنهم لا يرون طريقة التزكية والإحسان مستقلة عن الشريعة الإسلامية ومجرد متوارثة كابراً عن كابر وصدراً عن صدر، وإنما يرون أن شعبة تهذيب الأخلاق للشريعة هي التي تُسَمَّى «طريقة التصوف» التي هي الطريق إلى إصلاح القلب والتي سمتها الشريعة بـ «الإحسان» ؛ فهم يرون أن قواعدها الأساسية ثابتة بالكتاب والسنة ؛ ولكنهم يرفضون رفضاً كلياً تلك القواعد التي لا تمت بصلة إلى أصل من الكتاب والسنة ، وإنما تقوم على مزاعم وتقاليد موضوعة ومناهج مُحْدَثَة. يرفضون بعضها ، لأنه مخالف للسنة ، ويرفضون بعضها لأنه بدعة. إنهم لا يذهبون إلى محاكاة تقاليد الحال والقال، والتظاهر بالوُثوب القفز، والوجد والهيام، والكلمات الصادرة بغلبة الحال.

وكذلك يرى علماء ديوبند التبرك بآثار الصلحاء ومتروكاتهم جائزاً؛ ولكنهم لا يرون من الجائز أن يُسْجدَ لها أو يُعتقدَ فيها التأثير. وإن وُجِدَتْ آثار النبي عليه الصلاة السلام – من الشعر أو اللباس أو النعلين أو شيء من ذلك – بطريق موثوق به فإنهم يرونها أغلى من تيجان السلاطين ومن الدنيا وما فيها. وأما إذا كانت غير موثوق بها، ينصرفون عنها متفادين من سوء الأدب. وكذلك يورون أن الأمكنة التي عاشها الصلحاء جديرة بالتأدب ؛ ولكنهم لا يرونها جديرة بالتعبد.

حب الأولياء و رجال التزكية والإحسان حقيقة شرعية لدى علماء ديوبند:

وموجز القول أن حبّ ، أولياء الله تعالى – قدّس الله أسرارهم – والإعجاب بهم ، حقيقة شرعية لدى علماء ديوبند ، ولكن الغلو في ذلك ، والتقيد بطقوس ، أو تقاليد أوزمان و مكان ، أو اصطناع حدود و قيود في هذا الشأن ، كل ذلك يرفضه علماء ديوبند رفضاً باتاً. وقد يجوز أن تكون بعض هذه الأمور قد صدرت عن بعض العلماء العاملين ، بغلبة الحال اتفاقاً لا اطراداً، ويكون من لحقهم من الأتباع المحبين الفاقدي البصيرة والوعي قد ظنها أصولاً و قوانين مستقلة ثابتة ، ونشروها في العوامّ الجهلاء باسم الشريعة والإسلام ؛ فصارت بذلك عندهم جزءاً من الشريعة أو الشريعةَ نفسها. فلا شك أن هذه الأمور مصدرها المحبون المجردون من العلم والبصيرة ، ولا ترجع إلى المحبين الصادقين ذوي الوعي والبصيرة والعلم بالدين والشريعة ، الحريصين على التتبع لما جاء في الكتاب والسنة . والمذهبُ المتميز بالدقة والتعقل – كمذهب علماء ديوبند – يفرق في كل مرحلة بين الغث والسمين ، والحق والباطل ، والصافي والكدر ؛ فلا يتّبعون إلا ما يوافق الكتاب والسنة .

سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي أصل الدين لدى علماء ديوبند:

إذاً فإن مذهب علماء ديوبند يعتبر احترامَ أولياء الله والمشايخ الصالحين جزءاً من الدين ؛ ولكنه لا يعتبر مجاراة التقاليد والأوهام جزءاً منه. إن تقاليد رسول الله صلى الله عليه وسلم هي أصل الدين والتقاليد الموضوعة الموازية لها ليست من الدين في شيء.

الأقوال الصادرة لدى غلبةالحال والوجد عن بعض الصلحاء والنساك الزهاد:

وهذا التوازن هو الذي يعمل به علماء ديوبند فيما يتعلق بالأقوال والأفعال الصادرة عن بعض الصالحين لدى غلبة الحال؛ فهم لا يسمحون بأدنى إساءة إليهم وتجرَإٍ عليهم من أجل هذه الأقوال والأفعال ، التي تبدو حائدة في ظاهرها عن السنة والشريعة ، فلا ينكرون صلاحهم إنكاراً باتاً، ولا يشنّعون عليهم، ولا يتناولونهم من أجلها بالسباب والشتم ، ولا يرون هذا الصنيع هو وحده الدين على شاكلة غيرهم . كما أنهم لا يقعون فريسة للغلو في حبهم حتى يعتبروا أقوالهم وأفعالهم المبهمة الغامضة الموهمة هذه هي وحدها طريقة التزكية الصحيحة ؛ حتى يدْعُوْا إليها الناس، وحتى يجعلوا من لا يحبّهم مارقاً من الدين منسلخاً من الإسلام، كما يصنع ذلك بعض السفهاء.

فلا يردونها مطلقاً فتكون في نطاق «لا يُعْبَأ بها» على حين إنها تكون صادرة عن عباد الله المتقين ؛ ولكنهم في الوقت نفسه لا يعيرونها مكانة شرعية، حتى يروا النقاش فيها مضادًّا لطريقة التزكية والإحسان. وإنما لا يردونها رداً كاملاً؛ لأنها تكون صادرة من الصلحاء الأتقياء الذين يكونون هم متقيدين بالسنة والشريعة في حياتهم ؛ ولذلك فإن مذهب علماء ديوبند يحاول أن يحملها على ما يتفق وحياتَهم الزكية وإخلاصهم لله وحبهم الصادق لرسوله صلى الله عليه وسلم .

وقد أفرد عددٌ من العلماء والثاقبي النظر ، الجامعين بين العلم والعمل، رسائل وكتباً أبانوا فيها مصاديق لأقوالهم و أفعالهم المبهمة هذه بشكل يتفق و الحقيقةَ، ولا تبقى بعد ذلك مجردَ تأويلات باردة. وأكّدوا أن المرحلة التي بلغوها قد يجوز أن يصدر عنهم مثلُها، ولا ينبغي لمن لم يبلغ منزلتهم ولم يرد موردهم أن يتعرض لها.

فهذه الأقوال والأفعال الاضطرارية حقٌّ صدورها، ومعذورٌ صاحبها، وممكنٌ بل واقعٌ مصداقها الصحيح، وممنوعٌ تقليدها ومحاكاتها والدعوة إليها، وغيرُ لائق إساءة الأدب مع أصحابها ، ومُسْتَحْسَنٌ كفّ اللسان عنه والسكوت فيه وعدمُ التعرض له بالطعن والتجريح.

ولذلك فمذهب علماء ديوبند لا يسمح بالموقف المتعسف الذي يعني تكثيف الجهود وتكريسَ المحاولات، لحمل قول مبهم أو موهم لشخصية صالحة على معنى باطل ، و يُوجد له معنى صحيحٌ لا غبار عليه ويمكن حمله عليه، وتقتضيه حياته العفيفة العامرة بالتبتل إلى الله تعالى وإخلاص العبادة له، ويتطلبه سياق كلامه وبدايته و نهايته ؛ ولكن تُبْذَلُ كل الجهود لحمله على معنى مغلوط باطل حتى يسهل الطعن في حياتها – الشخصية – النزيهة. ومن الواضح أن ذلك ليس ديناً ولا أمانةً، ولا عدلاً ولا إنصافاً، ولا عقلاً ولا نقلاً؛ وإنما هو عناد و تحامل وتعنت ، لا يمت إلى المذهبية بصلة ، وإنما هو عاطفية عمياء.

نعم: إذا لم يكن صاحبها – الأقوال والأفعال المشار إليها – نفسه متقيداً بالسنة والشرعية ، وكانت حياته منحرفة عن إطار الدين العام، وكانت اصطناعية تتبع منهجاً وضعياً ، لا شائبة فيها لاتّباع السلف ولا لاحترام الخلف ، وتنطق – حياته – بذلك كله بدورها ؛ فهذا لن يكون ممن يُعْذَرون من أصحاب الرتبة والحال الصالحة في التقوى والعبادة. وهو ليس ممن يجوز حمل كلامه على محمل صحيح ، بل إن أمثاله خارجون من موضوعنا ، وإنما يعنينا ههنا المحبون المتفانون الذين سلكوا المحجة البيضاء ، ولاحت لهم صورة من المحبوب أثناء الطريق ، فأغمِيَ عليهم، فصدرت عن لسانهم كلمة رمزية مبهمة ، فهذه تكون ذات معنى ويمكن أن تُحمل عليه. أما المنحرف عن الطريق فهو ليس بمحب صادق ، فلا يُتَاح له أن يفوز بلمحة من المحبوب، فيفقد رشده ، فتصدر عنه كلمة ؛ وإنما هو يتكلم بدهاء وفي وعي كامل وبأسلوب مهذب بما يعلي شأنه و يرفع مكانه . فذلك لا يمكن أن نسميه إلا نفعياً أنانياً مشعوذاً، لا يستحق التفاتاً وإنما يجدر بالاستنكار والرفض الكامل.

فالأقوال الرمزية الصادرة لدى غلبة الحال قد تكن جديرة بالالتفات ، ولكن الكلمات المظلمة الصادرة عن التصنع والمحاكاة لا تجدر باعتبار.

منزلة غلبة الحال ليست منزلة مغبوطة :

ثم إن مذهب علماء ديوبند عندما يرى قبول عذر عباد الله المشار إليهم ، يرى أن منزلة غلبة الحال ليست منزلة مرموقة جديرة بالتنافس والطلب، وإنما المنزلة المرموقة المغبوطة أن لا يَدَعَ المرأ التمسكَ بالسنة والشريعة مهما كانت حاله؛ لأن أصحاب المنزلة الدينية العالية في الواقع ، إنما هو من يجمع بين الاحتراق وبين التأدب. والجامعُ بينهما هو الصوفي الحق، العالي المنزلة ، الجدير بالمحاكاة، المستحق للاغتباط. وقد كان ذلك هو موقف علماء ديوبند ومشيخة الجامعة الإسلامية دارالعلوم ، ديوبند ((1)) حيث لم يُسَجّل عنهم خروج حتى عن الإطار الظاهر للسنة والشريعة وفي أشد حالات الوجد والحب والشوق والاهتزاز.

((1)) قد مضى تعريف بجامعة ديوبند . تحت العنوان الفرعي «أمور أساسيّة» [المترجم]

فالتمسك بسنة سيدنا و نبينا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم هوالأصل في مذهب علماء ديوبند؛ حيث يرون الأخذ بها في كل حال واجباً أوجبَ. فالأمور التي ليس لها أصلٌ في الكتاب والسنة وتعامل الصحابة ، أو سندٌ في إطار الذوق والعمل لدى العارفين بالشريعة ؛ وكذلك العادات التي تُطرَحُ كجزء من الدين وليس لها أساس في الدين أو الذوق الديني المُتَوَارَثِ؛ فهي بأسرها جديرة بالرد والإنكار لدى علماء ديوبند. فاجتناب هذه البدع والخرافات ، واتباعُ سنن سيد الموجودات، والتأدب بآداب الصالحين والعلماء والربانيين ، ذلك هو مذهب علماء ديوبند.

فالمذهب الديوبندي المتوازن يقف من أحوال هؤلاء الصلحاء موقف الاعتدال ؛ فلا يتعرض لهم فيها بالانتقاد والملاحقة ، وإنما يتركهم وشأنَهم وتخلى عنهم. ومن الواضح أنه لا سبيل في هذا الباب للسلامة والعافية سوى سبيل الاعتدال هذه .

فظل هذا المذهب يحترم رجال التزكية والإحسان ومشايخ الطرق الصوفية والنساك الزهاد وأفاضل الإصلاح والتربية ، مع ملاحظة الاختلاف فيما بينهم في الرتبة ، احترامَه للعلماء المشغولين بالشريعة والفقه والحديث وعلوم الكتاب والسنة ؛ ففي قلوب علماء ديوبند للشيخ محي الدين ابن عربي [محمد بن علي الحاتمي الطائي المتوفى 638هـ / 1240م] ((1)) نفس الحب والتقدير اللذين يحملونهما لشيخ الإسلام الحافظ ابن تيمية [تقي الدين أحمد المتوفى 625هـ / 1254م] رحمهما الله تعالى . ويكنون في قلوبهم للشيخ أحمد بن عبد الأحد السرهندي المعروف بــ «مجدد الألف الثاني» [المتوفي 1034هـ / 1624م] ((2)) نفس التقدير والاحترام اللذين يكنونهما للشيخ عبد الحق الردولوي ((3)) والشيخ صابر الكليري ((4)) رحمهم الله تعالى. ويوقرون الجنيد بن محمد البغدادي [أبا القاسم الزجّاج القواريري المتوفى 297هـ / 910م] و بايزيد البسطامي الخراساني ومعروف بن فيروز الكرخيّ [أبا محفوظ المتوفى 200هـ / 815م] ((5)) والإحسان والزهد والعبادة ، توقيرهم لأئمة الشريعة وعلوم الدين ، أمثال أبي حنيفة والشافعي ومالك و أحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى جميعاً.

=============

((1))               هو محمد بن علي بن محمد بن عربي أبوبكر الحاتمي الطائي الأندلسي، المعروف بـ «محي الدين ابن عربي» . حكيم ، صوفي ، متكلم.

وُلِدَ في «مرسية» بالأندلس عام 560هـ الموافق عام 1165م. وتوفي بدمشق عام 638هـ الموافق 1240م. رحل إلى مصر والعراق وبلاد الروم والشام ، وأنكر عليه أهل مصر بعضَ آرائه، وأرادوا قتله ، فحُبِسَ. ولما نجا استقر بدمشق . له نحو أربع مائة كتاب و رسالة. منها «الفتوحات المكية» في عشرة مجلدات في التصوف وعلم النفس. (شذرات الذهب 5/190؛ معجم المؤلفين 11/40؛ ميزان الاعتدال 3/108؛ الأعلام للزركلي 6/281).

((2)) اقرأ ترجمته على الهامش ضمن عنوان «ماهي الديوبندية».

((3))               هو الشيخ أحمد عبد الحق بن عمر العمري الردولوي، أحد العلماء الزاهدين المشهورين . وُلِدَ ببلدة «ردولي» بمديرية «فيض آباد» بولاية «يوبي» (الهند) وتوفي عام 837هـ . أصل من «بلخ» ببلاد ماوراء النهر . ورَدَ جده الهندَ في عهد علاء الدين الخلجي سلطان الهند، (المتوفى 716هـ / 1316م) وسكن «ردولي» . تلقى الدراسة الابتدائية في بيته، ثم توجه إلى دهلي، وهو ابن ثنتي عشرة سنة. وأخذ يقرأ على الشيخ تقي الدين أخيه الكبير. ولكنه كان لا يرغب في تلقي العلوم المتعارفة ، فترك ، وطاف البلاد يطلب الحق والمعرفة ، وينصرف إلى العبادة والزهد.

كان رجلاً عظيماً، صاحب الكرامات، زاهداً في الدنيا و ملذَّاتها، وكان متخلقاً بدوام التواضع والانكسار، والتبتل إلى الله، شديد التعبد، كثير الذكر ، والبكاء. («خم خانهء تصوف» للدكتور ظهور الحسن شارب، ص248-250، ط: دهلي 1965م؛ و «أخبار الأخيار» بالفارسية للشيخ عبد الحق المحدث الدهلوي ؛ والترجمة الأردية للكتاب بقلم مولانا إقبال الدين أحمد ، ص384، ط: كراتشي عام 1968م).

((4)) هو الشيخ علي أحمد بن عبد الرحيم الفاروقي الكليري علاء الدين صابر، زاهد مشهور.ولد بـ «هراة» عام 592هـ ، وتوفي ودفن ببلدة «كلير» بولاية «أترابراديش» (الهند) عام 690هـ.

قرأ مبادئ العلوم على والده، ثم رحل إلى خاله الشيخ فريد الدين مسعود كنج شكر (المتوفى 670هـ / 1271م) بمدينة «أجودهن» ، وتلقى منه سائر العلوم ، وتخرج عليه. سافر إلى «كلير» التي كانت مدينة عامرة آنذاك للدعوة والإرشاد. وتوطّن بها.

كان عالماً ربانياً ، براً ، تقياً، صوَّاماً، قوَّاماً، مستجابا للدعوات. وله مشاركة جيدة في شتى العلوم من الفقه ، والحديث، والتفسير، والمنطق، والمعاني. (سير الأقطاب؛ 181؛ أنوار العارفين ص: 299؛ ترجمة «خم خانهء تصوف» ص:103).

((5)) قد مضت تراجمهم على الهامش ، ضمن عنوان «الاستعراض المفصل للأساسين اللذين يقوم عليها مذهب علماء ديوبند».

===========

إن مذهب علماء ديوبند يرى أن المقارنة بين أئمة العلوم وأعلام الطرق الصوفية وأفاضل التزكية والتربية، وتفضيل بعض منهم وانتقاص بعض منهم، هو بمنزلة صدم أبواب الدين وسنن النبوة بعضها ببعض، وجعلها واهنة غيرَ موثوق بها، وتلك عملية قبيحة وخطيرة ، ينبغي أن نتجنب ذلك.

التمرينات التربوية المُستخدمة في أساليب التزكية والإحسان إنما هي وصفاتُ علاج لأمراض النفس:

بعض الناس يرفضون في تحقيرٍ تعاملاتِ الصالحين الزهاد باسم العمل والتمسك بسنن النبي عليه الصلاة والسلام، بينهما يتبنى بعض الناس صنائع المشايخ ولا يعيرون اهتماماً لسنن النبي عليه الصلاة والسلام. أما علماء ديوبند فهم يأخذون بالاعتدال متفادين من المذهبين المتطرفين . فهم يرون أن أصل الأصول هو اتّباع السنة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام ، إلا أن تعاملات المشايخ الصالحين إذا لم تكن راجعة إلى غلبة الحال لا ينبغي اللامبالاة بها؛ لأنها إما أن تكون ثمرات ونتائج للعمل بسنن النبي صلى الله عليه وسلم أومبادئ يُمَهِّد التمسكُ بها الطريقَ المباشرَ إلى العمل بسنن النبي عليه الصلاة والسلام ؛ فالتقصير فيها ولا سيما ممن لم ينضج في العبادة ولم تَتَقَوَّ لديه همةُ العمل والحرص على التقيد بأحكام الدين و أوامر الشريعة ونواهيها، التقصير فيها حرمان وشقاء. إلا أنها لا تكون شريعةً حتى يتخذها بعضُ الناس موضوعاً من مواضيع المنصّة وينهض للقيام بالتبليغ لها والدعاية بها، فتعود السنةُ النبوية التي هي الهدف الأصلي غيرَ مهمّة . إن هذا الصنيع يأتي في إطار الغلو والمبالغة الذي يجتنبه مذهب علماء ديوبند؛ وذلك لأن الإرشادات والتمرينات التربوية المستخدمة في أساليب التزكية والإحسان والطرق الصوفية إنما هي وصفاتُ علاج لأدواء النفوس. و وصفاتُ العلاج إنما تُستخدم لحد الضرورة فقط، ولا تكون قانوناً مُطَّرداً ومنهجاً عاماً للحياة، حتى يُدعى إليها دعوةً عامةً.

ولكن بجراء الجهل العالم بهذا الفرق بين الحقائق وبجراء تربية وصحبة «المصلحين» الفاقدي البصيرة ، ومن أجل الغلو والإفراط والتفريط ، يعود المشغوفون بالتقاليد والأوهام إنما يندفعون وراء الطقوس والتقاليد وحدها، لا في مجال الزهد والتصوف وحده، بل في مجالات الحياة كلها، سواء كانت دينية أومدنية؛ أوعائلية أو جماعية ؛ ويعضون عليها بالنواجذ ، فيتباعدون عن الحقيقة كلياً. ويؤدي ذلك أخيراً إلى نتيجة مهلكة، وهي أن هذه العادات المتّبعة تعود مع الأيام ديناً وإسلاماً في نظرهم ؛ ودعوتُهم للتنحيّ عنها تكون عندهم بمنزلة دعوتهم للتخلي عن الإسلام.

المسلم مُطالَبٌ في كل حال بالعضّ على سنة سيد الأنام صلى الله عليه وسلم :

على كل فهذه التقاليد غير الماتّة بصلة إلى أصل في الدين، سواء كانت تتعلق بالأفراح أو الأتراح، أو بالمناسبات أو القربات ، أو العبادات والصلوات ، أوالحضارات والمدنيات، أو الاجتماعيات والعائليات؛ كلها جديرة بالرفض لدى علماء ديوبند، ولدى مذهب أهل السنة والجماعة ؛ لأنّها لا تحمل أساساً سوى محاكاة الأمم والتشبه بالأغيار، على حين إن المسلم مُطَالَبٌ في كل حال بالتقيد بسنة وأسوة سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم وما تعارف واصطلح عليه السلف الصالحون المصوغةُ حياتُهم في قالب الإسلام وسنةِ النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يُطَالَبْ باتباع التقاليد الجاهلية، ولم يخرجه الله ليدعو الناس إليها.

ومن ثم يستنكر علماء ديوبند بشكل مؤكد وينهون عن التقاليد البدعية الشركية ، التي يمارسها المبتدعون لدينا ، في مناسبات الزواج والمآتم، والاحتفال بالموالد والوفيات للمشايخ والزهاد ، وتقديم النذور والقرابين للقبور والأضرحة ، وتشييد البناء عليها ، وإنارة المباني عليها ، والسجود لديها، والمطاف بها، وطلب الحوائج من أصحابها؛ مُعتبرين ذلك كله بدعةً صريحة بل شركاً واضحاً. كما ينهون عن كل شيء لا يمت إلى السنة بصلة.

فسواء كانت التقاليد البدعية أوالتقاليد التي لا تتفق مع السنة ينهى عنها علماء ديوبند نهياً قاطعاً؛ ولكنهم يؤكدون على النهي عن التقاليد المتّبعة في المآتم، لأنها تُمارس باعتبارها أعمالاً يُثاب عليها العبد؛ فهي بدعُ تمس السنةَ بشكل مباشر وتفسد على المرإ عقيدته. أما التقاليد غير الشركية المتبعة لدى الأفراح من مناسبات الزواج وغيرها، فإنما تُمارس مجاراةً لما يأخذ به الناس في المجتمع بإيحاء الحضارة التي يعيشونها؛ فهي تقاليد لا تسمح بها السنة ولكنها لا تكون شركية.

إن البدع تفسد العقيدة ؛ حيث يظن مرتكبها غيرَ الدين ديناً. أما ما يكون مخالفاً للسنة، فإنه لا يفسد على المرإ عقيدته، وإنما يتوقف لدى الفساد العملي الناشئ من أهواء النفس . الأمر الأول يمحو الدين، والأمر الثاني يخل بالعمل ولا يمس العقيدة الكامنة في القلب.

وكذلك فإن علماء ديوبند يرون عملية إيصال الثواب إلى الأموات صحيحاً ، ويرون ذلك حقاً من حقوق الأموات؛ ولكنهم لا يقرون في ذلك بالتظاهر بأشكال خاصة ، وبتحديد أيام وساعات لذلك، ولا بالتقيد بتقاليد يتقيد بها المبتدعون والمشركون .

وجملة القول إن علماء ديوبند لا ينكرون التصوف أو طرق الصوفية ومناهج التربية لدى الزهاد العباد والمصلحين الموثوق بهم، وهم فعلاً يأخذون بهذه الطرق وهذه المناهج؛ وإنما ينكرون تقاليد أولئك المغالين الجهلاء الذين يمارسون مجرد المحاكاة ويقومون بعروض و تظاهرات. إن الطريق الأقوم الأسلم الأبيض الأوضح لدى علماء ديوبند هو اتباع السنة النبوية والمنهج الذي لقنه السلف الصالحون من الصحابة والتابعين ، والأئمة المجتهدين، والفقهاء والمحدثين الذي يَسْهُلُ الاطلاع عليه والأخذُ به عن طريق العلماء الربانيين ، رحمهم الله تعالى أجمعين، وعن كتب العلوم الدينيّة كذلك.

مذهب علماء ديوبند فيما يتعلق بالعلماء والمؤلفين

Back

 

الحقيقة أن العلماء والفقهاء ، والمحدثين والمفسرين ، والأصوليين والمتكلمين ، والراسخين في العلم من العلماء الربانيين هم مدار الدين؛ لأنهم أمناء على قوانين الدين وأحكام الشريعة والذوق الديني السليم. ومكانتُهم في الدين وكونُهم نائبين عن النبي صلى الله عليه وسلم في تبليغ الدين وتفريع الأحكام ، ليسا قضية معقدة أو مسألة نظرية تحتاج إلى دلائل ؛ لأنه من المعلوم لدى الخاصة والعامة حتى الجهلاء أن بقاء الدين مربوط بالعلم بالدين، والدينُ الذي يندثر العلم به ، يندثر هو بدوره. والدين السماوي هو الوحي الإلهي في الواقع، والوحيُ هو العلم بكلمة أخرى، وقد جُعِلَ علماء الأمة أمناء على هذا العلم ؛ فالأمناء الحقيقيون على الدين هم العلماء؛ حيث إنهم حافظوا على الوحي الإلهي حفاظاً مدهشاً للعقول، كما أنهم قاوموا الفتن التي اعترضت الدين. وقد قاوموا كل فتنة، واتخذوا لذلك تدابير اقتضتها المقاومة لكل فتنة حَسَبَ نوعيتها وشكلها. ولم تكن مقاومتهم موقتة، وإنما استخرجوا لذلك علماً مستقلاً من الكتاب والسنة وأبرزوا شلكه، فصار سلاحاً ماضياً لمقاومة تلك الفتنة بشكل ثابت . وظلت الأمة تتقدم إلى شكل أشمل فيما يتعلق بالعلم والمعرفة ، وظل علمها يتفرع ويتشعّب . ولما قامت الفتنة على أساس عقلاني، نهض العلماء والمتكلمون وأفحموها بالحكمة القرآنية والمنطق الإسلامي. ولما ثارت الفتنة عن طريق الرواية والدراية ، وقف المحدثون في طريقها بعلوم الرواية والإسناد التي استنبطوها من الكتاب والسنة. ولما ظهرت الفتنة عن طريق الدراية ، ضربها الفقهاء بالاجتهاد والاستنباط اللذين قعّدوهما على أساس الكتاب والسنة . ولما برزت في شكل المرض الأخلاقي ، داسها الربانيون والزهاد ورجال التزكية والإحسان والصوفية بعلم الأخلاق القرآني المُطَعّم بالأسوة النبوية والسيرة المحمدية . ولما اعترضت الفتنة عن طريق السياسة والحكم سدّ الخلفاء طريقها بالسياسة القرآنية والإرشادات النبوية .

فسواء كانت الفتنة ظاهرة أوباطنة ، تعرّف عليها العلماء وقمعوها بما أُكرِموا به من العلوم التي تفجرت ينابيعه من ظاهر الآيات والروايات وباطنها. فما يجب على الأمة نحوهم من الاحترام والتقدير والعرفان بالجميل، لا يحتاج إلى إيضاح أو تفصيل . أما علماء ديوبند فإن موقفهم هو الاعتراف بعظمتهم ونشر علومهم تدريساً وتأليفاً باعتبارها وعاءً لعلوم الدين وأحكام الإسلام. وليس يتوقف الأمر على جامعة ديوبند، وإنّما يتعداها إلى جميع المدارس والكتاتيب التابعة لجمامعة ديوبند؛ حيث إنها تعكف كل وقت على الاستفادة من علومهم وتوزيعها بين النشء الإسلامي ؛ فصحيحُ البخاري وصحيح مسلم ودواوينُ الأحاديث الأخرى، وتفسير الجلالين وتفسير البيضاوي وتفاسير غيرهما من المفسرين الكرام ، وكتاب الهداية والوقاية، وكتاب النسفي والدواني، وشرح معاني الآثار للطحاوي، وحجة الله بالغة، وما إلى ذلك من مئات الكتب في شتى العلوم والفنون المقرة للتدريس أو غير المقررة له؛ كل ذلك من مؤلفات أولئك العلماء الفضلاء العظام، وكل ذلك فيض من قرائحهم ونتائج أفكارهم وصرير أقلامهم. وكل هؤلاء الكتب يتوفر عليها العلماء والمدرسون والطلاب في مدارسنا وجامعاتنا كلّ وقت، مدفوعين بالحب والإعجاب والتقدير. فلا يُتَصَوَّرُ أن لا نكن الاحترام وعواطف الحب نحو هؤلاء المؤلفين ومشايخهم وأساتذتهم و من قبلهم من الأسلاف ومن قبلهم من الأئمة ورجال الاجتهاد. فحبهم مركوز طبعاً في القلوب؛ لأنهم كانوا – بلا ريب – مخلصين محتسبين ربانيين لا يبتغون من غير ربهم جزاء أو شكوراً.

ولو لم يكن لهم احترام وتقدير في قلوبنا ، لما كان احترامٌ لكتبهم والعلوم التي تنطوي عليها، ولما تَوفَّرْنا عليها متعلمين ومعلمين ، وعكفنا عليها مستفيدين ومفيدين؛ فلا يُتَصَوَّرُ أن نسيء الظن بهم فضلاً عن أن نسيء القول فيهم. ولو جاء من أحد منهم ما يخالف الرأي العام لدى العلماء، لا نقف نحن علماء ديوبند منه موقف الخصم العنيد، وإنما نتأدب معه، ونحاول أن نلتمس لفكرته تلك معنى مناسباً إذا كان – ذلك العالم – ممن تتفق الأمة على مكانته العلمية الدينية. على أن مثل هذه التفردات الفكرية لا تتأتى إلا قليلاً نادراً. أما الخلاف في مسائل الفن وأصول المسائل وقوعدها و وجوهها وعللها، واختلاف الفقهاء في فروع المسائل ، فذلك أمر معتاد يحدث كل يوم ، ويتكرر على الألسنة في فصول الدرس ومحاضرات المدرسين ومذاكرات الطلاب؛ فلو كان مجرد الخلاف مقتضياً لإساءة الادب أو إساءة الظن ، لما عاد أيّ من هؤلاء المؤلفين العظام والأئمة الكرام والفقهاء الجديرين بالاحترام، مستحقاً للاحترام والتقدير. بل إن الاختلاف الذي يدور بين العلماء على أساس من المبادئ والأصول ، يزيدهم عظمة ومكانة في نظرنا؛ لأن خلافاتهم وتأويلاتها تفتح أبواباً من العلوم كثيرة، وتوسع آفاقاً من الأفكار جديدة، تدل من جديد على أن خلافاتهم رحمة.

وخلافات هؤلاء السف، لا ينهض علماء ديوبند لإبطالها والردّ عليها، وإنما يتناولونها بتأويل حسن وإيضاح مُسْتَحْسَن. أما النوادر من أفكارهم ، فهم يفوضونها إلى الله تعالى ولا يسيئون الظن بهم، ويتركون المتشابهات من أقوالهم إلى المحكمات من أفكارهم ، ولا يتناولونهم بالجرح والطعن. وفي مثل هذه المناسبة ينبغي أن نضع في الاعتبار المبدأ الذي قال به الإمام الأوزاعي (عبد الرحمن) المتوفى 157هـ / 774م:

«من أخذ بنوادر العلماء خرج من الإسلام. (سير أعلام النبلاء، 7/125، ط: بيروت 1996م).

ولكن العلماء الذين أشار إليهم الإمام الأوزاعي إنما هم من أنكروا ضروريات الدين، أو لم يبالوا بقطعيات الكتاب والسنة أو كذبوها، فقد خرجوا عن دائرة الإسلام؛ فلا يجوز التماس تأويل لأقوالهم، فضلاً عن التماس العذر لهم.

موقفهم من الفقه والفقهاء

يقف علماء ديوبند فيما يتعلق بالفقه والفقهاء نفس الموقف المعتدل الشامل الذي يقفونه في شأن العلماء والصلحاء. ويتخلص موقفهم من الفقه والفقهاء في أنهم من أجل التفادي من أهواء النفس ومن اللاالتقيد الديني ومن الإعجاب بالرأي الشخصي، ومن أجل صيانة دينهم من التشتت والاضطراب ؛ يرون من اللازم أن يتبعوا فقهاً معيناً وأن يلتزموا الإطار المذهبي لإمام مجتهد واحد. فعلماءُ ديوبند حنفيون في المذهب الفقهي؛ غير أن هذا التقليد والمذهبية أيضاً يتسمان بالتوسط والجامعية ويتنزهان من الإفراط والتفريط. فبينا هم لا يقولون بالحرية الزائدة التي تجعل صاحبها يرفض مبادئ التفقه والاستنباطات النابعة من اجتهادات السلف، إذاً هم لا يتصدّون لإنشاء فقه جديد مستقل مُؤَسَّس على كل قضية مستحدثة ونظراً لظروف كل عهد من العهود ، وبكلمة أخرى لا ينهضون ليعلنوا إصابة رأيهم وفهمهم وحدهما حتى يدّعوا بكونهم مجتهدين مستقلين. وعلى العكس من ذلك لا يقولون في الفقهيات بالجمود والتزمت ، حتى لا يجيزوا الرجوع إلى الكتاب والسنة والمصادر الإسلامية الأصيلة من أجل البحث والتحقيق فيما يتصل بالقضايا الفقهية والمسائل الفرعية أوالتوصل إلى مصادرها ، أو يروا أن وصل المسائل المستنبطة بالكتاب والسنة أو الاطلاع على مزيد من دلائلها، إنما يرادف الإعجاب بالرأي أو الاقتصار على الهوى الفكري.

إنهم مقلدون ومتقيدون بفقه معيّن ؛ ولكنهم في هذا التقليد أيضاً محققون وليسوا بجامدين ؛ إنه تقليد؛ ولكنه ليس تقليداً أعمى. ورغم ما يتمتعون به من التوفيق للتحقيق والدراسة والتفكير، لا يرون أنهم مؤهلون للاجتهاد المطلق.

نعم: ولكنهم في إطار فقه معين لا يرون من الحرام أن يفضّلوا المسائل بعضها على بعض ، أو يأخذوا بعضها ويتركوا بعضها حَسَبَ إيحاءات الزمان والمكان وإملاءات الظروف والمناسبات. ولا يرون الاجتهاد منقطعاً في خصوص الأخذ ببعض المسائل وترك بعض المسائل المماثلة أو المتعارضة في دائرة مذهب فقهي واحد. فجاء مذهبهم متوسطاً بين التقليد الأعمى والاجتهاد المطلق.

علماء ديوبند ليسوا فريسةً للتقليد العشوائي:

فهم ليسوا فريسة للتقليد العشوائي ولا مزاعم الاجتهاد المطلق؛ لأنهم يرون من أجل التحاشي عن الإعجاب بالذات والاستبداد بالرأي واتباع الهوى التقيدَ – إلى جانب الكتاب والسنة – بأقوال السلف وذوقهم الديني . وفي جانب آخر؛ من أجل أن يظلوا على نجوة من الجمود الفكري، يرون من اللازم أن تصدر الفتاوى عن مصادر شرعية أصيلة، وأن يبنى الإفتاء على المبادئ الشرعية المقررة المعتمدة ، وأن يأتي إصدار الحكم في قضية مطروحة مقيساً على الأحكام الفرعية المماثلة المعمول بها من قبل.

فهم لا يقولون بالاجتهاد المطلق بعد المجتهدين في الدين، على أن الاجتهاد المطلق لم يعد له وجود؛ ولكنهم لا يرفضون جنس الاجتهاد، ولا يمنعون عن استخراج العلل والدلائل للفتاوى ، ولا عن استخراج الجزئيات المؤيدة المماثلة لها، ولا عن قياس القضايا الفرعية المستجدة على القضايا المماثلة المتواجدة في المصادر الأصلية ؛ فهم يجمعون بين التقليد والتحقيق.

وبأخذهم بمذهب فقهي معين مهما كانوا غير متعلقين بالمذاهب الأخرى عملاً ، فإنهم متعلقون بها جميعاً علماً و دراسةً وفهماً و مقارنة و تحليلاً . وإذا كانوا يتبعون المذهب الحنفي ويصوّبون المسائل المجتهدة لديه؛ فإنهم في الوقت نفسه يدافعون عن المسائل المعارضة في المذاهب الفقهية الأخرى. وكل ذلك عن علم و بصيرة ودراسة ، وكل ذلك في تأدب بالغ و توسّط كامل واعتدال لا مزيد عليه. وتصويبُهم للمذهب الحنفي لا يعني أبداً أنهم يرون أن الحق الصراح ينحصر في المذهب الحنفي ، وأن المذاهب الأخرى باطلة متعارضة مع الكتاب والسنة ، وإنما يعني أنهم ليسوا مبتدعين ، وإنما مذهبهم هو الآخر يرجع إلى الكتاب والسنة، و يصدرون في المسائل كلها عن مصادر الشرعية الأساسية الموثوق بها لدى الأمة.

إنهم يقلدون المذهب الحنفي ولكنهم يحترمون جميع المذاهب:

فهم يرمون إلى تقديم مذهبهم عى غيره من المذاهب ، ولا يهدفون إلى إبطال المذاهب الأخرى ؛ لأنهم يرون أنها جميعاً مذاهب ترجيحيةً أي يجوز تفضيل بعضها على بعض عن الدراسة والتفكير. وليست تبليغية فلا يجوز التبليغ بها والدعوة إليها والإرشاد بها مقابل التشنيع على غيرها؛ لأن الدعوة إنما تُمارَس إلى الحق الذي يقابله باطل؛ حتى يقبله الناس تاركين وراءهم الباطل ؛ ولا تجوز الدعوة إلى حق يحاذيه حق؛ حيث إن ذلك يكون مرادفاً لإبطال الحق، ولا يكون تقديم حق على حق. والفرق بين هذه المذاهب الفقهية وبين المسائل المنصوص عليها في الكتاب والسنة ، أن الحق يكون في الثانية أصيلاً ، فمقابله يكون باطلاً بالتأكيد ويجب إبطاله والردّ عليه. أما المسائل المجتهدة التي حصلت باجتهاد المجتهد وبتقديمه لنص على نص من النصوص المتعارضة في المصادر الأساسية للشريعة ، فإنما يكون الحق فيها إضافياًّ ؛ حيث يحتمل أن يوجد في النصين كليهما؛ المقدم والمقدم عليه؛ فلا يجوز أن تُجْرَى ههنا عملية الإبطال والرد.

وخلاصة القول أنه سواء أكانت المسألة ثابتة بالاجتهاد ، أو كانت مُرَجَّحَةً بالاجتهاد، كلتا المسألتين تكونان متلبستين بالحق الذي يوصف بـ «الصواب» ويسمى مقابله بـ «الخطأ» الذي يُطْلَقُ عليه اسم «المرجّح عليه» أيضاً، ولا يُطْلَقُ عليه اسم «الباطل» وإلا فلم يكن المجتهد المخطئ ليثاب، بل لابد أن يكون آثماً في كل حل، على حين إنه يثاب في حالة الإصابة وحالة الخطأ معاً. فإذا سمينا قضية اجهادية صواباً، فإنما نصنع ذلك مع احتمال الخطأ، وإذا وصفنا مقابله بكونه «خطأ» فإنما نصنع ذلك مع احتمال كونه صواباً.

فعلماءُ ديوبند إنما يضعون نصب أعينهم العمل بالمذهب الحنفي ، ولا يحتمون به ليبطلوا المذاهب الأخرى، ولا يتخذونه وسيلةً إلى الطعن على الأئمة ، ولا يَشْقَوْنَ بتقزيم العمالقة في الإسلام ؛ لأنهم جيمعاً أئمتنا نحن ، نستفيد كل وقت من علمهم، و مدينون نحن لمنتهم الثقافية الدينية بشكل لا نقدر على أن نوفّيهم حقهم من الشكر والتقدير.

وعلى ذلك فالتقليد لإمام إنما يُحَدِّدُ العمل بمذهبه ، ولا يمنع عن العلم بالمذاهب الأخرى والاعتراف بفضلها؛ وإنما يعزز جانباً واحداً من العمل، فيصله بشتى العلوم ، مما يؤدي إلى علوم جديدة توسّع دائرة المعلومات والمعارف. وبذلك يأتي اختلاف الأئمة رحمة واسعة لدوائر العلم والعمل.

إنهم لا يتخذون التقيد بمذهب ذريعة إلى التشنيع على أئمة المذاهب الأخرى:

إن مذهب علماء ديوبند لا يرى من مقتضيات أداء حقوق الحبّ وضرائب التقدير والإعجاب نحو أئمة الاجتهاد ، أن يقوم الإنسان بالتزكية على مذهبه وحده ودعوة الناس إليه، ومنعهم عن المذاهب الأخرى؛ أو أن يكثف المساعي لإحقاقه مقابل إبطالها؛ أو يتصدى للتشنيع على الأئمة الآخرين والسلف الصالحين مقابل إمامة المُتَّبَع وعالمه المقتدي؛ أو ينهض للاستهزاء بمجتهداتهم والمسائل التي عملوا على استنباطها؛ لأن ذلك مدعاة إلى الشقاء في الدنيا والآخرة ؛ لكونه صادراً عن الغرور العلمي، أو عن الشعور بانحصار الحق في المذهب المتبع لدى من يصنع ذلك. وذلك هوالإفراط والتفريط اللذين يتنزّه عنهما مذهب علماء ديوبند ، الذي يرى الاستهزاء بأي قضية مجتهدة – مهما كانت صغيرة – لدى أي من الفقهاء المجتهدين ، أو التعرض لها بإساءة أدب أو بلون من عملية الإبطال والردّ ، يرى ذلك شقاء وضلالاً.

إن احترام الفقهاء والأئمة لا يعني في مذهب علماء ديوبند أن فقههم شريعة أصلية يجب تبليغها إلى الناس، وأن الإمام – معاذ الله – صاحب شريعة جاء بهذه الشريعة الفقهية المستقلة ؛ بل إن مذهبهم يرى أن المجتهدات هذه شرائع فرعية نبعت عن الشرائع الأصلية ، باجتهاد المجتهدين الذي يعرضونها مُسْتَخْرِجِيْنَ من الشرائع الأصلية تلك بعملية الاسنتباط ، ولا يخترعون ولا يتقولون شيئا من عندهم؛ فلا يجوز أن تُمَارَسُ الإهانة في حقهم ، وإنما يجب أن يُقَابَلُوْا بوافي الشكر وكامل التقدير من قبل الأمة جميعاً ؛ حيث إن فراستهم و بصيرتهم ومواهبم – التي أكرمهم الله بها – قد جعتلهم يُجَلُّوْنَ للأمة هذه المسائل المستورة المطوية في كلمات الشريعة . فالواجب علىالأمة معرفة الجميل تجاههم وإزجاء الشكر إليهم ومقابلتهم بضريبة التقدير والأخذُ بتلك المسائل وقاية لدينها من الضياع والاضطراب والتميّع . ولا يجوز لها أبداً أن تتخذ ذلك كله طريقاً إلى التخاصم والتناحر، والاستهزاء والتفاخر. ولا يجوز لها أن تصوّت بالاستنكار في حق من لا يتجاوبون مع ذلك الموقف المزري اللامعقول.

فاتباعُ إمام مجتهد في القضايا المختلف فيها شيء، واتخاذ فقهه ذريعة إلى الرد على فقه الأئمة الآخرين شيء آخر؛ والاقتناعُ بتقديم الفقه المتبع لديه على فقه الأئمة الآخرين شيء، والاستشفاء بالطعن والملام على الأئمة شيء آخر. وعلماءُ ديوبند يتّخذون الموقف الأول، ويتبرؤون بجميع معاني التبرئ من الموقف الثاني.

مذهب علماء ديوبند فيما يتعلق بالحديث والمحدثين

Back

 

ومذهب علماء ديوبند فيما يتعلق بالحديث والمحدثين أيضا واضح ؛ فهو يتسم في هذا الشأن كذلك بالشمول والاعتدال ، اللذين يتسم بهما في أغراض الدين الأخرى. والأساسُ في هذا الخصوص أنهم بما أنهم يعتبرون الحديثَ بياناً للقرآن الكريم ، ويعتبرونه مصدراً من مصادر الشريعة ؛ فلا يرفضون حديثاً ما، مادام حرياً بأن يُسْتَدَلَّ به، حتى إنهم فيما يتصل بالروايات المتعارضة كذلك يعمدون أولاً إلى الجمع والتوفيق بينها، بدلاً من تركها أو اختيار بعض منها. وذلك بغيةَ العمل بكل حديث من الأحاديث بشكل من الأشكال، والأخذ بجميعها دون الاحتياج إلى ترك أحد منها؛ فهم يؤمنون في خصوص الروايات بالعناية بالإعمال مقابل الإهمال. ويرجع إلى جامعية هذا المذهب أن علماء ديوبند يأخذون من حين لآخر بجميع الأشكال المبدئية ، التي يمارسها أئمة الاجتهاد لرفع التعارض عن الروايات المتعارضة ، في إطار المناهج والمبادئ الحنفية .

مذهب الأئمة الأربعة لدى التعارض بين الروايات:

فعند التعارض بين الروايات يتركّز الاهتمام لدى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى على صحّة الروايات وقوة السند؛ فهو يأخذ بأصحّ ما في الباب من الروايات ، ويترك الروايات الضعيفة لديه ، أو يجعلها تابعةً للرواية القوية عن طريق التأويل.

وعند الإمام مالك رحمه الله تعالى تتوجه العناية في هذه الحالة إلى الأخذ بعمل أهل المدينة أو بعمل أهل الحرمين ؛ فهو يأخذ بالرواية التي تتفق وعملَهم ، ويردّ ما سواها أو يؤوّلها.

أما الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فهو عند تعارض الروايات يبحث عن كثرة فتاوى الصحابة رضي الله عنهم؛ فالرواية التي تحظى بهذه الكثرة يأخذ بها، ويترك ما سواها، أو يؤوّلها تأويلاً لائقاً.

ولكن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى يركّز الاهتمام على الجمع بين الروايات. وذلك يتأتّى من وجوه: فقد يُحْمَلُ كل حديث على محمل لائق، وقد تُجْمَعُ الروايات في الباب كلها، ويُنْظَرُ:

ما هو الغرض النبوي الذي يدل عليه جوهر الروايات ؟ وما هو القاسم المشترك بينها الذي تتحدث عن شتى نواحيه شتى هذه الروايات؟ فالإمام أبو حنيفة – قبل أن يَنْظَرَ إلى قوة السند أو عمل أهل الحرمين أو فتاوى الصحابة – يستخرج من النصوص مناط الحكم ، ثم يتناوله بالتنقيح والنقاش فبالتحقيق، ثم يجعل الرواية – التي يتجلى فيها غرض الشارع عليه اسلام بشكل أقوى وتنطوي على سبب الحكم أو على الحكم صراحة أو دلالة – أساساً من أسس مذهبه ، ويعمد إلى باقي الروايات فيصلها بتلك الرواية على أساس مناط الحكم وغرضه عليه السلام؛ وعلى ذلك فتأتي كل رواية معمولاً بها في موقعها، وتنضم – على أساس مناط الحكم – أجزاءُ الحكم التي كانت مُبَعْثَرَةً في مختلف الروايات ، بعضُها إلى بعض ، في أوقاتها المناسبة ، وتشكل علماً كبيراً في الباب ، يسع جميعَ نواحي العمل ، التي كانت منثورة في عدد من الروايات. والسبب الجلي في ذلك أن كل حديث من الأحاديث منبعٌ مستقل للعلم والحكمة؛ وبالجمع بين الروايات الذي يجعلها جميعاً معمولاً بها، يعود ما فيها من العلوم والحِكَم مُحافَظًا عليه . وهذه العلوم والحكم كلّها تتصل بمعيار فتعود رصيداً كبيراً من أرصدة العلم المضبوط؛ الأمر الذي لم يكن ليتحقق لدى ترك حديث من الأحاديث. ثم إنه بهذا الشكل لا يتكوّن هذاالرصيد العلمي وحده، بل يتجمع مجموعُ علوم الأحاديث كلها، فيفتح من أبواب العلوم الجديدة ما لا يحصى. وإذا انضمت إلى هذه الروايات مؤيداتها من فتاوى الصحابة وعمل أهل الحرمين ، فهناك يجتمع إلى هذا العلم علم كبير آخر، فيضحي البحر العلمي، محيطاً لا ساحل له ، وتكون النقطة الأساسية هي مناط الحكم الذي يتخذه الأحناف أساساً، ويستخدمون أصولهم الاجتهادية إلى جانب الاستئناس بأصول أئمة الاجتهاد كلهم ؛ مما يرفع التعارض في جانب، ويجمع بين الأصول كلها في مواقعها في جانب آخر، ولا يحتاجون بذلك إلى إعمال أسباب ترك الحديث إلا نادراً . غير أنهم يضطرون لترجيح حديث على آخر عندما لا تتأتى صورة لرفع التعارض بين الحديثين أو الأحاديث. وهناك يفتي المذهب الحنفي بالأخذ بصحة السند أولاً ، ثم ترجيح حديث على آخر في ضوء تفقه الراوي ودراسته ؛ فلا يقتصرون على مجرد قوة السند ، بل يرجحون الرواية التي تنطوي على الفقه ويكون راويها فقيهاً ويتجلّى فيه وجه التفقه.

ملخص مذهب الإمام أبي حنيفة لدى تعارض الروايات :

فمناطُ الحكم في صورة الجمع بين الروايات ، والتفقهُ في صورة ترجيح رواية على غيرها من الروايات الواردة في الباب ؛ هما الأصل لدى علماء ديوبند، وليس الأصل لديهم مجرد قوة السند أو كون رواية أصح ما في الباب؛ لأن قوة السند إن دلت على شيء فإنما تدلّ على قوة ثبوت الحديث؛ ولكنه ليس من اللازم أن الحديث الأقوى ثبوتاً هو الذي يكون متضمناً للفقه الأساسي في الباب.

فلو أُخِذَ بأصح ما في الباب من الحديث الذي إنما يُوْجَدُ فيه مجرد الحكم وتُرِكَ ما هو دونه في ذلك الباب ، رغم كونه جديراً بالاستدلال ، وكونه متضمناً لعلة الحكم ومناطه؛ فإنه يبقى الحكم بلا علة، على حين إن العلة هي التي تؤدي بالحكم إلى الأمثال والنظائر، الأمر الذي هو السبب في كون الحكم ذا مرونة وسعة وامتداد، وإنما تُرِكَتْ هذه العلة لأن مصدرها لم يكن أصحّ ما في الباب، وإنما كان بروايته ضعيفَ السند بالقياس إلى غيره. وبذلك فينتهي كون الحكم جامعاً و مصدراً للنظائر، وبالتالي فتنتهي شمولية الفقة وكذلك سعة نظر المتبعين للفقة. ومن ثم يركز الإمام أبوحنيفة رحمه الله تعالى إلى جانب قوة السند على استخراج مناط الحكم وتحقيقه وتنقيحه والنظر إلى تفقه الرواة ، الأمر الذي تتجلّى به قوة الحكم وسعته معاً. ومن الواضح أن اجتماع الدراية إلى الرواية هو الأحسن؛ فإن الحديث الواحد الذي يكون مشتملاً على مناط الحكم تَثبتُ به كثير من الأحكام في الباب وتنحلّ به كثير من المسائل راجعةً إلى مصدرها . وهنا لا تفوت الروايات الضعيفة إذا كانت جديرة بالاحتجاج ، فضلاً عن الروايات القوية التي لا غبار عليها. فالجمع بين الروايات والتوفيق بينها أصل مُهِمٌّ من أصول الأحناف ، يركزون عليه كثيراً حتى لا تفوتهم رواية.

ليس من العصبية أن يُوْصَفَ الأحناف بالقيّاسيّة؟:

ورغم ذلك كله تفعل العصبية فعلها فتتهمهم – الأحنافَ – بترك الحديث، وتصفهم بأنهم «قيّاسون» على حين إنهم بالنظر إلى أصولهم الجامعة ليسوا فقهاء فقط؛ ولكنهم كذلك جامعون بين أنواع من الفقه لدى شتى المذاهب ، ومحافظون عليها . ومن هنا كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قد قال في الإمام أبي حنيفة رحمه الله:

«الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة» (سير أعلام النبلاء، 6/403، ط: بيروت عام 1996م)

كثرة التأويلات والتعليلات ليست تخمينا وإنما هي مُمَدَّةٌ بالنصوص:

ولاشك أن الجمع بين الروايات وعمليةالتحقيق وتنقيح المناط، أدّيا إلى كثرة التأويلات والتعليلات لدى الأحناف؛ لأنه لم تكن الروايات بدونها ليتّصل بعضها ببعض وتُشَكِّلَ إطاراً شاملاً للحكم. لكن هذه التأويلات والتعليلات ليست ظناً أو تخميناً، وإنما هي مُمَدَّةٌ بالأصول والنصوص ؛ فهي بمنزلة تفسير للحديث الشريف. وملخص القول أن مذهب علماء ديوبند في الحديث هو الجامعيّة والاعتدال دون التساهل والتشدد، وإنما هم يأخذون لحدّ مستطاع بأصول جميع الأئمة في خصوص الروايات.

مذهبهم فيما يتعلق بالكلام والمتكلمين

Back

 

وهذا الموقف المعتدل هو الذي يختاره علماء ديوبند في شأن الكلام والمتكلمين . إن العقائد الثابتة بالنصوص الصريحة مُجْمعٌ عليها لدى الجميع؛ فهي مُعَضَّدَةٌ بالإجماع بالإضافة إلى تلك النصوص: نصوص الكتاب والسنة . أما العقائد المُسْتَنْبِطَةُ أو العقائد الفرعية ، وكذلك تفسيرات العقائد القطعية المشار إليها أي الثابتة بنصوص الكتاب والسنة، فقد يختلف فيها العلماء المتكلمون . فمن أجل أن يكون المرأ على ثقة وطمأنينة لابدّ له أن يلوذ بأحد من أئمة الكلام ذوي البصيرة ، كما كان لابدّ له أن يتقيد بفقه مُعيّن فيما يتصل بالفقهيات والخلافات الاجتهاديّة.

وقد ظل ذوقُ ومذهبُ علماء ديوبند في شأن علماء الكلام ، أنهم لا يتخذون من أنفسهم خصماً لأحد منهم لدى وقوع الخلاف فيما بينهم ؛ وإنما يعمدون إلى التوفيق والتواصل بينهم ، انطلاقاً من الاعتراف بمكانة كل منهم.

الإمام النانوتوي:

ورغم أنهم تقيدوا في هذا الباب أيضاً بـ «كلام معين» كما تقيدوا في الفقهيات بفقة معين؛ ولكنهم لم يَفُتْهُمْ التمسك بجانب التحقيق والدراسة والبحث. وقد غلبت عليهم في هذا الشأن «الصبغة القاسمية» التي هي مستقاة من الأفكار الحكيمة للإمام مولانا محمد قاسم النانوتوي (المتوفى 1297هـ / 1880م) – قدس الله سره – مؤسس الجامعة الإسلامية دار العلوم ، ديوبند ، الهند.

كان من أبرز خصائص الإمام النانوتوي رحمه الله لدى تناوله لهذه المسائل ، أنه لم يسلك طريق الطعن والتجريح في خصوص الخلافات بين الأشاعرة والماتريدية ، وإنما سلك طريق التوفيق ورفع الخلاف فيما يتعلق بالمسائل المهمة الأساسية؛ الأمر الذي جعل أكبر الخلافات الكلامية يبدو مجرد نزاع لفظي صوريّ، وجعل المتكلمين جميعاً تَعْظُمُ مكانتهم في القلوب بشكل مُوَحَّد، وجعل معظم المسائل الكلامية لا ينشأ في شأنها الشعورُ بالخلاف بين الأشعرية والماتريدية .

بين العقل والنقل:

والأمر الذي يجب أن نضعه في الاعتبار بهذه المناسبة أن المحاربين للدين بينما استخدموا أسلحة كثيرة لمقاومته ، إذاً وظّفوا في المسائل الكلامية بصفة خاصة، العقلَ الذي قدّموه على كل شيء. فالشكوك والشبهات ذات القائمة الطويلة التي يثيرها أعداء الدين ضده ، إنما كان مصدرها في الأغلب هوالعقل القاصر المحدود. ومن ثم احتاج العلماء لتنفيدها إلى الاستعانة بالعقل لحد كبير ؛ حتى وُجِدَ هذا الفن المستقل المعروف بعلم الكلام ،الذي امتاز بأسلوب خاص مزيج من العقل والنقل. وهنا ثار سؤال بشكل طبيعي ما هو نسبة العقل من النقل في شأن الدين ؟ هل هما سيّان بالقياس إلى الدين ؟ أم يختلفان ويقلّ أحدهما مكانةً عن الآخر؟ ونشأت هناك طائفتان إحداهما ردُّ فعل للآخر بما تتّسمان به من الإفراط والتفريط. والطائفة التي كانت مُعْجَبَةً بالفلسفة قدّمت العقل على النقل، وجعلت الأول أصلاً مقابل الآخر ، كالمعتزلة الذين لا يثقون بالأحكام الدينية ما لم يُفْتِ العقلُ بكونها جديرةً بالقبول؛ مما يعني بشكل واضح أن الوحي الإلهي خاضع للعقل الإنساني لدى هذه الطائفة . وقدخان المعتزلةَ التوفيقُ ههنا، وأعلنوا صريحاً بكون العقل مسيطراً على الوحي ،وتجرأت الطوائف القائلة بالاعتزال على المحاولة لجعل صفات الله تعالى المتعلقة بالعلم والخبر والهداية والحاكمية خاضعةً لعقولهم المحدودة القاصرة .

أما الفلاسفة القدامي فقد خَطَوْا مرحلةَ الإعجاب بالعقل إلى تقديس العقل والخضوع له، وكأنهم أشركوا العقل في صفة الخلق الإلهية ، فافترضوا «العقول العشرة» التي وصلوا بها مرحلياً إلى مكانة الخالق للكون ، وإن لم يقولوا بكونها «خالقة» فإنهم جعلوها بمنزلة «الخالق» دونما شكّ ؛ حيث قالوا : بالعقل الأول الذي خلق العقل الثاني الذي وُجِدَتْ بفضله العقول الثمانية المتبقية التي تحكّمت في وجود الكون وقيامه ودوارنه!!.

المادّيّون المعاصرون:

أما فلاسفةالعصر، أي المادّيون ؛ فقد تقدموا أربع خطوات أخرى ، فوثقوا بالعقل الضعيف لحدّ أن جحدوا بوجود الله تعالى. والأمورُ كلها لديهم – وليس الدين فقط – إنما يسير بهذا الشكل المحكم الدقيق بفضل العقل وحده الذي يسيطر على جميع الأمور : دقيقها وجليلها.وجملة القول إن القاسم المشترك بين هذه الفرق كلها هو تفضيل العقل على الوحي . وظلت أشكالها تختلف حَسَبَ العصور وإيحاءاتها واقتضاءاتها.

وكرد فعل لهذه الطوائف وُجِدَت في الإسلام بعض الطوائف التي منعت العقل من الدخول في حدود الدين منعاً باتاً، واعتبرته بالقياس إلى الدين مُهْمَلاً ضعيفاً تافهاً، وأعلنت إعلاناً صارخاً أن الدين لا صلة له بالعقل والعقلانية ، وأنه لم تُرَاعَ في حكم من أحكامه أيةُ مصلحة عقلية ؛ لأن الدين إنما هو مِحَكُّ اختبار قُصِدَ به العلمُ بطاعة العباد وعصيانهم. ومثل ذلك مثل المولى يأمر عبده بحمل حَجَرَةٍ أو بمسّ شجرةٍ لاختبار مجرد طاعته من عصيانه ؛ حيث لا يقصد من ذلك إلى غير الاختبار. وإذاً فالأعمال الدينية لا تشتمل لدى هذه الطوائف على أيّ حسن أو قبح عقليّ، وإن اشتملت عليه فإن معنى ذلك لا يكون إلا استحقاق العبد للثواب أوالعقاب، ولن يعني ذلك كونَ عمل من الأعمال الدينية مشتملاً على معقولية أو على ما يعين الإنسان على التقدم والتمدن!!.

خصيصة علماء ديوبند فيما يتعلق بالعقل:

لكنّ علماء ديوبند يأخذون في هذا الباب أيضاً بالاعتدال والشمول ؛ فهم لا يعتبرون العقل في باب الدين مهملاً عاطلاً لا غناء فيه ولا فائدة ، على حين إن النصوص الشرعية زاخرة بما تشتمل عليه الأحكام من المصالح العقلية والعلل الكلية والحقائق الجامعة، ويتجلى تأثير تلك الأمور العقلية في مواضع شتى فيما يتعلّق بإثبات المسائل واستخراج الأحكام واستنباط الحقائق؛ فالحاجة إلى العقل لا تقبل الإنكار. غير أنّهم لا يعدّونه شيئاً مستقلاً حتى يجعلوه أصلاً مقابل الوحي ، ويعتبروه مُنْشِئًا للأعمال ، وخالقاً للأفعال، أو حكماً فيما يتعلق باستحقاق العبد للثواب أو العقاب.

فعلماء ديوبند يرون العقل نافعاً في الدين ، ولكنهم لا يرونه حكماً أو موجداً للأحكام أومؤدّيا إلى ثمرات للأحكام.إنهم يرون العقل آلة في إثبات العقائد والمسائل، ولا يرونه مصدراً لها ومؤثراً فيها، حتى يروحوا يستقون منه العقائد والأحكام . إنهم لا ينتقدون النقل بمقياس العقل ، وإنما يرون النقل الصحيح معياراً لنقد صحة العقل من سقمه . إنهم يرون العقل ميزاناً لتقدير المحسوسات ، ولا يرون له دخلاً في إدراك المغيبات. فأصل الدين عندهم هو الوحي الإلهي وحده، والعقل خادم كالحواس الخمس التي تُوَظَّفُ لإثبات الوحي الإلهي. ومهما كان العقل أشرف هؤلاء الخَدَمَة؛ ولكنه ليس حاكماً أو حكماً.

إن علماء ديوبند ليسوا إذاً فلاسفة ولا معتزلة ولا أشاعرة متصلبين ، وإنما هم يعتبرون العقل آلة نافعةعلى شاكلة أهل السنة والجماعة، تُسْتَخْدَمُ للتوصّل إلى الحِكَم والحقائق الخفية؛ لكنها لا تُوَظَّفُ لإيجاد الحِكَم والحقائق ؛ فهي ليست واضعة للأحكام، وإنما هي تابعة لها، أي إنها موضحة للأحكام وليست موجدة للأحكام. ثم إن الحكمة المُسْتَخْرَجَةَ من الأحكام عن طريق العقل، لا تكون مُؤَسَّسَةً عليه – العقل – وإنما تكون مبنية على الأحكام.

فالأحكام الإلهية هي مصدر الحِكَم والأمور العقلية ، وليس العكس، أي ليست الحكم والعقليات هي مصدر الأحكام؛ فالعقل مُسْتَدَلٌّ للأحكام ، وليس واضعاً لها؛ مدرك للأحكام وليس مُنْشِئًا لها؛ مفهم للأحكام وليس مُلهِمًا لها. إن العقل تتضح به المصالح الشرعية ولا تتحق به .

العقل الفاعل ههنا:

ومن الواضح أن العقل الفاعل ههنا إنما هو العقل المتمتع بمعرفة الله تعالى، والغارق في التفكير في العاقبة، والمنهمك في ذكر الله تعالى وعبادته. إن العقل الغافل عن ذكر الله والتفكير في الآخرة ، لا يتأهّل أن يكون خادماً للدين. وقد سمّى القرآن الكريم ذلك العقل المطلوب السعيد بذكر الله بـ «اللّبِ» الذي لا يبقى متورطًا في مجرد زينة الأشكال وجمال الصور ، وإنما ينفد في باطنها ويستخرج منها الحق الأبلج.

فقد أشاد القرآن بصفتي الذكر والفكر اللتين يتسم بهما أولو «الألباب» الذين يستخرجون آيات القدرة الإلهية من خلال التفكير في خلق السماوات والأرض.

﴿الَّذِيْنَ يَذْكُرُوْنَ اللهَ قِيَامًا وَّ قُعُوْدًا وَّ عَلَى جُنُوْبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُوْنَ فِيْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ (آل عمران / 191)

مما يدلّ على أن مجرد العقل الذي لا يتّصف بالذكر والفكر ، لا يجوز أن يكون خادماً للدين ، فضلاً عن أن يكون متقدماً على الدين. فالحديث كلّه إنما يدور حول «اللّبّ» الذي هو العقل الشرعي ، وليس يعنينا جنسُ العقل الذي يُعْرَف لدى عامة الناس بـ «العقل الطبيعي» أو «العقل المعاشي» الذي يعين فقط على صنع السكين والشوكة والمحرك والماكينة والآلات ؛ فهو ليس خادماً للدين على الإطلاق. ويمكن بذلك تقدير الموقف المعتدل الذي يقفه علماء ديوبند فيما يخص الأسس والمبادئ الكلاميّة وعلماء الكلام.

علماء ديوبند ليسوا أشعرية أو ماتريدية وإنما هم يأخذون بالاعتدال:

أما القضايا الكلامية فقد وقف منها أيضاً علماءُ ديوبند موقف الاعتدال والشمول هذا ؛ فهم سلكوا في المسائل المختلف فيها مسلكَ التوفيق ورفع الخلافات، مكان التجريح والطعن أو الرفض والترك. وهنا ينشأ السؤال أولاً : هل علماء ديوبند يتبعون الإمام أبا الحسن علي الأشعري [المتوفى 324هـ / 936م] ((1)) أوالإمام محمداً أبا منصور الماتريدي [المتوفى 333هـ / 944م] ((2)) ؟ والجواب: أنهم في عُرْفِ علماء ديوبند أنفسهم يُعْرَفون بأنهم ما تريديون، ولكن جماعةً منهم ترى أنهم أشعريون. وذلك أولاً لأن مورثهم الأعلى العلمي هو الإمام الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي ((3)) الذي تشف أقواله عن أنه أشعري فهم يرون أنهم أشعريّون؛ وثانيا لأن علماء ديوبند يراعون المسائل الأشعرية في دروسهم ومحاضراتهم وكتاباتهم و خطاباتهم ؛ إلا أن الأحسن – نظراً إلى موقفهم المعتدل المزيج من المذهبين – أن يُوْصَفُوْا بأنهم ما تريديون مائلون إلى الأشعرية ؛ فهم جامعون بين الأشعرية والماتريدة . بل إن دراسة أبحاثهم الجامعة تدلّ على أن الخلافات بين الأشعرية والماتريدية إنما تعود أخيراً خلافات صوريّة . فالمسائل المنصوص عليها لا يمكن أن يحدث فيها خلاف، إنها جميعاً متفق عليها، اللهم إلا الخلاف الذي يقع في عرضها وشرحها وتفسيرها ، والذي لا يجوز أن يُسَمّى اختلافاً أساسياً؛ حيث يؤدي ذلك إلى الاتفاق على الغرض. وتبقى هناك قضايا اجتهادية معدودة يوجد بينها تضادّ في ظاهر الأمر ، وهي اثنتا عشرة قضية فيما يقول المحقق الكبير العلامة ابن كما باشا((4))، وقد عدّدها في رسالة له موجزة، وقد يجوز أن تكون هناك قضايا أخرى عند بعض السادة غير هذه القضايا.

========

((1)) هو علي بن إسماعيل بن أسحاق أبو الحسن من سلالة الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري. هو مؤسس مذهب الأشاعرة . ولد عا 260هـ الموافق عام 874م بـ «البصرة» ، وتوفي ببغداد عام 324هـ الموافق سنة 936م.

كان عالماً حنفيا، مجتهداً من أئمة المتكلمين ، وكان في بداية أمره معتزليا ، ثم تاب من القول بالعدل، وخلق القرآن ، وتخلى عن آراء المعتزلة تماماً، وردَّ عليهم، وفضح معائبهم،وقام برد مفحم على الملاحدة ، والرافضة ، والجهميّة ، والخوارج، وسائر أصناف المبتدعة.

بلغت مؤلفاته ثلاث مائة كتاب. (وفيات الأعيان 1/326؛ الجواهر المضيئة 1353؛ البداية والنهاية 11/187)

((2)) هو محمد بن محمد بن محمود أبو منصور الماتريدي الحنفي من أئمة علماءالكلام . نبسته إلى «ماتريد» محلة بسمرقند . تفقه على أبي بكر أحمد الجوزجاني وتفقه عليه خلق كثير ، منهم الحكيم القاضي إسحاق بن محمد السمرقندي، وعبد الكريم بن موسى البزدوي. وله تصانيف نفيسة ، منها «كتاب التوحيد» ، و «بيان أوهام المعتزلة» و «تأويلات القرآن» ، وهو كتاب لا يوازيه فيه كتاب، بل لا يدانيه شيء من تصانيف من سبقه في هذا الفن . مات سنة 323هـ الموافق عام 944م ودفن بسمرقند. وإليه تنسب «الطائفة الماتريدية». (الفوائد البهية 195؛ الجواهر المضيئة 2/130؛ كشف الظنون 335)

((3)) قد مضت ترجمته ضمن عنوان «ماهي الديوبندية؟»

((4)) هو أحمد بن سليمان بن كمال باشا شمس الدين الحنفي من علماء الحديث والتفسير ، تركي الأصل. وُلِدَ في «طوقات» من نواحي «سيواس» . تعلم على المولى القسطلاني والمولى خطيب زاده، والمولى معروف زاده بمدينة «أدرنة» ، ودرَّس بمدرسة سلطان بايزيد ، ومدرسة علي بك فيها، ثم وُلّي القضاء، ثم الإفتاء بـ «الآستانة» إلى أن توفي عام 940هـ الموافق عام 1534م.

قال محمد بن عبد الرحمان التاجي : قلما يوجد فن من الفنون ، وليس لابن كمال باشا مصنف فيه . فقيل : تبلغ مؤلفاته مائة كتاب، معظمها في المباحث المهمة الغامضة. (شذرات الذهب ج:4، ص238؛ الفوائد البهية ص21؛ الأعلام للزركلي 1/133: معجم المؤلفين 2/238)

========

فالقضايا المختلف فيها بين الأشعرية والماتريدية قليلة جداً، وأبرزها قضية الحسن والقبح. أي إن الحسن والقبح اللذين يوجدان في الأعمال هما شرعيان أو عقليان. وهذا الاختلاف أدّى إلى الاختلاف في مسائل كلامية أخرى؛ فلو وُجِدَ التوفيق بشكل ما في هذه المسألة ، لارتفع الخلاف عن المسائل المذكورة لحد كبير، ولاجتمع المذهبان على قاسم مشترك، أو قلَّ الخلاف، وأصبح في مكان اللااختلاف.

مذهب الأشعرية في حسن الأفعال وقبحها:

فمذهب الأشعرية فيما يتعلق بحسن الأعمال وقبحها أن هذا الحسن والقبح شرعيان، أي الحسن والقبح يُوْجَدَان في الأعمال بالأمر والنهي الصادرين عن الشريعة ، وإلا فإنها في ذاتها خالية عن كل من الحسن والقبح. إن الشريعة إذا أمرت بشيء فإن المأمور به يعود حسناً من ساعته، وإذا نهت عن شيء فإنه يعود قبيحاً من ساعته، حتى في صورة التغيير في الأحكام إذا نهت الشريعة عن فعل كان حسناً لوقت النهي ، تغيّر حسنه قبحاً، وعاد هذا الفعل الحسن قبيحاً من ساعته؛ وإذا أمرت بفعل كان قبيحاً لوقت الأمر، أصبح حسناً من ساعته. فحسنُ الأعمال و قبحُها إنما يترتبان على إيجاب الشريعة لها أو تحريمها إياها، ولا يترتبان على استحسان العقل لها أو استهجانها لها؛ فهما ليسا عقليين لدى الأشعرية.

مذهب الماتريدية في ذلك:

على العكس من ذلك يقول الماتريدية : إن الحسن والقبح يُوْجَدَانِ في ذات الأعمال كخاصية لها مُوْدَعَة إيّاها، ولا تنشئهما الشريعةُ فيها، وإنما تَرِدُ الشريعة على الموجود في الأعمال من الحسن والقبح من قبل، فتكشف اللثام عنهما. بل إن الأمر والنهي الشرعيين إنما يتوجّهان إلى الأعمال لما يُوْجَدَ فيها من الحسن والقبح ، باستثناء بعض الأشياء الفرعية المباحة أصلاً. فالأمور الحسنة بذاتها، إنّ حسنها هو الذي اقتضى أن يُؤْمَرَ بها. والأمور القبيحة بذاتها ، إن قبحها هو الذي اقتضى أن يُنْهَى عنها؛ تماماً كفن الطبّ الذي إذا منع عن استعمال السم أو أمر باستخدام الترياق؛ فإن الأمر والنهي هذين لا يكونان قد أنشآ في الأول قبحَ الممات وفي الثاني حسنَ الحياة، وإنما يعنيان أنّهما إنما توجَها إليهما للحسن والقبح اللذين يوجدان فيهما من قبل.

وتلك هي صورة الطبّ الروحاني والشريعة؛ فالحسن والقبح لا يحدثان بأمرهما ونهيهما، وإنما يرد أمرهما ونهيهما على الحسن والخبث الموجودين في ذات الأفعال بشكل طبيعي؛ إلا أنهما لا يتضحان بشكل كامل إلا بنزول الشرائع، لا بمجرد العقل .

فاتضح أن انكشاف الحسن والقبح شيء، وإحداث الحسن والقبح شيء آخر؛ فهما عقليان وليسا شرعيين.ومن ثم فإن الأفعال التي نهت عنها الشريعة، قد قدّمتْ خبثَها الذاتي الموجود فيها من قبل توجه النهي إليها علّةً للحكم ؛ فقد نهت عن الزنا قائلة ﴿إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً ((الإسراء /32)) أي كونه فاحشة مؤدية إلى الوقاحة الزائدة هو الذي دعا إلى النهي عنه، ولم يكن النهي الشرعي هو الموجد للخبث فيه. وكذلك نهت الشريعة الخمر قائلة ومشيرة إلى علة النهي: ﴿رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ((المائدة / 90)) أي كونه رجساً شيطانيّاً هو الذي حمل على النهي عنه. وكذلك أمرت الشريعة بالصلاة قائلة : ﴿إِنَّ الصَّلوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَ الْمُنْكَرِ ((العنكبوت /45)) وإنها تُكسِبُ صاحبَها التقرّبَ إلى الله. وأمر بالصيام مصرحة بأنه يزود صاحبه بالتقوى. وأمرت بالزكاة والصدقات مشيرة إلى أنّها تُكْسِب القائمَ بها السخاء، وتعين على مواساة الفقراء والبر بالمحتاجين ، وتحول دون ارتكاز الثروة في أيد متلاعبة بها.

فاتضح من ذلك أن الأعمال المأمور بها كانت حسنة بذاتها، فورد الأمرالشرعي بالإتيان بها. وإن الأعمال المنهي عنها كانت قد عُجِنَتْ بالخبث من قبل، فورد النهي الشرعي عنها.

والعقل أيضاً يقتضي أن تسبق العلةُ الحكمَ ، حتى يترتب عليها الحكم بالإيجاب أو التحريم ، ولا يسيغ العقلُ أن يسبق الحكمُ العلةَ وتتولد منه.

على كل فإن الحسن والقبح كانا مخلوقين في هاتي الأعمال من قبل أن يرد الأمر أو النهي في شأنها، وقد كان العقل يدركهما بشكل مُجمل، واعتبرهما الله تعالى لحكمة يعلمها فأنزل من أجلهما الأمر والنهي، فجاء تشريعه تعالى موافقاً تماماً لتكوينه وخلقه، وتجلى لنا نحن البشر العجزة التوافقُ الكامل بين قوله تعالى وفعله. وذلك هو معنى كون الإسلام ديناً طبيعيًّا؛ حيث يُحوِّل الخلقيات الطبيعيات بامتثال الأمر الإلهي شرعيات، حتى لا تتوحش الطبائع المستأنسة بتلك الطبيعيات من الشرعيات ، ولا ترى الأمر والنهي الشرعيين غير طبيعيين ، فتعتبرهما مفروضين عليها بشكل إجباري، فتعرض عنهما مستثقلة إياهما. وكل ذلك لا يعني إلا أن حسن الأفعال و قبحها عقليان، لا يتوقفان على نزول الشرائع، ولا ينشآن بالإيجاب والتحريم الشرعيين، وإنما يترتب الإيجاب والتحريم بدورهما على تلك الحجج العقلية.

العقول الكبيرة تدرك الحسن والقبح في أول وهلة:

على أن بعض العقول الكبيرة قد تدرك الحسن والقبح بأول وهلة إدراكاً عميقاً، وبعضها لا تبلغ هذا المستوى فتدركهما بعد التنبيه إلى ذلك؛ لكن ذلك لا يخلّ بكونهما عقليين ، وإلا لم تكن تلك الحجج العقلية لتُقُدّم كعلة للحكم في الكتاب والسنة والفقه معاً ؛ بل كان الواجب إذاً أن تُفرضَ الأحكام إجبارياُ ، على الناس أن يتقيدوا بها مهما رأها العقل البشري حجة معقولة أو لم يرها ذلك. وهنا لم يكن ليطلع على الدين أنه «لاَ إكْرَاهَ فِي الدِّيْنِ» وأن للإنسان أن يتبعه «على بصيرة» ؛ فقد صرّح كتاب الله تعالى:

﴿لاَ إكْرَاهَ فِي الدِّيْنِ (البقرة / 256)

﴿عَلَى بَصِيْرَةٍ أنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِيْ (يوسف/108)

﴿إذَا ذُكِّرُوْا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوْا عَلَيْهَا صُمًّا وَ عُمْيَانًا (الفرقان /73)

ثم إن القرآن عرض هذه الأحكام في كثير من المواضع، مسندة إياها إلىحجة ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُوْنَ (الروم/24) و ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَّتَفَكَّرُوْنَ (الروم /21) و ﴿لآياتٍ لأولِي الألْبَابِ (آل عمران/190) و ﴿لآياتٍ لأولِي النُّهَى (طه/128). وذلك كله خطابٌ للألباب أي العقول أو لأولي الألباب أي لأولي العقول. ومن الواضح أن هذا الخطاب بالبصيرة والتعقل والاستماع والتفكر، لم يكن ليصح إلا إن كانت الأحكام المنقولة – كما هي في الواقع – مبنية على الحجج العقلية والعلل المعقولة ، وأيضاً إن كان الممتثلون لهذه الأحكام – كماحصل ذلك في الواقع – امتثلوها على بصيرة وتعقل، لكون روح التعقل موجودة وسارية فيهم ، الأمر الذي يدلّ على أن الحسن والقبح في الأفعال عقليان لا غير.

وجملة القول أن الدراسة المسرودة أعلاه تبين ما يوجد بين مذهبي الأشعرية والماتريدية من تضادّ.

علماء ديوبند وروحهم الاعتدالية في هذه القضية:

لكن الذوق الكلامي لعلماء ديوبند ههنا أيضاً ينبني على الجامعية والشمول والاعتدال ؛ فهم يودّون الجمع بين «الضدين» في أمثال هذه المسائل . فالعمل على رفع هذا التضاد في هذه القضية الأساسية مهما تم عن طريق رجل عادي في هذه الجماعة: جماعة ديوبند، فإن ذلك يكون أثراً من آثار الشمول والتوازن اللذين يتسم بهما المذهب الديوبندي.

فلرفع التضاد عن قضية الحسن والقبح ، يجوز أن يقال: إنه لا يوجد على ظهر الأرض قوم ينكرون المبدأ القائل بأن الأفعال مهما كانت حسنة أو سيئة إنما تخضع لضابطة وترتبط بقاعدة كلية. فإذا وضعنا ذلك في الاعتبار وجدنا أن كل قوم في العالم ، مهما كانت ديانتهم أو مهما كانوا متبعين لدين أو منكرين لكل دين، يعترفون بفطرتهم بحسن الأفعال وقبحها.

فمن الذي لا يعلم أن العدل حسنٌ وأن الظلم قبيح، وأن العلم حسنٌ وأن الجهل قبيح ، وأن البر والإيثار حسنان وأن الأثرة والبخل قبيحان ، وأن الوقار والجد حسنان وأن الهزل والاستخفاف قبيحان، وأن العفّة والنزاهة حسنتان وأن الوقاحة والاستهتار قبيحان، وأن الأمانة حسنة والخيانة قبيحة ، وأن الطهارة والنظافة حسنتان وأن النجاسة والقذارة قبيحتان . من الواضح كلّ الوضوح أن الأقوام كلها وإن كانت دهرية وملحدةً لادينية، تعترف بهذه الحقائق على أساس العقل ، ولا تعترف بها على أساس الدين.

وكلنا يعلم أن إجماع البشر – منذ أن وُجِدَتِ الخليقة – على شيء ما يُعَدُّ حجةً ، لا يتغاضى عنها حتى الشريعة الإسلامية ، والتنكر لها يُعَدُّ تنكراً للفطرة. فإن كان الأشعرية هم أيضاً من سكان هذه الدنيا وجزءاً من أقوام الدنيا، فإنهم كذلك سوف لن ينكروا هذه القاعدة الكلية، ولن يعرضوا عن الاعتراف بكون الحسن والقبح عقليين.

الحسن والقبح في هذه المبادئ:

فكون الحسن والقبح في هذه المبادئ الكلية عقليين ثبت بإجماع العالم ، الأمر الذي يُضْطَرَّ الأشعرية هي الأخرى إلى الاعتراف به ، أما الماتريدية فهم قائلون وعاملون به من قبل. فعلى هذه النقطة اتحد الأشعرية والماتردية.

أما فروع هذه الأصول والمظاهر العملية التي إنما تأتي نابعةً من تلك الأصول والكليات، فلما ثبت بالإجماع كون الحسن والقبح في تلك الكليات عقليين ، فلا يمكن أن لا تسري في الفروع والجزئيات نوعيةُ الصفات المودعة الكلياتِ والأصولَ ، بما فيها صفتا الحسن والقبح؛ فلامعدى لنا عن اعتبار ما يوجد في الفروع والجزئيات من الحسن والقبح عقليّاً، وإلا فتتلاشى الصلة التي تربط بين الأصل والفرع وبين الكلي والجزئي، على حين إن مثل هذه الصلة لازمة الوجود؛ فكون الحسن والقبح في الفروع عقليين بشكل مجمل شيء لا مجال لإنكاره للأشعرية ولا للماتريدية ؛ ولكن الحقيقة الجلية التي لا يجوز إنكارها ههنا هي أن المنهاج – الذي يُعْتَمَدُ عليه في هذا الباب في شأن استنباط الجزئيات من الكليات والفروع من الأصول، وتحديد هذه الجزئيات، و وضع النقاط على الحروف في خصوص أحوالها وكيفياتها ومواضع استخدامها – متوقفٌ على الشريعة الإسلامية، ولا يمكن العقلَ المجردَ أن يتّخذه من عنده. فليُعلَمْ أن هذا الاستنباط للفروع والجزئيات إنما يتم بالنص الشرعي أو الاجتهاد والاستنباط؛ لأن ذلك هو الحجة الشرعية الموثوق بها.

فالعقل قد يدرك مثلاً أن العلم حسنٌ ، ولكن ما هو النافع من العلوم وما هوالضار، وما هو المطلوب وما هو الجدير بالرفض، وإلى أي مرحلة يجوز طلب العلم، وعلى أي مرحلة يجب الامتناع عنه؟ وما هو العلم المقصود أصلاً ، وما هو العلم الذي هو بمنزلة مجرد الوسيلة والآلة؟. إن ذلك كّله لا تدلّ عليه إلا الشريعة الإسلامية. ويمكن أن يقاسَ بذلك كل مبادئ العدل والطهارة وما إلى ذلك؛ حيث إن تحديده والدلالة على حدود العمل في شأنه، وعلى ما هو المقصود منه وما هو غير المقصود، وعلى ما هي النواحي النافعة منه والضارة، وعلى نوعية الآثار التي يتركها والتي تتعلق بالأولى والآخرة؛ كل ذلك أمور إنما يتوقف الاطلاع عليها على إيجاب الشريعة وتحريمها واستحسانها واستهجانها ؛ لأن العقل ليس بوسعه أن يتخذ أي برنامج شامل فيما يخص الغيب والشهادة ، بمنجاة من العلم الإلهي وبسند من علمه وخبرته، وإلا لما مسّت الحاجة إلى النبوة.

وإذا كانت هذه الجزئيات المشار إليها لا يمكن أن يتم تحديدها إلاّ بالشريعة ، فمن الطبيعي أن يؤثر «الموقوف عليه» في «الموقوف» والأساس في البناء والأصل في الفرع. وإذا كانت الشريعة هي «الموقوف عليه» وهي الأساس، وهي الأصل؛ فإن الحسن والقبح الموجودين في هذه الجزئيات إنما ينبعان من الشريعة ، فلا يُسَمَّيَان إلا شرعيين.

إن الصلاة حسنة في ذاتها؛ ولكنها إذا صدر الأمر بها من الله عز و علا، فإن هذا الأمر هو الآخر يضفي عليه حسناً إلى حسنها. وإن الخمر قبيحة في ذاتها، ولكنه إذا صدر النهي عنها من قبل الشريعة ، فإن القبح سيأتي مؤكَّدًا، لا يمكن الماتريدية أيضاً أن ينكروا ذلك؛ لأن الأمر الإلهي الذي هو حسنٌ بذاته إذا نزل ، نزل بحسنه، وتوجه إلى الجزئيات بذلك الحسن ، فيزيده حسناً على حسن، وإلا لكان توجّهُ الأمر هذا غير فاعل. وذلك أمر غير معقول يرفضه العقل والنقل معاً؛ فهذه المرتبة من الحسن والقبح إنما تكون شرعية لكونهما ناشئين من الإيجاب والتحريم الشرعيين، ولا يمكن أن تُسَمَّى عقلية.ولئن صدرت هذه الأحكام بدورها من قبل حكومة دنيوية لكان ما في الصلاة من حسن وفي الخمر من قبح متوقفاً عى ذاتهما، ولكان عقليًّا فقط، ولما تبلور فيهما أي شيء من الحسن والقبح بهذا الأمر والنهي البشريين؛ بل كانا – أي الأمر البشري والنهي البشري – مُسْتَحْسَنَينْنِ من أجل ما فيهما من حسن وقبح. أما الأحكام الربانية ، فإنها على العكس من ذلك تأتي بنفسها بحسن من عندها كذلك، فتزيد المأمور به والمنهي عنه حسناً و قبحاً.

هذا الموقف نفسه يحدث لدى نسخ هذه الأحكام:

وهذا الموقف نفسه يحدث لدى نسخ هذه الأحكام الجزئية ؛ حيث إذا نهت الشريعة في وقت ما عن أمر حسن، لا يسلبه ذلك حسنه الذاتي العقلي؛ ولكن الأمر الشرعي المتضمن لمصالح العباد يضيف إليه حُسناً جديداً. فمثلاً : إذا سقطت الصلاة عن فاقد للحواس أو مُغْمًى عليه أو عن مريض مشرف على الموت، وكذلك ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قَبِلَ ما اشترط عليه صحابيٌ، من أنه لا يصليّ إلا صلاتين((1)). فإن ذلك كله لا يغيّر من حسن الصلاة الذاتي العقلي شيئاً وإنما يأتي ذلك ليزيدها حسناً في شأن الفرد المذكور ، وهذا الحسن الجديد المضاف إلى الحسن الذاتي العقلي يُسَمَّى حسناً شرعياً. ومثلاً: إن الكذب قبيح جدًّا في ذاته؛ ولكنه إذا سمحت به الشريعة لمصلحة ملحة، فإن ذلك لا يغير من قبحه الذاتي؛ ولكنه يضيف إليه بشكل استثنائي حسناً إنما يكون مصدره هو الأمر الشرعي الإلهي.

======

((1)) والحديث كما يلي:

عن نصر بن عاصم عن رجل منهم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم على أنه لا يصلي إلا صلاتين فقبل ذلك منه، وفي «بذل المجهود في حلّ سنن أبي داؤد» فظاهر هذا أنه صلى الله عليه وسلم أسقط عنه ثلاث صلوات فكان من خصائصه صلى الله عليه وسلم أنه يخص من شاء بما شاء من الأحكام ويسقط عمن شاء ما شاء من الواجبات ، كما بينته بكتاب الخصائص ، فهذا منه. والظاهر أن هذا الرجل المبهم هو فضالة؛ فإنه ليثي ونصر بن عاصم ليثي فقال: عن رجل منهم،وفي هامش «البذل» : وقد ذكر السيوطي في الخصائص الكبرى له نظائر وكذا الجصَّاص في «أحكام القرآن». (بذل المجهود في حل سنن أبي داؤد» للعلامة المحدث خليل أحمد السهارنفوري المتوفى 1346هـ / 1927م، ج3، ص234، دار الكتب العلمية، بيروت، باب المحافظة على الصلاة؛ مسند الإمام أحمد ج5ص25 رقم الحديث 19776)

======

وخلاصة القول أن حسن هذه الأمور الجزئية وقبحها إذا يُنْظَر إليهما من خلال أصولهما ، فإنهما عقليان؛ وإذا يُنْظَرُ إليهما من خلال الأمر الشرعي والاقتراح الإسلامي ، فإنهما شرعيان. وكلا الأمرين لا يمكن أن يفارقا هذه الجزئيات ؛ فاجتماع النوعين من الحسن والقبح فيها، شيء طبيعي بالتأكيد.

ولئن كان الأشعرية قائلين بكون الحسن والقبح شرعيين فإن الماتريدية أيضاً لا يسعهم أن ينكروا ذلك بالقياس إلى هذه النسبة الشرعية التي تحدثنا عنها في السطور الماضية على حين أن هذه الأعمال لم تفقد في هذه الحالة أيضاً ما كانوا قد زعموه من الحسن والقبح العقليين ، كما أنه لا يتنافى مع الشريعة ما حدث فيها من مزيد الحسن بفضل الأمر الشرعي؛ لأن الماتريدية لم يدّعوا أن الحسن والقبح العقليين لا يجتمعان مع الحسن والقبح الإضافيين في حال من الأحوال؛ أي إن الدين يقوم على الجانب الإيجابي وليس على الجانب السلبي؛ فلم يعد الماتريدية منكرين بشكل كلي ما كان قد ادّعاه الأشعرية من كون الحسن والقبح شرعيين في الأفعال، كما أن موقف الماتريدية لم يتغيّر بإقرارهم بهذا الحسن والقبح الجديدين الإضافيين . وكذلك فالأشعرية لم يعودوا منكرين للحسن والقبح العقليين اللذين اكتسبتهما الأفعال الجزئية من خلال أصولها، واللذين ادّعاهما الماتريدية . وعلى ذلك فكلتا الطائفتين عادتا قائلتين بكلا النوعين من الحسن والقبح، الأمر الذي أكسبهما التوافق مكان التضاد، والتقارب مكان التباعد، على حين إن دعاويهما بقيت في مكانها.

الفرق بين الماتريدية والأشعرية في هذا الخصوص:

ويبقى الفرق بين الماتريدية والأشعرية في هذا الخصوص أن الماتريدية تقول بكون الحسن والقبح عقليين في هذه الجزئيات بالقياس إلى أصولها؛ ولكنها لم ترفض الحسن والقبح الناشئين فيها من قبل الأمر الشرعي في شأنها.

وعلى ذلك فإن الطائفتين قد اجتمعتا على القول بهذين الحسن والقبح من اعتبارات متعددة . وبذلك ارتفع التضاد المشهور عنهما في هذه القضية أو يكاد يرتفع لكونه يعود منكمشاً جداً. وإنما يبقى الاختلاف في النسبة والاعتبار ، ولا يبقى الاختلاف في أصل القضية وفي أصل الحكم. وههنا يجوز أن نقول إن إحدى الطائفتين غلبها «العقل الشرعي» فقالت بكون الحسن والقبح في الأفعال عقليين ، وإن الأخرى غلبها الذوق الشرعي؛ فقالت بكون الحسن والقبح شرعيين، غير أن إحداهما إذا لم تنكر نسبة أخراهما ، فلم يعد الأمر مرتبطاً بمغلوبية أصل القضية وإنما عاد مرتبطاً بالاعتبارات والنِسب وأذواق الطائفتين المعنيتين، وعادت القضية نفسها متفقاً عليها بينهما لحدّ كبير.

وعصارة القول أن المسائل الكلامية لم يكن فيها خلاف قط فيما يتعلق بالمنصوص عليه. وإنما كان الخلاف في المسائل الاجتهادية ، فأما الأصول والحقائق فقد أجمعت الأمم والأقوام على كون الحسن والقبح فيها عقليين بما فيها الأشعرية والماتريدية . أما الجزئيات فقد علِمْتَ آنفاً أن فيها اختلاف النسبتين: نبسة الحقائق والأصول ونسبة الاستنباط الشرعي؛ فاجتمع فيها الحسن والقبح من الاعتبارين ؛ العقلي والشرعي؛ فتلاشى هذا الاختلاف هو الآخر، ولم يعد جديراً بالنقاش على صعيدي الخطابة والكتابة.

الماتريدية و الأشعرية يجتمعان على قاسم مشترك:

الموقف الذي طرحناه يجعل الأشعرية والماتريدية يجتمعان على القاسم المشترك في قضية الحسن والقبح في كل من الأصول والفروع. وذلك الشمول والتوافق والاتحاد والتوازن هو الذي يضعه علماء ديوبند نصب أعينهم في شأن القضايا الكلامية.

وبذلك فيعود الخلاف بين الطائفتين نزاعاً لفظيًّا وليس نزاعاً حقيقياً.

ومن الواضح أنه إذا وُجدَ موقفٌ للاتحاد والتقارب من خلال وضع الاعتبارات والنسب في الذهن، فمن الطبيعي أن يُوجدَ مثل هذا الموقف الاتحادي في القضايا الأخرى أيضاً؛ ولا سيما في القضايا التي إنما يرجع فيها الخلاف إلى الخلاف في قضية الحسن والقبح في الأعمال . وذلك إذا وضعنا هذه النسب والحيثيات في الاعتبار.

فمثلاً: إن الأشعرية يقولون بالنقص والزيادة في الإيمان ، والماتريدية لا يقولون بذلك. وإذا أمعنّا النظر وجدنا أن أساس هذا الخلاف أيضاً إنما هو الخلاف في حسن الأعمال وقبحها؛ لأنها هي مظاهر الإيمان، فإذا زادت ونقصت فلا بدّ أن يزيد الإيمان وينقص. إذا زادت الأعمال الحسنة فإن الإيمان واليقين سيزيدان ويقويان، وإذا زادت الأعمال القبيحة وغلب القبحُ على الحسن والخبثُ على الصلاح، فلا بد أن ينقص الإيمان وأن تخف كيفية اليقين. و كلنا يعلم أن الإيمان يتعلق بسبعة أمور عقائدية أساسيّة: الإيمان بالله ، والإيمان بالرسول، والإيمان بالكتب ، والإيمان بالملائكة ، والإيمان بالقدر والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالبعث بعد الموت . فإذا زاد الإيمان ونقص بالاعتبار العددي والمقداري وبالقياس إلى أجزائه، فإن الإيمان يزيد وينقص بكل تأكيد.

والأمور التي أشرنا إليها إذا فَقَدَ أحدٌ الإيمانَ بأحد منها، فإنه يفقد أصلَ الإيمان. وكذلك إذا نقص إيمانُه بأحد منها فإنه يفقد أصلَ الإيمان في هذه الصورة كذلك. وذلك أمر سيقول به الماتريدية كالأشعرية. فكلتا الطائفتين تقولان بالنقص والزيادة ، ولكن إحداهما تقول بالنقص والزيادة في الكيفية . وقد أشرنا إلى أن النقص والزيادة في العدد والمقدار يؤديان إلى فقدان الإيمان أصلاً؛ فلا يبقى هناك إلا النقص والزيادة في الكيفية ، وذلك هو الأمر الذي يقول به الماتريدية ، أي إن كيفية الإيمان تزيد وتنقص، ولا يحدث نقص وزيادة في الإيمان بالقياس إلى الكمية والعدد والمقدار.

فكلا الفريقين يقولان بالنقص والزيادة في الإيمان:

فكلتاهما تعترفان بالنقص والزيادة في الإيمان، فقالت إحداهما بكونهما متعلقين بالكمية وأخراهما بكونهما متعلقين بالكيفية. وقد رأيتَ أننا تناولنا النوعَ الأول من النقص والزيادة – وهما الواقعان في الكمية – بالتحليل والدراسة ؛ فأدّى إلى نشوء قضية فقدان الإيمان. وذلك ما لا يقول به حتى الأشعرية أيضاً؛ فلا يسع الفريقين إلا أن يتفقا على النقص والزيادة الحاصلين في الكيفية . وعلى ذلك فيعود هذا النزاع نزاعاً صوريّاً لا يمس إلا العوارض والكيفيات الخارجية ، أما أصل الإيمان فيعود النقص والزيادة في كيفيته أمراً متفقاً عليه.

وكذلك مثلاً: إن الماتريدية يذهبون إلى أن الإنسان له القدرة على أعماله ، ومن ثم كُلِّفَ بالكسب والاكتساب؛ ولكن الأشعرية لا يقولون بهذه القدرة .

والموقفان يبدوان متضادين؛ ولكننا إذا تناولناهما بالدراسة والتحليل ، وجدناهما على غير ما يبدوان في الظاهر؛ حيث إن الأشعرية عندما ينفون عن الإنسان القدرة فلا يعنون أنه جماد لا يعقل وأنه كالطوب والحجر، وإلا فهم يكونون قد أثبتوا صحة من يقولون بالجبر ويُعرفون بـ «الجبرية» على حين إنهم ممن يفندون مذهب القائلين بالجبر ؛ فلا يجوز لهم أن يسلبوا الإنسانَ القدرة كليًّا وينفوا الفرق بينه وبين الجماد ؛ فلا يبقى محلاً للتكليف الشرعي والثواب والعقاب؛ فيجب عليهم أن يعترفوا مبدئياً – شاؤوا أو أبوا – بالقدرة لحدّ ما. وكذلك فعندما يقول الماتريدية بكون الإنسان قادراً على الأعمال فلا يعنون أنه قادر بشكل مستقل، وأنه تعالى أقدره بصورة مطلقة ، وجعله يفعل ويصنع ما يشاء بقدرته وأنه عاد لا دخل في أعماله للقدرة الإلهية ، وأنه عاد خالقاً بنفسه لأفعاله؛ حيث إن ذلك هو مذهب القدرية الذي يفنده الماتريدية كاملاً، فلا يُتَصَوَّرُ أن يكونوا هم قائلين به.

الإنسان لا يملك قدرة مستقلة لدى أي من الفريقين :

فينبغي أن نقول : إن الأشعرية ينفون عن الإنسان القدرة المستقلة ولا ينفون عنه القدرة نفسها، وإن الماتريدية يثبتون للإنسان القدرة الخاضعة للقدرة الإلهية، ولا يقولن له بالقدرة المستقلة . وعلى ذلك فإن الأشعرية لن ينكروا القدرة التي يقول بها الماتريدية ، وهي القدرة التابعة للقدرة الإلهية ، والقدرة التي لا يقول بها الأشعرية وهي القدرة المطلقة لا يدّعيها الماتريدية كذلك. وعلى ذلك فارتفع الخلاف، وتلاشى النزاع، ولم يعد هناك أي تناقض بين الموقفين .

وتلك هي حال القضايا الكلاميّة الأخرى، حيث تبدو مختلفاً فيها ولكنها متفق عليها في الواقع.

لِنَقسِ القضايا الأخرى بالقضايا السالفة:

على كل فإن هذه القضايا المعدودة التي أشرنا إليها تدلّ على أن القضايا الكلامية بتدو مُختلفاً فيها شديد الاختلاف بين الأشعرية والماتريدية في بداية الأمر ؛ ولكن الاختلاف يتلاشى مع الوصول إلى النتائج.

فإذا كان علماء ديوبند يحاولون التوفيق بينهما، ولا يقولون بالتناقض الحقيقي بين المذهبين ، فهم على حقّ في هذا الشأن ، ونظراً لذلك إذا يذهب كاتب هذه السطور إلى أن علماء ديوبند ماتريديون مائلون إلى الأشعرية ، فلا يكون ذلك خلافاً للواقع.

مذهب علماء ديوبند فيما يتعلق بالكلام والمتكلمين

Back

 

وهذا الموقف المعتدل هو الذي يختاره علماء ديوبند في شأن الكلام والمتكلمين . إن العقائد الثابتة بالنصوص الصريحة مُجْمعٌ عليها لدى الجميع؛ فهي مُعَضَّدَةٌ بالإجماع بالإضافة إلى تلك النصوص: نصوص الكتاب والسنة . أما العقائد المُسْتَنْبِطَةُ أو العقائد الفرعية ، وكذلك تفسيرات العقائد القطعية المشار إليها أي الثابتة بنصوص الكتاب والسنة، فقد يختلف فيها العلماء المتكلمون. فمن أجل أن يكون المرأ على ثقة وطمأنينة لابدّ له أن يلوذ بأحد من أئمة الكلام ذوي البصيرة ، كما كان لابدّ له أن يتقيد بفقه مُعيّن فيما يتصل بالفقهيات والخلافات الاجتهاديّة.

وقد ظل ذوقُ ومذهبُ علماء ديوبند في شأن علماء الكلام ، أنهم لا يتخذون من أنفسهم خصماً لأحد منهم لدى وقوع الخلاف فيما بينهم ؛ وإنما يعمدون إلى التوفيق والتواصل بينهم ، انطلاقاً من الاعتراف بمكانة كل منهم.

الإمام النانوتوي:

ورغم أنهم تقيدوا في هذا الباب أيضاً بـ «كلام معين» كما تقيدوا في الفقهيات بفقة معين؛ ولكنهم لم يَفُتْهُمْ التمسك بجانب التحقيق والدراسة والبحث. وقد غلبت عليهم في هذا الشأن «الصبغة القاسمية» التي هي مستقاة من الأفكار الحكيمة للإمام مولانا محمد قاسم النانوتوي (المتوفى 1297هـ / 1880م) – قدس الله سره – مؤسس الجامعة الإسلامية دار العلوم ، ديوبند ، الهند.

كان من أبرز خصائص الإمام النانوتوي رحمه الله لدى تناوله لهذه المسائل ، أنه لم يسلك طريق الطعن والتجريح في خصوص الخلافات بين الأشاعرة والماتريدية ، وإنما سلك طريق التوفيق ورفع الخلاف فيما يتعلق بالمسائل المهمة الأساسية؛ الأمر الذي جعل أكبر الخلافات الكلامية يبدو مجرد نزاع لفظي صوريّ، وجعل المتكلمين جميعاً تَعْظُمُ مكانتهم في القلوب بشكل مُوَحَّد، وجعل معظم المسائل الكلامية لا ينشأ في شأنها الشعورُ بالخلاف بين الأشعرية والماتريدية .

بين العقل والنقل:

والأمر الذي يجب أن نضعه في الاعتبار بهذه المناسبة أن المحاربين للدين بينما استخدموا أسلحة كثيرة لمقاومته ، إذاً وظّفوا في المسائل الكلامية بصفة خاصة، العقلَ الذي قدّموه على كل شيء. فالشكوك والشبهات ذات القائمة الطويلة التي يثيرها أعداء الدين ضده ، إنما كان مصدرها في الأغلب هوالعقل القاصر المحدود. ومن ثم احتاج العلماء لتنفيدها إلى الاستعانة بالعقل لحد كبير ؛ حتى وُجِدَ هذا الفن المستقل المعروف بعلم الكلام ،الذي امتاز بأسلوب خاص مزيج من العقل والنقل. وهنا ثار سؤال بشكل طبيعي ما هو نسبة العقل من النقل في شأن الدين ؟ هل هما سيّان بالقياس إلى الدين ؟ أم يختلفان ويقلّ أحدهما مكانةً عن الآخر؟ ونشأت هناك طائفتان إحداهما ردُّ فعل للآخر بما تتّسمان به من الإفراط والتفريط. والطائفة التي كانت مُعْجَبَةً بالفلسفة قدّمت العقل على النقل، وجعلت الأول أصلاً مقابل الآخر ، كالمعتزلة الذين لا يثقون بالأحكام الدينية ما لم يُفْتِ العقلُ بكونها جديرةً بالقبول؛ مما يعني بشكل واضح أن الوحي الإلهي خاضع للعقل الإنساني لدى هذه الطائفة . وقدخان المعتزلةَ التوفيقُ ههنا، وأعلنوا صريحاً بكون العقل مسيطراً على الوحي ،وتجرأت الطوائف القائلة بالاعتزال على المحاولة لجعل صفات الله تعالى المتعلقة بالعلم والخبر والهداية والحاكمية خاضعةً لعقولهم المحدودة القاصرة .

أما الفلاسفة القدامي فقد خَطَوْا مرحلةَ الإعجاب بالعقل إلى تقديس العقل والخضوع له، وكأنهم أشركوا العقل في صفة الخلق الإلهية ، فافترضوا «العقول العشرة» التي وصلوا بها مرحلياً إلى مكانة الخالق للكون ، وإن لم يقولوا بكونها «خالقة» فإنهم جعلوها بمنزلة «الخالق» دونما شكّ ؛ حيث قالوا : بالعقل الأول الذي خلق العقل الثاني الذي وُجِدَتْ بفضله العقول الثمانية المتبقية التي تحكّمت في وجود الكون وقيامه ودوارنه!!.

المادّيّون المعاصرون:

أما فلاسفةالعصر، أي المادّيون ؛ فقد تقدموا أربع خطوات أخرى ، فوثقوا بالعقل الضعيف لحدّ أن جحدوا بوجود الله تعالى. والأمورُ كلها لديهم – وليس الدين فقط – إنما يسير بهذا الشكل المحكم الدقيق بفضل العقل وحده الذي يسيطر على جميع الأمور : دقيقها وجليلها.وجملة القول إن القاسم المشترك بين هذه الفرق كلها هو تفضيل العقل على الوحي . وظلت أشكالها تختلف حَسَبَ العصور وإيحاءاتها واقتضاءاتها.

وكرد فعل لهذه الطوائف وُجِدَت في الإسلام بعض الطوائف التي منعت العقل من الدخول في حدود الدين منعاً باتاً، واعتبرته بالقياس إلى الدين مُهْمَلاً ضعيفاً تافهاً، وأعلنت إعلاناً صارخاً أن الدين لا صلة له بالعقل والعقلانية ، وأنه لم تُرَاعَ في حكم من أحكامه أيةُ مصلحة عقلية ؛ لأن الدين إنما هو مِحَكُّ اختبار قُصِدَ به العلمُ بطاعة العباد وعصيانهم. ومثل ذلك مثل المولى يأمر عبده بحمل حَجَرَةٍ أو بمسّ شجرةٍ لاختبار مجرد طاعته من عصيانه ؛ حيث لا يقصد من ذلك إلى غير الاختبار. وإذاً فالأعمال الدينية لا تشتمل لدى هذه الطوائف على أيّ حسن أو قبح عقليّ، وإن اشتملت عليه فإن معنى ذلك لا يكون إلا استحقاق العبد للثواب أوالعقاب، ولن يعني ذلك كونَ عمل من الأعمال الدينية مشتملاً على معقولية أو على ما يعين الإنسان على التقدم والتمدن!!.

خصيصة علماء ديوبند فيما يتعلق بالعقل:

لكنّ علماء ديوبند يأخذون في هذا الباب أيضاً بالاعتدال والشمول ؛ فهم لا يعتبرون العقل في باب الدين مهملاً عاطلاً لا غناء فيه ولا فائدة ، على حين إن النصوص الشرعية زاخرة بما تشتمل عليه الأحكام من المصالح العقلية والعلل الكلية والحقائق الجامعة، ويتجلى تأثير تلك الأمور العقلية في مواضع شتى فيما يتعلّق بإثبات المسائل واستخراج الأحكام واستنباط الحقائق؛ فالحاجة إلى العقل لا تقبل الإنكار. غير أنّهم لا يعدّونه شيئاً مستقلاً حتى يجعلوه أصلاً مقابل الوحي ، ويعتبروه مُنْشِئًا للأعمال ، وخالقاً للأفعال، أو حكماً فيما يتعلق باستحقاق العبد للثواب أو العقاب.

فعلماء ديوبند يرون العقل نافعاً في الدين ، ولكنهم لا يرونه حكماً أو موجداً للأحكام أومؤدّيا إلى ثمرات للأحكام.إنهم يرون العقل آلة في إثبات العقائد والمسائل، ولا يرونه مصدراً لها ومؤثراً فيها، حتى يروحوا يستقون منه العقائد والأحكام . إنهم لا ينتقدون النقل بمقياس العقل ، وإنما يرون النقل الصحيح معياراً لنقد صحة العقل من سقمه . إنهم يرون العقل ميزاناً لتقدير المحسوسات ، ولا يرون له دخلاً في إدراك المغيبات. فأصل الدين عندهم هو الوحي الإلهي وحده، والعقل خادم كالحواس الخمس التي تُوَظَّفُ لإثبات الوحي الإلهي. ومهما كان العقل أشرف هؤلاء الخَدَمَة؛ ولكنه ليس حاكماً أو حكماً.

إن علماء ديوبند ليسوا إذاً فلاسفة ولا معتزلة ولا أشاعرة متصلبين ، وإنما هم يعتبرون العقل آلة نافعةعلى شاكلة أهل السنة والجماعة، تُسْتَخْدَمُ للتوصّل إلى الحِكَم والحقائق الخفية؛ لكنها لا تُوَظَّفُ لإيجاد الحِكَم والحقائق ؛ فهي ليست واضعة للأحكام، وإنما هي تابعة لها، أي إنها موضحة للأحكام وليست موجدة للأحكام. ثم إن الحكمة المُسْتَخْرَجَةَ من الأحكام عن طريق العقل، لا تكون مُؤَسَّسَةً عليه – العقل – وإنما تكون مبنية على الأحكام.

فالأحكام الإلهية هي مصدر الحِكَم والأمور العقلية ، وليس العكس، أي ليست الحكم والعقليات هي مصدر الأحكام؛ فالعقل مُسْتَدَلٌّ للأحكام ، وليس واضعاً لها؛ مدرك للأحكام وليس مُنْشِئًا لها؛ مفهم للأحكام وليس مُلهِمًا لها. إن العقل تتضح به المصالح الشرعية ولا تتحق به .

العقل الفاعل ههنا:

ومن الواضح أن العقل الفاعل ههنا إنما هو العقل المتمتع بمعرفة الله تعالى، والغارق في التفكير في العاقبة، والمنهمك في ذكر الله تعالى وعبادته. إن العقل الغافل عن ذكر الله والتفكير في الآخرة ، لا يتأهّل أن يكون خادماً للدين. وقد سمّى القرآن الكريم ذلك العقل المطلوب السعيد بذكر الله بـ «اللّبِ» الذي لا يبقى متورطًا في مجرد زينة الأشكال وجمال الصور ، وإنما ينفد في باطنها ويستخرج منها الحق الأبلج.

فقد أشاد القرآن بصفتي الذكر والفكر اللتين يتسم بهما أولو «الألباب» الذين يستخرجون آيات القدرة الإلهية من خلال التفكير في خلق السماوات والأرض.

﴿الَّذِيْنَ يَذْكُرُوْنَ اللهَ قِيَامًا وَّ قُعُوْدًا وَّ عَلَى جُنُوْبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُوْنَ فِيْ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ (آل عمران / 191)

مما يدلّ على أن مجرد العقل الذي لا يتّصف بالذكر والفكر ، لا يجوز أن يكون خادماً للدين ، فضلاً عن أن يكون متقدماً على الدين. فالحديث كلّه إنما يدور حول «اللّبّ» الذي هو العقل الشرعي ، وليس يعنينا جنسُ العقل الذي يُعْرَف لدى عامة الناس بـ «العقل الطبيعي» أو «العقل المعاشي» الذي يعين فقط على صنع السكين والشوكة والمحرك والماكينة والآلات ؛ فهو ليس خادماً للدين على الإطلاق. ويمكن بذلك تقدير الموقف المعتدل الذي يقفه علماء ديوبند فيما يخص الأسس والمبادئ الكلاميّة وعلماء الكلام.

علماء ديوبند ليسوا أشعرية أو ماتريدية وإنما هم يأخذون بالاعتدال:

أما القضايا الكلامية فقد وقف منها أيضاً علماءُ ديوبند موقف الاعتدال والشمول هذا ؛ فهم سلكوا في المسائل المختلف فيها مسلكَ التوفيق ورفع الخلافات، مكان التجريح والطعن أو الرفض والترك. وهنا ينشأ السؤال أولاً : هل علماء ديوبند يتبعون الإمام أبا الحسن علي الأشعري [المتوفى 324هـ / 936م] أوالإمام محمداً أبا منصور الماتريدي [المتوفى 333هـ / 944م] ؟ والجواب: أنهم في عُرْفِ علماء ديوبند أنفسهم يُعْرَفون بأنهم ما تريديون، ولكن جماعةً منهم ترى أنهم أشعريون. وذلك أولاً لأن مورثهم الأعلى العلمي هو الإمام الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي الذي تشف أقواله عن أنه أشعري فهم يرون أنهم أشعريّون؛ وثانيا لأن علماء ديوبند يراعون المسائل الأشعرية في دروسهم ومحاضراتهم وكتاباتهم و خطاباتهم ؛ إلا أن الأحسن – نظراً إلى موقفهم المعتدل المزيج من المذهبين – أن يُوْصَفُوْا بأنهم ما تريديون مائلون إلى الأشعرية ؛ فهم جامعون بين الأشعرية والماتريدة . بل إن دراسة أبحاثهم الجامعة تدلّ على أن الخلافات بين الأشعرية والماتريدية إنما تعود أخيراً خلافات صوريّة . فالمسائل المنصوص عليها لا يمكن أن يحدث فيها خلاف، إنها جميعاً متفق عليها، اللهم إلا الخلاف الذي يقع في عرضها وشرحها وتفسيرها، والذي لا يجوز أن يُسَمّى اختلافاً أساسياً؛ حيث يؤدي ذلك إلى الاتفاق على الغرض. وتبقى هناك قضايا اجتهادية معدودة يوجد بينها تضادّ في ظاهر الأمر ، وهي اثنتا عشرة قضية فيما يقول المحقق الكبير العلامة ابن كما باشا، وقد عدّدها في رسالة له موجزة، وقد يجوز أن تكون هناك قضايا أخرى عند بعض السادة غير هذه القضايا.

فالقضايا المختلف فيها بين الأشعرية والماتريدية قليلة جداً، وأبرزها قضية الحسن والقبح. أي إن الحسن والقبح اللذين يوجدان في الأعمال هما شرعيان أو عقليان. وهذا الاختلاف أدّى إلى الاختلاف في مسائل كلامية أخرى؛ فلو وُجِدَ التوفيق بشكل ما في هذه المسألة ، لارتفع الخلاف عن المسائل المذكورة لحد كبير، ولاجتمع المذهبان على قاسم مشترك، أو قلَّ الخلاف، وأصبح في مكان اللاختلاف.

مذهب الأشعرية في حسن الأفعال وقبحها:

فمذهب الأشعرية فيما يتعلق بحسن الأعمال وقبحها أن هذا الحسن والقبح شرعيان، أي الحسن والقبح يُوْجَدَان في الأعمال بالأمر والنهي الصادرين عن الشريعة ، وإلا فإنها في ذاتها خالية عن كل من الحسن والقبح. إن الشريعة إذا أمرت بشيء فإن المأمور به يعود حسناً من ساعته، وإذا نهت عن شيء فإنه يعود قبيحاً من ساعته، حتى في صورة التغيير في الأحكام إذا نهت الشريعة عن فعل كان حسناً لوقت النهي ، تغيّر حسنه قبحاً، وعاد هذا الفعل الحسن قبيحاً من ساعته؛ وإذا أمرت بفعل كان قبيحاً لوقت الأمر، أصبح حسناً من ساعته. فحسنُ الأعمال و قبحُها إنما يترتبان على إيجاب الشريعة لها أو تحريمها إياها، ولا يترتبان على استحسان العقل لها أو استهجانها لها؛ فهما ليسا عقليين لدى الأشعرية.

مذهب الماتريدية في ذلك:

على العكس من ذلك يقول الماتريدية : إن الحسن والقبح يُوْجَدَانِ في ذات الأعمال كخاصية لها مُوْدَعَة إيّاها، ولا تنشئهما الشريعةُ فيها، وإنما تَرِدُ الشريعة على الموجود في الأعمال من الحسن والقبح من قبل، فتكشف اللثام عنهما. بل إن الأمر والنهي الشرعيين إنما يتوجّهان إلى الأعمال لما يُوْجَدَ فيها من الحسن والقبح ، باستثناء بعض الأشياء الفرعية المباحة أصلاً. فالأمور الحسنة بذاتها، إنّ حسنها هو الذي اقتضى أن يُؤْمَرَ بها. والأمور القبيحة بذاتها ، إن قبحها هو الذي اقتضى أن يُنْهَى عنها؛ تماماً كفن الطبّ الذي إذا منع عن استعمال السم أو أمر باستخدام الترياق؛ فإن الأمر والنهي هذين لا يكونان قد أنشآ في الأول قبحَ الممات وفي الثاني حسنَ الحياة، وإنما يعنيان أنّهما إنما توجَها إليهما للحسن والقبح اللذين يوجدان فيهما من قبل.

وتلك هي صورة الطبّ الروحاني والشريعة؛ فالحسن والقبح لا يحدثان بأمرهما ونهيهما، وإنما يرد أمرهما ونهيهما على الحسن والخبث الموجودين في ذات الأفعال بشكل طبيعي؛ إلا أنهما لا يتضحان بشكل كامل إلا بنزول الشرائع، لا بمجرد العقل .

فاتضح أن انكشاف الحسن والقبح شيء، وإحداث الحسن والقبح شيء آخر؛ فهما عقليان وليسا شرعيين.ومن ثم فإن الأفعال التي نهت عنها الشريعة، قد قدّمتْ خبثَها الذاتي الموجود فيها من قبل توجه النهي إليها علّةً للحكم ؛ فقد نهت عن الزنا قائلة ﴿إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً (الإسراء /32) أي كونه فاحشة مؤدية إلى الوقاحة الزائدة هو الذي دعا إلى النهي عنه، ولم يكن النهي الشرعي هو الموجد للخبث فيه. وكذلك نهت الشريعة الخمر قائلة ومشيرة إلى علة النهي: ﴿رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ (المائدة / 90) أي كونه رجساً شيطانيّاً هو الذي حمل على النهي عنه. وكذلك أمرت الشريعة بالصلاة قائلة : ﴿إِنَّ الصَّلوةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَآءِ وَ الْمُنْكَرِ(العنكبوت /45) وإنها تُكسِبُ صاحبَها التقرّبَ إلى الله. وأمر بالصيام مصرحة بأنه يزود صاحبه بالتقوى. وأمرت بالزكاة والصدقات مشيرة إلى أنّها تُكْسِب القائمَ بها السخاء، وتعين على مواساة الفقراء والبر بالمحتاجين ، وتحول دون ارتكاز الثروة في أيد متلاعبة بها.

فاتضح من ذلك أن الأعمال المأمور بها كانت حسنة بذاتها، فورد الأمرالشرعي بالإتيان بها. وإن الأعمال المنهي عنها كانت قد عُجِنَتْ بالخبث من قبل، فورد النهي الشرعي عنها.

والعقل أيضاً يقتضي أن تسبق العلةُ الحكمَ ، حتى يترتب عليها الحكم بالإيجاب أو التحريم ، ولا يسيغ العقلُ أن يسبق الحكمُ العلةَ وتتولد منه.

على كل فإن الحسن والقبح كانا مخلوقين في هاتي الأعمال من قبل أن يرد الأمر أو النهي في شأنها، وقد كان العقل يدركهما بشكل مُجمل، واعتبرهما الله تعالى لحكمة يعلمها فأنزل من أجلهما الأمر والنهي، فجاء تشريعه تعالى موافقاً تماماً لتكوينه وخلقه، وتجلى لنا نحن البشر العجزة التوافقُ الكامل بين قوله تعالى وفعله. وذلك هو معنى كون الإسلام ديناً طبيعيًّا؛ حيث يُحوِّل الخلقيات الطبيعيات بامتثال الأمر الإلهي شرعيات، حتى لا تتوحش الطبائع المستأنسة بتلك الطبيعيات من الشرعيات ، ولا ترى الأمر والنهي الشرعيين غير طبيعيين ، فتعتبرهما مفروضين عليها بشكل إجباري، فتعرض عنهما مستثقلة إياهما. وكل ذلك لا يعني إلا أن حسن الأفعال و قبحها عقليان، لا يتوقفان على نزول الشرائع، ولا ينشآن بالإيجاب والتحريم الشرعيين، وإنما يترتب الإيجاب والتحريم بدورهما على تلك الحجج العقلية.

العقول الكبيرة تدرك الحسن والقبح في أول وهلة:

على أن بعض العقول الكبيرة قد تدرك الحسن والقبح بأول وهلة إدراكاً عميقاً، وبعضها لا تبلغ هذا المستوى فتدركهما بعد التنبيه إلى ذلك؛ لكن ذلك لا يخلّ بكونهما عقليين ، وإلا لم تكن تلك الحجج العقلية لتُقُدّم كعلة للحكم في الكتاب والسنة والفقه معاً ؛ بل كان الواجب إذاً أن تُفرضَ الأحكام إجبارياُ ، على الناس أن يتقيدوا بها مهما رأها العقل البشري حجة معقولة أو لم يرها ذلك. وهنا لم يكن ليطلع على الدين أنه «لاَ إكْرَاهَ فِي الدِّيْنِ» وأن للإنسان أن يتبعه «على بصيرة» ؛ فقد صرّح كتاب الله تعالى:

﴿لاَ إكْرَاهَ فِي الدِّيْنِ (البقرة / 256)

﴿عَلَى بَصِيْرَةٍ أنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِيْ (يوسف/108)

﴿إذَا ذُكِّرُوْا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوْا عَلَيْهَا صُمًّا وَ عُمْيَانًا (الفرقان /73)

ثم إن القرآن عرض هذه الأحكام في كثير من المواضع، مسندة إياها إلىحجة ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُوْنَ (الروم/24) و ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَّتَفَكَّرُوْنَ (الروم /21) و ﴿لآياتٍ لأولِي الألْبَابِ (آل عمران/190) و ﴿لآياتٍ لأولِي النُّهَى (طه/128). وذلك كله خطابٌ للألباب أي العقول أو لأولي الألباب أي لأولي العقول. ومن الواضح أن هذا الخطاب بالبصيرة والتعقل والاستماع والتفكر، لم يكن ليصح إلا إن كانت الأحكام المنقولة – كما هي في الواقع – مبنية على الحجج العقلية والعلل المعقولة ، وأيضاً إن كان الممتثلون لهذه الأحكام – كماحصل ذلك في الواقع – امتثلوها على بصيرة وتعقل، لكون روح التعقل موجودة وسارية فيهم ، الأمر الذي يدلّ على أن الحسن والقبح في الأفعال عقليان لا غير.

وجملة القول أن الدراسة المسرودة أعلاه تبين ما يوجد بين مذهبي الأشعرية والماتريدية من تضادّ.

علماء ديوبند وروحهم الاعتدالية في هذه القضية:

لكن الذوق الكلامي لعلماء ديوبند ههنا أيضاً ينبني على الجامعية والشمول والاعتدال ؛ فهم يودّون الجمع بين «الضدين» في أمثال هذه المسائل . فالعمل على رفع هذا التضاد في هذه القضية الأساسية مهما تم عن طريق رجل عادي في هذه الجماعة: جماعة ديوبند، فإن ذلك يكون أثراً من آثار الشمول والتوازن اللذين يتسم بهما المذهب الديوبندي.

فلرفع التضاد عن قضية الحسن والقبح ، يجوز أن يقال: إنه لا يوجد على ظهر الأرض قوم ينكرون المبدأ القائل بأن الأفعال مهما كانت حسنة أو سيئة إنما تخضع لضابطة وترتبط بقاعدة كلية. فإذا وضعنا ذلك في الاعتبار وجدنا أن كل قوم في العالم ، مهما كانت ديانتهم أو مهما كانوا متبعين لدين أو منكرين لكل دين، يعترفون بفطرتهم بحسن الأفعال وقبحها.

فمن الذي لا يعلم أن العدل حسنٌ وأن الظلم قبيح، وأن العلم حسنٌ وأن الجهل قبيح ، وأن البر والإيثار حسنان وأن الأثرة والبخل قبيحان ، وأن الوقار والجد حسنان وأن الهزل والاستخفاف قبيحان، وأن العفّة والنزاهة حسنتان وأن الوقاحة والاستهتار قبيحان، وأن الأمانة حسنة والخيانة قبيحة ، وأن الطهارة والنظافة حسنتان وأن النجاسة والقذارة قبيحتان . من الواضح كلّ الوضوح أن الأقوام كلها وإن كانت دهرية وملحدةً لادينية، تعترف بهذه الحقائق على أساس العقل ، ولا تعترف بها على أساس الدين.

وكلنا يعلم أن إجماع البشر – منذ أن وُجِدَتِ الخليقة – على شيء ما يُعَدُّ حجةً ، لا يتغاضى عنها حتى الشريعة الإسلامية ، والتنكر لها يُعَدُّ تنكراً للفطرة. فإن كان الأشعرية هم أيضاً من سكان هذه الدنيا وجزءاً من أقوام الدنيا، فإنهم كذلك سوف لن ينكروا هذه القاعدة الكلية، ولن يعرضوا عن الاعتراف بكون الحسن والقبح عقليين.

الحسن والقبح في هذه المبادئ:

فكون الحسن والقبح في هذه المبادئ الكلية عقليين ثبت بإجماع العالم ، الأمر الذي يُضْطَرَّ الأشعرية هي الأخرى إلى الاعتراف به ، أما الماتريدية فهم قائلون وعاملون به من قبل. فعلى هذه النقطة اتحد الأشعرية والماتردية.

أما فروع هذه الأصول والمظاهر العملية التي إنما تأتي نابعةً من تلك الأصول والكليات، فلما ثبت بالإجماع كون الحسن والقبح في تلك الكليات عقليين ، فلا يمكن أن لا تسري في الفروع والجزئيات نوعيةُ الصفات المودعة الكلياتِ والأصولَ ، بما فيها صفتا الحسن والقبح؛ فلامعدى لنا عن اعتبار ما يوجد في الفروع والجزئيات من الحسن والقبح عقليّاً، وإلا فتتلاشى الصلة التي تربط بين الأصل والفرع وبين الكلي والجزئي، على حين إن مثل هذه الصلة لازمة الوجود؛ فكون الحسن والقبح في الفروع عقليين بشكل مجمل شيء لا مجال لإنكاره للأشعرية ولا للماتريدية ؛ ولكن الحقيقة الجلية التي لا يجوز إنكارها ههنا هي أن المنهاج – الذي يُعْتَمَدُ عليه في هذا الباب في شأن استنباط الجزئيات من الكليات والفروع من الأصول، وتحديد هذه الجزئيات، و وضع النقاط على الحروف في خصوص أحوالها وكيفياتها ومواضع استخدامها – متوقفٌ على الشريعة الإسلامية، ولا يمكن العقلَ المجردَ أن يتّخذه من عنده. فليُعلَمْ أن هذا الاستنباط للفروع والجزئيات إنما يتم بالنص الشرعي أو الاجتهاد والاستنباط؛ لأن ذلك هو الحجة الشرعية الموثوق بها.

فالعقل قد يدرك مثلاً أن العلم حسنٌ ، ولكن ما هو النافع من العلوم وما هوالضار، وما هو المطلوب وما هو الجدير بالرفض، وإلى أي مرحلة يجوز طلب العلم، وعلى أي مرحلة يجب الامتناع عنه؟ وما هو العلم المقصود أصلاً ، وما هو العلم الذي هو بمنزلة مجرد الوسيلة والآلة؟. إن ذلك كّله لا تدلّ عليه إلا الشريعة الإسلامية. ويمكن أن يقاسَ بذلك كل مبادئ العدل والطهارة وما إلى ذلك؛ حيث إن تحديده والدلالة على حدود العمل في شأنه، وعلى ما هو المقصود منه وما هو غير المقصود، وعلى ما هي النواحي النافعة منه والضارة، وعلى نوعية الآثار التي يتركها والتي تتعلق بالأولى والآخرة؛ كل ذلك أمور إنما يتوقف الاطلاع عليها على إيجاب الشريعة وتحريمها واستحسانها واستهجانها ؛ لأن العقل ليس بوسعه أن يتخذ أي برنامج شامل فيما يخص الغيب والشهادة ، بمنجاة من العلم الإلهي وبسند من علمه وخبرته، وإلا لما مسّت الحاجة إلى النبوة.

وإذا كانت هذه الجزئيات المشار إليها لا يمكن أن يتم تحديدها إلاّ بالشريعة ، فمن الطبيعي أن يؤثر «الموقوف عليه» في «الموقوف» والأساس في البناء والأصل في الفرع. وإذا كانت الشريعة هي «الموقوف عليه» وهي الأساس، وهي الأصل؛ فإن الحسن والقبح الموجودين في هذه الجزئيات إنما ينبعان من الشريعة ، فلا يُسَمَّيَان إلا شرعيين.

إن الصلاة حسنة في ذاتها؛ ولكنها إذا صدر الأمر بها من الله عز و علا، فإن هذا الأمر هو الآخر يضفي عليه حسناً إلى حسنها. وإن الخمر قبيحة في ذاتها، ولكنه إذا صدر النهي عنها من قبل الشريعة ، فإن القبح سيأتي مؤكَّدًا، لا يمكن الماتريدية أيضاً أن ينكروا ذلك؛ لأن الأمر الإلهي الذي هو حسنٌ بذاته إذا نزل ، نزل بحسنه، وتوجه إلى الجزئيات بذلك الحسن ، فيزيده حسناً على حسن، وإلا لكان توجّهُ الأمر هذا غير فاعل. وذلك أمر غير معقول يرفضه العقل والنقل معاً؛ فهذه المرتبة من الحسن والقبح إنما تكون شرعية لكونهما ناشئين من الإيجاب والتحريم الشرعيين، ولا يمكن أن تُسَمَّى عقلية.ولئن صدرت هذه الأحكام بدورها من قبل حكومة دنيوية لكان ما في الصلاة من حسن وفي الخمر من قبح متوقفاً عى ذاتهما، ولكان عقليًّا فقط، ولما تبلور فيهما أي شيء من الحسن والقبح بهذا الأمر والنهي البشريين؛ بل كانا – أي الأمر البشري والنهي البشري – مُسْتَحْسَنَينْنِ من أجل ما فيهما من حسن وقبح. أما الأحكام الربانية ، فإنها على العكس من ذلك تأتي بنفسها بحسن من عندها كذلك، فتزيد المأمور به والمنهي عنه حسناً و قبحاً.

هذا الموقف نفسه يحدث لدى نسخ هذه الأحكام:

وهذا الموقف نفسه يحدث لدى نسخ هذه الأحكام الجزئية ؛ حيث إذا نهت الشريعة في وقت ما عن أمر حسن، لا يسلبه ذلك حسنه الذاتي العقلي؛ ولكن الأمر الشرعي المتضمن لمصالح العباد يضيف إليه حُسناً جديداً. فمثلاً : إذا سقطت الصلاة عن فاقد للحواس أو مُغْمًى عليه أو عن مريض مشرف على الموت، وكذلك ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قَبِلَ ما اشترط عليه صحابيٌ، من أنه لا يصليّ إلا صلاتين. فإن ذلك كله لا يغيّر من حسن الصلاة الذاتي العقلي شيئاً وإنما يأتي ذلك ليزيدها حسناً في شأن الفرد المذكور ، وهذا الحسن الجديد المضاف إلى الحسن الذاتي العقلي يُسَمَّى حسناً شرعياً. ومثلاً: إن الكذب قبيح جدًّا في ذاته؛ ولكنه إذا سمحت به الشريعة لمصلحة ملحة، فإن ذلك لا يغير من قبحه الذاتي؛ ولكنه يضيف إليه بشكل استثنائي حسناً إنما يكون مصدره هو الأمر الشرعي الإلهي.

وخلاصة القول أن حسن هذه الأمور الجزئية وقبحها إذا يُنْظَر إليهما من خلال أصولهما ، فإنهما عقليان؛ وإذا يُنْظَرُ إليهما من خلال الأمر الشرعي والاقتراح الإسلامي ، فإنهما شرعيان. وكلا الأمرين لا يمكن أن يفارقا هذه الجزئيات ؛ فاجتماع النوعين من الحسن والقبح فيها، شيء طبيعي بالتأكيد.

ولئن كان الأشعرية قائلين بكون الحسن والقبح شرعيين فإن الماتريدية أيضاً لا يسعهم أن ينكروا ذلك بالقياس إلى هذه النسبة الشرعية التي تحدثنا عنها في السطور الماضية على حين أن هذه الأعمال لم تفقد في هذه الحالة أيضاً ما كانوا قد زعموه من الحسن والقبح العقليين ، كما أنه لا يتنافى مع الشريعة ما حدث فيها من مزيد الحسن بفضل الأمر الشرعي؛ لأن الماتريدية لم يدّعوا أن الحسن والقبح العقليين لا يجتمعان مع الحسن والقبح الإضافيين في حال من الأحوال؛ أي إن الدين يقوم على الجانب الإيجابي وليس على الجانب السلبي؛ فلم يعد الماتريدية منكرين بشكل كلي ما كان قد ادّعاه الأشعرية من كون الحسن والقبح شرعيين في الأفعال، كما أن موقف الماتريدية لم يتغيّر بإقرارهم بهذا الحسن والقبح الجديدين الإضافيين . وكذلك فالأشعرية لم يعودوا منكرين للحسن والقبح العقليين اللذين اكتسبتهما الأفعال الجزئية من خلال أصولها، واللذين ادّعاهما الماتريدية . وعلى ذلك فكلتا الطائفتين عادتا قائلتين بكلا النوعين من الحسن والقبح، الأمر الذي أكسبهما التوافق مكان التضاد، والتقارب مكان التباعد، على حين إن دعاويهما بقيت في مكانها.

الفرق بين الماتريدية والأشعرية في هذا الخصوص:

ويبقى الفرق بين الماتريدية والأشعرية في هذا الخصوص أن الماتريدية تقول بكون الحسن والقبح عقليين في هذه الجزئيات بالقياس إلى أصولها؛ ولكنها لم ترفض الحسن والقبح الناشئين فيها من قبل الأمر الشرعي في شأنها.

وعلى ذلك فإن الطائفتين قد اجتمعتا على القول بهذين الحسن والقبح من اعتبارات متعددة . وبذلك ارتفع التضاد المشهور عنهما في هذه القضية أو يكاد يرتفع لكونه يعود منكمشاً جداً. وإنما يبقى الاختلاف في النسبة والاعتبار ، ولا يبقى الاختلاف في أصل القضية وفي أصل الحكم. وههنا يجوز أن نقول إن إحدى الطائفتين غلبها «العقل الشرعي» فقالت بكون الحسن والقبح في الأفعال عقليين ، وإن الأخرى غلبها الذوق الشرعي؛ فقالت بكون الحسن والقبح شرعيين، غير أن إحداهما إذا لم تنكر نسبة أخراهما ، فلم يعد الأمر مرتبطاً بمغلوبية أصل القضية وإنما عاد مرتبطاً بالاعتبارات والنِسب وأذواق الطائفتين المعنيتين، وعادت القضية نفسها متفقاً عليها بينهما لحدّ كبير.

وعصارة القول أن المسائل الكلامية لم يكن فيها خلاف قط فيما يتعلق بالمنصوص عليه. وإنما كان الخلاف في المسائل الاجتهادية ، فأما الأصول والحقائق فقد أجمعت الأمم والأقوام على كون الحسن والقبح فيها عقليين بما فيها الأشعرية والماتريدية . أما الجزئيات فقد علِمْتَ آنفاً أن فيها اختلاف النسبتين: نبسة الحقائق والأصول ونسبة الاستنباط الشرعي؛ فاجتمع فيها الحسن والقبح من الاعتبارين ؛ العقلي والشرعي؛ فتلاشى هذا الاختلاف هو الآخر، ولم يعد جديراً بالنقاش على صعيدي الخطابة والكتابة.

الماتريدية و الأشعرية يجتمعان على قاسم مشترك:

الموقف الذي طرحناه يجعل الأشعرية والماتريدية يجتمعان على القاسم المشترك في قضية الحسن والقبح في كل من الأصول والفروع. وذلك الشمول والتوافق والاتحاد والتوازن هو الذي يضعه علماء ديوبند نصب أعينهم في شأن القضايا الكلامية.

وبذلك فيعود الخلاف بين الطائفتين نزاعاً لفظيًّا وليس نزاعاً حقيقياً.

ومن الواضح أنه إذا وُجدَ موقفٌ للاتحاد والتقارب من خلال وضع الاعتبارات والنسب في الذهن، فمن الطبيعي أن يُوجدَ مثل هذا الموقف الاتحادي في القضايا الأخرى أيضاً؛ ولا سيما في القضايا التي إنما يرجع فيها الخلاف إلى الخلاف في قضية الحسن والقبح في الأعمال . وذلك إذا وضعنا هذه النسب والحيثيات في الاعتبار.

فمثلاً: إن الأشعرية يقولون بالنقص والزيادة في الإيمان ، والماتريدية لا يقولون بذلك. وإذا أمعنّا النظر وجدنا أن أساس هذا الخلاف أيضاً إنما هو الخلاف في حسن الأعمال وقبحها؛ لأنها هي مظاهر الإيمان، فإذا زادت ونقصت فلا بدّ أن يزيد الإيمان وينقص. إذا زادت الأعمال الحسنة فإن الإيمان واليقين سيزيدان ويقويان، وإذا زادت الأعمال القبيحة وغلب القبحُ على الحسن والخبثُ على الصلاح، فلا بد أن ينقص الإيمان وأن تخف كيفية اليقين. و كلنا يعلم أن الإيمان يتعلق بسبعة أمور عقائدية أساسيّة: الإيمان بالله ، والإيمان بالرسول، والإيمان بالكتب ، والإيمان بالملائكة ، والإيمان بالقدر والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالبعث بعد الموت . فإذا زاد الإيمان ونقص بالاعتبار العددي والمقداري وبالقياس إلى أجزائه، فإن الإيمان يزيد وينقص بكل تأكيد.

والأمور التي أشرنا إليها إذا فَقَدَ أحدٌ الإيمانَ بأحد منها، فإنه يفقد أصلَ الإيمان. وكذلك إذا نقص إيمانُه بأحد منها فإنه يفقد أصلَ الإيمان في هذه الصورة كذلك. وذلك أمر سيقول به الماتريدية كالأشعرية. فكلتا الطائفتين تقولان بالنقص والزيادة ، ولكن إحداهما تقول بالنقص والزيادة في الكيفية . وقد أشرنا إلى أن النقص والزيادة في العدد والمقدار يؤديان إلى فقدان الإيمان أصلاً؛ فلا يبقى هناك إلا النقص والزيادة في الكيفية ، وذلك هو الأمر الذي يقول به الماتريدية ، أي إن كيفية الإيمان تزيد وتنقص، ولا يحدث نقص وزيادة في الإيمان بالقياس إلى الكمية والعدد والمقدار.

فكلا الفريقين يقولان بالنقص والزيادة في الإيمان:

فكلتاهما تعترفان بالنقص والزيادة في الإيمان، فقالت إحداهما بكونهما متعلقين بالكمية وأخراهما بكونهما متعلقين بالكيفية. وقد رأيتَ أننا تناولنا النوعَ الأول من النقص والزيادة – وهما الواقعان في الكمية – بالتحليل والدراسة ؛ فأدّى إلى نشوء قضية فقدان الإيمان. وذلك ما لا يقول به حتى الأشعرية أيضاً؛ فلا يسع الفريقين إلا أن يتفقا على النقص والزيادة الحاصلين في الكيفية . وعلى ذلك فيعود هذا النزاع نزاعاً صوريّاً لا يمس إلا العوارض والكيفيات الخارجية ، أما أصل الإيمان فيعود النقص والزيادة في كيفيته أمراً متفقاً عليه.

وكذلك مثلاً: إن الماتريدية يذهبون إلى أن الإنسان له القدرة على أعماله ، ومن ثم كُلِّفَ بالكسب والاكتساب؛ ولكن الأشعرية لا يقولون بهذه القدرة .

والموقفان يبدوان متضادين؛ ولكننا إذا تناولناهما بالدراسة والتحليل ، وجدناهما على غير ما يبدوان في الظاهر؛ حيث إن الأشعرية عندما ينفون عن الإنسان القدرة فلا يعنون أنه جماد لا يعقل وأنه كالطوب والحجر، وإلا فهم يكونون قد أثبتوا صحة من يقولون بالجبر ويُعرفون بـ «الجبرية» على حين إنهم ممن يفندون مذهب القائلين بالجبر ؛ فلا يجوز لهم أن يسلبوا الإنسانَ القدرة كليًّا وينفوا الفرق بينه وبين الجماد ؛ فلا يبقى محلاً للتكليف الشرعي والثواب والعقاب؛ فيجب عليهم أن يعترفوا مبدئياً – شاؤوا أو أبوا – بالقدرة لحدّ ما. وكذلك فعندما يقول الماتريدية بكون الإنسان قادراً على الأعمال فلا يعنون أنه قادر بشكل مستقل، وأنه تعالى أقدره بصورة مطلقة ، وجعله يفعل ويصنع ما يشاء بقدرته وأنه عاد لا دخل في أعماله للقدرة الإلهية ، وأنه عاد خالقاً بنفسه لأفعاله؛ حيث إن ذلك هو مذهب القدرية الذي يفنده الماتريدية كاملاً، فلا يُتَصَوَّرُ أن يكونوا هم قائلين به.

الإنسان لا يملك قدرة مستقلة لدى أي من الفريقين :

فينبغي أن نقول : إن الأشعرية ينفون عن الإنسان القدرة المستقلة ولا ينفون عنه القدرة نفسها، وإن الماتريدية يثبتون للإنسان القدرة الخاضعة للقدرة الإلهية، ولا يقولن له بالقدرة المستقلة . وعلى ذلك فإن الأشعرية لن ينكروا القدرة التي يقول بها الماتريدية ، وهي القدرة التابعة للقدرة الإلهية ، والقدرة التي لا يقول بها الأشعرية وهي القدرة المطلقة لا يدّعيها الماتريدية كذلك. وعلى ذلك فارتفع الخلاف، وتلاشى النزاع، ولم يعد هناك أي تناقض بين الموقفين .

وتلك هي حال القضايا الكلاميّة الأخرى، حيث تبدو مختلفاً فيها ولكنها متفق عليها في الواقع.

لِنَقسِ القضايا الأخرى بالقضايا السالفة:

على كل فإن هذه القضايا المعدودة التي أشرنا إليها تدلّ على أن القضايا الكلامية بتدو مُختلفاً فيها شديد الاختلاف بين الأشعرية والماتريدية في بداية الأمر ؛ ولكن الاختلاف يتلاشى مع الوصول إلى النتائج.

فإذا كان علماء ديوبند يحاولون التوفيق بينهما، ولا يقولون بالتناقض الحقيقي بين المذهبين ، فهم على حقّ في هذا الشأن ، ونظراً لذلك إذا يذهب كاتب هذه السطور إلى أن علماء ديوبند ماتريديون مائلون إلى الأشعرية ، فلا يكون ذلك خلافاً للواقع.

موقفهم من السياسيات والاجتماعيات

Back

 

السياسة الشرعية شعبة مهمة من شعب الإسلام ، ولذلك فهي جزء من مذهب المظهر الأول الكامل للإسلام، وهو – المظهر الأول الكامل للإسلام – أهل السنة والجماعة ، كما أنها عنصر مهم من عناصر المزاج المذهب لعلماء ديوبند باعتبارها – السياسية الشرعية – مظهراً أصلياً وقديماً لإسلام أهل السنة .

ولكنه من الواضح أن السياسة الشرعية غيرُ مُتَّبَعَة اليوم حتى في البلاد الإسلامية؛ لأن هذه البلاد زاهدة في السياسة الشرعية و مُغْرَمَةٌ بالسياسة الغريبة ؛ فالإفاضة في هذه السطور في قضية السياسة وتفاصيلها لا حاجة بنا إليها.

غير أن علماء ديوبند – رغم أنهم عاشوا فترة طويلة للحكم الأجنبي – لم يكونوا منعزلين عن السياسة كلياً وعن الاهتمام بالقضايا الوطنية في خضم هذه السياسة غير الشرعية وغير الإسلامية التي مُنُوا بها. فبينا هم تقيدوا بأحكام الإسلام في جميع أمور الدين والدنيا لم يَفُتْهُمْ أن يقوموا بدور قياديّ في حرب تحرير الهند من نير الاستعمار . وكان على رأسهم مؤسس الجامعة الإمام محمد قاسم النانوتوي الذي ساهم مع رفقته في الانتفاضة الكبرى [هي انتفاضة عام 1857م الشهيرة) التي قام بها الشعب الهندي ولاسيما الشعب المسلم ضد الاستعمار الإنجليزي، وجابههم هو وإخوانه بالسيوف والسنان في بعض المعارك، وسقط عدد منهم شهداء على أرض المعركة ، كما استشهد مئات من المسلمين في شتى المناطق من البلاد. وعندما غزت روسيا الخلافةَ التركيةَ بذل الإمام النانوتوي مساعيه المكثفة من أجل وقوف الشعب المسلم الهندي صفاً واحداً بجانب الخلافة التركية وضد روسيا، وجمع تبرعات آلاف من الروبيات ، كما رصد لذلك جميع أثاث بيته ، وأرسل ذلك كله مساعدة لتركيا وإبقاء على الخلافة الإسلامية.

علماء ديوبند وحزب المؤتمر:

وعندما استتبَ الأمر للإنجليز في الهند، وتأسس المؤتمر للمطالبة بحقوق الهنود ، فكان أول من أفتى بجواز اشتراك المسلمين فيه الشيخ الكبير والفقيه الجليل رشيد أحمد الكنكوهي رحمه الله تعالى (المتوفى 1323هـ / 1905م) المشرف الثاني على جامعة ديوبند. وعندما مالت الخلافة التركية الإسلامية للسقوط بمؤامرة بريطانيا ، نهض علماء ديوبند رغم تشاغلهم الدعوي والتعليمي المستمر، ونَظَّموا احتجاجات ومواكب تظاهرات ضد هذه المؤامراة الماكرة، وعقدوا لذلك احتفالاً كثيرة في طول البلاد وعرضها.

حركة الرسائل الحرية:

ومن الذي لا يعلم حركة الرسائل الحريرية التي كان قد أسسها الشيخ محمود حسن الديوبندي رئيس هيئة التدريس الأسبق بجامعة ديوبند رحمه الله تعالى (المتوفى 1339هـ / 1920م)، الذي تحمَّل من أجلها – حركة الرسائل الحريرية – مشاق الاعتقال والنفي والتشريد والسجن بــ «مالطة» لمدة سنوات.

ولما قامت حركة تحرير الوطن على قدم وساق ، أسس علماء ديوبند بقيادة المفتي الأكبر محمد كفاية الله – أحد كبار أبناء الجامعة الإسلامية دارالعلوم ، ديوبند (المتوفى 1372هـ / 1952) – «جميعة علماء الهند» وقد قادها العالم العامل السيد حسين أحمد المدني رحمه الله (المتوفى 1377هـ / 1957م) – رئيس هيئة التدريس الأسبق للجامعة – سنوات طويلة رغم مشاغله التدريسية وأعماله الدعوية وبذلك تم تحرير الوطن .

المساهمة القيادية في العصبة الإسلامية:

ولما نهضت العصبةالإسلامية بحركة باكستان ، عارضها في ذلك في البداية قطاع كبير من العلماء ؛ لكنهم لما أدركوا أن قيام باكستان أمر يقيني ، ويمكن أن تكون هي معمل القوانين الإسلامية ، وقف عدد من العلماء بجانبها، وقادها من علماء ديوبند الشيخ الكبير والعلامة الجليل أشرف علي التهانوي [المتوفى 1362هـ / 1943م) والعلامة شبير أحمد العثماني رحمهما الله تعالى (المتوفى 1369هـ / 1949م) حتى لا يعود الصوت الديني في باكستان بعد قيامها خافتاً.

وكذلك لما استقلت الهند قامت جميعة علماء الهند من أجل الحفاظ على حقوق المسلمين في هذه البلاد بنضال قوي لن ينساه التأريخ.

علماء ديوبند وتأسيس هيئة الأحوال الشخصية لعموم الهند:

ونهض مسلمون متحررون جاهلون بالدين على إيعاز من الحكومة بمؤامرة مدروسة لإدخال تغييرات على الأحوال الشخصية للمسلمين ، فقابلتُهم من قِبل جامعة ديوبند أنا كاتب هذه السطو بمعارضة قوية ، وعقدتُ اجتماعاً موسعاً في داخل الجامعة دعوتُ له أبناء الجامعة ومفكري المسلمين . وعلى قرار من الاجتماع أسس أبناء الجامعة هيئة لعموم الهند للأحوال الشخصية لمسلمي الهند ، من أجل مجابهة كل محاولة مغرضة للتدخل في الأحوال الشخصية ، سواء جاءت مباشرة أوغير مباشرة أو بشكل مستور أو مكشوف (وذلك في ذي القعدة 1392هـ / نوفمبر 1972)، وقد أجمع الشعب المسلم الهندي على إسناد رئاسة الهيئة إلى رئيس جامعة ديوبند. ولا تزال الهيئة لحدّ اليوم ، وكذلك جمعية علماء الهند وعلماء المدارس الإسلامية في الهند ، نشيطين في الدفاع عن قضايا الإسلام والمسلمين في هذه الديار.

ورغم ذلك كله من أجل النظام المتعدد الأحزاب المُتَّبَعَ في البلاد، لما نهضت الأحزاب المعادية للديموقراطية للإجحاف بحقوق المسلمين وإبادة أرواحهم وممتلكاتهم ؛ نهض علماء ديوبند فأسسوا مجلس التشاور الإسلامي الذي كان جبهة موحدة لجميع الجماعات والأحزاب الإسلامية ، هدفت إلى اتخاذ تدابير مشتركة للحيلولة دون الاعتداءات التي أريد صبّها على المسلمين .

وقد تم ذلك كله تحت قيادة أحد أبناء الجامعة الأذكياء المفتي عتيق الرحمن العثماني الديوبندي عضو المجلس الاستشاري لجامعة ديوبند رحمه الله تعالى (المتوفى 1404هـ / 1984م).

فهذه الخطوات كلها إنما قام بها أبناء جامعة ديوبند الذين اضطلعوا بصيانة الحقوق السياسية لجميع المسلمين بل لجميع الأقليات بجانب استمرارهم في القيام بمسؤولية تدريس علوم الكتاب والسنة.

قائمة علماء ديوبند بالخدمات السياسية طويلة:

وإنما سقنا هذه النماذج كمثال، وإلا فإن قائمة خريجي جامعة ديوبند القائمين بالخدمات السياسية طويلة، ولا يعنينا ههنا عرضها. وإنما نود أن نقول: إنهم رغم كونهم محكومين في هذا القرن قد ساهموا في السياسيات، وإن كانت مساهمتهم مساهمةَ دفاع؛ فإنها كانت مساهمة في السياسة، التي لم يَدَعُوا فيها روحَ إبائهم و سيادتهم تموت، ولا يمكن لأحد أن يجحد أن هذه الخطوات والحركات إنما هي نابعة من تعليم و تربية دارالعلوم / ديوبند، وبيئتها العلمية والفكرية ، الأمر الذي ظل يرتسم في طبائع خريجي دارالعلوم / ديوبند بشعور أو بدون شعور؛ فيجوز أن يقال: إنها ليست مدرسة تعليم و تدريس فقط، وإنما هي إلى جانب ذلك مدرسة فكريّة شاملة نفخت في خريجيها روحَ الاستقلال منذ اليوم الأول. وإن لم نعدّ هذه الخطوات التي قام بها علماء ديوبند «مذهباً» فإنه لا يسعنا إلا أن نعدّها سياسةً من أجل الحفاظ على المذهب. وبذلك فلا يجوز أن يقال: إن دارالعلوم كانت منعزلة عن السياسة أو غير لصيقة بها. نعم: إنها لم تتخذ مؤسسة التعليم رصيفاً سياسياً؛ ولكنها لم تتغافل قط عن تخريج جماعات سياسية أو كوادر سياسية عملت في مجال السياسة ، صادرةً عن مزاجها و ذوقها، ومتشبّعة بروحها العلمية والفكرية.

مذهب علماء ديوبند ليس مذهباً نظرياً فقط

Back

 

فمذهب علماء ديوبند ليس مذهباً نظرياًّ فقط، وإنّما هو مذهب عملي حركي دعوي دُعِيَ له منذ أكثر من قرن و ربع قرن من الزمان ، ولا يزال قائماً بعد هذه المدة المديدة ؛ لأنه لا يزال نافعاً كما كان بالأمس؛ لكنّ صبغته تعليمية ؛ وانتشاره تبليغي؛ وثباته اجتماعي ؛ وصيانته أفتائية ورقيّه مرهون بالرياضة والفروسية، وبالتربية وضبط النفس، وبالجهاد والعمل؛ ودعوتُه عالمية. إن شمولية هذا المذهي هي التي شكّلت مزاج جماعة ديوبند، وهي التي زينته بالتوازن إلى جانب الشمول.

فالأخذ بمسائل محدودة والإصرار على نواحي العمل الخاصة المعدودة، وحصر الإسلام فيها أو جعلها كل الإسلام ، ليس من مذهب علماء ديوبند.

على كل فعلماء ديوبند، من أجل مذهبهم الشامل المظهر والمخبر، ليسوا مستغنين عن المنقولات والأحكام الظاهرة ، وكذلك ليسوا متحررين من التقيد بمقتضياتها الباطنة ومتطلباتها العامة، مدفوعين بالنفسية المذهبية أو القومية أو متطلبات العصر أو ضيق الأفق.

إنهم توارثوا هذا المذهب المعتدل المتبع لدى أهل السنة والجماعة من مورثهم الأعلى العلمي في العهد الأخير الإمام الشاه ولي الله أحمد بن عبد الرحيم الدهلوي فمن الإمام محمد قاسم النانوتوي مؤسس جامعة ديوبند فمن المشرف الأكبر عليها الشيخ الكبير المحدث الفقيه رشيد أحمد الكنكوهي ، فمن رئيس هيئة تدريسها الأول الشيخ محمد يعقوب النانوتوي [المتوفى 1302هـ / 1884م] قدس الله تعالى أسرارهم، ولا زال علماء ديوبند متقيدين بهذا المذهب ويقيدون به جميع المستفيدين منهم.

مذهبهم مذهبٌ جامعٌ:

وهذا المذهب جامع بين العقل والحب، والعلم والمعرفة ، والعمل والأخلاق، والجهاد مع النفس، والجهاد مع العدو، والدين والسياسة، والرواية والدراية ، والخلوة والجلوة، والعبادة والفروسية، والحكم والحكمة، والظاهر والباطن ، والحال والقال.

إن طَرْحَ النقل في إطار العقل، قد تَعَلَّمهُ المذهب من حكمة الإمام ولي الله الدهلوي، وعرضَ أصول الدين بحيث تصبح محسوسة ، تَعَلّمه من حكمة الإمام محمد قاسم النانوتوي، وروح الرسوخ والإتقان لفروع الدين وأحكامه ، تشربها من الشيخ الكنكوهي ، والتفاني في العبادة والتملأ من عواطف الحب الجيّاشة للرسول صلى الله عليه وسلم ، قد تلقاه من الحاج إمداد الله المهاجر المكي [المتوفى والمدفون بمكة المكرمة عام 1317هـ / 1899م]، والجمع بين التزكية والتقيد الكامل بالشريعة ، تعلمه من الشيخ أحمد بن عبد الأحد المعروف بمجدد الألف الثاني والإمام السيد أحمد بن عرفان الشهيد الرائي بريلوي [المتوفى مستشهداً في 1246هـ / 1831م].

فعلماء ديوبند متشربون لمعاني الكتاب والسنة وحقائقهما الدقيقة ومطالبهما العميقة وأسرارها الباطنة. وقد تلقوا هذا الذوق من ملازمة شيوخ العلم الذي كانوا متعمقين في ظواهر النص وبواطنه، وانتقل ذلك إليهم ؛ فهم يقدرون على الاستدلال بظواهر النص وبواطنه في وقت واحد؛ فهم ليسوا من أصحاب الظواهر الذين يقفون عند الألفاظ وحدها، ولا يتجاوزونها إلى بواطن النص وحقائقه ؛ وكذلك لسيوا من الباطنية الذين يصفون ظاهر النص، بأنه مجرد رسم و كتابة؛ فلا حاجة إلى الاعتناء به ؛ أو من الذين يجعلون اختلاف التعابير الشرعية لا قيمة له لديهم ،وإنما يهيمون في المتاهات الذهنية .

مذهب علماء ديوبند يأخذ بظاهر النص وباطنه معاً:

فمذهب علماء ديوبند يقرّر أن التعبيرات الشرعية بصرف النظر عن معانيها ومدلولاتها ، منبع بالنسبة إلى نظمها وعبارتها لآلاف من العلوم والأحكام؛ وأن كلاً من عبارتها ودلالتها وإشارتها واقتضائها قد ولّد آلافاً من المسائل التي أثـْرَتِ الدين وجعلته ربيعاً مخضراً ، وفي جانب آخر إن معاني هذه التعبيرات ليست حاملة للعلوم بالنسبة إلى مدلولها اللفظي والمعنوي فقط، وإنما هناك آلاف من المعاني والحقائق ، مستورة في تلك المعاني ، تنكشف للقلوب في ضوء القواعد الشرعية وقواعد اللغة العربية ، إذا صاحبَها العملُ الصالح، وملازمةُ الصلحاء ، والجهادُ، والرياضةُ في العبادة.

فعلماء ديوبند يرون أنه من الواجب لدى الاستدلال بنص من النصوص الشرعية الجمعُ بين ظاهر النص وباطنه، وتوفية كل منهما كالظاهرية أو الباطنية ، وهذا المذهب الجامع ظل يُخرّج العلماء الذين كانوا علماءَ بالله وعلماء بأمر الله في وقت واحد.

مذهبهم يؤكد على الاستفادة القصوى من المرونة الموجودة في الشريعة إلى جانب الإصرار والثبات على الثوابت والمسلمات في الدين:

وكذلك هذا المذهب يقرر أن بينما كان الواجب تبليغَ المنصوصات من القرآن والحديثن والفقه بصحة مدلولها ومعناها إلى الأمة لازماً؛ لأنه لا يمكن أن يظل الدين قائماً بدون ذلك، ولا سيما إن الشريعة مدارها على ظاهر الأحكام ؛ حيث جعلتها معياراً للمؤاخذة والعقاب.. إذاً كان الواجب إفادة القوم بحقائق تلك المعاني المنصوص عليها وأسرارها وعللها وحكمها ؛ لأن مرونتها وسعتها وسماحتها هي التي جعلت الأحكام الشرعية تفي بأغراض كلّ عصر ومقتضيات كلّ قوم؛ فبهذه السماحة والمرونة استطاع قادة الدين أن يقنعوا الناس أن الإسلام دين كل زمان و مكان، وأنه يلبي حاجة كل عصر ومصر، وأن فيه شفاءً لكل الأمراض، وحلاًّ لجميع المشكلات. ولولا هذه المرونةُ والسماحة لقال السفهاء وقاصرو النظر: إن الإسلام دين قد تقادم عهده كما يقول المتغربون .

وبهذه المرونة سيظل القادة والعلماء والمؤهلون يعرضون أحكام الإسلام عرضاً يتفق وكلَّ عصر، مهما تقدم ، ومهما تنوّر، ومهما تكاثرت مقتضياته، وتعقّدت مشكلاته، وتراكمت قضاياه.

فبينما يقرر مذهب علماء ديوبند التقيد بكل جزئي ، فقهياً كان أو حديثاً أو قرآنياً؛ إذاً يقرر الاستفادة من المرونة والسعة اللتين توجدان في الشريعة الإسلامية ، وقرر أنه لا بد من تجنيب الأمة من مواقف التشدد والبطش ؛ لأن هذه المواقف من شأنها أن تقضي على هذه المرونة وهذه السعة اللتين إنما تتعلقان لحد كبير بالجانب الباطن من الدين.

سبع سنابل

Back

قد رأينا أن نوجز ما فصلناه في الصفحات الماضية في سبع نقاط أسميناها بـ «سبع سنابل» تمضمن كلّ سنبلة منها كثيراً من المسائل ، وهي كما يلي:

1-                    العلم بالشريعة .

2-                    العقيدة الماتريدية الأشعرية.

1-                    التقليد الفقهي.

2-                    اتّباع الطريقة الإحسانية .

3-                    مجابهة الزيغ والضلال.

4-                    الجامعية والجماعية.

5-                    التمسك بالسنة.

ثم أوجزنا هذه النقاط السبع في أربع نقاط، اصطلحنا عليها بما يلي:

1-                    الإيمان.

2-                    الإسلام.

3-                    الإحسان.

4-                    إعلاء كلمة الله.

حيث قد استوعبت هذه النقاط الأربع السنابل السبع وجميع الأمثلة الاستدلالية التي تحدثنا عنها بالتفصيل في السطور الماضية. وقد سمينا هذه النقاط الأربع بــ «أربعة أنهار» ؛ لأن هذه الأنهار الأربعة كأنها تسقي تلك الأراضي السبع.

وإليك أولاً السنابل السبع:

العلم بالشريعة :

إن الأساس الأوّل هوالوحي الإلهي الذي يقوم عليه بناء الدين ، والدينُ حججه أربع:

1-                    كتاب الله .

2-                    وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

3-                    وإجماع الأمة .

4-                    وقياس المجتهد.

وسنة الرسول تتضمن خمسة أمور:

1-                    القول النبوي .

2-                    والفعل النبوي.

3-                    والتقرير النبوي.

4-          والأثر النبوي أو الرفع الحكمي، وهو أثر الصحابي في أمر غير قياسي وغير اجتهادي؛ لأنه يحتلّ مكانة الحديث المرفوع ؛ فهو يسمى بـ «الأثر النبوي» أو "الرفع الحكمي».

5-                    والاجتهاد النبوي.

ويُشترط في الحصول على العلم بالشريعة ، أن يتم ذلك عن طريق علماء الدين الثقات ورجال التربية والتزكية ، ومن خلال تدريسهم وتربيتهم وإفادتهم ومصاحبتهم وملازمتهم، أولئك الذي تكون سلسلةُ علمهم وعملهم وفهمهم وذوقهم تنتهي بالسند المتصل إلى صاحب الشريعة – على صاحبها أفضل الصلوات والتسليم – كما أنه يجب أن تُفْهَم مراداتُ هذا العلم ومعانيه في إطار أقوال السلف الصالحين و تعاملاتهم، ولا يُقْبَلُ في ذلك موقف المكابرة والإعجاب بالذات أو بالرأي الشخصي أو الاقتصار على مجرد الدراسة وإجهاد العقل وإعمال الفكر في غنى عن الاتجاهات السلفية. ذلك لأنه بدون ذلك لا يمكن التمييز بين دقائق وخفايا الحلال والحرام ، والمكروه والمندوب، والسنة والبدعة ،والتوحيد والشرك. كما أنه لا يمكن بدون ذلك التنحي الكامل فيما يتعلق بأمور الدين عن التخيلات والأفكار الوضعية ، والنظريات الفلسفية ، والتوهمات الغيبية ، والشكوك التي يثيرها الملحدون.

وذلك يقتضي ثلاثة أمور:

1-        تفويض المتشابهات إلى الله عز وجل وعدم التقوّل فيها كالمعتزلة.

2-     والعمل في المشتبهات بما هو أكثر تحفظاً وحيطةً، واجتناب اللجوء إلى الأقوال الشاذة فيها كما يصنع من غلبتهم الأهواء.

3-     العمل في المحكمات بالسنة الغالبة المعروفة لدى عامة الصحابة رضي الله عنهم، وعدم الحرص على الروايات المختلف فيها والأقوال الشاذة كالمغرضين .

وهذا الأساس يندرج تحت عنوان «الإيمان» الذي عنصره هو العلم الحقيقي ومعرفة الباطن ، والذي موضوعه إنما هو إنشاء الاستقامة العقدية في القلوب وتزكيته من الأوهام والأخيلة .

﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيْعَةٍ مِّنَ الأمْرِ فاتَّبِعْهَا وَ لاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِيْنَ لاَ يَعْلَمُوْنَ (الجاثية /18).

الماتريدية الكلامية الموافقة للأشعرية:

والأساس الثاني هو بناء العقائد الحقة في ضوء فكر أهل السنة والجماعة حسب المبادئ التي قام بتنقيحها كل من الأشعرية والماتريدية ؛ حيث لا يمكن بدون ذلك تنزيه العقائد من شكوك الزائغين وقياسات الفرق الباطلة ، وتزيدات المبطلين ، وتقولات المغرضين. وهذه الشعبة تلي الإيمان، والإيمانُ إنما هو عبارة عن مجموع العقائد الحقةالتي عهد بها الله تعالى إلينا:

﴿وَمَا لَكُمْ لاَ تُؤْمِنُوْنَ بِاللهِ وَالرَّسُوْلُ يَدْعُوْكُمْ لِتُؤْمِنُوْا بِرَبِّكُمْ وَ قَدْ أخَذَ مِيْثَاقَكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِيْنَ (الحديد/8).

التقليد الفقهي:

الأساس الثالث هو تقليد فقه معيّن في الفروع الإسلامية والخلافات الاجتهادية ؛ لأنه لا يمكن بدون ذلك التنحي – في المسائل المختلف فيها – عن الاحتيار وهو النفس والتحرر النفس الجام، كما لا يمكن بدون ذلك لغير المجتهد الذي لا يملك أهلية الاجتهاد والاستنباط، والاحتراز – إذا سُمِحَ بالعمل بشتى المذاهب الفقهية – من التلفيق والتذبذب والتلوّن والحذف والزيادة من عنده في المسائل الاجتهادية.

إن علماء ديوبند يتقيدون في الاجتهاديات بالفقة الحنفي ويتبعون أصول التفقه الحنفي التي تسري في جميع المسائل الاجتهادية والقضايا الاستنباطية كالروح بشكل مطرّد؛ فالتقليد الفقهي لا يعني التقيد بالجزئيات الاجتهادية ، وإنما يعني التقيد بأصول التفقه فيها، التي تسع جميع الجزئيات المتعلقة بشتى أبواب هذا الفقه.

فالعمل بشتى أبواب الجزئيات للمذاهب الفقهية عن طريق التلفيق؛ مثلاً: العمل بالفقه الشافعي في الصلاة والعمل بالفقة الحنفي في الزكاة، وإن كان يبدو جميلاً في الظاهر ويمكن للقائل: إن في هذه الحالة أيضاً لم أتحرر من التقيد بالأئمة وفقههم ؛ ولكنه في الواقع ضرْبُ أصول فقهٍ بأصول فقهٍ ، وإحدادثُ تصادم في الدين ، الأمر الذي إنماهو المؤدي إلى مفسدة أي مفسدة للمزاج الديني لغير المجتهد؛ فالعمل بجزئيات فقه معين بأسرها هو الذي يحول دون العامل ودون هذا التعارض الفقهي. ومن الواضح أن هذا التضييق – إذ صحّ التعبير عن ذلك بـ «التضييق» – إنما يقتصر على العمل ولا يتجاوزه إلى العلم والعقيدة ، فلا يتأتى الحدّ من العلم وإنما يتأتى الحدّ من العمل.

ثم إن علماء ديوبند لا يسمحون في حال من الأحوال – فيما يتعلق بالعم – بالتشنيع على فقه آخر أوتوجيه انتقاد إليه أو تناوله بطعن وتجريح، لأن كل جزئيّ من المسائل المختلف فيها إذا صوّبه فقهٌ فإنما يصوّبه مع احتمال الخطأ، وإذا خطّأه فقهٌ فإنما يخطّئه مع احتمال الصواب، كما أن حديث الاجتهاد هو الآخر إنما يعقد المقارنة بين الخطأ والصواب ولم يعقد المقارنة بين الحق والباطل ؛ فوعد للمجتهد على الخطأ بأجر وعلى الصواب بأجرين ؛ فلو كان هناك حق يقابله باطل لما أمكن الوعد بالأجر ؛ لأن الباطل لا يُجْزَى عليه مرتكبه بالأجر، وإنما يعاقب بالزجر ، ولا يُكرم بالثواب وإنما يُهان بالعذاب. فلئن ورد الوعد بالأجر على الخطأ والصواب كليهما ، ظهر أن الخطأ لا يدخل في إطار المعصية ؛ فالطّعن على فقه آخر أو فقيه آخر أو إبطال مسائله التي توصّل إليها بالاجتهاد، رفضٌ عملي لما تقرر في الشريعة:

«المجتهد يخطىء ويصيب فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر واحد».

وأخرج الشيخان حديثاً في هذا المعنى:

«إذا حكم الحاكم ، فاجتهد، ثم أصاب؛ فله أجران. وإذا حكم، فاجتهد، ثم أخطأ فله أجر». ( رواه البخاريّ، باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ، ج8، ص510، ط: الهند ، رقم الحديث 7352؛ ورواه مسلم ، كتاب الأقضية، باب (6) رقم الحديث 15).

فعلماء ديوبند رغم أنهم حنفيون لم يجيزوا مدفوعين بالعصبية أو ضيق الأفق أن يطعن أحد منهم على فقه آخر أو على أئمة مذاهب فقهية أخرى، فضلاً عن أن ينالهم بالاستهزاء والسخرية . فهم يقولون في المسائل الفرعية بالتعليل والتأويل ولا يقولون بالرفض والتفنيد أو التكذيب. وإذا لم يكونوا مجتهدين فإنهم يرون النجاة في هذه القضايا في الرجوع إلى المجتهدين الكرام، ويرون ذلك الموقف هو الواقعية ؛ وعلى ذلك فهم يحترمون جميع المجتهدين دونما استثناء؛ لكونهم «أولي الأمر» الذين أشار إليهم القرآن الكريم:

﴿وَلَوْ رَدّوْهُ إلَى الرَّسُوْلِ وَ إلَى أولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِيْنَ يَسْتَنْبطُوْنَهُ مِنْهُمْ (النساء /83)

وهذه الشعبة تأتي في إطار عنوان «الإسلام» الذي هو موضوع الفقه. والفقهُ عبارة عن مجموع أعمال المكلفين ، وهو يبحث المسائل المجتهدة والمستنبطة في ضوء المنصوصات.

اتّباع طريقة التزكية والإحسان:

والأساس الرابع هو تهذيب الأخلاق، وتزكية النفس، واستكمال السيرة والسلوك في ضوء سلاسل الناسكين المحققين وأصول تجاربهم ؛ لأنه لا يمكن بدون ذلك تطهير النفس، وكسب البصيرة والتوازن الخلقي، واستقامة الذوق ، وتقويم الفهم والمزاج، وتوجيه الذكاء وجهة صحيحة، ورؤية الحقيقة.

وهذه الشعبة تأتي في إطار «الإحسان»:

﴿قَدْ أفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَ قَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (الشمس /9-10).

مقاومة الزيغ والضلال:

والأساس الخامس هو مقاومة الفتن المثارة من قبل الفرق المتعصبة وأولي الزيغ والضلال، وإدارك ما قيوم به المتسللون إلى الصفّ من المؤامرات وعمليات الشطارة، ثم التصدي له بالمقاومة والتفنيد بروح جهادية . سواء أتت هذه المؤامرات متلبسة بالدين أو متقمصة بالروح السياسية وبقوانين البلاد؛ لأنه لا يمكن أن يتحقق بدون ذلك أغراض مكافحة المنكرات والبدع والخرافات والشركيات، وإصلاح المجتمع، ومقاومة التقاليد غير الإسلامية. وبالإيجاز: لا يتحقق بدون ذلك غرض إعلاء الدين وإعلاء كلمة الله.

وهذه الشعبة تأتي في إطار «مقاومة الفتن» وهذه الفتن إنما تحركها الدعوات الاقتصادية والحركات السياسية الفلسفية المتحررة عن الدين ، التي لا يمكن مقاومتها إلا بتعرية الأنظمة الاقتصادية الوضعية عن طريق طرح الفكر الإسلامي المتعلق بالاقتصاد والاجتماع في صبغة استدلالية. وقد سبق أن ألّفتْ كثير من الكتب حول الملل والنحل فيما يخص الديانات، والحاجة ماسة حالاً إلى وضع كتب حول الملل والنحل فيما يخص السياسة والاقتصاد، تُطْرح فيها الأفكار السياسية والفلسفات الاقتصادية الحديثة في ضوء الدراسة المقارنة مع الفكر الإسلامي والفلسفة الإسلامية الاقتصادية.

على كل فإن مقاومة هذه الفتن من الواجب الديني كما تقتضي الآية القرآنية ، كما أن ذلك جزء لا ينفكّ من المذهب الحق.

﴿إنَّ اللهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِيْنَ آمَنُوْا إنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُوْرٍ (الحج/38).

الجامعية والجماعية :

الأساس السادس هو الجامعية، وذلك يعني اكتمال المذهب وشموله . وهذا المذهب يحتلّ مكانة عظمى من الجامعية والشمول؛ لكونه هو مذهب أهل السنة والجماعة الذين يمثلهم علماء ديوبند خير تمثيل.

كان هذاالمذهب جامعاً للأحكام و جامعاً للأقوام، وجامعاً لزوايا الأحكام التي تشمل جميع شعب الدين الاساسية ، من الرواية والدراية ، والعقل والنقل، والعلم والحبّ، والقانون والشخصية، والاعتدال والتوازن ؛ إلى جانب ما يُقَوّم الأخلاق، ويهذّب السيرة، ويزكّي المعنويات ، ويسمو بالروح، إذاً به – المذهب – يجمع بين الأحكام الاقتصادية التي تكسب المرأ قدرة المقاومة المطلوبة للانظمة الإقتصادية الفاسدة والفلسفات الاجتماعية الباطلة .

فهذه الشعبة تأتي تحت عنوان «الإسلام» وقد أعلن الله عز وجل بإكمال دين الإسلام في كتابه الكريم قائلاً:

﴿اَلْيَوْمَ أكْمَلْتُ لَكُمْ دِيْنَكُمْ وَ أتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِيْ وَ رَضِيْتُ لَكُمُ الإسْلاَمَ دِيْنًا (المائدة /3).

وذلك يعني أنه لم يعد ناقصاً حتى يُزَادَ إليه شيء من خارجه ؛ ولا يشتمل على الشوائب والزوائد، حتى يُنقص منه شيء لتصفيته من الشوائب والأخلاط الزائدة. وتلك مزية لا تتحقق في شيء ما إلا إذا اتصفت بالاعتدال الذي يعني تنزهه من كل من الإفراط والتفريط. وهذا الاعتدال والتوازن نفسه يتصف به مذهب أهل السنة والجماعة ، الذي يتبنّاه علماء ديوبند.

والجامعية تؤدي إلى الجماعية التي تعني تحقيق التضامن والتكامل بين شتى طوائف الأمة المسلمة، وجمعها على قاسم مشترك ، وجعلها أمة موحدة متماسكة ؛ لأن العناصر الصالحة في كل مذهب من المذاهب عناص الأمة ، ومن طبيعة الكل أن يسع أجزاء نفسه .

ومن الواضح أن هذه الجماعية لم تكن لتتحقق بدون سعة الأخلاق وتوازن الفكر واعتدال العواطف . وسعةُ الأخلاق واعتدالها، لا يمكن تحقيقهما إلا بتزكية النفس وتطهيرها من أهوائها وأغراضها ، عن طريق المجاهدة في العبادة وتوطين النفس عليها.

فهذه الشعبة تأتي ضمن «الإحسان» الذي إنما كان موضوعه هو تزكية النفس. وبسماحة النفس وكرم الأخلاق وسعة القلب التي يمتاز بها هذا المذهب الديوبندي عمّ هوالشرق والغرب وانتشر في الشمال والجنوب، وجعل جميع المذاهب الحقة تتجاوب معه وتنضم إليه.

وإذا ألقينا نظرةً على التأريخ وجدنا أن سعة الأخلاق هذه آتت أكلها في كل عهد من العهود.

وقد شهد التأريخ في الهند أن رجال التزكية والإحسان وعباد الله الصالحين والصوفية الكرام رحمهم الله تعالى، إنما جعلوا الإسلام يعمّ الهند كلّها بهذه السعة الخلقية والسماحة القلبية ، كما كان قد سبق أن الصحابة رضي الله عنهم جعلوه بهما ينشر في الآفاق ويضرب بجرانه في شرق الأرض و غربها.

وقد سبق أن عبَرتُ عن هذه السعة الخلقية والسماحة القلبية في مقدمة «تأريخ دارالعلوم، ديوبند» بـ «الذوق القاسمي – الرشيدي» ؛ لأن الشيخين : الإمام محمد قاسم النانوتوي والمحدث الفقيه رشيد أحمد الكنكوهي كانا على الذروة السامقة من سعة الأخلاق وسماحة القلب وعواطف الحب الذي يفتح القلوب. وذلك هو الذي جعل رسالة الجامعة الإسلامية دارالعلوم ، ديوبند ، تغطي الشرق والغرب.

وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا الموقف الكريم بقوله:

﴿يَا أيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا مَنْ يَّرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِيْنِهِ فَسَوْفَ يَأتِيَ اللهُ بِقَوْمٍ يُّحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّوْنَهُ أذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ أعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِيْنَ يُجَاهِدُوْنَ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ وَ لاَ يَخَافُوْنَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ (المائدة / 54).

التمسك بالسنة :

الأساس السابع هو التمسك بالسنة ، التي تسمى بـ «الأسوة الحسنة» التي قدّم بها النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمته نموذجاً لكل عمل من الأعمال بفعله هو صلى الله عليه وسلم ، وهذه الأسوة تحوي جميع الأعمال في الإسلام وتشمل جميع الأنواع التي أشرنا إليها من قبل.

ومن الواضح أنه لا يمكن بدون التمسك بأسوته صلى الله عليه وسلم صيانة الأعمال الإسلامية على هيئتها المطلوبة ، ولا يمكن بدونها الاحتراز من البدع والمحدثات ، ولا يمكن أن تظل الصورة المعهودة للإسلام العملي ماثلة في الذهن بدونها.

فهذا العنصر هو رأس العناصر الشرعية والأساس الأصيل لجميع الأعمال والأخلاق، وهذا النوع أيضاً إنما يأتي ضمن عنوان «الإسلام» .

﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيْ رَسُوْلِ اللهِ أسْوَةٌ حَسَنَةً لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَ الْيَوْمَ الآخِرَ وَ ذَكَرَ اللهَ كَثِيْرًا (الأحزاب/21).

أربعة أنهار

وإذا أمعنّا النظر وجدنا أن السنابل السبع المذكورة في الاصطلاح الشرعي تختصر في الأركان الأربعة : الإيمان والإسلام والإحسان وإعلاء كلمة الله، التي هي الأنهار الأربعة: نهران ظاهران ، ونهران باطنان؛ فالإيمان والإحسان نهران باطنان، والإسلام وإعلاء كلمة الله نهران ظاهران. وهذه الأنهار الأربعة بمجموعها تسقي الأغصان السبعة المشار إليها باسم «السنابل السبع».

وإذا تعمقنا في النظر وجدنا أن هذا المذهب إنما هو عصارة حديث جبريل عليه السلام ، الذي اعتبره فقهاء الأمة «أم الأحاديث» حيث أجاب فيه النبي صلى الله عليه وسلم عن أسئلة جبريل عليه السلام الأربعة ، وتحدث صلى الله عليه وسلم في جلاء وإبانة عن معاني كل من الإيمان والإسلام والإحسان ومدافعة الفتن أي إعلاء كلمة الله ، وعبّر عن ذلك بــ «تعليم الدين» فقال:

«أتاكم يعلّمكم دينكم».

إن الحديث ينصّ على أن العناوين الأربعة ، تعليمها هو تعليم الدين وأنها هي المنهاج الأساسي للدين . ولا يمكن أن يكون لها إلا أربع حجج أساسية : كتاب الله وسنة رسوله ، وإجماع الأمة ، وقياس المجتهد؛ لأن تعليم هذه الحجج هو الذي يدخل أصلاً في تعليم الدين.

والحجتان الأوليان تشريعيتان ، أي بهما تتكون الشريعة ، والحجتان الأخريان تفريعيتان ، أي أنهما تبينان الشريعة وتوضحانها. إن الأولين منبعان للنصوص عليه من الأحكام، وهما مأثورتان لابدّ لهما من السند والرواية، وإن الأخيرين مدارهما الدراية ، وتعتمدان على العقل المصقول بالتربية والفهم ، المشحون بالتزكية والتفكير السليم ، المُمَدّ بالتقوى والذوق المتوارث. ولابدّ من انتماء ذلك كله انتماء متصلاً إلى مجتهد ذي دراية.

أما العلوم الأخرى التي يتم كسبها كآلة و وسيلة، لا تكون في عداد العلم الديني الأصيل، وإنما تكون في عداد الوسائل والذرائع.

فهذا المذهب مذهب معتدل يعتمد النقل والعقل والرواية والدراية معاً، ولكن بشكل لا يخرج من إطار العقل، ولا ينبني على العقل ، وإنما امتزج فيه العقل بالنقل بحيث جاء النقل والوحي أصلاً فيه ، وعاد العقل خادماً له ومنفذاً لأوامره.

فمذهب علماء ديوبند ليس مذهب المعتزلة المتبنّين للعقل ، الذين جعلوا العقل مسيطراً على النقل ومتحكماً فيه، فاعتبروه أصلاً وجعلوا الوحي تابعاً له؛ فبات الدين مجردَ فلسفة ، تمهد السبيل أمام الجماهير إلى الزندقة والإلحاد، كما أن السذَّج من المتدينين يعودون لا علاقة لهم مع الدين ومع رجال الدين.

وكذلك فهذا المذهب ليس مذهب الظاهرية الذي يعتمد ألفاظَ الوحي فقط، ولا يلتفت إلى العقل والدراية ، ولا يبالي بأسرار الدين وعلله الباطنة وحكمه ومصالحه ؛ فتعود طريق الاجتهاد والاستنباط مسدودة، ويعود الدين شيئاً جامداً لا حقيقة له ولا معنى من ورائه، ويعود العقلاء وكأنّ الدين لم ينزل لهم، ويعود الحكماء وكأنّ الإسلام لا علاقة له معهم.

فهناك مذهب يتمتع فيه العقل بجميع الصلاحيات وكامل السلطات ، وهناك مذهب آخر إنما يتشبث بمجرد ألفاظ النقل أو صورة الوحي ، ولا يتجاوزها إلى الحقيقة . ومن الواضح أن كلا المذهبين يتعرضان للإفراط والتفريط ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (الكهف/28) اللذين يتبرأ منهما المذهب المتوازن.

فالمذهب الجامع إنما يكون المذهب الذي يجمع بين العقل والنقل في توازن كامل يسمح للعقل أن يظلّ فاعلاً بجانب النقل، ولكن بشكل خادم للنقل وليس متحكماً فيه، فيوفّر لكل كلي وجزئي منه براهين عقلية ودلائل معتبرة، وشواهد ونظائر ملموسة؛ الأمر الذي يجعل المذهب مُتَّبَعًا لدى كل فئة من فئات الأمة ، ودستوراً للحياة شاملاً مقبولاً لديها جميعاً ؛ فيعود المتبعون له مصداقاً لقوله تعالى:

﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمَّةً وَّسَطاً (البقرة / 143)

وهذا المذهب هو الذي يُسَمّى مذهَب أهل السنة والجماعة ، وهو الذي يتبنّاه علماء ديوبند ؛ ولكونهم يتبعون هذا المذهب الجامع ويجوزون عناصره و موادّه كلّها – التي قد سبق أن تحدثنا عنها في الصفحات الماضية – هم مفسرون و محدثون معاً، وفقهاء و متكلمون معاً، وزاهدون ومجاهدون معاً،ومقلدون و مفكرون معاً. وبامتزاج هذه العناصر والعلوم الدينية جاء مزاجهم معتدلاً متوسطاً يتنزّه عن الغلوّ والمبالغة . وبفضل هذا التوسط وسعة الأفق والقلب لا يتبنّون عملية التكفير وتوجيه الشتائم ، ورمي فرد أو جماعة بالسباب والاتهام والنقيصة، ولا نصب العداء ضدها والحسد والكراهية والسخط، ولا يقعون فريسة للترف والتطرّف بغلبة الجاه والمال. وإنما يعمدون إلى بيان المسألة وكشف الحقائق أو إحقاق الحق وإبطال الباطل. وبكلمة أخرى : إلى إصلاح أحوال الأمة وتحقيق الاتحاد والتضامن بين المسلمين ؛ الأمر الذي لا يقدمون عليه مدفوعين بعاطفة احتقار شخصيات الطوائف المخالفة أو تناولهم بالإساءة أوالطعن والاستهزاء.

وكذلك فإنهم لا يتورطون من خلال خطاباتهم وتصريحاتهم بدون حاجة في التعرض للطوائف التي تختلف عنهم مذهباً، وفي إثارة الكراهية لدى الجماهير ضدها وإشعال عواطفها حتى تندفع للنيل منها؛ حيث إن ألسنتهم لا تجد فرصة من بيان المسائل وما يحتاج إليه الجمهور من التوعية بأمور الدين ، حتى يتشاغلوا بهذه الخرافات.

الحقيقة أنهم لا يجدون فرصة لذكر رجالات الطوائف الأخرى، فضلاً عن أن يتناولوهم بالتكفير والإساءة والانتقاص؛ لأنهم متشاغلون كل وقت بيان المسائل التي يحتاج إليها المسلمون .

فتلك الصفات والمزايا المشار إليها، ومجموعها هو الذي يسمى «دار العلوم / ديوبند» وتلك الشمولية والجامعية العلمية والعملية والعقلية والأخلاقية، هي التي جعلت نفوذها يمتدّ إلى معظم أقطار العالم.

ونظراً إلى هذه الجامعية والاعتدالية في المزاج اللتين يمتاز بهما مذهب علماء ديوبند، كان الشاعر الإسلامي الدكتور محمد إقبال رحمه الله (المتوفى 1938م) يقول في شأن «الديوبندية» كلمة بليغة شاملة للغاية ، عند ما سأله سائل:

ما هذه الديوبندية؟ هل ديانة أو فرقة؟.

قال: «لا، إن الديوبندي عنوان لكل متدين يحب المعقول».

فالمذهب النابغ من شمولية المبادئ وامتزاج الشخصية هو الذي يسمى «الديوبندية» و «القاسمية» وليست «الديوبندية» عبارة عن مجرد تدريس ودراسة كتب المقررات الدراسية.

فهذه أمور مبدئية كانت مستقرة في ذهني عما يتعلق بإتجاه علماء ديوبند الديني و مزاجهم المذهبي،وذلك لِما سَعِدتُ من صحبة مشايخ ديوبند وتعليمهم وتلقينهم وتربيتهم وملازمتهم . وقد طرحناها في هذه العجلة بقلمي طرح الطالب لقضية ما، ولم أكن في ذلك مدفوعاً بالعصبية أو الإعجاب بالنفس.

وإن جاءت كلمات الثناء والمدح في موضع فإنما جاءت في شأن المشايخ الذين هم جديرون بها لحدّ علمي ودراستي، ولم أستخدمها كفرد من الجماعة حتى أكون مصداقاً للمثل الفارسي:

«إن مادح القمر مادح لنفسه» ؛ لأن ذلك يكون عصبية لا غير، على حين إنني – ولله الحمد – خالي الذهن عن أي عصبية.

فالمتوقع من قراء هذه العجالة أنهم سوف لا يحملون أي كلمة فيها على أنني استخدمتُها للثناء على جماعتي أو جرياً وراء المباهاة الطائفية أو العصبية الجماعية .

ولا يجوز أن يقال: إن هذا الكتاب يعطي صورة متكاملة للذوق الديني والمزاج المذهبي لعلماء ديوبند؛ لأن الله هو وحده العليم بما يكون قد صدر عن قلمي من التقصيرات والنقائص في هذا الشأن ، الأمر الذي إنما يدركه العلماء وهم الذين من شأنهم أن يصححوا ما يكون قد صدر مني من التقصيرات.

أما العاجز كاتب هذه السطور فلا يسعه إلا أن يقول: إن هذه السطور سيمهد السبيل إلى فهم الذوق الديني والمزاج المذهبي لدى أولئك العلماء المخلصين ، لمن لم يروهم ولمن جعلهم أعداؤهم يرون صورة مشوهة لذوقهم الديني ومزاجهم المذهبي. إن دراسة هذه السطو ستعطي صورة لمذهبهم وستقرب فهمه للأذهان.

ولكن الذين خُلِقوا ليتعمّدوا فهمهم على عكس ما كانوا عليه ، وليقدموا أمام العالم صورة مشوّهة تماماً، عن فكرهم وعقيدتهم ، ومذهبهم وذوقهم، وإخلاصهم وتفانيهم في الدين ، وجهودهم وجهادهم في سبيل نشر التوحيد ومحاربة البدع وخدمة الكتاب والسنة والحفاظ على روح الدين في شكله الصحيح ؛ فإنهم بدل أن يتأثروا بهذه السطور بشكل إيجابي ، سيعمدون إلى البحث فيها عن نقاط تعينهم على إعمال عملية التكفير ضدهم أو على الأقل عملية الاستهزاء والانتقاص والاحتقار، فسينجحون في إثارة التهم والمطاعن والشتائم؛ فهؤلاء لا يعنوننا في هذه السطور.

﴿وَلاَ يَزَالُوْنَ مُخْتَلِفِيْنَ إلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَ لِذَلِكَ خَلَقَهُمْ (هود / 118-119)

ولا يسعنا أن نقول فيهم إلا ما قال الله تعالى وتبارك:

﴿فَإنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبْصَارُ وَ لَكِنْ تَعْمَى القُلُوْبُ الَّتِيْ فِيْ الصُّدُوْرَ (الحج / 46)

وإن العاجز كاتب هذه السطور لم يألُ جهداً لحد مستطاع في تقديم هذا المذهب والذوق الديني بشكل واضح، وفي تحليل عناصرهما ومقوماتهما ومقارنتهما، وفي بيان مصادرهما من الكتاب والسنة . أما التقصيرات التي بدرت مني نابعةً من قلة بضاعتي من العلم، فأتضرع إلى الله تعالى أن يغفرها لي «اللهم إنك عفوّ تحبّ العفو فاعف عني». والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وله الحمد أولاً و آخراً.

محمد طيب

   رئيس جامعة دارالعلوم الإسلامية ديوبند ، الهند

غرة محرم 1400 هـ / 23/ أكتوبر 1979م  

 

﴿﴾