ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، المحرم – صفر 1440 هـ = سبتمبر – نوفمبر 2018م ، العــــــــــــدد : 1-2 ، السنــــــــــــــــــــــة : 43

 

دراسات إسلامية

 

من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند

(الحلقة 63)

بقلم: الأستاذ/ سيد محبوب الرضوي الديوبندي -رحمه اللّه-

(المتوفى 1399هـ / 1979م)

ترجمة وتعليق: محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري(*)

 

 

 

حاصل القول:

     وجماع القول أن المبشرين كانوا يواصلون نشاطاتهم التبشيرية في جانب، ويفتحون مدارس التبشير، التي توفر تسهيلات التعليم والدراسة، وكان حكام الشركة بعد ذلك ظهير، يمدونهم بكل ما يحتاجون إليه من المساعدات، وأعظم ذلك كله هو الإطماع في التوظيف، ووضعت الشركة خطة تهدف إلى سوق الهنود وخاصة المسلمين إلى هاوية الجهل والفقر والعوز، واستخدمت لهذا الهدف أنواعا من الوسائل والأسباب المشروعة وغير المشروعة، وإلى اضطرارهم إلى الدراسة في مدارس التبشير بتوفير الوظائف لهم، مما كان يشكل أحدّ سلاح للتبشير في ذلك الحين. وأبرز ما يعوق دون ذلك هي علوم المسلمين و ولعهم الديني. فوضعوا خطة التعليم لعام 1835م/1251هـ، وكانت روح هذه الخطة السارية فيها كما سبق نقله عن اللورد ميكالي- :

     «خلق جيل هندي اللون والنسل، مصوغ في قالب النصرانية فكرةً وسلوكًا».

     ولا شك أن هذا السلاح الجديد من التعليم والثقافة كان أحدّ وأمضى وأنجع من السلاح الأول بمراحل كثيرة. ولايخفى أن خطة الشركة هذه، ومنهجها التعليمي سلاح مدمر وفاتك بحياة المسلمين الدينية، ومثلهم الدينية، وعلومهم وفنونهم مما لم يرضوا قبوله بصورة أو أخرى. كما أنهم لم يتوصلوا بعد إلى حل يعينهم على استقباء حياتهم الدينية وشعارهم الديني، والحفاظ عليهما؛ إذ اشتعلت نيران ثورة عام 1857م، التي بلغت -لأهْوَالِها ودَمَارها- القلوب الحناجر، و شلت الأذهان وثبطت المعنويات والعزائم. وساد الأمة كلها جو من العجز واليأس الرهيب، و انقضت حكومتهم وشوكتهم وثروتهم وجاههم، وحرموا أسباب العيش كل الحرمان، وبدأت الخصال القبيحة تتخذ مكانها منهم مع مرور الأيام، والأمم واحدة تلو أخرى تنساق إلى هوة الدمار والهلاك. وازداد البعد عن التعليم، و النفور منه مع مرور الأيام. وزال الشعور بقوتهم ومكانتهم، وزادت نشاطات المبشرين المتصاعدة الطين بلة، وحولت الأوضاع إلى ما هو أشد فظاعةً وخوفًا. وكان جيل العلماء الذين تلقوا العلم في المعاهد السابقة- على وشك الفناء.

     وفي مثل هذه الأوضاع الرهيبة اضطُر أصحاب الفكر والعلم والفضل منا إلى التفكيرفي أن علوم المسلمين ودينهم وحياتهم الدينية معرضة للخطر في المستقبل بعد أن مُنُوا بالانحطاط السياسي والحرمان من الحكومة والسلطة. ولم يكونوا في غفلة عن قضاء التاريخ بأنه ما من أمة تفتح دولة من الدول وتستولي عليها وتتغلب على سكانها سياسيا إلا وتأثيرات الأمة الفاتحة الغالبة لاتقتصر على أجساد الأمة المهزومة والمغلوبة على أمرها؛ بل تخضع قلوب الأمة المهزومة وأذهانها وعلمها وتفكيرها كذلك للأمة الغالبة الحاكمة، مما يؤدي حتما إلى أن تتخلى الأمة المهزومة عن شعائرها الدينية وخصائصها القومية، وفكرها وعملها؛ بل تمر بحالة من الجذب والاستمالة لمدة من الزمان وفق قاعدة «الناس على دين ملوكهم»، وفي نهاية المطاف تشمئز نفوسها من تقاليدهاو مثلها وفكرها وعملها، ولايعود له مفخرة إلا تقليد الأمة الغالبة تقليدا أعمى وتبعيتها المحضة. ويمثل ذلك أشد المراحل هولًا وخطرا في تاريخ المسلمين في الهند الممتد على ست مئة سنة.و في مثل هذه الأوضاع الحرجة التي خلقت فيها الليالي والأيام للمسلمين وضعًا مدمرًا لأقصى الحدود، كان أهم وأبرز ما يتطلبه الحفاظ على المسلمين وبقاؤهم هو صيانة المثل الإسلامية، وإنشاء المدارس الدينية.

     ومن أهم وأبرز ما اختص به علماؤنا ومشايخنا أنهم لم يتخلوا عن الشريعة الإسلامية في جانب القضايا الفقهية والعلمية إلى جوانب الثقافة والحضارة والاجتماع والسياسة والمدنية، ولم يستسلموا في جانب منها لخصومهم وأعدائهم. وكان القرن التاسع عشر يمثل تحديا كبيرا لعقائد المسلمين وأفكارهم ونظرياتهم. وكان العلوم الغربية وفنونها، والثقافة الإنجليزية تجرف كالسيل العارم- بالعالم كله. وأفلت شمس الحكومة المغولية في الهند، وشخصت روعة العلوم الطبيعية والتكنولوجيا بالأبصار وفرضت هيبتها على القلوب. غير أن العلماء تصدوا بصورة مستمرة للتحدي الغربي، فقاموا في جانب- بإنشاء المدارس الدينية في مختلف مناطق البلاد، وعملوا بذلك سدا منيعا صان المسلمين من تداعيات الهزيمة السياسية لحد كبير، وفي جانب آخر وقف الشيخ رحمت الله الكيرانوي، والإمام محمد قاسم النانوتوي: (1248-1297هـ/1832-1880م) والشيخ أبو المنصور( ....-.1320هـ/ ....- 1902م)(1) والدكتور وزير خان وأمثالهم في وجه الإرساليات التبشيرية بكل قوة و جرأة وبسالة، ولم يدعوا أحلام الإرساليات التبشيرية لرد المسلمين إلى النصرانية تتحقق وتتجسد.

     ويمكن توزيع الأساليب والأسباب التي اتبعها المنصرون لنشر المسيحية في الهند في أربعة أقسام:

     (1) مدارس التنصير: كانت تدرِّس لغة الحاكم وهي الإنجليزية، وكانت دراسة الإنجيل من اللازم في كل مدرسة تنصيرية. ونحن في غنى عن الإشارة إلى أن التعليم أكبر وسيلة لنشر دين من الأديان. فالطلاب نظرا إلى صغر سنهم، وحرمانهم من تجارب الحياة سذج وفي غفلة عن التوجيهات الدينية. وما أيسر التأثير على عقولهم وأذهانهم عن طريق التعليم والدراسة بصرفها عن التقاليد والمثل الموروثة. وسادت في تلك الأيام الفكرة القائلة بأن الأطفال يرتدون عن دينهم و يتحولون إلى النصرانية بعد دراستهم الإنجليزية، ومعنى ذلك أنهم يعتنقون الدين المسيحي، وعليه احترز المسلمون بصفة خاصة - من إلحاق أبنائهم بمدارس التنصير، وعارضوا التعليم الإنجليزي كل المعارضة، يقول خواجه غلام الحسنين الباني بتي: «قال مولانا ألطاف حسين حالي لأمي: أرسليه إلى دهلي، ليلازمني ويتعلم الإنجليزية» إلا أن الوالدة أبت وقالت: لا أحب أن أحوِّله طبيعيًا ملحدًا بتعليمه الإنجليزية»(2).

     وذلك يمثل حذرا لزم المسلمون جانبه تجاه التبشير والتنصير، ولعب العلماء دورًا رياديًا في خلق هذا الشعور في قلوب المسلمين.

     (2) استغلوا المستشفيات التبشيرية لنشر النصرانية، وكانوا يحاولون التأثير في المرضى في هذه المستشفيات، ولايزال الأمر على ذلك لحد ما إلى يومنا هذا. وكان المسلمون يرجعون في معالجتهم ودوائهم إلى الطب اليوناني والعقاقير والطريقة الآريوفيدية في معظم الأحوال. ومن أهم فوائد ردة الفعل هذه أن استمر الطب اليوناني والطريقة التقليدية ليومنا هذا في البلاد، وتشهد الرقي والازدهار مع مرور الأيام.

     (3) والطريقة الثالثة التي اتبعوا في التبشير والتنصير هو إلقاء الوعظ والمناظرات في التجمعات العامة. وقام العلماء بمواجهة الإرساليات التبشيرية في هذا الميدان مواجهة كبيرة، وهزموهم بأدلتهم الشافية القوية بصورة متتابعة جعلت مخططاتهم مهب الريح. ويمكن سرد أسماء دهلي وعلي كره وشاهجهان فور على الوجه الخاص في هذا الصدد. واضطر أكبر المبشرين في ذلك الزمان المدعو بـ«سي جي فاندر» إلى الفرار من ميدان المناظرة حين واجهه الشيخ رحمت الله الكيرانوي(3)، وزميله في الدرب: الدكتور وزير خان(4) بأدلة علمية قوية وأجوبة مفحمة. فعضَّ بنان الندم على ما لقي من الهزيمة النكراء وأدرك أن أرض الهند لاتواتي فيما يهدف إليه فعاد منها خاسئًا وهو حسير. وقد نشرت تفاصيل مجريات مناظرة آكره.

     وكذلك لم تثبت أقدام الإرساليات التبشيرية أمام الإمام محمد قاسم النانوتوي: (1248-1297هـ/1832-1880م) والشيخ أبو المنصور الدهلوي في مناظرات شاهجهان فور. وسجلت تفاصيل مجريات هذه المناظرات في: «كفتكوئ مذهبي»، و«مناظرة شاهجهان فور».

     وناظر علماء ديوبند الإرساليات التبشيرية في غير هذه المناطق، وخلقوا بذلك عقبات كأداء في وجه انتشار النصرانية.

     وتجدر الإشارة هنا إلى أن باب المناظرات لم يفتح إلا بعد دخول الإرساليات التبشيرية إلى الهند، فلم تشهد الهند مناظرات بين المسلمين والهنود طوال ستة قرون من الزمان من الحكم الإسلامي عليها. فما إن وطئت أقدام النصارى هذه البلاد حتى نفقت سوق المناظرات وحمي وطيسها. والغريب في الأمر أن الهند لم تتخلص من براثن الحكم الإنجليزي حتى خفت وطأتها وضعف سلطانها، وولى عهدها في الهند.

     كما تجدر الإشارة هنا إلى أن الإرساليات التبشيرية لم تكتف بنشر النصرانية والدعوة إليها، ولو أنها اكتفت ببيان محاسن وخصائص دينها للناس، فربما لم تُلاقِ مواجهة عنيفة من قبل المسلمين، إلا أن الإرساليات التبشيرية على العكس من ذلك- شنت هجمات سخيفة على الإسلام ونبي الإسلام، و وجهت إليهما طعونًا شنيعة، فلايخفى أن صبر المسلمين عيل على موقفهم هذا، وما كان لهم أن يصبروا عليه، فكافح علماؤهم هؤلاء بشدة، وحاولوا القضاء على آثار النشاطات التبشيرية ما وسعهم ذلك، ولا شك أن كثيرًا من علماء الهند أدلوا دلائهم في هذا الأمر، ولايمكن نكران خدماتهم وجهودهم، غير أن ما قام به علماء ديوبند من الخدمات الملموسة البارزة في هذا الميدان يحتل أهمية قصوى.

     (4) المستوى الرابع من الجهود التبشيرية يتمثل في التأليف والتصنيف، واتبعوا فيه ما اتبعوه في الوعظ والخطابة من أسلوب الجرح والإساءة، الذي يؤكد على الهجوم على نبي الإسلام والمسلمين هجومًا سخيفًا  شرسًا أكثر من التركيز على بيان و شرح خصائص النصرانية ومحاسنها. وتحدى المسلمون الإرساليات التبشيرية في هذا المجال أيضًا، وبالتالي فترت نشاطاتهم لحد كبير. وعمل الشيخ رحمت الله كتابًا سماه « إظهار الحق»(5)، وجعل اعتراضات الإرساليات التبشيرية مهب الريح؛ بل اضطرهم إلى الدفاع عنهم بدلا من الهجوم على المسلمين. وأكبر دليل على تلقي هذا الكتاب القبول أنه تم نقله إلى ست لغات أوربية في ذلك العصر.

     لاشك أن المسلمين الهنود مُنُوا بالهزيمة السياسية على أيدي الإنجليز، إلا أن العلماء المسلمين لم يدعوا المبشرين يحققون النجاح والانتصار في الميادين العلمية والفكرية، فقد هزموهم بصورة متتابعة في مجال التبشير والتنصير، حتى اضطروا المنصرون إلى قصر نشاطاتهم التبشيرية المتصاعدة على نطاق خاص، وخاصة الجانب الخاص بالهجوم اللاذع على الأديان الأخرى، فقد تخلوا وأعرضوا عنه. والحاصل أن دارالعلوم وعلماؤها قاموا بالحفاظ على الدين في الوقت الذي كان يشهد أفول شمسه، وحاولوا كل المحاولة مواجهة الفتن الداخلية والخارجية بحذافيرها، وبذلوا ما وسعهم من الجهود الرامية إلى الدفاع عن الإسلام.

     وكانت الحاجة ماسة إلى اتخاذ الإجراءات الإيجابية علاوة على الدفاع والحفاظ. وتمثلت أول خطواته في إنشاء المدارس الدينية، فأقيمت دارالعلوم/ ديوبند عام 1283هـ/1866م، وتلاها نشأة مظاهر علوم سهارن فور بعدها ببضعة أشهر، ثم أنشئت مدارس دينية في كل من: «تهانه بهون»، و«مظفر نغر»، و«أنبيثه»، و«كلاؤتهي»، و«ميروت» وغيرها، وظل أعدادها ترتفع وتزداد يوما فيوما. وكان يتوخى كبار علماء ديويند، وخاصة الإمام النانوتوي رحمهم الله إقامة المدارس الدينية، فكان يقيمها الإمام النانوتوي حيث حلَّ، فمدارس «مرادآباد» و«كلاؤتهي» و«أنبيثه» ونحوها أسسها الشيخ بيده. وكان يرسل إلى أصحابه ومسترشيده حيث كانوا كتبا تؤكد ضرورة إنشاء المدارس الدينية. فأنشئت مدارس كثيرة بهذا الترغيب والتحريض. فكأنه مؤسس المدارس الهندية إلى حد ما.

     وأنشؤوا عدة مطابع لإيصال العقائد الإسلامية إلى الشعب المسلم، وقامت هذه المطابع بطباعة القرآن الكريم وغيره من الكتب. كما نشرت عدة كتب في الرد على النصرانية. وعملت الكتب المطبوعة في هذه المطابع على توعية المسلمين بالمواد الدينية بصور أكثر فأكثر مع مرور الأيام، كما عملت على شرح صدور المسلمين بالأجوبة المشفوعة وبالأدلة الدامغة على الاعتراضات التي كان يوجهها المنصرون إلى الإسلام. ووفر علماء ديوبند للشعب المسلم آلافًا من الكتب و الرسائل، ونشروا كثيرًا من الكتب الخاصة بالمواد الإسلامية. وأقاموا سدًا منيعًا في سبيل النشاطات التبشيرية بنشر العلوم الدينية وتدريسها. فلم تتحقق الأهداف التي كان يأملها المبشرون من نشاطاتهم التبشيرية.

     ونافلة القول أن المدارس الدينية وإن كانت تهدف إلى الحفاظ على العلوم الإسلامية غير أنها كانت تشكل حصنًا حصينًا للمسلمين ضد النشاطات التبشيرية المتحمسة.وانتشر خريجو هذه المدارس في طول البلاد وعرضها. وعملت نشاطاتهم في التدريس والوعظ والخطابة والتصنيف والتأليف بين المبشرين و أهدافهم سدا منيعا لايسع خرقه، وحاجزًا يردعهم عن تحقيق ما راموا، و غُلّاً يكف أيديهم عن التطاول على المسلمين. فذهبت أحلامهم التي رأها المبشرون في كالكوتا عام 1857م في خصوص تحويل الهند إلى دولة مسيحية بما كانوا يبذلونه من المساعي المضنية الدؤوبة أدراج الرياح للأبد. قال الشيخ مسعود عالم الندوي في كتابه في اللغة العربية: «نظرة إجمالية في الدعوة الإسلامية في الهند وباكستان»- وهو يتحدث عن الأوضاع التي كانت تعيشها البلاد يومئذ-:

     «بينما حوادث الثورة الكبرى وما تلاها من الشدائد والأحوال قد أثرت في السيد أحمد خان وأضرابه من جهة، وحفزتهم إلى محاكاة الإنجليز وتقليدهم في كل شيء، كان لتلك الحوادث نفسها تأثير آخر في قلوب الشيوخ والعلماء، وكان فيهم من أفتى بوجوب مشاركة المسلمين في الثورة، وبقية ممن اشتركوا في الجهاد تحت لواء السيد الشهيد فإنهم رأوا في سياسة الحكومة واضطهادها للمسلمين وانتشار الإرساليات المسيحية وتأثر وجهاء المسلمين بفخفخة الإنجليز وحضارتهم الفاتنة، رأوا في ذلك خطرًا على الدين ومستقبله في هذه الديار، فآثروا فتح المدارس الدينية الحرة وتعميم التعليم الديني المجاني في القرى والأمصار، بحيث لاتكون للحكومة فيها يد ولا رقابة، فانبثَّتْ المدارس الكبيرة والصغيرة في الجوامع والأبنية الخاصة كما انتشرت المدارس  العصرية في كل مدينة. وأول مدرسة دينية أسسوها مدرسة ديوبند قرية بينها وبين دهلي زهاء ستين ميلا- فابتدأت بمدرِّس وطالب، ثم نمت وترعرعت وتدرجت في الرقي والاتساع إلى أن أصبحت أكبر مدرسة دينية في هذه الأقطار»(6).

     وأثار ارتداد الملكانيين في آغرة عام 1341هـ/ 1932م قلقًا واضطرابًا عنيفًا في المسلمين، وسرعان ما انصرفت إليه اللجان والمدارس الهندية، ولم تأل دارالعلوم/ديوبند جهدًا وساهمت فيه بما وسعها، وأرسلت (50) من دعاتها إلى المناطق المتضررة بالارتداد، الذين واصلوا نشاطاتهم الدعوية المضنية التي تستنفد الصبر إلى مدة من الزمان. كما أقامت دارالعلوم مكتبًا دعويًّا خاصًا بهذا الهدف في مدينة «آغره»، كما أنشؤوا (20) كُتَّابا دينيًّا في المناطق المتضررة بالارتداد، يقوم بتعليم الملكانيين وأطفالهم العقائد الإسلامية وفرائضه وما يحتاجون إليه من مبادئ الدين. وآتت هذه الجهود ثمارها المرجوة فتوقف السيل الجارف من الارتداد(7).

     تقول صحيفة «سياست» الصادر في «لاهور» في هذا الصدد:

     «ما أحرزه دعاة دارالعلوم من النجاح في سد باب فتنة الردة أظهر من الشمس في رائعة النهار، و أما الحفاظ على الدين والرد على أعدائه، وإصلاح المسلمين، فإن «دارالعلوم» أساتذتها ودعاتها و القائمين عليها أكثر مَن في أرض الهند حظاً ونصيبًا في ذلك، وعلى سبيل المثال إذا ما أمعنت النظر في الجهود اللامتناهية المناوئة للإسلام والتي بذلتها «آريه سماج»(8) لتَبَيَّنَ لك كالشمس في رائعة النهار- أن أبرزمن تصدى لهذه المخططات العدوانية المعادية للإسلام هو المدرسة العالية في «ديوبند» لا غير»(9).

     وكان ذلك أكبر معوان على الحفاظ على التراث الديني وبقائه في الهند من أقصاها إلى أقصاها.

     ثم ما قام به أولاد الإمام النانوتوي ثم خريجو دارالعلوم/ديوبند أمثال الشيخ مرتضى حسن التشاندفوري، والشيخ ثناء الله الأمرتسري من التفاني في رد هجمات النصرانية وحركة «آريه سماج» التي جاءت منذ أواخر القرن الثالث عشر الهجري بالإضافة إلى مكافحة النشاطات التبشيرية ببسالة وشجاعة يشكل مأثرةً وعملًا عبقريًّا في تاريخ دارالعلوم/ديوبند(10).

     ما بذله كل من العلامة سيد محمد أنور شاه الكشميري، والشيخ مرتضى حسن التشاندفوري، والشيخ أحمد علي اللاهوري، والشيخ بدر عالم الميروتي، والشيخ حبيب الرحمن اللدهيانوي والشيخ المفتي محمد شفيع الديوبندي، والشيخ محمد إدريس الكاندهلوي، والشيخ بدر عالم الميروتي، والشيخ محمد علي الجالندهري، والقاضي إحسان الله الشجاع آبادي وغيرهم من العلماء من الجهود والمساعي في مواجهة القاديانية يمثل بابًا هامًا وصفحةً مشرقةً من تاريخ دارالعلوم ديوبند.

*  *  *

الهوامش:

(1)      رسالة حيات نور ص 140.

(2)

(3)      الشيخ رحمت الله الكيرانوي (1233هـ/1817م) من مواليد كيرانه (مظفر نغر)، ويصل نسبه بوسائط إلى المخدوم جلال الدين كبير الأوليا (ت 1765م/1363هـ)، درس كتب الفارسية في بلده، ثم توجه إلى دهلي، وتعلم على العالم الشهير يومذاك: الشيخ محمد حيات.ثم غادرها إلى لكناؤ حين بلغ مسامعه سمعة المفتي سعد الله المراد آبادي، وجلس إليه في حلقته وتخرج عليه في المعقولات.

          وكان هذا العصر يشهد نشاطات الإرساليات التبشيرية على أشدها في الهند، وبدأ الشعب ينفعل بدعايات الإرساليات التبشيرية، فأعد الشيخ رحمت الله عام 1854م/1271هـ كتابا في الرد على النصارى وهو «إزالة الأوهام»، فتحدى به الإرساليات التبشيرية، وهزمهم في مناظرات آغره هزيمة نكراء، فاضطر القسيس «فندر» إلى العود من الهند خائبا خاسرا.

          وجهاد الشيخ رحمت الله باللسان والبنان في عام 1854م/1271هـ شكل تمهيدا لجهاده بالسنان في 1857م/1274هـ، فخاض الشيخ معركة التحرير خوض الرجال الشجعان، وصدر في حقه أمر ضبط وإحضار من الحكومة بعدها، وخرج الشيخ من الهند خائفا يترقب إلى مكة المكرمة، وصودرت ضيعاته في كيرانه بتهمة مشاركته في الثورة ضد الحكومة، وأنشأ في مكة المكرمة المدرسة الصولتية، وهي مستمرة في خدماتها على أحسن ما يرام ليومنا هذا. وكان ذلك على عهد الملك عبد العزيز (1277-1293هـ/1860- 1876م)، وطلبه السلطان من مكة المكرمة إلى قسطنطينة، وعلم فندر بمقدمه إليها، فلاذ بالفرار منها، وألقى الشيخ رحمت الله – بطلب من السلطان – الأجوبة على اعتراضات القس فندر، وأعد كتابا في الرد على النصارى وسماه «إظهار الحق».

          وتوفي الشيخ رحمت الله عام 1308هـ/1890م، ودفن في جنة المعلاة ( من كتاب: آثار رحمت لصاحبه إمداد صابري).

(4)      الدكتور وزير خان من السادات الأفغان في ولاية بيهار، تلقى الدراسة الإنجليزية في «مرشد آباد»، ثم توجه إلى لندن لدارسة الطب، وحصل على شهادة «الطبيب المساعد» منها، وتعين في منصب «الجراح المساعد» في آغره، له قدرة تامة على اللغة الإنجليزية. عاد من إنكلترا حاملا معه شروح الإنجيل والتوراة وغيرهما، وكان على اطلاع واسع عميق على كتب النصرانية في ذلك العهد، فكان الساعد الأيمن للشيخ رحمت الله في المناظرات التي جرت في مدينة آغره بينه وبين الإرساليات التبشيرية.

          له مساهمة في حرب التحرير، وخاض المعارك في كل من لكناؤ وبدايون وغيــــرها ضد القـــــوات الإنجليزية، وبعد فشله فيها غادر إلى الحجاز، ونزل على الشيخ رحمت الله. ومارس مهنة الطب. وحاول الإنجليز إلقاء القبض على الدكتور وزير خان بمساعدة من الحكومة التركية، إلا أنهم فشلوا، وتوفي الدكتور وزير في مكة المكرمة.

          (آثار رحمت لصاحبه إمداد صابري؛ غدر كى جند علماء – من علماء الثورة ضد الإنجليز-للمفتي انتظام الله شهابي، الناشر: نيا كتاب كهر، دهلي)

(5)      يعد كتاب إظهار الحق كتابا قيما رائعا بالنظر إلى مواده القوية ورصانة أدلته، يتضمن الأدلة القوية على صدق القرآن الكريم والرسالة، كما يتناول الكتاب عقائد النصارى بالنقد العلمي وإثبات التحريف في التوراة. وأعد هذا الكتاب بطلب من السلطان عبد العزيز خان عام 1280هـ/1863م. كما تم نقله بأمر منه إلى غير واحد من اللغات الأوربية. وقالت صحيفة «لندن تائمز» (London Times) معلقة على كتاب إظهار الحق: «يتوقف انتشار الدين العيسوي ورقيه في العالم إذا ما استمرت قراءة هذا الكتاب».

          نشرت مكتبة دارالعلوم/كراتشي في الأيام الأخيرة ترجمة أظهار الحق إلى اللغة الأردية في (620)صفحة. يتصدر الكتاب مقدمة علمية ضافية بقلم الشيخ محمد شفيع العثماني الديوبندي ثم الكراتشوي، في أكثر من (200) صفحة.(سيد محبوب الرضوي)

(6)      نظرة إجمالية في الدعوة الإسلامية في الهند وباكستان، ص 60-62، ط: مكتبة لجنة الشباب المسلم، القاهرة.

(7)      تقارير دورية لدارالعلوم عام 1341هـ، ص 6-32.

(8)      كان راجبوت ملكانه [طائفة من الهنادك من أهل النجدة والجلادة: المترجم] يقطنون في ضواحي مدينة آغره، يبلغ عددهم نحو أربع مئة ألف نسمة، لايعلم إلا الله تعالى متى أسلموا، وفي أوائل عام 1923م بدأت حركة آريه سماج في تحويلهم إليها، ويطلق عليه: حركة «الاندماج»، وكان يقود هذه الحركة «سوامي شردها نند»، أثارت حركة الاندماج هذه مخاوف شديدة في المسلمين، وتوجَّه كثير من جماعات الدعوة والتبليغ من أنحاء البلاد إلى آغره، للدفاع عن المسلمين، وتحول ذلك أكبر سبب للصراع بين المسلمين والهندوس، وشهدت الأوضاع في أعقاب حركة الاندماج هذه تدهورا رهيبا حال دون عودة المياه إلى مجاريها فيما بعد.كما عملت هذه الحركة على تسميم جو البلاد حتى نشبت الاضطرابات الطائفية بين المسلمين والهندوس في مناطق كثيرة. وجلبت هذه الحركة نفعا سياسيا عظيما على الإنجليز، الذين كانوا يرون استحكام هذه الحركة وقوتها  في صالحهم، وعقبة كاداء في سبيل تحرير الهند، فلم تزدد هذه الحركة مع مرور الأيام إلا قوة وتأصلا. وكان كل من الشيخ حبيب الرحمن اللدهيانوي و سوامي شردها نند في غياهب سجن «ميان والي»، وماقاله الشيخ حبيب الرحمن يعين كثيرا على إدراك حركة  الاندماج هذه، جاء في ترجمة الشيخ اللدهيانوي المعروف بـ«سوانح رئيس الأحرار» بعنوان «سعة المائدة، وبرنامج الاندماج»، قول الشيخ اللدهيانوي ما يلي:

          «أصبحت سعة مائدة المسلمين، ومشاركة الشباب الهندوس فيها، وتحرر الشبان الهندوس، ونفورهم من الفوارق الطبقية أصبحت أمرا لايطاق بالنسبة لسوامي شردها نند، فبدأ بتحذير الهندوس من مشاركة المسلمين في مائدتهم، وقال لهم : «أصبحتم تقتربون إلى الإسلام»، وكان سوامي يرى أن مشاركة المسلمين في الطعام واعتناق الإسلام سيان، إلا أن الشبان الهندوس لم يقبلوا رأيا من آراء سوامي فيما يخص الشؤون الاجتماعية. فلما فشل سوامي في تحقيق هدفه أعلن في سجن «ميان والي» ما يلي:

          «إذا كانت حركة الخلافة والحركة السلمية المناوئة للحكومة تعني القضاء على الفوارق بين المسلمين والهندوس على مائدة الطعام، فإني لاأوافق على حركة التحرير مثلها».

          وبالتالي نفض يده من حركة اللاموالاة المدنية، وتراجع عن خطواته، وأطلق سراحه من سجن «ميان والي» بصورة مثيرة للغاية، ولم يخرج من السجن حتى أعلن شن حركة الاندماج. ومما يحتل مائدة سجن «ميان والي» الموسعة من الأهمية التاريخية أن شخصا  واحدا غضب عليها وأنشأ حركة  تجلت مغبتها الوخيمة في صورة رهيبة في الهند. (رئيس الأحرار، هندوستان كي جنك آزادي- حرب تحرير الهند – لصاحبه: عزيز الرحمن الجامعي، ص 110-115، ط:عام 1961م).

          يقول الشيخ حبيب الرحمن اللدهيانوي: إن التكاتف والوحدة بين المسلمين والهندوس والسيخ، الذي تحقق في الاجتماع الذي نظمه حزب المؤتمر الوطني عام 1919م في أمرتسر لم يتكرر مثله بعد هذا الحدث.

          ويقول الجودهري رحم علي – صحفي شهير باللغة الإنجليزية والأردية – في كتابه «يادين – مذكراتي-»: «نجح اللوردريدنك في التغلب على حركة اللاموالاة، فقد أطلق سراح سوامي شردهانند من السجن، وكلفه شن حركة «التحويل إلى الهندوسية» (Shuddhi) وإثارة «الاندماج» (Sangthan)، فسارت الوحدة التي تمخضت من رحم حركة اللاموالاة مهب الريح، ولازالت الشجرة المسمومة من الطائفية التي تم زراعتها آنذاك تثير الاضطراب والقلق في السياسة الهندية ليومنا هذا. (يادين نقلا عن مجلة «زبان وادب» العدد: نوفمبر عام 1973م، ط: آزاد كتاب كهر، دهلي، ص 4).

(9)      افتتاحية صحيفة «سياست» الصادرة في لاهور العدد: شهر يونيو عام 1923.

(10)    لاستزادة منه راجع: «ميله خداشناسي» – عيد التعرف على الإله، و « مباحثه شاهجهان فور»،  و «حجة الإسلام»، و «انتصار الإسلام»، و«قبله نما»، و«جواب تركي بتركي».

*  *  *



(*)   أستاذ التفسير واللغة العربية وآدابها بالجامعة.