ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، المحرم – صفر 1440 هـ = سبتمبر – نوفمبر 2018م ، العــــــــــــدد : 1-2 ، السنــــــــــــــــــــــة : 43

 

دراسات إسلامية

 

أخلاق العالم

بقلم:  الشيخ: خالد بن جمعة بن عثمان الخراز

 

 

 

     للعالم أخلاق وآداب يجب أن يتصف بها، وهي ما يعرف بسمت العالم وشمائله، وأخلاقه التي ينبغي أن يتصف بها، فالسمت الحسن في جميع الأحوال هو المسلك الشريف والمروءة العالية. ومنها:

1- التواضع:

     التواضع لغةً: مصدر تواضع أي أظهر الضَّعةَ، وهو مأخوذ من مادة (وض ع) التي تدل على الخفض، والتوَاضُعُ: التذَلُّلُ. أما في الاصطلاح فهو: إظهارُ التنَزُّلِ عن المرتبة لمن يُرادُ تعظيمُهُ، وقيل: هو تعظيمُ مَن فوقَهُ لفضله(1).

     قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء:215]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ [الإسراء:37].

     وعن أَبي هريرة – رضي الله عنه - عن رَسُولِ اللهِ – صلى الله عليه وسلم- قال: «مَا نَقَصَت صَدَقَة من مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبدًا بِعَفوٍ إِلا عِزًا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَد لِلَّهِ إِلا رَفَعَهُ الله»(2).

     عن عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ – رضي الله عنه - قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «إن اللهَ أَوحَى إِلَيَّ أَن تَوَاضَعُوا حَتى لا يَفخَرَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ وَلا يَبغ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ»(3).

     وعن الرَّبيعِ بن أنسٍ في قول الله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ [لقمان:18] قال: «يكونُ الغنيُّ والفقيرُ عندكَ في العلم سواء»(4).

     وعن السلفِ: «حق على العالمِ أن يتواضَعَ لله في سرِّه وعلانيته، ويحترسَ من نفسه، ويقف عما أشكلَ عليه»(5).

     قال الشاعر:

تَوَاضَعْ تَكُن كالنجمِ لاحَ لِنَاظِرٍ

على صَفَحَاتِ الماءِ وهو رَفيعُ

ولا تكُ كالدُّخانِ يعلُو بنفسهِ

إلى طَبَقَاتِ الجوِّ وهو وَضيعُ

     ومن روائع ما يكتب من التواضع في السيرة النبوية ما أخرج الطبراني عن ابن عباس –رضي الله عنه- قال: كانَ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يَجلِسُ على الأرضِ، ويأكلُ على الأرضِ، ويَعتَقِلُ الشاةَ، وُيجيبُ دَعوةَ المملوكِ على خُبزِ الشَّعيرِ»(6).

     قال الماوردي: «فَأما ما يجبُ أن يكُونَ عليه العلماءُ من الأخلاق التي بهم أَليقُ، ولهم أَلزمُ، فالتواضع ومُجانبةُ العُجبِ؛ لأن التواضعَ عطُوفٌ، والعُجبَ مُنفرٌ، وهو بكلِّ أَحدٍ قبيحٌ وبالعُلماءِ أَقبحُ؛ لأن النَّاسَ بهم يقتدُونَ وكثيرًا ما يُداخلهم الإعجَابُ لتوحدهم بفضيلة العلم، ولو أَنهم نظرُوا حقّ النظرِ، وعملُوا بمُوجب العلم، لكَان التواضعُ بهم أَولى، ومُجانبةُ العُجبِ بهم أَحرى؛ لأن العُجب نقص يُنافي الفضل.

     قال بعضُ السلف: من تكبر بعلمه وترفع، وضعهُ اللهُ به، ومن تواضع بعلمه، رفعهُ به. وعلَّةُ إعجابهم انصرافُ نظرهم إلى كثرة من دُونهم من الجُهَّال، وانصرافُ نظرهم عمن فوقهم من العُلماء؛ فإنه ليس مُتناهٍ في العلم إلا وسيجدُ من هو أَعلمُ منه؛ إذ العلم أكثر من أَن يُحيط به بشر؛ قال اللهُ تعالى: ﴿نَرْفَعُ دَرَجٰتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾ [يوسف:76] يعني في العلم: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:76] قال أَهلُ التأويل: فوق كُل ذي علمٍ من هو أعلم مِنهُ، حتى ينتهيَ ذلك إلى الله تعالى. فينبغي لمن علم أَن ينظر إلى نفسه بتقصير ما قصر فيه ليسلم من عجب ما أدرك منه. وقلَّما تجد بالعلم مُعجبًا، وبما أَدرك مُفتخرًا، إلا من كان فيه مقلًا ومقَصرًا؛ لأنهُ قد يجهلُ قدره، ويحسبُ أَنه نال بالدخول فيه أَكثره، فأما من كان فيه متوجهًا، ومِنه مستكثِرًا، فهو يعلم من بعد غايته، والعجز عن إدراك نهايته، ما يَصده عن العجب به.

     وقد قال الشعبيّ: «العلمُ ثلاثةُ أَشبارٍ فمن نال منهُ شبرًا شمخ بأنفه وظن أَنه نالهُ. ومن نال الشبرَ الثانيَ صغرت إليهِ نفسهُ وعلِمَ أَنه لم ينله، وأَما الشبر الثالثُ فهيهَات لا يناله أَحدٌ أبدًا»(7).

     قلت: ومن فضل الله سبحانه على كثيرٍ من العلماء تحليتهم بالفهم، والفقه في الدين، وشهرتهم بذلك بين الناس، حتى قيل في منثور الكلام: أنت ملك نفسك ما لم تُعرف، فإذا عُرفت أصبحتَ مِلكًا للناس.

     قال الآجري -رحمه الله-: «فإذا نَشَر الله له الذِّكرَ عند المؤمنين أنه من أهل العلم، واحتاج الناسُ إلى ما عنده من العلم، ألزم نفسَه التواضعَ للعالِم وغير العالم، فأما تواضعُه لمَن هو مثلُه في العلم؛ فإنها محبة تنبت له في قلوبهم، وأحبُّوا قُربَه، وإذا غاب عنهم حَنَّت إليه قلوبهم، وأمَّا تواضعُه للعلماء فواجب عليه؛ إذ أراه العلمَ ذلك، وأما تواضعُه لمَن هو دونَه في العلم فشَرَفُ العلمِ له عند الله وعند أولي الألباب، وكان من صفته في علمه وصِدقه وحُسنِ إرادته، يريد الله بعلمه»(8).

     وقال الإمام الآجري -رحمه الله-: «فإذا أحبَّ مجالسةَ العلماء جالسهم بأدب، وتواضع في نفسه، وخَفَض صوتَه عند صوتهم، وساءلهم بخضوع، ويكون أكثرُ سؤاله عن علمِ ما تعبده الله به، ويخبرهم أنه فقير إلى علم ما يُسأل عنه، فإذا استفاد منهم علمًا أعلمهم أني قد أَفَدتُ خيرًا كثيرًا، ثم شكرهم على ذلك، وإن غضبوا عليه لم يَغضَب عليهم، ونظر إلى السبب الذي من أجله غضبوا عليه فرجعَ عنه واعتذر إليهم، لا يُضجرهم في السؤال، رفيق في جميع أموره، لا يناظرُهم مناظرةَ من يُريهم أني أعلمُ منكم، وإنما هِمتهُ البحثُ لطلب الفائدة منهم، مع حُسنِ التلطف لهم، لا يُجادل العلماء، ولا يُماري السفهاءَ، يُحسنُ التأني للعلماء مع توقيره لهم؛ حتى يتعلمَ ما يزداد به عند الله فَهمًا في دينه»(9).

2- الاعتراف بالعجز:

     العَجزُ لغة: التعب وسلب القوة. أما في الاصطلاح فهو: القصور عن فعل الشيءِ، وهو ضد القُدرةِ(10).

     الأصل أن الإنسان فيه صفات النقص والعجز ويقوى بقوة الله سبحانه، فإذا شمخ بأنفه، وتكبر بعلمه؛ ليصرف وجوه الناس إليه فقد هلك، ومن تواضع لله رفعه.

     قال بعضُ العُلماء: هلك من ترك لا أدري.

     وقيل للخليل بن أَحمد: بم أدركت هذا العلم؟ قال: كُنت إذا لَقِيتُ عالمًا أخَذت منهُ، وأَعطيته.

     وقال المنصورُ لِشَريكٍ: أَنَّى لك هذا العلمُ؟ قال: لم أَرغب عن قليلٍ أَستفيدهُ، ولم أَبخل بكثيرٍ أُفيده. على أَنَّ العلم يقتضي ما بقي منه،ويستدعِي ما تَأخرَ عنهُ، وليس للراغب فيه قناعةٌ ببعضه»(11).

     قلت: فالعلم الشرعي زينة العالم، وبالأخص علم الكتاب والسنة، وعلى كل عالم يريد أن يعلو كعبه، ويسمو قمره، ولا يغيب نجمه، ويبقى في عيون طلابه ومحبيه معظمًا أن لا يمل طلب العلم الشرعي، والميراث النبوي والعمل به، وليكن في ذاكرته دائمًا قول الله سبحانه: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف:76]، وقول الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:114]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء:85].

     والافتقار إلى الله سبحانه بطلب الفهم للنصوص الشرعية، والاستعاذة من علم لا ينفع مسلك العقلاء، وملجأ النبلاء؛ فإن الفهم من عظائم النعم. «ولا نخالك إلا حريصًا على حبل عزتك، ومرفأ جاهك ومَنجاتك، لا نحسبك إلا تواقًا للمزيد من العلم الشرعي بمختلف فنونه وأشكاله، وراغبًا أكثر في الفقه الذي هو لبُّ حياة الناس، ومَدارُ سؤالهم، وهو الفارق بين الحلال والحرام، وعلامةُ التوفيق إحسانُه واستحضارُه؛ فروعًا وأدلةً؛ ليكون المُؤتَمون بك على هُدى وبينة، لا نحسبك إلا فوق هذا»(12).

3- اقتضاء العلم العمل:

     حلية العالم عمله بما يعلم، «وليس يغدو عالمًا من لم يكن بعلمه عاملًا»، ويقبح بالعالم مخالفة قوله فعله. قال تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتٰبَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ  كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف2- 3].

     قال الماوردي:

     «وليكن من شيمتهِ العملُ بعلمه، وحثُّ النفسِ علَى أن تَأتَمِرَ بِما يَأمُرُ بِه، ولا يَكُن مِمن قال اللهُ تعالى فيهم: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرٰﯨﺔَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة:5]. فَقَد قال قَتَادةُ فِي قوله تعالى: ﴿وَإنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ [يوسف:68]: يَعنِي أَنهُ عَامِل بما عَلِمَ.

     وكان يُقالُ: خير من القول فاعلُهُ، وخير من الصواب قائلُهُ، وخَير من العلمِ حَامِلُهُ. وقيل في منثور الحكم: لم ينتفع بعلمه من ترك العمل بِه. وقال بعضُ العلماء: ثمرةُ العلم أَن يُعمل به، وثمرةُ العمل أَن يُؤجر عليه. وقال بعضُ الصلَحَاءِ: العلمُ يَهتفُ بالعمل، فإِن أَجابهُ أَقَامَ وإلا ارتحل»(13).

     ومن مُلح ما أسند الخطيب البغدادي في السماع الدال على اقتضاء العلم العمل رواية تناقلها تسعة آباء فيها حكمة بليغة أوردتها للاستئناس فقط.

     قال الخطيب البغدادي -رحمه الله-: أخبرنا أبو الفرج عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث بن سليمان بن سفيان بن يزيد بن أكينة بن عبد الله التميمي من حفظه، قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب يقول: «هتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل» (عدد الآباء تسعة)(14).

4- اجتناب قول ما لا يفعل:

     قال الماوردي: «ثُم ليتجنَّب أَن يقُول ما لا يفعلُ، وأَن يأمُر بما لا يأتَمِرُ به، وأَن يُسرَّ غير ما يُظهرُ، ولا يجعلُ قول الشاعر هذا:

اعمل بِقَولِي وَإِن قصرت فِي عملي

ينفعك قَولي وَلا يَضررك تقصِيرِي

     عذرًا له في تَقصِيرٍ يُضمِرُهُ وَإِن لم يضُر غيرهُ، فإِن إعذار النفسِ يُغريها وُيحسنُ لها مساوئها؛ فإِن من قال ما لا يفعلُ فقد مكر، ومن أمر بما لا يأتمرُ فقد خدع، ومن أَسر غير ما يظهرُ فقد نافق.

     وقد رُوي عن النبِي –صلى الله عليه وسلم- أَنهُ قال: «المَكرُ وَالخَدِيعَةُ فِي النَّارِ»(15). على أَن أَمرهُ بما لا يأتَمرُ مُطرح؛ وإِنكارهُ ما لا يُنكرُهُ من نفسه مُستقبح، بل رُبمَا كان ذلك سَبَبًا لإغراء المأمور بترك ما أُمر به عنادًا، وارتكاب ما نهى عنهُ كيادًا» اهـ(16).

5- عدم البخل بالعلم:

     ومن سوء الخلق البخل بالعلم، والجود بالعلم أسمى من الجود بالمال؛ لأن شرف العلم أسمى من شرف المال، ومن بخل بعلمه وكتم ما عنده، فقد ظلم نفسه، وبآء بالخسران المبين.

     قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران:187].

     قال العلامة ابن قيم الجوزية: «ومن الجود بالعلم: أن السائل إذا سألك عن مسألة: استقصيت له جوابها جوابًا شافيًا، لا يكون جوابك له بقدر ما تدفع به الضرورة، كما كان بعضهم يكتب في جواب الفتيا «نعم» أو «لا» مقتصرًا عليها.

     ولقد شاهدت من شيخ الإسلام ابن تيميه -قدس الله روحه- في ذلك أمرًا عجبًا: كان إذا سئل عن مسألة حكمية، ذكر جوابها ومذاهب الأئمة الأربعة، إذا قدر، ومأخذ الخلاف، وترجيح القول الراجح، وذكر متعلقات المسألة التي ربما تكون أنفع للسائل من مسألته، فيكون فرحه بتلك المتعلقات واللوازم: أعظم من فرحه بمسألته، وهذه فتاويه -رحمه الله- بين الناس، فمن أحب الوقوف عليها رأى ذلك.

     فمن جود الإنسان بالعلم: أنه لا يقتصر على مسألة السائل؛ بل يذكر له نظائرها ومتعلقاتها ومأخذها، بحيث يشفيه ويكفيه. وقد سأل الصحابة –رضي الله عنهم- النبي –صلى الله عليه وسلم- عن المتوضئ بماء البحر؟ فقال: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» فأجابهم عن سؤالهم، وجاد عليهم بما لعلهم في بعض الأحيان إليه أحوج مما سألوه عنه.

     وكان خصومه - يعني شيخ الإسلام ابن تيمية- يعيبونه ويقولون: سأله السائل عن طريق مصر -مثلا- فيذكر له معها طريق مكة، والمدينة، وخراسان، والعراق، والهند، وأي حاجة بالسائل إلى ذلك؟ ولعمر الله ليس ذلك بعيب، وإنما العيب: الجهل والكبر»(17). قلت: والبخل، وأيُ داءٍ أدوأُ من البخل، فمن جاد بعلمه نال ثلاث فضائل:

     الأولى: الثواب.والثانية: إتقان الحفظ، زيادة العلم.والثالثة: نقل صورته ونظام علمه ليكون خلفا منه.

     وقال بعضُ الحكماءِ: خَيرُ العلماءِ من لا يُقِل ولا يُمِل. وقال بعضُ العلماءِ: كُل علمٍ كثُر على المُستمعِ ولم يُطَاوِعهُ الفهمُ ازداد القلبُ به عَمًى. وإِنمَا ينفعُ سمعُ الآذَانِ، إذا قَويَ فَهمُ القُلُوبِ فِي الأبدَانِ.

6- نزاهة النفس:

     النزاهة لغة: التباعد(18).

     أما في الاصطلاح: اكتِسَابُ المَالِ من غَيرِ مَهَانَةٍ ولا ظُلمٍ، وَإِنفَاقُهُ فِي المَصَارِفِ الحَمِيدَةِ(19). ومن القــــوادح إهانة النفس توصلًا للأغراض الدنية، فالترفع عما في أيدي الناس نزاهة محمودة، فالصيانةِ العنايةُ بالنفسِ من أن تشوبها شوائب القدح وخوارم المروءة، أو تتلوث بالعثرات، أو تتسامح بالزلات، فالريبة مذمة، فالاتكاءِ على فضيلة العلم لا يكفي، والاعتماد على ثقة الناس لا يفي.

     قال ابن جماعة -رحمه الله-: «أن يُنزَّه علمه عن جعله سُلمًا يتوصل به إلى الأغراض الدنيوية؛ من جاهٍ، أو مالٍ، أو سمعةٍ، أو شُهرةٍ، أو خدمة، أو تقدم على أقرانه .. ، وكذلك يُنزهُه عن الطمع في رفقٍ من طلبته بمالٍ أو خدمة، أو غيرهما بسببٍ انشغالهم عليه وتردُّدهم إليه»(20).

     وقال الماوردي -رحمه الله-: «ومن آدابهم: نزاهةُ النفسِ عن شُبه المكاسب، والقناعةُ بالميسور عن كدِّ المطالب؛ فإن شُبهة المكسب إثم، وكد الطلب ذُل، والأجرُ أَجدرُ به من الإثم، والعزُّ أَليقُ به من الذُّل»(21).

     قال الماوردي -رحمه الله-: «ولعمرِي إن صِيانةَ النفسِ أَصلُ الفضائل؛ لأَنَّ من أَهمل صِيانة نَفسهِ ثقةً بما منحهُ العلمُ من فضيلتهِ، وتوكلًا على ما يلزمُ الناسَ من صيانتهِ، سلبوهُ فضيلةَ علمه، ووسموهُ بقبيحِ تبذُّله، فلم يفِ ما أَعطَاهُ العلمُ بما سلبهُ التبَذّلُ؛ لأَن القبيحَ أَتم من الجميل، والرذيلةُ أَشهرُ من الفَضيلةِ؛ لأَن النَّاس لما في طبائعهم من البغضةِ والحسدِ ونزاع المُنافسةِ تنصرفُ عُيُونُهم عن المحاسن إلى المساوئ، فلا ينصفُون مُحسِنًا، ولا يُحابون مسيئًا، لا سيمَا من كان بالعلم موسومًا وإِليه منسوبًا؛ فإن زلتَهُ لا تُقالُ وهفوتهُ لا تُعذرُ؛ إما لقبح أثرها واغترار كثيرٍ من النَّاسِ بها. وقد قيل فِي منثور الحكم: إن زلة العالم كالسفينة تغرقُ ويغرقُ معها خلق كثير، فهذا وجه. وإِمَّا لأَن الجُهال بذمه أَغرى، وعلى تنقُّصه أَحرى؛ ليسلُبوهُ فضيلةَ التقدم، ويمنعوهُ مُباينة التخصيصِ؛ عنادًا لما جهلُوهُ، ومقتًا لما باينوهُ؛ لأَن الجاهل يرى العلم تكَلفًا ولومًا، كما أَنَّ العالم يرَى الجهلَ تخلفًا وذمًا»(22).

*  *  *

الهوامش:

(1)      «فتح الباري» (11/ 341) للحافظ ابن حجر.

(2)      أخرجه مسلم (2588) في كتاب البر والصلة، باب: استحباب العفو والتواضع.

(3)      أخرجه مسلم (2865) في كتاب الجنة وصفة نعيمها، باب: الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة.

(4)      أخرجه الآجري في «أخلاق حملة القرآن» (45) بسند لا بأس به.

(5)      «تذكرة السامع والمتكلم» (34)

(6)      صحيح بطرقه. أخرجه الطبراني في الكبير وغيره، وانظر «الصحيحة» (2125).

(7)      «أدب الدنيا والدين» (113).

(8)      «أخلاق العلماء» (52).

(9)      «أخلاق العلماء» (51).

(10)    «فيض القدير» (2/ 151)، و«المفردات» (322).

(11)    «أدب الدنيا والدين» (119).

(12)    ينظر «رسائل التواصل» (10) وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. الكويت.

(13)    «أدب الدنيا والدين» (121).

(14)    «اقتضاء العلم العمل» (40) تحقيق شيخنا العلامة الألباني، وابن عساكر في «ذم من لا يعمل بعلمه» تحقيق الشيخ المحدث علي حسن عبد الحميد (15)، وإسناده لا يخلو من مجاهيل.

(15)    صحيح. أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» عن قيس بن سعد، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (6725).

(16)    «أدب الدنيا والدين» (123).

(17)    «مدارج السالكين» (2/ 279).

(18)    «المصباح المنير» (229).

(19)    «التوقيف على مهمات التعاريف» (695).

(20)    «تذكرة السامع والمتكلم» (36).

(21)    «أدب الدنيا والدين» (132).

(22)    «أدب الدنيا والدين» (55).

*  *  *