ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، المحرم – صفر 1440 هـ = سبتمبر – نوفمبر 2018م ، العــــــــــــدد : 1-2 ، السنــــــــــــــــــــــة : 43

 

دراسات إسلامية

 

 

 

*    كيف نُربِّيْ أنفسَنا؟

* أماكن بيع وشراء الكتب في الأندلس


كيف نُربِّيْ أنفسَنا؟

بقلم:  الأستاذ عثمان غني الهوروي القاسمي (*)

 

 

 

إن المقومات التي اختارها الرسول –صلى الله عليه وسلم- لتربية الإنسان وتزكيته وإصلاح قلبه مقومات أبدية لا تتغير بتغير الظروف والأحوال، ولا يتبدّل ذلك الترتيب النبوي بتبدل عصر ومصر، وهذه المقومات قد أنزلها الله عز وجل من السماء كما أن ترتيبها قد فُطر الناس عليه.

     فقد بدأ الوحي إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بالأمر بالقراءة المطلقة عن المقروء، والمقيدة باسم الرب الذي خلق، خلق الإنسانَ من علق، ولم يكن أمام الرسول شيء مكتوب أو صحيفة مرئية إلا الجبال والسماء والأرض وما بينهما من الفضاء والشمس والقمر والنجوم، فالذي يريد أن يتربَّى فكريًّا ويترقّٰى روحيًّا يجب عليه أولًا وقبل كل شيء أن يقرأ الكونَ ويتفكر في خلق السماوات والأرض، ويقرأ آيات قدرة الله تعالىٰ في الأفاق وفي الأنفس حتى يعرف ربّه تعالى- ويعرف أسماءه وصفاته، وليست ثمة قسمة إلى القراءة الدينية والقراءة الدنيوية، نعم عند الله قراءة باسم الرب وقراءة بدون اسم الرب، والأولى مطلوبة والثانية غير مطلوبة.

     فالذي يقرأ العلوم الكونية بما لا يخالف الشرعَ وبقصد المعرفة الربانية ونيل الغذاء الروحي فقد أتٰى بابًا من أبواب الرحمة وتبنى المقررات التي تبني شخصيته بناءً إسلاميًّا، فقد أمرنا الله تعالى- بالنظر في الكون و وَعَدنا بإراءة الآيات في العالم، فهل يمكن ذلك بدون المعرفة بدقائق النظام السماوي وعجائب ما في الأرض من الحيوانات والنباتات والجمادات وما يحتوي عليه كل واحد منها من الصنع المتقن والترتيب الحكيم؟

     والذي يقرأ العلوم الدينية بغرض فاسد أو بما لايوافق الشرع لا يستفيد من علمه ولا يفيد غيره، فقد روى الإمام مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: «إن أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجل تعلم العلم وعلَّمه وقرأ القرآن، فأُتِي به، فعرّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلَّمتُ العلم وعلَّمتُه وقرأتُ فيك القرآن. قال: كذبتَ، ولكنك تعلمتَ العلم ليقال عالمٌ، وقرأتَ القرآنَ ليُقالَ هو قارئ، فقد قيلَ، ثم أُمر به، فسُحِبَ على وجهه حتى ألقِي في النار». (رقم الحديث:4923)

     فالمطلوب هو القراءة المربوطة باسم ربك، القراءة التي توصلك إلى معرفة الله الذي خلقَك والجبلة الأولين، والقراءة التي تربطك بالخالق هي المطلب الأهم، فليس المهم ماذا نقرأ؛ وإنما المهم الهدف الذي لأجله نقرأ. فاقرأ كل شيءٍ؛ ولكن بهدف الوصول إلى معرفة الله تعالى، وتعلّم كلّ علم، وليكن الهدف الأسمىٰ من التعلم اسم ربك، فالذي يجعل هذا المقصد نصب عينيه فلا عليه أن يقرأ العلوم أو الفنون، ولا عليه أن يتعلَّم الكلام والمنطق في المعاهد الدينية أو يتعلم التكنولوجيا والطبَّ في الكليات العصرية، فالمعنى اقرأ كلَّ شيء أو أوجدِ القراءة كما فسره العلامة المحلِّي، بتنزيل المتعدي منزلة اللازم، حتى تكون نفس القراءة مطلوبة بغض النظر عن مقروء دون مقروء أو علمٍ دون علمٍ بشرط أن تكون باسم «ربك» بمعنى الكلمة.

     نعم نحن نفرق، فنقول: هذا علمٌ وذلك فنٌ، هذا دين وتِلك دنيا، هذا يكتسب الأجر والثواب بالقرآن والحديث والفقه وأصوله، وذلك يطلب المال ويحترف الجغرافيا والهندسة والطب، هذه عبادةٌ وتلك حِرفة، نعم نُقسِّم بين هؤلاء وأولٓئك ولكن الله -سبحانه وتعالى- ليس عنده هذا التقسيم، نعم عنده فرق بين القراءة لكسب المال والجاه فقط، وبين القراءة لمعرفة الله الذي يقول: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران:79) وقال الرسول –صلى الله عليه وسلم- «والذي يتعلم العلم مما يُبتغٰى به وجه الله لايتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد ريحَ الجنة» (سنن أبي داود، رقم الحديث:3664).

     بيدَ أن العلومَ التجريبية قد غلب فيها طلبُ المادة على طلب الإصلاح الروحي، والحرص على المال فيها أكثر من الحرص على الأجر، وذلك لعدم الاهتمام بالتربية الإيمانية اهتمامَهم بالتربية الاقتصادية، ولم تكن مشكلة في هذه العلوم نفسها؛ بل المشكلة قطع الوصلة بين هذه العلوم وبين خالقها، فإن العلماء الكونيِّين يربطون الحوادث الكونية بالأسباب الكونية، ويستنبطون لها أسبابًا ثم يقفون عند حد من الحدود المادية ولا يجدون وراءها سبيلا؛ لأن ذلك هو مبلغهم من العلم ولا يعرفون ما وراء الطبيعة.

     وأما العبد المؤمن فيعرف أن الكون والطبيعة والأسباب المادية كلها مخلوق، والله تعالى هوالخالق، وكلها محتاج، والله هو الغني الحميد، وكلها أسباب والله تعالى- هو رب الأسباب وبارئها، فهو عند ما يقرأ العلوم الحديثة ويطالع الحوادث الكونية يستخرج لها أسبابًا فِطريّةً وعلَلًا طبيعيّةً ثم يتفكر ويستنبط أسباب أسبابها وعلَل علَلِها ثم يتفكر ويتدبر حتى يبلغ ذلك المبلغ النهائي، ويصل إلى تلك القدرة القاهرة التي لا قدرة فوقها، فتستقيم أخلاقه وقيمه على أصول من تقوى الله والإيمان بالجنة والنار، حتى تقوم شخصيته على أساس من العلم والبرهان.

     إن هذه الأمة أمة وسط قد جعلهم رب السماوات والأرض شهداء على الخلق يشهدون على الناس بالخلق، وجَعَلهم أئمّةً، ليسوا أئمة للمساجد فقط؛ بل هم أئمة للناس كما أنّ إبراهيم عليه السلام كان للناس إمامًا، فيجب على أهل مِلَّته أن يرشدوا الناس في جميع شؤون حياتهم من العبادة والتجارة والزراعة والصناعة والطب والمواصلات والتعليم والتربية وما إلى ذلك، ولا يمكن ذلك إلا بالصبر عن الدنيا والعكوف على النفع، وإنَّ ما نراه اليوم للغرب من التفوق المادِّي والسيادة على الأرض والإمامة للناس لم يحصل لهم كل ذلك إلا بسبب نفع الناس بأجمعهم بشتّى أنواع النفع عن طريق الاختراعات الحديثة والتسهيلات الوافرة والخدمات المحَيِّرة للعقول في المجالات الإنسانية، وقد قال الرسول –صلى الله عليه وسلم-: «سيد القوم خادمهم». (رواه البيهقي في الشعب برقم 8050، بلفظ سيدالقوم في السفر خادمهم).

     وأول ما يتميز به العلم الصحيح من العلم الفاسد هو النية، فالذي يقرأ كتاب الله وسنة رسوله لابتغاء وجه الله وليتلو القرآن على الناس ويهديهم إلى صراطٍ مستقيمٍ، ولا يريد بذلك علوًّا في الأرض ولا من أعراض الدنيا شيئًا فهو يتربّى بهذه القراءة ويترقّى في هذا العالم المادِّي ويوم يقوم الحساب.

     والذي يقرؤه ليقال: إنه قارئ، فذلك ما جاء في الحديث: إن أول الناس يُقضى عليه يوم القيامة رجل تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن... الحديث، وهكذا من يدرس العلوم الطبيعة ليقال: إنه دكتور أو طبيب أو مُهندس، ولا يريد بذلك إلا أن يأكل أموال الناس أكلًا لَمَّا، دون أن يرقبُ في ذلك إلّا أو ذمَّة، فسيعجِّل الله له ما يشاء ثم يجعل له جهنم يصلاها مذمومًا مدحورًا.

     ومن أراد الآخرة ودرس علوم المدنيّة ليعرف بذلك خالق الكون وليتدبر آياته، ولينظر ماذا في السماوات والأرض، فيدرس ويتوسّم، ويتعلم ويتفكر حتى ينفتح قلبه للإيمان، وينشرح صدره للإسلام، ويجري على لسانه ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (آل عمران: 191) فلا شك أن سعيه كان مشكورًا.

     وثانيًا: التواضع، فإن العلم النافع هو الذي يأتي بالتواضع والخشية في العالم، والعلم غير النافع هو الذي يجلب الكبر والأنانية. وأكبر علامة للعالم أن يشعر دائما بجهله وقلة علمه؛ فإن العلم بحر لا ساحل له، ولا يقدر أحد أن يحيط بشيء من العلم إلا بما شاء الله، والجاهل يمكن أن يزعم أنه يعرف كل شيء، ولكن الذي يخوض في بحر العلم يخرج منه متواضعا يشعر أنه لا يعرف شيئا، ولا يزيده التقدم في العلم والمعرفة إلا شعورًا بالنقص في العلم، والذي لايعلم ويظن أنه يعلم فهو الجاهل جهلا مركبا ويبقى أبد الدهر جاهلًا.

     وثالثًا: الخدمة ونفع الناس، فإن اليد الواهبة خير من اليد الآخذة، ولمّا نزل أول أمر من السماء بالقراءة رجع الرسول –صلى الله عليه وسلم- إلى خديجة بنت خويلد يرجُف فؤاده وقال: «إني خشيت على نفسي، فنبعت من فؤادها رضي الله عنها كلمات غرّاء تعزِّي بها رسولَ الله وتُخفِّفُ عنه من خوفه، وتُصوِّر شيئًا كثيرًا من حياته المثالية، وتُبيِّن جهودَه الجبّارة في خدمة الخلق ونفع الناس، فقالت: كلا والله! لا يخزيك الله أَبدًا، إنّك لتَصل الرحم، وتحمِلُ الكَلَّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيفَ، وتُعين على نوائب الحق. (صحيح البخاري رقم الحديث:3).

     وهذه هي وجوه الإنفاق التي ورد الحث عليها كثيرًا في القرآن الكريم والسنة النبوية، ووُصِفَ البخل وعدم الإنفاق بالتهلكة حيث قال الله جل وعلا - ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة:195).

     وهذا الإحسان لايمكن أن يودّى حقه إلا بكسب الأموال ﴿التِيْ جَعَلَ اللهُ لَكُم قِيَامًا﴾ (النساء:4) يقال: هو قيامُ أهله، إذا كان يتكفَّلُهم وينفق عليهم ويكون لهم عمادًا، والمال قد جعله الله معاشًا للإنسان في هذا العالم المادِّي، وهو الذي يقضى به المرء حاجاته، وبه تتوفر له تلك الوسائل التي لابد منها لنجاح النشاطات الدعوية والتربوية، فقد منَّ الله بذلك على رسوله حيث قال: ﴿وَ وَجَدَكَ عَائِلًا فَأغْنىٰ﴾ (والضحٰى:8) وقال الرسول –صلى الله عليه وسلم- لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه - «إنك أن تذر ورثتك أغنياء خيرٌ لك من أن تذرهم عالةً يتكففون الناس» (صحيح البخاري رقم الحديث: 1215).

     وقد ارتبط الاقتصاد اليوم ارتباطا وثيقا بالعلوم الكونية والفنون المدنية من الصناعة والتجارة، حتى الزراعة وآلاتها، و لا مفر من العلم الجديد، وقد تغافلنا نحن عن هذا الأمر، ولم ندرك هذه القرابة الواضحة بين قيام الحياة وبين العلوم الحديثة التي عَلَّمَناها ربنا الأكرم، ودوَّنتها أقلام الأمم. نعم العلوم الكونية التي بها طار الإنسان في الهواء وغاص في لجة البحار، واستطاع أن يتعامل مع الذرة حتى يستخدمها في أغراضه سلمًا وحربًا، ويخدم الخلق بأحسن ما يكون، ولكنا تركناها وراءنا ظِهريًّا، ونحن اليوم في حاجة إلى أن ندلي دلاءنا في هذه العلوم فنعيش خَدَمَةً مؤهلين نافعين للناس؛ فإن خير الناس من ينفع الناس، واقرؤوا إن شئتم قولَ الله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأرْضِ﴾  (الرعد:17).

*  *  *

*  *

 

 

أماكن بيع وشراء الكتب في الأندلس

إعداد:  د. علي سليمان محمد(*)

 

 

 

كان لكل حرفة سوق خاصة بها، فهناك مثلًا سوق للبزازين، وأخرى للعطارين، وغيرها للسلاح، كذلك هناك سوق خاص بالكتب، ومما قيل في ذلك:

مجالســـة السوق مـــذمومـــــــــــة

ومنهــــــا مجــــالس قـــــــــــد تحتسب

فلا تقربن غير سوق الجياد

وسوق السلاح وسوق الكتب(58)

     يوجد ثبت طويل بمن كانت لهم عناية بشراء الكتب واقتنائها أشارت كتب التراجم إليهم ببعض العبارات مثل: «كان جماعًا للكتب» «اهتم بجمع الكتب» فاشتهر ابن فطيس بشراء الكتب واقتنائها، ومتى علم بكتاب عند أحد طلبه للابتياع منه، وبالغ في ثمنه فإن قدر على ابتياعه وإلا نسخه منه ورده إليه(59)، وابن الفرضي» وصف بأنه كان جماعًا للكتب جمع منها أكثر ما جمعه أحد من عظماء بلده، ومحمد بن معمر القرطبي (ت423هـ/1032م) كان جماعًا للكتب عارفًا بعللها مميزًا خطوط ناسخيها حجة في عزوتها إلى وراقيها(60)، والأورشي عبد الله بن حبان (ت487هـ/1094م) كانت له همة عالية في اقتناء الكتب وجمعها بلغ ثلثاها مئة وثلاثًا وأربعين عدلًا من أعدال الحمالين(61).

     قد يظن أن اهتمام الأندلسيين بالكتب قاصر على الرجال فقط؛ لكن وجدت نسوة اهتممن بجمع الكتب منهن: عائشة بنت أحمد القرطبية (ت400هـ/1009م) كانت حسنة الخط تكتب المصاحف والدفاتر، وكانت لها مكتبة ضخمة(62)، ومثلها رضيه مولاة الناصر التي أعتقها الخليفة الحكم وتزوجها لبيب الفتى وكان يعمل في قصر الخلافة، وخديجة ابنة جعفر كانت لها مكتبة ضخمة حبستها على ابنتها(63)، ولا شك يؤدي ذلك إلى كثرة تردد الأندلسيين على أماكن بيع الكتب ومنها:

سوق الكتب بقرطبة

     نتيجة لهذا الإقبال على الكتب ازدهرت تجارتها، واشتغل بها علماء وأدباء أجلاء، وتعددت أماكن بيعها، ومن أهمها سوق الكتب بقرطبة التي وصفت بـ«أنها أكثر مدن الأندلس كتبًا، وأهلها أشد اعتناء بخزائن الكتب»(64)، يؤيد ذلك المناظرة التي جرت بين ابن رشد وابن زهر في مجلس الخليفة الموحدي أبي يعقوب المنصور، قال ابن رشد لابن زهر: «ما أدري ما تقول غير أنه إذا مات عالم بإشبيلية، فأريد بيع كتبه حملت إلى قرطبة حتى تباع فيها، وإذا مات مطرب بقرطبة فأريد بيع تركته حملت إلى إشبيلية حتى تباع فيها»(65) فهذا يدل على اهتمام أهل قرطبة بالكتب وكثرة الأسواق الخاصة بها.

     وكانت طريقة البيع والشراء تتم في هذه الأسواق بالمزاد (المزاودة على حد تعبير ياقوت(66)) وكانت المناداة السبيل للإعلان عن بيع كتاب ما فيزايد عليه الناس واحدًا بعد الآخر، ويوضح لنا هذا الأمر مشهد في سوق الكتب بقرطبة بين أحد الأثرياء، وأحد العلماء الذي كان يبحث عن كتاب ما أورده لنا المقري(67) على لسان ذلك العالم، وكان يكنى بالحضرمي(68) يقول: «أقمت مرة بقرطبة ولازمت سوق كتبها مدة أترقب وقوع كتاب كان لي بطلبه اعتناء، إلى أن وقع إليَّ بخط جيد وتسفير مليح، ففرحت به أشد الفرح، فجعلت أزيد في ثمنه فيرجع إلى المنادي بالزيادة إلى أن بلغ فوق حده، فقلت له: أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلّغه إلى ما لا يساوي، فأراني شخصًا عليه لباس ورياسة فدنوت منه، وقلت له: أعز الله سيدنا الفقيه إن كان لك غرض في هذا الكتاب تركته لك، فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده فرد عليه: لست بفقيه ولا أدري ما فيه، ولكنني أقمت خزانة كتب لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فيها موضع يسع هذا الكتاب فلما رأيته حسن الخط جيد التجليد استحسنته، ولم أبال بما أزيد فيه والحمد لله على ما أنعم به من الرزق فهو كثير. قال الحضرمي: فأحرجني وحملني على أن قلت له: نعم لا يكون الرزق كثيرًا إلا عند مثلك. يعطى الجوز من لا عنده أسنان، وأنا الذي أعلم ما في هذا الكتاب وأطلب الانتفاع به يكون الرزق عندي قليلاً وتحول قلة ما بيدي بيني وبينه».

     يعلق ريبيرا(69) على هذا المشهد بقوله: «رسم لنا صورة لما كانت عليه سوق الكتب بقرطبة، وتمكن الشغف بالكتب من النفوس حتى أصبحت مجرد ترف لدى الأثرياء».

     نلحظ أن طريقة بيع الكتب في الأسواق عن طريق المزاد كانت هي الشائعة في مختلف المدن بالأندلس، ومن ذلك أن مكتبة ابن فطيس بيعت بعد وفاته وظل السماسرة والدلالون يترددون على مسجد الأسرة مدة عام كامل ليشهدوا بيعها في المزاد العلني(70).

     لم تكن عملية شراء الكتب من الأسواق يسيرة؛ بل كانت بحاجة إلى الخبرة والدراية، وهنا وجد ما عرف بسمسار الكتب أو الدلال وهو على ما يبدو شخص موكل بالترويج والدعاية للكتب والنداء عليها كما كان ذوو الحاجة لشراء الكتب يستعينون به لشراء الكتب بأثمان معقولة، ولاشك كانت الاستعانة بهؤلاء السماسرة مقابل أجر متفق عليه(71) بمعنى أن هؤلاء الدلالين كانوا يرتزقون بالسمسرة في سوق الكتب، حيث يفهم من كتب النوازل أن الدلال عامة كان موجودًا في الأسواق المختلفة، وأنه كان يتقاضى من المشتري جُعلا يتفق معه عليه، ومن أمثلة ذلك ما سئل عنه الفقيه ابن رشد عن الدلال يبيع لنفسه سلعة هل يجوز له أن يأخذ عليها أجرة أم لا؟(72) يؤكد ذلك المراكشي(73) عن مصحف عثمان رضي الله عنه بالأندلس زمن الموحدين عندما نهب وشوهد بيد سمسار ينادي عليه بسوق الكتب بتلمسان بسبعة عشر درهمًا، ويبدو أن هذا الأمر كان سائدًا في أسواق الكتب في مصر أيضًا حيث أشار بعض الباحثين(74) إلى احتواء سوق الكتبيين بالقاهرة على دلالين أو سماسرة يعملون بها وكانوا يرتزقون منها.

دكاكين بيع الكتب

     بجانب الأسواق العامة كانت هناك دكاكين خاصة في أماكن ثابتة ويبدو أنها كانت متجاورة، وكان يطلق على الشارع الموجودة به شارع الوراقين خاصة في المدن الكبرى، وبعضها كان يوجد بجوار المساجد مثل دكان أبي إسحاق إبراهيم بن مبشر (ت395هـ/1004م) قرب المسجد الجامع بقرطبة(75)، وهذه الحوانيت كانت تقوم مقام دور النشر والمكتبات في أيامنا(76)، وغالبًا ما كان أصحابها من العلماء الذين لهم خبرة بالكتب بحيث يستطيع تلبية رغبة عملائه(77) مثل: محمد ابن سيدراي (ت548هـ/1153م) في بلنسية كان يبيع الكتب في دكان له(78)، وفي بلنسية أيضًا استقر ابن مطروح التجيبي (ت606هـ/1210م) ورَّاقًا يبيع الكتب، وفي دكانه كان يجتمع الأدباء(79) وكانت بلنسية المدينة المختارة للوراقين الفارين من الضغط النصراني فإليها انتقل من سرقسطة ابن الصغير، وكان من كبار تجارها، وخلفه ابنه أحمد وأصبح نساخًا، وله خبرة بأنواع الكتب(80)، وابن نوح الغافقي من سر قسطة وانتقل إلى بلنسية واشتهر بحبه للكتب والتجارة فيها، وكان ابن منتيال الورَّاق من أهل مربيطر (ت611هـ/1215م)، سكن بلنسية وله دكان بالقيسارية يقعد فيه للتجارة وبيع الكتب(81)، وأبو العباس ابن فرتون الغرناطي، كان ورَّاقًا يبيع الكتب(82)، وكان أبو عمران موسى بن حسين الزاهد من إشبيلة (ت604هـ/1208م) يتقوت من أثمان الكتب التي معه يبيعها شيئا بعد شيء إلى أن فنيت(83).

     وهنا يثار تساؤل عن كيفية بيع الكتب في هذه الدكاكين، هل كانت توضع علامة على الكتب يفهم منها أن هذا الكتاب خرج من هذا الدكان كما تفعل دور النشر في أيامنا-؟ هناك إشارة إلى مثل ذلك في حواشي غلاف مخطوط «نظم الجمان» عبارة عن خاتم نقش فيه اسم «عبد القادر القادري» - وإن كان ذلك يبدو متأخرًا ويرجح محقق الكتاب أنه يبدو لمتجر من متاجر الكتب(84).

     كانت تجارة الكتب تتم أيضًا في مجالس العلم وكان صغار تجار الكتب يتنقلون بين هذه المجالس لعرض ما معهم من كتب على أصحابها، ومن ذلك مايرويه القاضي ابن العربي(85) (ت543هـ/ 1148م) في مقدمة كتابه «ترتيب الرحلة» عن سبب رحلته إلى المشرق يقول: «كنت يومًا جالسًا مع بعض المعلمين فجلس إلينا أبي يطالع ما انتهى إليه علمي وجلس بجلوسه من حضر من قاصديه، فدخل أحد السماسرة وعلى يديه رزمة كتب فحل شناقها(86) وأرسل وثاقها، وعرضها عليهم لبيعها.

     كانت تجارة الكتب تتم كذلك بين العلماء وربما في منازلهم، فقد اشترى ميمون بن ياسين (ت530هـ/1130م) من ابن أبي ذر الهروي صحيح البخاري من أصل أبيه بمال كثير(87)، كذلك اشترى عيسى بن يوسف (ت543هـ/1148م) من أبي علي الغساني أصله من سنن أبي داود بمال كثير كذلك(88)، خاصة وأن بعض العلماء كان يضطر إلى بيع كتبه لضائقة مالية تعرض له؛ مثلما حدث مع أبي العباس بن غالب المالقي الذي  تعرض لضائقة مالية اضطر بسببها لبيع أصول بعض كتبه فكتب إليه صديقه أبو محمد القرطبي معاتبًا.

نبئت عباسًا تُوزع كتبه نهبًا

وأصبح عن سواها مُعزلًا

فعجبت من بطل يبيع سلاحه

عمدًا ويصبح في الكتيبة أعزلًا

فرد عليه أبو العباس بقوله:

بعت الدواوين الأصول لكي

أروى بأصول أشجار شريت ممولًا(89)

     ومن المظاهر الشائعة في الأندلس وفي غيرها من أقاليم الدولة الإسلامية قديمًا وحديثًا، فيمايتعلق بالتجارة في الكتب بيع كتب المتوفى، وبخاصة إذا لم يكن من بين الورثة أحد من أهل العلم أو لم يعقب، وهناك أمثلة كثيرة تدل على ذلك منها: بيع مكتبة ابن فطيس بعد وفاته(90)، ولما توفي فاتن مولى ابن أبي عامر (ت402هـ/1041م) مكتبته بيعت في تركته كتب مضبوطة مصححة؛ لأنه لم يكن له وارث إذ كان من الصقالبة(91)، وباع ورثة محمد الغافقي (ت433هـ/1041م) مكتبته بعد وفاته وقومت الورقة في بعضها بربع مثقال، وكان لدى عبد الرحمن بن ملجوم (ت605هـ/1208م) مكتبة بيعت بعد وفاته بأربعة آلاف دينار(92)، وهذا أمر طبيعي يحدث في كل زمان وبخاصة إذا لم يكن من الأبناء من على شاكلة الأب في الاهتمام بالعلم، وليس فيه ما يدعو للأسف كما أظهر ذلك بعض الباحثين(93)؛ لأن هذا أمر شائع، فمثلًا اشترى المعهد المصري في مدريد تركة بروفنسال من ورثته، وكان من بينها مخطوطات كثيرة نادرة مثل مخطوط نظم الجمان لابن القطان(94)، وفي مصر أيضًا بيعت كتب ابن حجر العسقلاني بعناية ولده، وأسف على بيعها تلميذه السخاوي؛ بل إن في هذا منفعة وفائدة أكثر من حبس هذه الكتب في مكتبة لا يراها أحد، ففي انتشار الكتب بين عدد أكبر من المستفيدين يؤدي بلا شك إلى انتشار العلم والثقافة في المجتمع، وهذا ما لاحظناه بعد سقوط الخلافة الأموية بالأندلس، وتفرق الكتب في ممالك الطوائف الأمر الذي أدى إلى ازدهار الحياة الثقافية خلال هذا العصر على الرغم من الضعف السياسي، وعدَّ هذا مظهرًا إيجابيًا للفتنة البربرية.

أسعار الكتب

     تخضع الكتب باعتبارها سلعة لقانون السوق (العرض والطلب)، ولها أوقات رواج وتصاب أحيانًا بالكساد، ومرتبطة بالحياة العلمية والثقافية السائدة في عصر ما، فإذا وجد حكام اهتموا بالعلم ازدهرت تجارة الكتب وراجت سوقها والعكس صحيح، وكانت تجارتها تجري كما يجري تصريف أي تجارة؛ حيث يتساوم البائع والمشتري في السعر، ولم تكن الأسعار المحددة معروفة(95) على الرغم من قول البعض(96): إن المحتسب مارس الرقابة على سوق الكتب وحدد أسعارها؛ لكن لا دليل يؤيد ذلك سواء في المشرق أو الأندلس.

     هناك عوامل لا شك أثرت في أسعار الكتب، فمؤلف الكتاب ومادته وشهرة الخطاط والتجليد من الأشياء التي تحدد سعر الكتاب، فالمخطوط المكتوب بخط مؤلفه ثمنه أعلى من غيره، فالناس يتنافسون في شراء الكتب التي بخط مؤلفيها، فمثلًا أحمد بن عبد العزيز الوراق (ت572هـ/1176م) كان حسن الخط فتنافس الناس فيما وجد بخطه من الدواوين(97)، ومكتبة محمد بن يحيى الغافقي (ت433هـ/1041م) التي كانت نسخًا فريدة بخطوط مؤلفيها مثل كتاب «إصلاح المنطق» بخط القالي، وتاريخ الطبري بخط ابن ملول الوشقي، وبيع هذا كله في تركته وقومت الورقة في بعضها بربع مثقال(98)، كما أن نسبة الكتاب إلى شخص الإهداء كخليفة أو أمير لا شك يؤثر في سعر الكتاب، ومن الطبيعي أن تزداد قيمة مثل هذه الكتب(99).

     وجدت بعض الكتب مدونًا عليها اسم المشتري وثمن الكتاب بما يشبه الفاتورة في أيامنا، - ربما كان ذلك في فترة متأخرة وهنا يثار تساؤل هل كانت دكاكين بيع الكتب أو غيرها تكتب سعر الكتاب عليه كما يحدث الآن؟ ففي مخطوط فهرسة ابن عطية (ت542هـ/1147م) مثلًا: نص تملك لصاحب نسخة هي بخط المؤلف نصها «صارت هذه الفهرسة بالملك الصحيح الشرعي لمحمد بن علي بن أحمد ابن مسعود العبدري وهي أصل مؤلفها ابن عطية»(100)، كما يوجد نص تملك لكتاب تحفة الأنفس لابن هذيل (ت بعد عام 814هـ) مدون فيه ثمن الكتاب واسم المشتري(101)، بما يفهم منه أن المشتري كتب اسمه وسعر الكتاب بعد صفحة الغلاف كما يفعل بعضنا الآن، وكان ثمن هذا الكتاب ثلاثة دنانير.

     وهناك بعض النوازل التي تخص التجارة في الكتب يتضح منهاأنها كانت رائجة ومنضبطة بقواعد الشرع، وكأي تجارة كانت تنشأ أحيانًا بين أربابها منازعات وخلافات، عرضت على الفقهاء للفصل فيها، ومن أمثلة ذلك: مسألة ذكرها ابن الحاج في نوازله، فقد سئل عمن اشترى كتابًا، ثم جاء آخر وادعى أن ذلك الكتاب له، وأنه ضاع منه من زمن طويل وأتى بعقد تضمن معرفة الشهود بذلك(102) بما يفهم منه أن بيع وشراء الكتب كان يتم بكتابة عقد بين الطرفين ويوثق بالشهود، ومنها: أن رجلا ابتاع كتبًا فقام آخر يطلبها، وأقام بينة أنها كانت له وزالت عن يده بوجه ذكره(103)، وهناك قضايا أخرى تتعلق باستعارة كتب وتلفها أو فقدها، واتهام صاحبها للمستعير بحبسها ويلزمه بردها، وخاصة أنه متعود على استعارة الكتب وجحدها(104).

     من المسائل التي عرضت على الفقهاء كذلك التجارة في كتب الخرافات والشعوذة؛ إذ حرموا بيعها والنظر فيها وكذلك كتب الأحكام للمنجمين وكتب العزائم(105)، ويفهم من ذلك وجود بعض الكتب غير المرغوب فيها والتي لم تشر إليها المصادر ربما كانت بسبب نظرة الناس إليها، كما أشارت كتب النوازل أيضًا إلى عدم جواز بيع المصاحف والكتب التي بها أخطاء أو عيوب حتى يبين البائع للمشتري الخطأ حتى لو أدى ذلك إلى بخس الكتاب(106)، وهذا يدل على تحري الدقة والأمانة التي يجب توافرها في التاجر عامة، كما وردت بعض المسائل المتعلقة بتحبيس الكتب وما يصاحبها من مشاكل منها: أن أحد الناس حبس كتبًا ثم باعها(107)، وأخرى فيمن حبس كتبًا بشرط ألا يعطى منها إلا كتاب بعد كتاب(108) إلى الخ..

آثار التجارة في الكتب

     مما لاشك فيه أن الكتب أسهمت بدور كبير في إثراء الحياة الثقافية وتغذيتها بكل جديد ومفيد، فشاعت المعرفة وعم العلم، خاصة وأن الأندلسيين عرفوا بشغفهم بالقراءة واقتناء الكتب، فكان أبو عمران موسى بن سعيد (ت640هـ/1242م) شغوفًا بمطالعة الكتب لايتركها حتى في أيام الأعياد وكان يجد في ذلك لذة وراحة(109)، ومما يذكر عنه أنه عندما تولى إمرة الجزيرة  الخضراء من قبل ابن هود(110) علم أن أحد أعيانها لديه كراريس تحوي أخبارًا عن الموحدين، فأرسل إليه راغبًا في استعارة هذه الكتب ليطلع عليها فرفض وقال: إن كانت له حاجة يأتي على رأسه، فأتى إليه أبو عمران في منزلة فلم يحسن ضيافته، وبعد أن اطلع على هذه الكتب شكره وهدأ من غضب ابنه لهذه المعاملة السيئة من الرجل بقوله: إنه لم يذهب إليه وإنما إلى ما في بيته من الكتب وأقنعه بأنه لو كان أصحاب هذه الكتب أحياء مجتمعين في موضع واحد لذهب إليهم والأثر ينوب عن العين وقال: لقد سررت بهذه الفائدة أكثر من الولاية(111).

     كما أدت وفرة الكتب إلى زيادة الإقبال على القراءة والتأليف، وما يدل على كثرة عدد الكتب وشيوعها في الأندلس أنه بعد استيلاء النصارى على غرناطة آخر معقل للمسلمين بالأندلس عام 897هـ/1492م جمع الأسبان مليونين من المخطوطات وقاموا بإحراقها في ميدان الرملة بغرناطة(112) وهذا ما جعل دوزي يصف الأندلسيين بأن معظمهم كان يجيد القراءة والكتابة.

     كانت أماكن بيع الكتب سواء الأسواق أم دكاكين الوراقين أماكن مشهورة أيضًا بالعلم والتعليم واللقاء بين العلماء، فكان دكان أبي إسحاق القرطبي (ت395هـ/1004م) مكانًا لتعليم المبتدئين القراءة والكتابة(113)، كذلك كان دكان أبي بكر التجيبي (ت596هـ/1199م) مألفًا لجلة من طلبة العلم والعلماء بإشبيلية، يأتون إليه لمجالسته والاستفادة منه(114)، وفي بلنسية استقر ابن مطروح التجيبي وكان ورَّاقًا يبيع الكتب، وفي دكانه كان يجتمع البلنسيون تجذبهم إليه ثقافته الواسعة، فكانت هذه الدكاكين إذًا من أبرز الأماكن التي أرست دعائم الحياة الثقافية في الأندلس، وكانت مقصدًا لطلاب العلم والمعرفة، ومكانًا للمناظرات الأدبية والعلمية، يؤمها المثقفون والأدباء والعلماء ويتخذونها منتدى لهم، وملتقى لاجتماعاتهم وإقامة مناظراتهم، وتحولت هذه الحوانيت شيئًا فشيئًا فصارت مقصدًا لكل من يبغي علمًا أو يهوى أدبًا حتى أنها وصفت بالمعاهد العلمية(115).

     وكانت الكتب أيضًا وسيلة اتصال بين العلماء والمثقفين، وهذا ما نجده في كتب التراجم من عبارة «سمع المؤلف من، أو أخذ عن، أو روى عن» وهذا يعني أن الكتاب أداة لتوسيع نطاق الاتصال، ولم يقف الاتصال عن طريق الكتب بين الأساتذة والطلاب؛ بل تعدى ذلك إلى اتصال بين علماء الشعوب كما حدث بين علماء المشرق والأندلس، ولعل برامج الشيوخ والفهارس التي برع الأندلسيون في تصنيفها لأساتذتهم أو لمن قابلوهم وأخذوا عنهم العلم دليلٌ على ذلك.

     كذلك لم يكن بائعو الكتب مجرد تجار ينشدون الربح، وإنما كانوا أدباء ذوي ثقافة عالية اختاروا هذه المهنة؛ لأنها توفر لهم فرص القراءة والاطلاع، فقد قاموا بنسخ الكتب المهمة وأصبح للكتاب أكثر من نسخة وعرضوها على الراغبين فيها مما أدى إلى  الحفاظ عليها وإبقائها، وتشجيع العلماء على التأليف والإنتاج، ومن ذلك مثلًا ابن حيان مؤرخ الأندلس (ت456هـ/1064م) الذي كان واسع الاطلاع جماعًا للكتب، في تأليف كتابه المقتبس في الفترة السابقة عليه فهو لا ينقل إلا عن أصول»(116).

     ومن آثار تجارة الكتب كذلك أن شهد عصر الطوائف نهضة علمية على الرغم من الضعف السياسي(117)، ويرجع ذلك إلى أن عصر الأمويين كان بمثابة فترة إعداد لهذا النضج العلمي، إذ تجمعت خلاله موارد غزيرة في كل فرع من العلوم، واضطرت الأوضاع الجديدة العلماء إلى الهجرة من قرطبة إلى مختلف النواحي وحملوا معهم مجموعات قيمة من الكتب التي كانت مخزنة بقرطبة في بيوتهم، وفي مكتبات قرطبة العامة وبيع كل ذلك بأبخس الأثمان، ومن ثمَّ انتشرت تلك الكتب في أقطار الأندلس المختلفة.

     ثمَّ إنَّ الاهتمام بالكتب والحرص على جمعها في مختلف أنواع العلوم، له أثره في مفاهيم الناس وأفكارهم، فبسبب اهتمام الخليفة الحكم بكتب الأوائل كثرت هذه الكتب في عصره، واطلع عليها الناس وعرفوا ما فيها فكان لذلك أثره في اهتمام البعض بدراسة علوم الأوائل كالفلسفة والفلك وغيرها مما نجم عنه ظهور متخصصين في هذه العلوم.

     كذلك مثلت التجارة في الكتب موردًا للدخل لبعض الأندلسيين فإذا لم يكن العالم ذا منصب ولم يجد ما يعيش منه اشتغل بنسخ الكتب وبيعها مثل: محمد بن إبراهيم ابن عبد الرحمن (ت بعد450هـ/ 1033م) من أحفاد الحكم الربضي، كان يعتمد في معيشته على نسخ الكتب وبيعها(118)، والضبي (ت599هـ/1202م) احترف نسخ الكتب وحصّل من عمله هذا مالًا كثيرًا(119)، وعلي ابن محمد بن ديسم (ت624هـ/1227م) من مرسية كان يعيش من نسخ المخطوطات وبيع الكتب، وذكر بالنثيا(120) عن ابن بسام (ت544هـ/ 1149م) أنه صنف كتابه بإشبيلية وعاش من قلمه ومضى يدبج التراجم مقابل المال، وكان ذلك أمرًا شائعًا، صنعه ابن خاقان أيضًا، ويرى دوزي أن ما كان ابن بسام يصيبه من المال من أولئك الأثرياء يشبه الأتعاب التي يتقاضاها المؤلفون اليوم من الناشرين، وأن تجارة الكتب قد حققت الثراء لبعض التجار مثل: أحمد بن أبي القاسم الذي أكثر من شراء الكتب وأنفق عليها بسخاء حتى لقد أثرى كثير من التجار نظير العمل معه فيها(121).

خاتمة

     تبين مما سبق أن الكتب شكلت جانبًا مضيئًا في تاريخ الحضارة الأندلسية، ولما كانت الدولة الإسلامية تمثل وحدة ثقافية كانت الكتب تنتقل بين أقاليمها المختلفة، فأسهم التجار والعلماء في جلب الكتب من مختلف الأنحاء إلى الأندلس، واهتم الأندلسيون من جانبهم بالعلم والكتب وبذلوا بسخاء لاقتنائها وشجعوا المؤلفين على الإنتاج والتأليف، بالأموال والعطايا السخية والوظائف المرموقة.

     ونتيجة لازدياد الطلب على الكتب قام منتجو الكتب بالعمل بالنسخ والمقابلة تحقيقًا للدقة والضبط، ثم تجليدها وإخراجها في شكلها النهائي لعرضها في الأسواق العامة والدكاكين الخاصة لبيعها، ولم يكتف الأندلسيون بشراء الكتب واقتنائها في بيوتهم؛ بل قام كثيرون بحفظها عن ظهر قلب كابن عبدون مثلًا الذي كان أيسر ما يحفظه كتاب الأغاني.

     تعددت أماكن بيع الكتب فكانت تقام في المدن الرئيسة مثل قرطبة وإشبيلية معارض عامة ربما كانت سنوية يترقبها الناس، يبحثون فيها عما ينشدونه من كتب، وكانت تتم فيها عملية البيع والشراء عن طريق المزاد العلني حيث كان ينادي السمسار الدلال على الكتاب المراد بيعه أمام الناس ويظفر به من يقدم أعلى سعر، ومن المؤكد أن أسعار الكتب اختلفت بحسب نوعية الورق وجودة الخط والتجليد وقيمة الكتاب وشهرة مؤلفه ومكانته العلمية وغير ذلك، كما وجدت الدكاكين الخاصة ببيع الكتب، وأحيانًا كانت تباع الكتب في مجالس العلماء حيث يجتمع الأساتذة مع الطلاب مما يجعلها أماكن مناسبة لرواج هذه التجارة.

     ومن المظاهر الشائعة كما هو الحال في كل عصر بيع كتب المتوفى بناء على رغبة ورثته أو من لا عقب له، وأن هذا كان من الأشياء المفيدة التي أدت إلى انتشار العلم والثقافة في المجتمع بدلًا من حبس هذه الكتب عند من لا ينتفع بها، بحيث يمكن أن يعد من إيجابيات سقوط الخلافة تفرق الكتب في مدن الأندلس المختلفة مما أثرى الحياة العلمية في عصر الطوائف، وكانت التجارة في الكتب كأي تجارة تنشأ بين أربابها منازعات عرضت على الفقهاء للفصل فيها فوردت في كتب النوازل بعض المسائل المتعلقة بتجارة الكتب.

     أسهمت تجارة الكتب في إثراء الحياة الثقافية والعلمية، فكثر النسخ والتأليف مما أدى إلى تعدد النسخ من الكتاب الواحد مما حافظ غالبا على أكثر التراث من الضياع، كما وفرت مادة علمية للمؤلفين اعتمدوا عليها في كتابة مؤلفاتهم، كما قامت دكاكين الكتب بدور كبير في نشر العلم، والاتصال بين العلماء فكانت أشبه بالمعاهد العلمية.

     ولا شك كانت تجارة الكتب أيضًا مصدرًا لدخل العاملين فيها، يعتمدون في معيشتهم على ما يربحونه منها، وحقق بعضهم ثراءً نتيجة اشتغاله بهذه التجارة، وأسهمت في حفظ التراث وساعدت على انتشار العلوم وتعميمها وتسهيل انتقالها من مكان إلى آخر في كل أرجاء الدولة الإسلامية.

*  *  *

الهوامش:

الخطيب البغدادي: تقييد العلم: ص125، المقريزي (تقي الدين أبوالعباس أحمد بن علي 845هـ/1442م) : الخطط، الجزء الثاني، سلسلة الذخائر52، القاهرة، ص101، ربحي عليان: المكتبات في الحضارة الإسلامية، دار صفاء، عمان 1999م، الطبعة الأولى، ص85-86.

ابن بشكوال: كتاب الصلة، الجزء الأول، ص30-311، ابن خير: فهرسة، الجزء الأول، ص167، ابن فرحون: الديباج المذهب، ص245-246، الذهبي: سير أعلام النبلاء، الجزء السابع عشر، ص210، محمد عنان: دولة الإسلام في الأندلس، الجزء الثاني، ص704-705، بويكا: المصادر التاريخية العربية في الأندلس، ترجمة، نايف أبوكرم، دار علاء الدين، دمشق، 1999م، الطبعة الأولى، ص195.

ابن بشكوال: كتاب الصلة، الجزء الأول، ص253، المقري: نفح الطيب، المجلد الثاني، ص329، حسين مؤنس: تاريخ الجغرافيا والجغرافيين في الأندلس، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة ص99-101.

الضبي: بغية الملتمس، ص343-344.

ابن بشكوال: الصلة، القسم الثاني، ص693.

ابن بشكوال الصلة، القسم الثاني، ص698.

المقري: نفح الطيب، المجلد الأول، ص462.

المقري: نفح الطيب، المجلد الأول، ص463.

معجم الأدباء، الجزء الخامس، ص69.

نفح الطيب،المجلد الأول، ص462-463.

هناك أكثر من شخص حملوا هذه الكنية وربما المقصود هنا جابر بن محمد بن سليمان الحضرمي الأشبيلي وهو أستاذ نحوي كان متقنًا لكتب سيبويه توفي 596هـ. السيوطي: بغية الوعاة، الجزء الأول، تحقيق، محمد أبوالفضل إبراهيم، دار الفكر1979، الطبعة الثانية، ص484.

التربية الإسلامية في الأندلس، ص 210-211.

ابن بشكوال: الصلة، القسم الأول، ص309-311، ابن فرحون: الديباج المذهب، ص245-246.

هالة شاكر: الوراقة والوراقون، عين للدراسات، القاهرة2004، الطبعة الأولى ص219-246.

ابن رشد (محمد بن أحمد ت520هـ/1126م): مسائل أبي الوليد بن رشد، المجلد الثاني، تحقيق محمد حبيب التجكاني، دار الجيل الإسلامي، بيروت، لبنان 1993م، الطبعة الثانية ص831-832.

عبد الملك المراكشي: الذيل والتكملة، القسم الأول، السفر الأول، ص151-170، وعن مصحف عثمان ورحلته شرقًا وغربًا راجع، سحر سالم: نصوص تاريخية في التاريخ الإسلامي، مؤسسة شباب الجامعة الإسكندرية 1997م، ص128-190.

يسري زيدان: سوق الكتبيين بالقاهرة في عصر سلاطين المماليك، ندوة التاريخ الإسلامي، دارالعلوم جامعة القاهرة، العدد 2007، 21، ص349.

ابن بشكوال: الصلة، القسم الأول، ص88.

عبد الستار الحلوجي: الكتاب العربي المخطوط، ص298-299.

حسين مؤنس: معالم تاريخ المغرب والأندلس، ص385.

عبد الملك المراكشي: الذيل والتكملة، السفر السادس، ص218-219.

ابن الأبار: التكملة، الجزء الثاني، ص95.

ريبيرا: التربية الإسلامية في الأندلس، ص229.

ابن الأبار: التكملة، الجزء الثاني، ص287.

ابن الأبار: التكملة، القسم الأول من الجزء المفقود، ص84، عبدالملك المراكشي: الذيل والتكملة، السفر الأول، القسم الأول، ص109-110.

ابن الأبار: التكملة، الجزء الثاني، ص180-181.

ابن القطان: نظم الجمان، تحقيق محمود علي مكي، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1990م، الطبعة الثانية ص53 من مقدمة المحقق.

سعيد أعراب: مع القاضي أبي بكر بن العربي، دارالغرب الإسلامي، بيروت 1987، الطبعة الأولى، ص192.

الشناق: هو الحبل الذي تربط به الكتب.

ابن الأبار: التكملة، الجزء الثاني، ص197.

ابن الأبار: التكملة، الجزء الرابع، ص16، ابن القاضي: جذوة الاقتباس، دارالمنصور للطباعة، الرباط 1973، الجزء الثاني، ص500-501.

ابن عساكر، ابن خميس: أعلام مالقة، تحقيق عبد الله المرابط الترغي، دارالغرب الإسلامي، بيروت 1999م، الطبعة الأولى، ص278، عبدالملك المراكشي: الذيل والتكملة، السفر الخامس، القسم الأول، ص112.

ابن بشكوال: الصلة، القسم الثاني، ص309-311، ابن فرحون: الديباج المذهب، ص245-246.

المقري: نفح الطيب، المجلد الثالث، ص82، ريبيرا: التربية الإسلامية في الأندلس، ترجمة، الطاهر أحمد مكي، دارالمعارف، القاهرة، ص215.

ابن الأبار: التكملة، الجزء الثاني، ص52.

سامية مسعد: الوراقة والوراقون في الأندلس، ص50.

ابن القطان: نظم الجمان، ص52 من مقدمة المحقق.

حامد الشافعي: الكتب والمكتبات في الأندلس، ص69.

هالة شاكر: الوراقة والوراقون، ص220-221، ذكر البعض دور المحتسب في سوق الكتب هو منع الغش والتدليس أو الخروج عن القواعد المتبعة في السوق. سيف المريخي: تجارة الكتب عند العرب المسلمين في القرنين الثالث والرابع الهجريين، حولية التاريخ الإسلامي والوسيط، كلية الآداب، جامعة عين شمس، العدد الخامس 2007، ص24.

ابن الأبار: كتاب التكملة، ص109.

ابن الأبار: كتاب التكملة، الجزء الأول، ص312.

حامد الشافعي: الكتب والمكتبات في الأندلس، ص70-71.

ابن عطية: فهرسة ابن عطية، ص47.

ابن هذيل: تحفة الأنفس وشعار سكان أهل الأندلس، تحقيق عبد الإله أحمد النبهان، محمد فاتح صالح، مركز زايد للتراث، الإمارات 2003م، الطبعة الأولى، ص15، من مقدمة المحقق.

الونشريسي: المعيار الجزء السادس، ص270.

الونشريسي: المعيار، الجزء السادس، ص270، الجزء التاسع، ص599.

الونشريسي: المعيار، الجزء الخامس، ص274-275.

الونشريسي: المعيار، الجزء السادس، ص70، بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، ص55.

ابن رشد: مسائل أبي الوليد بن رشد، المجلد الثاني، ص832، الونشريسي: المعيار، الجزء السادس، ص203، 59.

الونشريسي: المعيار، الجزء السابع، ص337، 340.

الونشريسي: المعيار، الجزء السابع، ص340، 227-228، 293.

بالنثيا: تاريخ الفكر الأندلسي، ص243-244.

قام بثورة على الموحدين في أواخر أيامهم بشرق الأندلس عام 625هـ، وحكم الأندلس وجاهد النصارى لكنه هزم ومقته الناس ولقبوه بالمحروم وتوفي عام 635هـ. الذهبي: سير أعلام النبلاء، الجزء الثالث والعشرون، ص20-22.

المقري: نفح الطيب، المجلد الثاني، ص329، بالنثيا: تاريخ الفكر، ص243، رضا مقبل: تاريخ المكتبات الإسلامية في الأندلس، رسالة ماجستير، كلية الآداب، المنوفية 2001، ص158-159.

ريبيرا: التربية الإسلامية في الأندلس، ص178-180، لكننا لا نؤيده فيما ذهب إليه من أن ذلك الكم الهائل من الكتب لا يعني أن أهل الأندلس أكثر شعوب العالم ثقافة وبرر قوله بأن امتلاك شعب ما لكتب كثيرة لا يتطلب بالضرورة درجة في رقي التعليم، ونؤكد أن كمية الكتب ورواجها دليل على رقي المستوى الثقافي لأي شعب من الشعوب وأن للكتاب أهمية كبيرة في الثقافة وقلة الكتب أو وفرتها تؤثر على إنتاج وثقافة العلماء. للمزيد راجع عبد لله كنون: أربع خزائن لأربعة علماء من القرن الثالث عشر، مجلة معهد المخطوطات العربية العدد التاسع، الجزء الأول، ص47 وما بعدها.

ابن بشكوال: الصلة، القسم الأول، ص88.

عبد الملك المراكشي: الذيل والتكملة، السفر السادس، ص443-444.

ربحي عليان: المكتبات في الحضارة العربية الإسلامية، ص85.

ابن حيان: المقتبس من أخبار الأندلس، تحقيق، محمود علي مكي، ص21.

M, hammad Benaboud: Sevilla en el siglo x1, el reino Abbadi de Sevilla (1023-1091), Sevilla, 1992, p.90-95.

عبد الملك المراكشي: الذيل والتكملة، السفر السادس، ص95-96.

ابن الأبار: التكملة، الجزء الأول، ص126-127.

تاريخ الفكر الأندلسي، ص288-289.

عبد الملك المراكشي: الذيل والتكملة، السفر الخامس، القسم الأول، ص277-278، ابن سعيد: المغرب في حلى المغرب، الجزء الثاني، ص105، ابن الخطيب: الإحاطة، الجزء الأول، ص259-260، المقري: نفح الطيب، المجلد الخامس، ص78.

*  *  *



(*)        اُستاذ دارالعلوم/ ديوبند.

(*)            كلية الآداب والعلوم فرع أجدابيا، جامعة بنغازي - ليبيا.