ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، المحرم – صفر 1440 هـ = سبتمبر – نوفمبر 2018م ، العــــــــــــدد : 1-2 ، السنــــــــــــــــــــــة : 43

 

دراسات إسلامية

 

أبو الحَسَنات عبد الحي الفَرَنْجِي المَحَلّي وأعماله

في الحديث النبوي والفِقه الحنفي

بقلم:  الأستاذ أبو الكلام القاسمي (*)

 

 

 

الهند من بلاد الله السعيدة التي دخلَتْ فيها اللغة العربية قبل مجيء الإسلام كما هَبَّتْ عليها نَفْحةٌ من نَفَحات الإسلام في فجر تاريخ الإسلام، وأدركَتْها العنايةُ الإلهيّةُ في القرن الأول من الهجرة، فلم تَزَل مَحَطّ رجال المسلمين من الغُزاةِ والفاتحين، والعلماء، والصالحين حتى أشرَقَتْ أرضُها بنور الإسلام، وتَنَوّرَتْ رُبُوعُها بِخِيَرة العالم الإسلامِي، وأنْجَبتْ رجالًا، هم مَحَاسِنُ الدنيا و نُجومُ الأرض، ومَفَاخِرُ المسلمين جميعا، فَضْلًا عن مسلمِي الهند، وإن مساهماتهم في مجال العلوم الإسلاميّة واللغة العربية تَفُوقُ على جميع الشُّعُوبِ غيرِ العربيّةِ في العالم. وبعض أولئك العلماء أبْدَعوا بمعارفهم العلميّة والأدبيّة، ونالوا بذلك تقديرَ المؤرخِين والعلماء المشهورين في العالم فمنهم العلامة عبدالحي الفرنجي المحلي رحمه الله.

     هو فَخْرُ المتأخِرين، ونادِرَةُ المحقِّقين المُصَنّفين، والمحدثُ، الفقيهُ، الأصولي، المنطقِي، المتكلم، المؤرخُ، البَحّاثَة، النَقّادَة، الإمام الشيخ أبوالحسنات محمد عبد الحي بن العلامة المحقِّق الإمام الشيخ محمد عبد الحليم الأنصاري اللكنوي الهندي(1)، وينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه(2).

     وُلد الشيخ عبد الحي ببلدة بَانْدَا في أترابراديش يوم الثُلاثاء 26 من ذِي القَعْدَة سنة 1246هـ، وبدأ حفظ القرآن الكريم حين بلغ الخمس سنين، وفرغ من حفظه وهو ابن عشر سنين، وقد مَنَحَه اللهُ منذ نشأته قُوّةَ الحِفْظِ الوَاعِية حيث قال الإمام عن نفسه: رُزِقْتُ قُوَّةَ الحفظ من زَمَن الصبا، حتى إني أحفظ جميعَ وقائع قراءة الفاتحة، حين كان عمري خمسَ سنين؛ بل أحفظ ضربةً وقعَتْ بي حين كان عمري ثلاث سنين فقط(3). وقرأ بعضَ الكتبِ الفارسيةِ والإنشاءِ والخطِّ وغير ذلك على والده العَطُوفِ خلال حفظ القرآن الكريم كما قرأ على والده الذي كان مدرسًا بمدرسة الحاج إمام بخش في «جونفور» جميع الكتب المدرسية في الفنون المختلفة مثل: الصَرف، والنَحو، والمعاني، والبيان، والمنطق، والحِكْمَة، والطبّ، والفقه، وأصول الفقه، وعلم الكلام، والحديث وأصول الحديث، والتفسير وأصول التفسير وما إلى ذلك، وقد أكمل الشيخ هذه الفنون حين كان عمره سبع عشرة سنةً، وقرأ كتبا عديدةً في العلوم الرياضِيّة على خاله وأستاذه مولانا محمد نعمت الله كما تعلم الحساب من أرْشَد تلامذة والده المولوي محمد خادم الحسين المظفر بوري العظيم آبادي.

     وقد ألقَى اللهُ في قلبه من مُسْتَهَل شبابه مَحبَةَ التدريسِ والتأليفِ، فلم يقرأ كتابًا إلا درّسه بعد قراءته، فحصل له من ذلك التَمَكّن من العلوم و المَلَكَــة في الفَهْم والعلم حتى كان يَقْـــــرأ الكتبَ التي لم يقرأها على أستاذ ككتاب «شرح الإشارات» للطوسي، و«قانون الطب»، و «علم العروض» وغيرها.

     وذاتَ مَرّةٍ رأى في المنام المحقّق نصيرَ الدين الطُوسي مؤلف «التذكرة» و «التجريد» و «تحرير  أقليدس» وغيرها وسأله عن أشياء فأثنى عليه الطوسي باشتغاله بالعلوم وأظهرَ الفَرَحَ والسرورَ كأنه كان يُبشّره بحصولِ الكمالِ في العلومِ المختلفةِ ثم ألقى الله في قلبه محبة التدريس والتصنيف(4).

     ويقول الباحث الكبير الشيخ عبدُ الفَتّاح أبوغُدّة: «ولقد آتاهُ اللهُ تعالى ذوقا مرهفا، وحسّا علميا نَقِيّا، ودِقّةً نادرةً في الفهم، وقوّةً بَالغةً في الحفظِ، وقدرةً عجيبةً على التأليف بأسرعِ وقتٍ وأنصَعِ أسلوبٍ، حتى إنك لا تكاد تَلْمَح في كلامه مَسْحةَ العُجْمَة وهو هندي الدار والمَولِد واللغة، ولا يمكن أن تشُكّ مرةً واحدةً في ذوقه فيما يكتُب أو ينقل أو يناقش .... ويتجلّى لك من أسلوبه الالتزامُ بالأدب، وتحكيمُ العلم في ميدان المناقشة، لا السَفْسَطَة والإقذاع»(5).

     و يقول العلامة عبد الحي الحسني في «نُزْهَة الخَواطِر وبَهْجَة المَسامع واالنَواظر»: «كان الإمام خطيبا مِصْقعا، مُتبَحّرا في العلوم معقولًا ومنقولًا، مُطّلِعا على دقائق الشَرعِ وغوامضه، تَبَحَّرَ  في العلوم، وتَحَرّى في نقل الأحكام، وانفردَ في الهند بعلم الفتوى، وكان له في الأصول والفروع قوةٌ كاملةٌ، وقدرةٌ شاملةٌ، وفضيلةٌ تامةٌ وإحاطةٌ عامةٌ، وفي حسن التعليم صِناعةٌ لا يقدر عليها غيره، وكان إذا اجتمع بأهل العلم وجَرَتِ المباحثةُ في فنٍ من فنونِ العلم لا يتكلم قط؛ بل ينظر إليهم ساكتا، ثم يتكلم بكلامٍ يقبله الجميعُ ويُقنِع به كلَ سامعٍ، والحاصل أنه كان من عجائبِ الزمن ومن محاسِنِ الهند، وكان الثناءُ عليه كلمة إجماعٍ والاعترافُ بفضلهِ ليس فيه نزاع»(6).

     وقد خلّف لنا الإمام عبد الحي الفرنجي المحلي كتبًا عديدةً في فنونٍ مختلفةٍ. وهذه المؤلفات القَيِّمَة تدُلُّ على عُلُوّ كعبه في العلوم والمعارف، فمن مؤلفاته المهمة في الحديث:

الآثارُ المرفوعةُ في الأخبارِ الموضوعةِ

     فرغ الإمام عبد الحيّ من تأليف هذا الكتاب في رجب سنة 1303 للهجرة، وكان يريد تأليف كتابٍ شاملٍ في الأحاديث الموضوعة ولكن أوجَزَه ببعض الأسباب والعِلَل المجهولة على الأحاديث المتعلقة بالصلاة فقط.

     وذكر الإمام في سبب تأليف هذا الكتاب أنه جَرَتْ بينه وبين بعضِ أعِزّائه مناقشةٌ ومناظرةٌ لطيفةٌ حول فضائل يوم عاشوراء في 1303 للهجرة، ثم سأله بعض الناس عن كمية وكيفية صلاة يوم عاشوراء وما كُتِبَ عليها من ثوابٍ وجزاءٍ، فكان جوابُ الإمام عبد الحيّ أنه لاتُوجدُ في أية روايةٍ محكمةٍ موثوقةٍ كميّةُ الصلاةِ المُعيّنة أو كيفيّتها في هذا اليوم، وكل ما يُذْكَر إنما هو شائعاتٌ وضعيةٌ ليست لها حقيقةٌ واضحةٌ في أصول الدين الإسلامي(7)، وفي نفس الحين أراد الإمام أن يؤلّف رسالةً خاصةً في الأحاديث الموضوعة، فألّف هذا الكتاب واقتصر على الأحاديث الموضوعة في صلوات أيام السنة ولياليها موضحًا اختلافها ووضعها ليتنبّه به العلماءُ والدارسونَ ويستفيدوا منه استفادةً تامةً. وطبع هذا الكتاب في عدّة بلاد أخرى غير الهند منها: باكستان وبيروت كما حقّق وعلّق عليه أبو هاجر محمد السعيد بن بسيوني زغلول، وطبع بدار الكتب العلمية ببيروت سنة 1405 للهجرة/1984م.

     ويستهلّ المؤلف هذا الكتاب كعادته في بقيّةِ مؤلفاته بالحمد والثناء في أسلوب مؤثّرٍ رَصينٍ ثم يذكر سبب تأليفه ثم يتحدث الإمام عن الأحاديث التي يظن أنها موضوعة في بعض كتب أئمة الصوفية مثل الإمام الغزالي والشيخ عبد القادر الجيلاني وغيرهما ثم يذكر أقسام الوضّاعين وأنواعهم موجزًا والتي يبلغ عددها إلى سبعة، ثم يستعرض أغراض الوضّاعين ودوافع وضعهم فيوزّع هذه الأسباب في ثمانية أقسام مع تحليلٍ وتوضيحٍ شاملٍ ثم يبيّن الصلوات المختلفة في أيام السنة مثل صلاة ليلة البراءة والقضاء العمري في رمضان وصلاة ليلة عيد الفطر وصلاة ليلة النَحْر وصلاة عاشوراء مع ذكر الأدعية المخصوصة وأقوال العلماء حول هذه الصلوات وما إلى ذلك.

     ويكشف العلامة عبد الحيّ في هذا الكتاب ثمانية أقسام من الوضّاعين ثم يعرض كل قسم منها منفصلًا بالشرح الوافر على نحو ما يلي:

     النوع الأول قوم من الزنادقة وهم يقصدون إفساد الشريعة وإيقاع الفساد في الأمة. وقد شبّههم اللكنوي باليهود والنصارى الذين أحرقوا الكتب الإلهية، والنوع الثاني هم قوم يقصدون وضع الأحاديث زهوًا وتأييدًا لمذاهبهم. وقد حلّل ذلك المؤلف بتحليلٍ بسيطٍ وأمثلةٍ وافيةٍ. والنوع الثالث قوم يضعون الأحاديث ترهيبًا وترغيبًا ليحثّوا بها الناس على الخير والصواب وقد شرحهم بأمثلة كثيرة. والنوع الرابع قوم استجازوا وضع الأسانيد لكل كلام حسن ظنًا منهم أن الحسن كله أمر شرعيٌ، ولا حاجــــة لنسبته إلى الرّسول صلى الله عليه وسلم. والنوع الخامس قوم حملهم على الوضع غرض من أغراض الدنيا كالتَقَرّب إلى السلطان أو تحصيل الثروة أو نَيْل الشهرة والصيت وغيرها. والنوع السادس قوم حملهم على الوضع التّعصُّب الديني والتجَمّد التقليدي. والنوع السابع قوم حملهم على الوضع عشق الخلق وجنونه الذي أعماهم وأصمّهم تمامًا، ومن أمثالهم قوم وضعوا الأحاديث عن أهل البيت. والنوع الثامن قوم وضعوا الأحاديث بهدف الإعجاب والإغراب وهذا النوع يحوي كثيرًا من أقسام القصّاصين والوُعاظ(8).

الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة

     هذا كتاب ألّفه العلامة عبد الحيّ في ذي الحجة من سنة 1291 للهجرة، وقد نشر عدّة مرات في الهند، كما طبع أولًا بالمطبع المصطفائي بلكناؤ سنة 1299 للهجرة، ثم حقّق وعلّق عليه الشيخ عبد الفتّاح أبو غدّة، ونشر بمكتب المطبوعات الإسلامية بحلب سنة 1386 للهجرة، وقد أضاف هذا التحقيق والتعليق أهمية الكتاب أضعافا مضاعفة.

     تناول فيه العلامة الأجوبة عن الأسئلة العشرة التي سأله عنها أحد كبار العلماء من معاصريه، وهو العلامة الجليل الأستاذ محمد حسين اللاهوري الذي أرسل هذه الأسئلة العشرة من لاهور إلى حيدرآباد الدكن حين كان الإمام اللكنوي مقيما بها، فألّف الإمام هذا الكتاب النافع جوابا عن تلك الأسئلة الشاملة الجامعة، ويُعدّ هذا الكتاب في طليعة تآليفه النادرة المثال، إذ سدّ فراغا في علوم الحديث لم يملأه أحد قبله كما قال الباحث الكبير الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في مقدمة هذا الكتاب(9).

وأضاف الباحث الكبير الشيخ عبد الفتاح أبو غدة قائلا: «تضمّن هذا الكتاب أبحاثا جامعة محررة، لم ينهض للكتابة فيها غير الإمام اللكنوي رحمه الله تعالى فيما علمتُ»(10).

الرفع والتكميل في الجرح والتعديل

     ألّف العلامة عبد الحيّ «الرفع والتكميل في الجرح والتعديل» وتناول فيه الجهات المختلفة في أصول الحديث، وقد ألفه العلامة في ذي القعدة سنة 1301 للهجرة، وتم الطبع في نفس السنة من مطبعة أنوار محمدي في لكناؤ(11) وطبع عدة مرات في الهند وخارجها من البلدان العربية، وطبع في حلب سنة 1338هـ/1963م ثم في بيروت سنة 1968م ثم القاهرة سنة 1973م كما طبع أخيرًا سنة 1421هـ/ 2000م من دارالسلام في القاهرة وجاءت الطبعة الثامنة في بيروت 2004م. وحقّق وعلّق عليه الباحث السوري الشيخ عبد الفتاح أبو غدة.

     استهل المؤلف المقدمة ببيان سبب تأليف هذا الكتاب حيث قال: إنه رأى كثيرا من علماء عصره يخوضون في مسائل الجرح والتعديل مع عدم معرفة  فن الجرح والتعديل معرفة تامة حتى أنهم لا يعلمون مصطلحات أئمة الجرح والتعديل ويرون أن الاستفادة من كتب الجرح والتعديل القيّمة - مثل «تهذيب الكمال» للحافظ المزي و«ميزان الاعتدال» للعلامة الذهبي و«تهذيب التهذيب» و«تقريب التهذيب» و «المغني» و«كامل» و«لسان الميزان» وغيرها من الكتب أمر يسير مع جهلهم بمصطلحات أئمة الجرح والتعديل، وعدم فرقهم بين الجرح المبهم والجرح غير المبهم وما إلى ذلك(12).

     ثم أضاف قائلا: إنهم لا يعلمون أن الدخول في هذه المسالك الصعبة التي زَلّتْ فيها أقدامُ الكَمَلة، أمرٌ عظيمٌ كما أن هؤلاء العلماء لا يعلمون أن لكل مقامٍ مَقالًا، ولكل فنٍ رجالًا، وأن جَرْحَ من هو خالٍ عنه في الواقع، وتعديلَ من هو مجروح في الواقع، أمر ذو خَطَر، لا يليق بالقيام به كل بشر(13).

     فالكتاب ذو أهميةٍ قُصْوَى وقد لقي قبولًا واسعًا بين الأوساط العلمية واعترف بفضله وأهميته علماء كبار، ويعدّ هذا الكتاب من جهةٍ أخرى من أهم المراجع والمصادر الموجودة في علم الجرح والتعديل.

     وتشتمل مقدمة الكتاب على ثلاثة إيقاظات يذكر فيها المؤلف ملاحظات وتجارب هامة في هذا المجال، ثم يُعالِج مشروعية الجرح ويعلله، حيث أثبت بالأدلة القيمة أن الجرح ضرورة شرعية لابد منه ثم يذكر شروط الجارح والمعدل وآدابه وما يجب له من الاهتمام، ثم يعرض أربعة مراصد، والمرصد الأول يضيء الجرح والتعديل وما يقبل فيهما وما لايقبل، ويتناول المؤلف فيه أقوالًا وآراءً كثيرةً في قبول الجرح، والمرصد الثاني يتناول مسألة تقديم الجرح والتعديل والتعارض بينهما بالتفصيل، والمرصد الثالث يشرح ألفاظ الجرح والتعديل ومصطلحاتها ودرجتهما عند المحدثين والنقاد، والمرصد الرابع يعرض فيه المؤلف فوائد مهمة حول كتب أسماء الرجال وأخبارهم وغيرها من الاصطلاحات الحديثة وبسط فيها الكلام وقسّمها على واحد وعشرين إيقاظا.

التعليق الممجد على موطأ الإمام محمد

     هذا كتاب عظيم وشرح جليل ألّفه الإمام عبد الحي اللكنوي وقد بدأ الإمام تأليفه في أواخر 1292هـ عندما كان عمره سبعًا وعشرين سنة ثم اعترضته أسفار وأعراض وأشغال، فأتم تأليفه في شعبان سنة 1295هـ(14). وطبع أوّل مرّة بالمطبع المصطفائي بلكناؤ سنة 1297 للهجرة ثم أعيدت طباعته سنة 1306 للهجرة من نفس المطبعة، كما طبع مرة أخرى بالمطبع اليوسفي بلكناؤ سنة 1346 للهجرة كذلك طبع أخيرًا سنة 1412 للهجرة بدارالقلم بدمشق  في ثلاثة مجلدات مع تقديم الشيخ عبد الفتاح أبو غدة و مع تحقيق وتحليل الدكتور تقي الدين الندوي أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الإمارات.

     وهذا الكتاب حقًا شرح رائع لموطأ الإمام مالك برواية محمد بن الحسن الشيباني يتجاوز مقدار الشرح من المتن الأصلي أضعافًا مضاعفةً، وقام الإمام اللكنوي بشرحه لنيل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم ورضى الله حيث يقول: ... وكثيرا ما كان يَختَلِجُ في قلبي أن أشرح كتابًا في الحديث وأكشف أسراره بالكشف الحثيث، باعثا لرضا نبينا شفيع المذنبين، ورضاه رضا رب العالمين.... كما أن الإمام وجد إشارة إلى هذا العمل في منامه حيث يقول الإمام: .. رأيت في المنام كأني دخلت المسجد النبوي بالمدينة الطيبة، فإذا أنا بالإمام مالك جالسا فيه، فحضرتُ عنده، وصافحتُه، وقلت له: كتابكم «الموطأ» لي فيه اختلاجاتٌ وشكوكٌ، أرجو أن أقرأه عليكم لتحل تلك الشكوك، فقال فرحا ومسرورا: هات به واقرأه عندي،... حمدت الله على هذه الرؤيا الصالحة وشكرته»(15) وقمت بشرحه.

     وأوضح الإمام فيه اختلاف المذاهب بتقديم الأدلة القوية والشهادات القيمة، ويقول الشيخ عبد الفتاح أبو غدة في وصف الكتاب: «وقد ضمّنه الإمام زاهي علمه، وأرقى معرفته في الحديث الشريف وعلومه، وفي الفقه الحنفي والمذاهب الأخرى سائر ما يتصل بذلك من العلوم من بعيد أو من قريب، فجاء هذا الكتاب درةً فريدةً من درر العلم، وجوهرة نفيسة من أنفس الجواهر وسيجد القارئ المطالع فيه المزايا التي يتميز بها الإمام اللكنوي وسيُدهش من قوة ملكته ناصية التحقيق والتدقيق، والضبط والإتقان، ومناقشة المذاهب والآراء، والترجيح والتضعيف»(16).

     ويقول الشيخ أبو الحسن الندوي حول هذا الشرح: «وقد كان الإمام عبد الحي اللكنوي من أقدر الناس وأجدرهم على التعليق على الموطأ؛ لأنه كان يجمع بين الصلة العلمية القوية بالحديث والصلة العلمية المتينة بفقه المذاهب الأربعة، وبصفة خاصة بالمذهب الحنفي» وقد تلقى هذا الكتاب قبولًا فائقًا بين الدارسين والقرّاء.

أعمال الإمام عبد الحي  في الفقه الحنفي

     لم يكن الإمام عبد الحي محدّثًا فحسب؛ بل كان فقيها بارعا وكان يتولى منصب الإفتاء في الهند عامة وفي مدينة لكناؤ خاصة. وكان العلماء وعامة الناس يستفتونه في كثير من الأمور الدينية في المسائل الفقهية والعقائدية، وكان الإمام رحمه الله يفتيهم بما يراه راجحا في المسائل المختلفة، وكان يعتمد في ذلك على المصادر المعتمدة عند العلماء والفضلاء.

     وألّف الإمام عبد الحي كثيرًا من الكتب القيمة في الفقه الحنفي وأصول الفقه حتى فَاقَ كثيرًا من أقرانه ومعاصريه في هذا المجال وهذه المؤلفات الثمينة تدلّ على علو كعبه في علم الفقه وأصوله وعلى سعة معرفته فيهما، ومن مؤلفاته الشهيرة في هذا الموضوع:

النافع الكبير شرح الجامع الصغير  وحاشيته

     يعتبر الجامع الصغير من أهم مؤلفات الإمام محمد بن الحسن الشيباني في الفقه الحنفي، وقد طُبِع هذا الجامع عدةَ مراتٍ في أماكن مختلفة، فأعاد الإمام اللكنوي طباعته مُحققا وأضاف إليه بعض التعليقات المفيدة عندما مست الحاجة إليها كما أزال بعض الإبهام والغموض عن المسائل المُعقّدة. وطُبِعَت هذه الحاشية مع الجامع الصغير بالمطبع المصطفائي سنة 1291هـ.

     وكتب الإمام عبد الحي سنة 1291هـ مقدمةً ذات معلومات قيّمة لهذا الجامع وتحتوي المقدمة على أكثر من 60 صفحة وقسّمها على أربعة فصول وخاتمة: فذكر في الفصل الأول طبقات الفقهاء والكتب وكيفية شُيُوع العلم خلفا وسلفا كما تناول في هذا الفصل بعض الكتب المعتمدة وغير المعتمدة مع فوائد نفيسة وفرائد لطيفة. وناقش فضائل «الجامع الصغير» الحميدة وصفاته الجليلة في الفصل الثاني مع بيان سبب تأليفه وبيان انتسابه إلى صاحبه وما إلى ذلك. وبيّن في الفصل الثالث تراجم الأئمة الثلاثة وفضائلهم: أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد كما نوَّه بأخذ الأئمة الكبار بعضهم عن بعض مثل الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل ومحمد بن حسن رحمهم الله وما إلى ذلك من أبحاثٍ قيّمةٍ. ويشتمل الفصل الرابع على ذكر شُرّاح «الجامع الصغير» ومحشّيه وعلى من قام بترتيبه وتنظيمه وقال الإمام في بداية هذا الفصل: «اعلم أنه لم يزل هذا الكتاب مطمحا لأنظار الفقهاء، ومنظرا لأفكار الفضلاء، فلا يدري كم من شارحٍ له ومحشٍ ومرتبٍ ومنظمٍ». ثم ذكر بعضا من شرّاح هذا الكتاب النفيس. وتحتوي الخاتمة على ترجمة الإمام عبد الحي اللكنوي وقد بيّن الإمام اللكنوي أنه رأى أن يكتب ترجمته بعد تراجم الفقهاء الكبار راجيا أن يكون منهم ولو لم يكن مثلهم حيث يقول: «... فناسب ذكر ترجمتي عقيب تراجمهم، رجاء أن أكون معهم وإن كنتُ لستُ منهم»(17).

     أضف إلى ذلك أن الإمام شرح «الجامع الصغير» وسمّاه «النافع الكبير» وتم طبعه في مكتبة إدارة القرآن والعلوم الإسلامية من مدينة كراتشي، باكستان سنة 1411هـ/1990م وهو يشتمل على 541 صفحة.

     أطال الإمام الكلام في هذا الشرح فإن معظم صفحاته يشتمل على سطرٍ أو سطرين أو أكثر من ذلك من أصل الكتاب «الجامع الصغير» والإمام عبد الحي شرح ذلك السطر أو سطرين في صفحة كاملة وربما في صفحتين أو أكثر. فإن الإمام شرح المتن شرحا وافيا مع بيان آراء الأئمة الآخرين واختلافاتهم وشرح العبارة بالأدلة النقلية والعقلية.

حاشية الهداية

     كتب الإمام عبد الحي مقدمة قيّمة طويلة في 23 صفحة للجزأين الأخيرين للهداية التي كتبها الشيخ برهان الدين علي بن أبي بكر عبد الجليل الفرغاني المرغيناني وقد تناول الإمام في المقدمة أبحاثًا نفيسةً مثل ترجمة الشيخ برهان الدين صاحب الهداية ثم ذكر أسماء كثير من العلماء والفضلاء الذين اعتنوا بكتابة الحواشي والشروح على «الهداية» كما بيّن معنى المختصرات والإشارات التي استخدمها صاحب الهداية مع بيان آراء العلماء الكبار حول الهداية ثم ذكر تراجم مختصرة للأعلام الذين جاء ذكرهم في «الهداية» وما إلى ذلك كما كتب الحواشي على هذه المقدمة باللغتين: العربية والفارسية.

     وأما حاشية الجزئين الأخيرين فهي لوالد الإمام عبد الحي الشيخ محمد عبد الحليم كما صرح بذلك الإمام اللكنوي في خاتمة الطبع، ثم زاد عليها اللكنوي بعض الزيادات وطبعت هذه الحاشية مع «الهداية» من المطبع المصطفائي أكثر من مرّة في حياة اللكنوي و طبعت في المطبع اليوسفي بلكناؤ سنة 1324هـ(18).

     وفي سنة 1281هـ كتب الإمام اللكنوي مقدمة ثمينة ذات معلومات قيّمة للجزئين الأولين للهداية في 46 صفحة أثناء إقامته في مدينة حيدآباد. وقسّم هذه المقدمة على ست توجيهات ناقش فيها ترجمة مؤلف الهداية وتصانيفه و عادات صاحب الهداية في هذا الكتاب مثل قوله «قال رضي الله عنه» وأراد به نفسه(19) وتأخير دليل المذهب الذي هو المختار عنده كما رتّب الإمام ذيلًا لمقدمة الهداية وسمّاه «مذيلة الدراية لمقدمة الهداية».

عمدة الرعاية في حل شرح الوقاية

     عندما كان الإمام اللكنوي طالبا وكان يقرأ على والده الشيخ محمد عبد الحليم «شرح الوقاية» ألّف بعض التعليقات التي كان يتلقاها من والده أثناء الدرس  وسمّاه «حسن الولاية  بحل شرح الوقاية» كما يقول الإمام اللكنوي:

     «كنتُ حين أقرأ شرح الوقاية على الوالد الماجد في آخر العشرة الثامنة من المئة الثالثة من الألف الثاني من الهجرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحيات كتبتُ على بعض مواضعه بأمره الشريف تعليقا مشتملا على حل بعض المواضع وهو على النصف الأول من شرح الوقاية»(20).

     وكان هذا الشرح في غاية الإيجاز والاختصار ولهذا أعاد الإمام التعليق عليه مرة أخرى و بدأ  يكتب «السعاية في كشف ما في شرح الوقاية» وأراد أن يبسّط فيه المسائل الفقهية ودلائل مذاهب الأئمة مع بيان ما لها وما عليها، ثم تبيّن له أنه يستغرق وقتا طويلا لتكميله فاكتفى بشرح مختصر على هذا الكتاب باسم «عمدة الرعاية في حل شرح الوقاية» وأكمله سنة 1302 هـ.

     وقد طبع هذا الشرح في مجلدين بحروف دقيقة مع شرح الوقاية في جميع النسخ الهندية وهو يشتمل على 645 صفحة بالقطع الكبير. 

     خلاصة القول أن الإمام عبد الحي من المحدثين والفقهاء الذين نفتخر بهم ومؤلفات العلامة بلغت نحو مئة وعشرة كتب، وإذا قيست كثرتها هذه بجانب عمره القصير الذي كان 39 سنة، بدت كثيرةً جدا.  وقال الشيخ عبد الفتاح أبوغدة: لو وزّعت صفحات مؤلفاته على أيام عمره رحمه الله تعالى، لظهر منها نبوغه النادر في التأليف و التصنيف، وظني أنها تفوق في كثرة صفحاتها الموزعة على أيام حياته ما قيل في كثرة تصانيف الإمام ابن جرير الطبري وابن الجوزي وأمثالهم، من الذين طالت أعمارهم وكثرت تواليفهم، هذا مع تأخر العصر وفتور الهمم واجترار العلم عند أغلب المؤلفين المتأخرين، بالإضافة إلى التأليف كان الإمام مولعًا بتدريس الحديث وكان يتحدث عن نفسه بأنه كان يجد في تدريس الحديث الشريف وأصوله وفقهه والتصنيف فيه من اللذة والسرور ما لا يجده في سواه من سائر العلوم والفنون(21). وفي الختام أسأل الله أن يوفقنا للاستفادة من كتبه القيّمة خاصة ما كَتَبَه في علم الحديث النبوي والفقه.

*  *  *

الهوامش:

(1)      الزركلي، خير الدين الزركلي، الأعلام  قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين، ط15. بيروت: دار العلم للملايين، 2002م. ج: 6، ص:187.

(2)      مجلة جامعة دمشق للعلوم الاقتصادية والقانونية – المجلد 27 – العدد الأول – 2011م ص: 345 .

(3)      عبد الحي، الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، ط7. القاهرة: دارالسلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، 2000 ص: 20.

(4)      نفس المصدر ص: 21- 22.

(5)      عبد الحي، الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة، ط1، حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية، 1384هـ / 1964م ص: 14.

(6)      عبد الحي الحسني، نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر، ط1، بيروت، دار ابن حزم، 1420هـ / 1999م ج 8 ص: 1268.

(7)      عبد الحي، الآثار المرفوعة في الأخبار الموضوعة، ط1،، بيروت: دارالكتب العلمية سنة 1405 للهجرة / 1984م. ص: 8.

(8)      نفس المصدر، ص: 11- 18.

(9)      عبد الحي، الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة، ط1، حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية، 1384هـ / 1964م ص: 7.

(10) نفس المصدر .

(11) عبد الحي، الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، ط7. القاهرة: دارالسلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، 2000 ص: 16.

(12) عبد الحي، الرفع والتكميل في الجرح والتعديل، ط7. القاهرة: دارالسلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة، 2000 ص49- 50.

(13) نفص المصدر ص: 50.

(14) عبد الحي، التعليق الممجد على موطأ محمد، ط1، دمشق: دار القلم للطباعة والنشر والتوزيع، 1412ه/ 1991م، ص: 42 .

(15) نفس المصدر 59- 60 .

(16) نفس المصدر ص: 42.

(17) الجامع الصغير مع شرحه  النافع الكبير ص: 60

(18) الإمام عبد الحي اللكنوي للدكتور ولي الدين الندوي ص: 222.

(19) الهداية شرح بداية المبتدي، ط 1، كراتشي ص: 13.

(20) الإمام عبد الحي اللكنوي للدكتور ولي الدين الندوي ص: 223.

(21) عبد الحي، الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة، ط1، حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية، 1384هـ / 1964م ص: 13.

*  *  *



(*)    محاضر ضيف وباحث الدكتوراه بقسم اللغة العربية وآدابها

      الجامعة العالية، بكولكتا، الهند.