ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، المحرم – صفر 1440 هـ = سبتمبر – نوفمبر 2018م ، العــــــــــــدد : 1-2 ، السنــــــــــــــــــــــة : 43

 

كلمة العدد

 

الهجرة، ذكرى تتجدّد على مَرِّ الأزمان

 

 

 

 

     منذ أن بُعِثَ النبي –صلى الله عليه وسلم- ظَلَّ حريصًا على هداية قومه ودخوله في دين الله، واستغلّ لذلك كلَّ أسلوبٍ، ومارس كلًّا من الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن؛ ولكن قريشًا أبت إلّا أن تحارب الله ورسوله وتتصدى للدعوة الإسلامية، و وقفت في طريقها تضع العراقيل، وتزرع الحواجز في طريق تقدم الإسلام في مدينتهم مكة المكرمة، وبالغت في تعذيب كل من آمن به –صلى الله عليه وسلم­- لردعهم عن الإسلام والعودة بهم إلى الكفر. لقد لاقى النبي –صلى الله عليه وسلم- ومن آمن به صنوف العذاب وأنواع الأذى من الكفار الذين آذَوْهُ على المستويين المادي والمعنوي وبالقول والفعل معًا، فسخروا منه واستهزؤوا به وبالدعوة التي دعا بها، ووصفوه بأنه ساحر، ودعوه شاعرًا، وسَمَّوْه مجنونًا ومفتريًا، وكذّبوه وهو صادق مصدوق، وخَوَّنوه وهو أمين، حتى حاولوا أن يُعْدِمُوه خنقًا، ووضعوا على ظهره سَلَىٰ جزور وهو ساجد، حتى اتفقوا صادرين عن تخطيط مُبَيَّت مدروس أجمعوا عليه في برلمانهم «دارالندوة» - أن يغتالوه نائمًا على فراشه عن طريق مجموعة مختارة من شباب كل قبيلة حتى يتفرق دمه في القبائل فلا تقدر بنوهاشم على أخذ الثأر وترضى بالدية التي كانت هينة عليهم لقاءَ التخلص من محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ودعوته: الداهية الدهياء والمصيبة العمياء التي لم يعرفوها ولا آباؤهم في الماضي.

     بعد كل ذلك لم تَعُدْ مكةُ مكانًا صالحًا للدعوة إلى الله؛ لأن النبي –صلى الله عليه وسلم- بقي فيها طَوَالَ ثلاثة عشر عامًا يقوم بها في أهلها باللين والرفق والحسنى واللطف والحكمة امتثالًا لأوامر الله التي أكّدت عليه بضرورة الاحتراز عن الغلظة في التعامل مع المدعوين إلى دين الله في مكة، فأسلم منهم عدد قليل جدًّا، وبقي أكثرهم يعاندون، ولم يبق هناك أمل في ظهور جماعات جديدة يجوز العمل من أجلها في المستقبل القريب، فلم يبق للرسول –صلى الله عليه وسلم- مبرر للبقاء فيها بعد أن حشدت قريش كل طاقاتها وإمكاناتها لمواجهة هذا الدين الذي جاءها به من عند ربَه.

     فلابدّ من البحث عن مكان آخر صالح لهذه الدعوة التي كانت هي للناس كافة ولم تكن لأهل مكة خاصّة. وكان هذا المكان السعيد هو مدينة «يثرب» التي سُمِّيت بعد هجرة النبي –صلى الله عليه وسلم- إليها بـ«المدينة المنورة» الذي أُريَه –صلى الله عليه وسلم- من قبل الله عزّ وجلّ، فعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: رأيتُ في المنام أَنِّي أُهَاجِر من مكةَ إلى أرض بها نَخْلٌ، فذهب وَهَلِي أي ظني إلى أنها «اليمامة» أو «هَجَر» فإذا هي المدينة «يثرب». (البخاري: 3622؛ ومسلم 2272).

     وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال النبي –صلى الله عليه وسلم- للمسلمين: «إِنِّي أُرِيتُ دارَ هجرتكم ذاتَ نَخْلٍ بين لَابَتَين وهما الحَرَّتَان فهاجر مَنْ هاجر قِبَلَ المدينة، ورَجَعَ عامّةُ مَنْ كان هاجر بأرض الحبشة إلى المدينة». (البخاري: 3906).

     وفي رواية للبخاري طويلة، عن عائشة رضي الله عنها - ... فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

     «قد أُرِيتُ دارَ هجرتكم، رأيتُ سَبْخَةً ذاتَ نَخْلٍ بين لَابَتَيْن، وهما الحَرَّتَان، فهاجر من هاجر قِبَلَ المدينة حين ذكر ذلك رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم- ورجع إلى المدينة بعضُ من كان هاجر إلى أرض الحبشة» (البخاري:3905).

     وقد وَضَعَ اللهُ تعالى في أهل هذه الدار دارالهجرة الحبَّ للإسلام ولرسوله وللمؤمنين به من أهل مكة المهاجرين إليها، فقال تعالى: «وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» (الحشر:9).

     وعَجَنَ اللهُ طينتَهم بالصفات العظيمة الجليلة التي جَعَلتْهم أحسن من عرفتهم الإنسانية تضييفًا وإكرامًا وإيثارًا وتضحية وفداءً لدين الله ورسوله والمهاجرين إليهم، وأكرمهم بالمآثر العظيمة والخصال الكريمة المتمثلة في أن جعلهم أول من ناصر النبي –صلى الله عليه وسلم- وآواه وحماه بعد أن تآمرت عليه قريش وخذلته القبائل كلها.

     وسابقوا إلى عرض حمايتهم للنبي – صلى الله عليه وسلم - وعهدهم بأنهم سينصرونه ودينه بكل ما لديهم من الأنفس والأموال، فبينما كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يعرض نفسه على القبائل في العام الحادي عشر  للبعثة عند «العقبة» في «منى» لَقِيَ ستةُ أشخاص من الخزرج من «يثرب». هم: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ورافع بن مالك، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر بن نابي، وجابر بن عبد الله. فقالهم النبي – صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أنتم» قالوا: «نفر من الخزرج». قال: «أ من موالي يهود؟» قالوا: «نعم». قال: «أفلا تجلسون أكلمكم؟». قالوا: «بلى». فجلسوا معه. فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. فقال بعضهم لبعض: «يا قوم! تعلموا والله إنه للنبي توعدكم به يهود، فلا تسبقنّكم إليه». وقد كان اليهود يتوعّدون الخزرجَ بقتلهم بنبي آخر الزمان. فأسلم أولئك النفر، ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم. (البداية والنهاية لابن كثير، ج3، ص179-206) فلما قدموا المدينة ذكروا لقومهم خبر النبي محمد، ودعوهم إلى الإسلام، حتى فشا فيهم، فلم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيهم ذكر من النبي محمد.

     وفي العام المقبل أي العام الثاني عشر للبعثة وَافَى الموسمَ من الأنصار اثنا عشر رجلًا، فلقوا النبي بالعقبة في «منى» فبايعوه، وكانوا عشرة من الخزرج، وهم: أسعد بن زرارة، وعوف بن الحارث، ومعاذ بن الحارث، وذكوان بن عبد قيس، وعبادة بن الصامت، وقطبة بن عامر بن حديدة، وعقبة بن عامر السلمي، والعباس بن عبادة، ويزيد بن ثعبلة، ورافع بن مالك.. واثنين من الأوس، وهما: عُوَيْم بن ساعدة، ومالك بن التيهمان. (البداية والنهاية لابن كثير، ج3، باب بدء إسلام الأنصار).

     وكان نص البيعة كما رواها عبادة بن الصامت:

     «بايعنا رسولَ الله –صلى الله عليه وسلم- ليلةَ العقبة الأولى على أن لا نشركَ بالله شيئًا، ولا نسرقَ، ولا نزني، ولا نقتلَ أولادنا، ولا نأتيه ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نَعْصِيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئًا، فأُخِذْتُم بحدّه في الدنيا فهو كفارة له، وإن سُتِرْتُم عليه إلى يوم القيامة، فأمركم إلى الله، إن شاء عَذَّبَ وإن شاء غفر». وكانت هذه البيعة وفق بيعة النساء التي نزلت بعد ذلك عند فتح مكة. (فتح الباري، كتاب مناقب الأنصار، باب وفود الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم بمكة وبيعة العقبة، حديث رقم 3679).

     وعندها بعث النبي –صلى الله عليه وسلم- مصعب بن عمير مع من بايعوه من يثرب، يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، فأقام في بيت أسعد بن زرارة يدعو الناس إلى الإسلام ويصلي بهم. فأسلم على يديه سعد بن عبادة. وأرسل سعدُ بن معاذ أسيد بن حضير، وهما يومئذ سيدا قومهما من بني عبدالأشهل إلى مصعب ليزجره. فذهب أسيد إلى مصعب، وقال له ولأسعد: «ما جاء بكما إلينا تُسَفِّهَانِ ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة». فقال له مصعب: «أو تجلس فتسمع، فإن رضيتَ أمرًا قبلتَه، وإن كرهتَه كُفَّ عنك ما تكره؟». قال: «أنصفتَ». فجلس فكلّمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، ثم قال: «ما أَحْسَنَ هذا وأجملَه كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟». قالا له: «تغتسل، فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلّي». فأسلم ثم قال لهما: «إن ورائي رجلًا إن اتَّبَعَكما لم يتخلّف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن: سعد بن معاذ». ثم ذهب سعد بن معاذ إلى مصعب وأسلم أيضًا. (السيرة النبوية لابن هشام، بدء إسلام الأنصار، أول جمعة أقيمت بالمدينة، ج1، ص436-439، ط: مؤسسة علوم القرآن، بيروت).

     رجع مصعب بن عمير إلى مكة، وخرج ثلاثة وسبعون رجلًا وامرأتان من الأنصار في موسم الحج، وقالوا له: «يا رسول الله نبايعك؟» فقال لهم: «تبايعوني على السمع والطاعة في النشاط والكسل، والنفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن تنصروني، فتمنعوني إذا قدمتُ عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة» (المستدرك على الصحيحين، كتاب الهجرة الأولى، إلى الحبشة، ذكر بيعة العقبة مفصلًا، ج3، ص531، ط: دار المعرفة 1418هـ/1998م)

     وقد سميت بـ«بيعة الحرب» لأنّه كان فيها البيعة على القتال والذي لم يكن شرطًا في البيعة الأولى: فعن عبادة بن الصامت قال: «دعانا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فبايعناه فكان فيما أخذ علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة في مَنْشَطِنا ومَكْرَهِنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمرَ أهلَه. قال: إلّا أن تروا كفرًا بَوَاحًا عندكم من الله فيه بُرْهَانٌ» (صحيح البخاري:3536).

     فبايعوه رجلًا رجلًا بدءًا من أسعد بن زرارة وهو أصغرهم سنًّا. وكان الرجال تصفق على يد النبي بالبيعة. أما الامرأتان اللتان حضرتا البيعةَ مع أزواجهما فقال لهما النبي: «قد بايعتُكما إني لا أصافح النساءَ». وكان ذلك في شهر ذي الحجة من العام الثالث عشر للبعثة قبل الهجرة إلى المدينة بثلاثة أشهر الموافق يونيو 622م.

     ثم قال لهم النبي –صلى الله عليه وسلم-: «أَخْرِجُوا إليّ منكم اثني عشر نقيبًا يكونون على قومهم بما فيهم». فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبًا: تسعة من الخزرج، وهم: أسعد بن زرارة، وسعد بن الربيع، وعبد الله بن رواحة، ورافع بن مالك، والبراء بن معرور، وعبد ا لله بن عمرو بن حرام، وعبادة بن الصامت، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو؛ وثلاثة من الأوس، وهم: أسيد بن حضير، وسعد بن خيثمة ورفاعة بن عبد المنذر. وقال للنقباء: «أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم، وأنا كفيل على قومي».

     وذكر ابن كثير أن من حضر بيعة العقبة الثانية أحد عشر رجلًا من الأوس، وهم: أسيد بن حضير، وأبو الهيثم بن التيهان، وسلمة بن سلامة بن وقش، وظهير بن رافع، وأبو بردة بن نيار، ونهير بن الهيثم، وسعد بن خيثمة، ورفاعة بن عبد المنذر، وعبد الله بن جبير، ومعن بن عدي، وعويم بن ساعدة.

     واثنان وستون رجلًا وامرأتان من الخزرج، وهم:

     أبو أيوب الأنصاري، ومعاذ بن الحارث، وعوف بن الحارث، ومعوذ بن الحارث، وعمارة بن حزم، وأسعد بن زرارة، وسهل بن عتيك، وأوس بن ثابت، وزيد بن سهل، وقيس بن أبي صعصعة، وعمرو بن غزية، وسعد بن الربيع، وخارجة بن زيد، وعبد ا لله بن رواحة، وبشير بن سعد، وعبد الله بن زيد بن ثعلبة، وخلّاد بن سويد، وعقبة بن عمرو البدري، وزياد بن لبيد، وفروة بن عمرو بن وذقة، وخالد بن قيس بن مالك، ورافع بن مالك، وذكوان بن عبد قيس، وعباد بن قيس بن عامر، والحارث بن عامر، والبراء بن معرور، وبشير بن البراء بن معرور، وسنان بن صيفي بن صخر، والطفيل بن النعمان بن خنساء، ومعقل بن المنذر بن سرح، ويزيد بن المنذر بن سرح، ومسعود بن زيد بن سبيع، والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة، ويزيد بن سبيع، والضحاك بن حارثة بن زيد بن ثعلبة، ويزيد بن خذام بن سبيع، وجبار بن صخر بن أمية، والطفيل بن مالك بن خنساء، وكعب بن مالك، وسليم بن عامر بن حديدة، وقطبة بن عامر بن حديدة، ويزيد بن عامر بن حديدة، وأبو اليسر كعب بن عمرو، وصيفي بن سواد بن عباد، وثعلبة بن غنمة بن عدي بن نابي، وعمرو بن غنمة بن عدي بن نابي، وعبس بن عامر بن عدي، وخالد بن عمرو بن عدي بن نابي، وعبد الله بن أنيس، وعبد  الله بن عمرو بن حرام، وجابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، ومعاذ بن عمرو بن الجموح، وثابت بن الجذع، وعمير بن الحارث بن ثعلبة، وخديج بن سلامة، ومعاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، والعباس بن عبادة بن نضلة، ويزيد بن ثعلبة بن خزمة، وعمرو بن الحارث بن كندة، ورفاعة بن عمرو بن زيد، وعقبة بن وهب بن كندة، وسعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، وأم عمارة نسيبة بنت كعب، وأم منيع أسماء بنت عمرو بن عدي.

     وبما أن بيعة العقبة الأولى وبيعة العقبة الثانية كانتا إعلانا صارخًا من الأنصار أهل يثرب للوقوف بجانب محمد –صلى الله عليه وسلم- ودعوته بكل ما عندهم من غالٍ ورخيص، ظنت قريش ذلك تحدِّيًا لهم واضحًا؛ ولذلك ذهب زعماؤهم إلى أهل يثرب وسَجَّلُوا لديهم احتجاجهم على البيعة؛ ولكن مشركي الخزرج كانوا لايعرفون شيئًا عن هذه البيعة فأنكروا ذلك. ولما عاد زعماء مكة تأكدوا من صحة الخبر، فطاردوا المسلمين المبايعين، فأدركوا سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو. فأما المنذر فاستطاع الهروبَ. وأما سعد فأخذوه فربطوا يديه إلى عنقه، ثم أقبلوا به حتى أدخلوه مكة يضربونه، فجاء جبير بن مطعم والحارث بن حرب بن أمية فخلصاه من أيديهم، حيث كان بينهما وبين سعد تجارة وجوار، وتشاور من الأنصار حين فقدوا سعدًا أن يكرّوا إليه، فإذا هو قد طَلَعَ عليهم، فوصل المبايعون جميعًا إلى المدينة. (السيرة النبوية لابن هشام، بدء إسلام الأنصار، خلاص ابن عبادة من أسر قريش، وما قيل في ذلك من شعر، ج1، ص452، مؤسسة علوم القرآن، بيروت).

     وبذلك صارت «يثرب» أرضًا خِصْبَة للدعوة الإسلامية؛ لأن الله تعالى ألان قلوب أهلها للإسلام، وحَبَّبَ إليهم الإيمانَ، وثَبَّتَهم على نصرة الرسول –صلى الله عليه وسلم-.

     ولم تَكْتَفِ قريشٌ بإيقاع أشدّ أنواع الأذى عليه –صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين به؛ بل كان من أواخر مكيداتهم اتفاقهم على قتله –صلى الله عليه وسلم- في فراشه، وهنا أذن الله تعالى لرسوله –صلى الله عليه وسلم- بالهجرة إلى المدينة، فأتى النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى بيت أبي بكر الصديق، وأخبره بعزيمته على الهجرة، ونَفَّذَها في صحبته. وذلك كما تحدثت عن ذلك عائشة رضي الله عنها في تفصيل واستيعاب:

     قالت: ... فقال النبي –صلى الله عليه وسلم- للمسلمين: إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لاَبَتَيْنِ وَهُمَا الحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ إِلَى المَدِينَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ - وَهُوَ الخَبَطُ- أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ... ثم قَالَتْ عَائِشَةُ: فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ. قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَاسْتَأْذَنَ فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم لِأَبِي بَكْرٍ: أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوجِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الصَّحَابَةُ [أي: أريد المصاحبة] بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: نَعَمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: بِالثَّمَنِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الجِهَازِ، وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ، فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ. قَالَتْ: ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ فَكَمَنَا فِيهِ ثَلاَثَ لَيَالٍ، يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ غُلاَمٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ [أي: حاذق سريع الفهم] فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ [أي يخرج من عندهما آخر الليل] فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ فَلاَ يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلاَمُ. وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ مِنْحَةً مِنْ غَنَمٍ فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ، فَيَبِيتَانِ فِي رِسْلٍ وَهُوَ لَبَنُ مِنْحَتِهِمَا وَرَضِيفِهِمَا حَتَّى يَنْعِقَ بِهَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ بِغَلَسٍ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلاَثِ. وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ وَهُوَ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيَا خِرِّيتًا وَالخِرِّيتُ المَاهِرُ بِالهِدَايَةِ... وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلاَثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلاَثٍ وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَالدَّلِيلُ فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ.

     قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَالِكٍ المُدْلِجِيُّ، وَهُوَ ابْنُ أَخِي سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ يَقُولُ: جَاءَنَا رُسُلُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ يَجْعَلُونَ فِي رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبِي بَكْرٍ دِيَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، مَنْ قَتَلَهُ أَوْ أَسَرَهُ فَبَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً بِالسَّاحِلِ أُرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ. قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلاَنًا وَفُلاَنًا، انْطَلَقُوا بِأَعْيُنِنَا، ثُمَّ لَبِثْتُ فِي المَجْلِسِ سَاعَةً ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تَخْرُجَ بِفَرَسِي وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ فَتَحْبِسَهَا عَلَيَّ، وَأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ مِنْ ظَهْرِ البَيْتِ فَخَطَطْتُ بِزُجِّهِ الأَرْضَ وَخَفَضْتُ عَالِيَهُ حَتَّى أَتَيْتُ فَرَسِي فَرَكِبْتُهَا [المراد أنه خرج خفيةً] فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي حَتَّى دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَعَثَرَتْ بِي فَرَسِي فَخَرَرْتُ عَنْهَا فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ يَدِي إِلَى كِنَانَتِي فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلاَمَ فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا أَضُرُّهُمْ أَمْ لاَ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي وَعَصَيْتُ الأَزْلاَمَ، تُقَرِّبُ بِي حَتَّى إِذَا سَمِعْتُ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ لاَ يَلْتَفِتُ وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ سَاخَتْ يَدَا فَرَسِي فِي الأَرْضِ حَتَّى بَلَغَتَا الرُّكْبَتَيْنِ فَخَرَرْتُ عَنْهَا ثُمَّ زَجَرْتُهَا فَنَهَضَتْ فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ سَاطِعٌ فِي السَّمَاءِ مِثْلُ الدُّخَانِ فَاسْتَقْسَمْتُ بِالأَزْلاَمِ فَخَرَجَ الَّذِي أَكْرَهُ فَنَادَيْتُهُمْ بِالأَمَانِ فَوَقَفُوا فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مَا لَقِيتُ مِنَ الحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ وَأَخْبَرْتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الزَّادَ وَالمَتَاعَ، فَلَمْ يَرْزَآنِي [أي لم يأخذا مما معي شيئًا] وَلَمْ يَسْأَلاَنِي إِلَّا أَنْ قَالَ: أَخْفِ عَنَّا. فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمْنٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فَكَتَبَ فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدِيمٍ. ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.

     قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَقِيَ الزُّبَيْرَ فِي رَكْبٍ مِنَ المُسْلِمِينَ كَانُوا تِجَارًا قَافِلِينَ مِنَ الشَّأْمِ فَكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَابَ بَيَاضٍ وَسَمِعَ المُسْلِمُونَ بِالْمَدِينَةِ مَخْرَجَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ مَكَّةَ، فَكَانُوا يَغْدُونَ كُلَّ غَدَاةٍ إِلَى الحَرَّةِ فَيَنْتَظِرُونَهُ حَتَّى يَرُدَّهُمْ حَرُّ الظَّهِيرَةِ فَانْقَلَبُوا يَوْمًا بَعْدَ مَا أَطَالُوا انْتِظَارَهُمْ فَلَمَّا أَوَوْا إِلَى بُيُوتِهِمْ أَوْفَى رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ [أي حصن] مِنْ آطَامِهِمْ لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ فَبَصُرَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ مُبَيَّضِينَ يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ فَلَمْ يَمْلِكِ اليَهُودِيُّ أَنْ قَالَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعَاشِرَ العَرَبِ هَذَا جَدُّكُمُ الَّذِي تَنْتَظِرُونَ فَثَارَ المُسْلِمُونَ إِلَى السِّلاَحِ فَتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِظَهْرِ الحَرَّةِ فَعَدَلَ بِهِمْ ذَاتَ اليَمِينِ حَتَّى نَزَلَ بِهِمْ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّاسِ وَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم صَامِتًا فَطَفِقَ مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُحَيِّي أَبَا بَكْرٍ حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ ذَلِكَ فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَأُسِّسَ المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى وَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَسَارَ يَمْشِي مَعَهُ النَّاسُ حَتَّى بَرَكَتْ عِنْدَ مَسْجِدِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يُصَلِّي فِيهِ يَوْمَئِذٍ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ وَكَانَ مِرْبَدًا لِلتَّمْرِ [هو الموضع الذي يجفف فيه التمر] لِسُهَيْلٍ وَسَهْلٍ غُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي حَجْرِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حِينَ بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ: هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ المَنْزِلُ، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الغُلاَمَيْنِ فَسَاوَمَهُمَا بِالْمِرْبَدِ لِيَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالاَ: لاَ، بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُمَا هِبَةً حَتَّى ابْتَاعَهُ مِنْهُمَا، ثُمَّ بَنَاهُ مَسْجِدًا، وَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَنْقُلُ مَعَهُمُ اللَّبِنَ فِي بُنْيَانِهِ وَيَقُولُ وَهُوَ يَنْقُلُ اللَّبِنَ:

هَذَا الحِمَالُ لاَ حِمَالَ خَيْبَرْ    هَــــــــــذَا أَبَــــــــرُّ رَبَّنَا وَأَطْهَـــــــرْ

     وَيَقُولُ:

     اللَّهُمَّ إِنَّ الأَجْرَ أَجْرُ الآخِرَهْ

فَارْحَمِ الأَنْصَارَ، وَالمُهَاجِرَهْ

     فَتَمَثَّلَ بِشِعْرِ رَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ لَمْ يُسَمَّ لِي قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ يَبْلُغْنَا فِي الأَحَادِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَمَثَّلَ بِبَيْتِ شِعْرٍ تَامٍّ غَيْرَ هَذَا البَيْتِ. (رواه البخاري:3906).

     على أن يثرب كان بها أقارب النبي –صلى الله عليه وسلم- وأخواله؛ حيث كان أبوه عبد الله بن عبد المطلب مُصَاهِرًا فيهم، فكانت أمه «آمنة» بنت وهب منهم من بني النجار، فكان يرجو أن يساندوه ودينه ودعوته.

     ولم يكن الإسلام مجرد عبادات، وإنما هو دين شامل يعالج بأحكامه وتعاليمه جميع مشاكل الحياة، على جميع الأصعدة: الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية والساسية، فهو يدعو دائمًا من خلال دعوته إلى عقيدة التوحيد وبناء الروح والقيام بالعبادات والأحكام إلى إنشاء مجتمع إنساني سياسي تُطَبَّقُ فيه جميع أوامر الله ونواهيه في السلوك والمعاملات والأخلاق.

     ولكن أهل مكة لم يتيحوا له عبر ثلاثة عشر عامًا من إقامة هذا المجتمع الإسلامي الإنساني الآمن الذي كان يرغب فيه، فكان لابد من الانتقال إلى ساحة يستطيع فيها بناء مثل هذا المجتمع والدولة، حتى يعمل فيه المسلمون - في حرية تامة وفي نجوة من الاضطهاد والتعذيب والترويع آمنين على أنفسهم وحياتهم وأعراضهم وفي هدوء واستقرار وبعد عن ملاحلقات قريش - بدينهم وعقيدتهم، ويبلغون رسالة الله إلى أرجاء المعمورة، ويطهروا الجزيرة العربية من عبادة الأوثان والأصنام والإشراك بالله.

     ومن هناك كانت الهجرة، التي حقق بها النبي –صلى الله عليه وسلم- عالمية رسالته، التي كانت موقوفة على نظام سياسي وكيان اجتماعي يناصرها نظام عسكري في مكان طيب أمين فطر أهله على نعومة الأخلاق، ولين الجانب، وحبّ الله ورسوله ودينه، يصلح لصياغات الطاقات الإسلامية في إطار دولة تأخذ على عاتقها الاستمرار في المهمة، بخُطًى أوسع، وإمكانات أعظم من إمكانات أفراد تنتابهم شرور الوثنية من الداخل، وتضغط عليهم قيم الوثنية من الخارج، ويصرف طاقتهم البناءة اضطهاد قريش بدلًا من أن تمضي هذه الطاقات في طريقها المرسوم؛ لذلك استمرّ النبي –صلى الله عليه وسلم- على بذل الجهد البشري الكامل في البحث والتخطيط للهجرة. (خطوات في «طريق الهجرة»: د. عماد الدين خليل، ص19-20).

     ولم يهاجر، حتى أُذِنَ له بذلك، ولم يهاجر حتى هاجر جميع أصحابه حتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الشجاع القوي الجريء الذي كان يخافه الشيطان، فلم يبق في مكة إلا هو وأبوبكر وعلي رضي الله عنهما.

     ولم يهاجر علنًا، وإنما هاجر اختفاءً بأمر من الله وتخطيط منه ألهمه الله، ولم يسلك إلى المدينة الطريق المطروق المعروف الذي كان يسلكه أهل مكة إليها، وإنما اختار غيره من الطريق تمويهًا على كفار مكة.

     ولم يقطع الطريق إليها مباشرة ولم يتوجه إليها توًّا وإنما اختبأ هو وصاحبه أبوبكر في غار ثور على نحو أربعة كلو مترات في الجهة الجنوبية من المسجد الحرام. لمدة ثلاثة أيام، حتى هدأت قريش بعد مبالغتها في البحث عنهما، وقد وصلوا إلى فم الغار فعلًا؛ ولكن الله اللطيف الخبير العليم الحكيم ردّهم عنه.

     وقد لاحقهم رسول قريش المغرم بالجائزة التي أعلنتها لمن يردّ عليها محمدًا وصاحبه حيين أو ميتين: سراقـــــــــةُ بن جعشم؛ لكنه رغم وصوله إليهما لم يتمكن من تحقيق غرضه، لأن أحدًا على وجه الأرض لن يغلب من كان الله ناصرَه ومعينَه.

     فالهجرة تعطينا الدرسَ العظيم، وهو أن نتوكل على الله ونثق به، وإلى ذلك نقوم بالتخطيط والدراسة والتبييت في الأمور الهامة فيما يتعلق بديننا ودنيانا.

     وهي ذكرى تتجدد على مر الأزمان.

(تحريرًا في الساعة الواحدة ظهرًا من يوم السبت: 22/شوال 1439هـ الموافق 7/يوليو 2018م).

نور عالم خليل الأميني

nooralamamini@gmail.com