ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، رمضان – شوال 1439 هـ = مايو – يوليو 2018م ، العــــــــــــدد : 9-10 ، السنــــــــــــــــــــــة : 42

 

دراسات إسلامية

 

 

 

 

من أسس التربية على العقيدة وَالْعِبَادَة

الشيخ عبد الرحمن السيوهاروي شاعرًا

بين أبي العتاهية والشيخ نور الدين ولي في إطار الزهد

التعريف بكتاب الفتاوى العالمكيرية

مشاكل الحصول على اللغة العربية لغير الناطقين بها في الهند

مكتبة دارالعلوم / ديوبند

خمسة أيام في كيرالا

 

 

 

من أسس التربية على العقيدة وَالْعِبَادَة

بقلم:  الأستاذ عبد الرحمن بن عبد الكريم الزيد

 

 

 

لقد أرسل الله نبيه مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم إلَى هَذِه الْأمة وَأنزل عَلَيْهِ كِتَابه وَأمره أن يَدْعُو النَّاس إلَى عبَادَة رَبهم و توحيده وَترك الشّرك وَعبادَة الْأصْنَام فَاسْتَجَاب صلى الله عليه وسلم لأمر ربه فَقَامَ وأنذر، و صدع بِمَا يُؤمر، وأنذر عشيرته الْأقْرَبين، ودعا الْعَرَب إلَى تَوْحِيد رب الْعَالمين، فَاسْتَجَاب لَهُ من أرَادَ الله هدايته وَأعْرض عَنهُ وعاداه من آثر الغواية والضلال، وَلَقَد كَانَ المستجيبون قليلين مستضعفين يخَافُونَ أن يتخطفهم النَّاس فاعتنى بهم الرَّسُول صلى الله عليه وسلم ورباهم بِحِكْمَتِهِ، وغرس فِي قُلُوبهم العقيدة القويمة وصاغ مِنْهُم صورًا حَيَّة لِلْقُرْآنِ، ونماذج لِلْإسْلَامِ، فَقَوِيت هَذِه الْقلَّة بعد ضعف، وَكَثُرت بعد قلَّة، ونصرها الله يَوْم نصرته، وحقق آمالها لما صبرت فَانْطَلَقت تنشر الْإسْلَام فِي أرجاء الأرْض، وتحطم عروش الْجَاهِلِيَّة ومعتقداتها حَتَّى أتم الله لَهُم ومكنهم فِي الأرْض فَانْتَشرُوا فِي شَرق الأرْض وغربها، وفتحوا أقوى الممالك على وَجه الأرْض فِي ذَلِك الْوَقْت، وبلغوا رِسَالَة رَبهم إلَى أرجاء المعمورة فِي فَتْرَة وجيزة.

     كَانُوا رُعَاة جمال قبل نهضتهم

وَبعدهَا ملؤوا الْعَالم تمدينًا

     لَو كَبرت بِأرْض الصين مئذنة

سَمِعت فِي الغرب تهليل المصلينا

     فلنتأمل فِي التربية الَّتِي صنعت هَؤُلَاءِ الْأبْطَال. ولننظرفي مَنْهَج المربي صلى الله عليه وسلم الَّذِي هُوَ قدوة هَؤُلَاءِ الرِّجَال؛ فإنّ من الْوَاجِب علينا أن نقتفي أثر الرَّسُول صلى الله عليه وسلم ونستقي من منهجه فِي الدعْوَة والتربية فَهُوَ قدوتنا وقائدنا ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ﴾ [الأحزاب:21] وَهَذِه وقفات مَعَ منهجه صلى الله عليه وسلم.      

     لَا شكّ أن العقيدة الراسخة هِيَ أساس التربية؛ وَلذَلِك فقد مكث النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي مَكَّة ثَلَاثَة عشر عَامًا يَدْعُو إلَى التَّوْحِيد ويربي أصْحَابه على العقيدة ويغرسها فِي نُفُوسهم فكان صلى الله عليه وسلم طيلة هَذِه الْمدَّة يبْذل غَايَة جهده لتخليص النُّفُوس من شوائب الشّرك ويربي نفوس الْمُؤمنِينَ على صدق التَّوَجُّه لله إرَادَة وقصدًا وعبودية خَالِصَة، ونجد آيَات الْقُرْآن فِي هَذِه الفترة تركز على أُمُور العقيدة من الْإيمَان بِاللَّه وَبيان صِفَاته وأسمائه والْإيمَان برسله وَكتبه وَمَلَائِكَته والبعث والنشور وغيرها.

     وَكَانَ صلى الله عليه وسلم أول مَا يَدْعُو النَّاس إلَى كلمة التَّوْحِيد لاإله إلَّا الله وَفِي صَحِيح مُسلم أنه صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعَمِّهِ: «يَا عَم، قل لَا إلَه إلَّا الله كلمة أشهد لَك بهَا عِنْد الله»(1). وعندما جَاءَهُ وَفد عبد الْقَيْس قَالَ لَهُم آمركُم بِأرْبَع آمركُم بِالْإيمَان بِاللَّه ثمَّ فَسرهَا لَهُم فَقَالَ: «شَهَادَة أن لَا إلَه إلَّا الله وَأن مُحَمَّدًا رَسُول الله»(2). ونجده صلى الله عليه وسلم عِنْدما يبْعَث أحدًا للدعوة إلَى الله يَأْمُرهُ أن يبْدَأ بِالتَّوْحِيدِ فِي دَعوته فعندما أرسل صلى الله عليه وسلم معَاذًا إلَى الْيمن قَالَ: «فَلْيَكُن أول مَا تدعوهم إلَيْهِ شَهَادَة أن لَا إلَه إلَّا الله» وَفِي بعض الرِّوَايَات «إلَى أن يوحدوا الله»(3).

     قَالَ الشَّيْخ العلاَّمة سُلَيْمَان بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب رَحمَه الله: وَفِيه دَلِيل على أن التَّوْحِيد الَّذِي هُوَ إخلاص الْعِبَادَة لله وَحده لَا شريك لَهُ وَترك عبَادَة مَا سواهُ هُوَ أول وَاجِب، فَلهَذَا كَانَ أول مَا دعت إلَيْهِ الرُّسُل عَلَيْهِم السَّلَام كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَآ أرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِيٓ إلَيْهِ أنَّهُ لآ إلَهَ إلآ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾[الأنبياء:25]  وقال أيْضًا: وَإذا أرَادَ الدعْوَة إلَى ذَلِك فليبدأ بالدعوة إلَى التَّوْحِيد الَّذِي هُوَ معنى شهادة أن لَا إلَه الله إذْ لا تصح الْأعْمَال إلَّا بِهِ فَهُوَ أصْلهَا الَّذِي تبنى عَلَيْهِ وَمَتى لم يُوجد لم ينفع الْعَمَل؛ بل هو حابط إذْ لَا تصح الْأعْمَال مَعَ الشّرك(4). كَذَلِك نجد النَّبِي صلى الله عليه وسلم عِنْدَمَا أرسل عليًا رَضِي الله عَنهُ لفتح خَيْبَر وَأعْطَاهُ الرَّايَة أمره أن يَدعُوهُم إلَى شَهَادَة أن لَا إلَه إلَّا الله ويقاتلهم عَلَيْهَا(5). قَالَ الشَّيْخ سُلَيْمَان بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الْوَهَّاب رَحمَه الله تَعْلِيقًا على هَذَا الحَدِيث: وَفِيه أن الدعْوَة إلَى شَهَادَة أن لَا إلَه إلَّا الله المُرَاد بهَا الدعْوَة إلَى الْإخْلَاص بهَا وَترك الشّرك وَإلَّا فاليهود يَقُولُونَهَا وَلم يفرق النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي الدعْوَة إلَيْهَا بَينهم وَبَين من لَا يَقُولهَا من مُشْركي الْعَرَب فَعلم أن المُرَاد من هَذِه الْكَلِمَة هُوَ اللَّفْظ بهَا واعتقاد مَعْنَاهَا وَالْعَمَل بِهِ(6)، فَمن هُنَا نرى كَيفَ ركز صلى الله عليه وسلم على العقيدة وَالْإخْلَاص لله وأنهما الركيزة الَّتِي يبْدَأ بهَا فِي الدعْوَة والتربية، وَأيْضًا فَفِي مبدأ تربية الْمُسلم لوَلَده يجب أن يغْرس فِي نَفسه التَّوْحِيد والعقيدة الصَّحِيحَة.

     وَمن محَاسِن مَا رَأيْته عِنْد بعض النَّاس أنهم يعودون الطِّفْل أول مَا ينْطق على كلمة التَّوْحِيد لَا إلَه إلَّا الله، وَقد رُوي فِي ذَلِك حديثٌ مَرْفُوع «افتحوا على صِبْيَانكُمْ بِلَا إلَه إلَّا الله» رَوَاهُ الْحَاكِم وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الْإيمَان(7) لكنه لَايثبت؛ لَكِن على الداعية والمربي أن يهتم أولًا بالعقيدة ويركز عَلَيْهَا؛ لِأنَّهَا الركيزة لما بعْدهَا؛ وَلِأن قُوَّة الْإيمَان بِاللَّه تَسْتَلْزِم الانقياد لشرعه وتثمر الاستسلام لمنهجه، ونستفيد من الْمنْهَج النَّبَوِيّ أن من الأوليات فِي تربية الناشئة غرس التَّوْحِيد الْخَالِص فِي قُلُوبهم وَأن يربوا على مراقبة الله عز وَجل والشعور بِقُرْبِهِ وَحفظه لأوليائه وَالْإيمَان بِقَدرِهِ ونلمس هَذَا وَاضحًا فِي تَوْجِيه كريم وتربية صَادِقَة من الْمُصْطَفى صلى الله عليه وسلم لِابْنِ عَمه الْغُلَام عبد الله بن عَبَّاس. فقد أخرج أحْمد وَالتِّرْمِذِيّ عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ قَالَ: كنت خلف النَّبِي صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «يَا غُلَام إنِّي أعلمك كَلِمَات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تَجدهُ تجاهك، إذا سَألت فاسأل الله، وَإذا استعنت فَاسْتَعِنْ بِاللَّه، وَاعْلَم أن الْأمة لَو اجْتمعت على أن ينفعوك بِشَيْء لم ينفعوك إلَّا بِشَيْء قد كتبه الله لَك، وَلَو اجْتَمعُوا على أن يضروك بِشَيْء لم يضروك إلَّا بِشَيْء قد كتبه الله عَلَيْك، رفعت الأقلام وجفت الصُّحُف»(8)، وَفِي رِوَايَة أحْمد «تعرف على الله فِي الرخَاء يعرفك فِي الشدَّة، وَاعْلَم أن فِي الصَّبْر على مَا تكره خيرًا كثيرًا وَأن النَّصْر مَعَ الصَّبْر وَأن الْفرج مَعَ الكرب وَأن مَعَ الْعسر يسرا» فَهَذِهِ توجيهات عَظِيمَة ومبادئ قويمة يغرسها النَّبِي صلى الله عليه وسلم فِي نفس هَذَا الْغُلَام النَّاشِئ تبدأ هَذِه الْكَلِمَات بالتربية على المراقبة لله وَحفظ أوامره ونواهيه وَذَلِكَ بِاتِّبَاع الْأوَامِر وَأدَاء الْفَرَائِض والمحافظة عَلَيْهَا وَاجْتنَاب النواهي والبعد عَنْهَا وَبِذَلِك يحفظه الله وَيكون مَعَه بالتسديد وَالْحِفْظ والعون ثمَّ التَّوْجِيه إلَى قُوَّة الارتباط بِاللَّه واللجوء إلَيْهِ والخضوع لَهُ والتذلل لَهُ بسؤاله وَحده والاستعانة بِهِ وَحده.

     قَالَ ابْن رَجَب رَحمَه الله فِي معنى الحَدِيث: «إن من حفظ حُدُود الله وراعى حُقُوقه، وجد الله مَعَه فِي جَمِيع الْأحْوَال يحوطه وينصره ويحفظه ويوفقه وَيُؤَيِّدهُ ويسدده؛ فَإنَّهُ قَائِم على كل نفس بِمَا كسبت وَهُوَ تَعَالَى: ﴿مَعَ الَّذين اتَّقوا وَالَّذِيْنَ هُمْ مُحْسِنُوْن﴾ [سُورَة النَّحْل:128]. قَالَ قَتَادَة: وَمن يتق الله يكن مَعَه وَمن يكن الله مَعَه فمعه الفئة الَّتِي لاتغلب والحارس الَّذِي لَا ينَام وَالْهَادِي الَّذِي لَا يضل ... وَهَذِه الْمَعِيَّة الْخَاصَّة بالمتقين غير الْمَعِيَّة الْعَامَّة الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعكُمْ أيْنَمَا كُنْتُم﴾[سُورَة الْحَدِيد:4] فإن الْمَعِيَّة الْخَاصَّة تَقْتَضِي النَّصْر والتأييد والإعانة»(9).

     وَانْظُر إلَى عناية النَّبِي صلى الله عليه وسلم بِالتَّوْحِيدِ وتربية الناشئة عَلَيْهِ وترسيخه فِي النُّفُوس بقوله صلى الله عليه وسلم «إذا سَألت فاسأل الله» فَإن هَذَا التَّوْجِيه يُربي النَّفس على الِاسْتِغْنَاء بالخالق عَن الْخلق وعَلى الْقرب من الله والتوجه إلَيْهِ فِي كل الْأحْوَال وَالْإيمَان بقدرته وغناه سُبْحَانَهُ.

     قَالَ ابْن رَجَب رَحمَه الله: قَوْله صلى الله عليه وسلم: «إذا سَألت فاسأل الله» أمر بإفراد الله تَعَالَى بالسؤال وَنهى عَن سُؤال غَيره من الْخلق، وَقد أمر سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بسؤاله فَقَالَ: ﴿واسْأَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [سُورَة النِّسَاء:31] وَفِي التِّرْمِذِيّ عَن ابْن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ مَرْفُوعًا: «من لَا يسْأَل الله يغْضب عَلَيْهِ»(10) وَفِيه أيْضا عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ: «اسألوا الله من فَضله فَإن الله يحب أن يسْأل»(11)  وَفِي حَدِيث أخر: «ليسأل أحدكُم ربَه حَاجته كلهَا حَتَّى يسْأله شسع نَعله إذا انْقَطع»(12).

     وَفِي هَذَا الْمَعْنى أحَادِيث كَثِيرَة وَفِي النَّهْي عَن سُؤال الْخلق أحَادِيث كَثِيرَة صَحِيحَة وَفِي حَدِيث ابْن مَسْعُود وَابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا مَرْفُوعًا: «لَا يزَال العَبْد يسْأل وَهُوَ غَنِي حَتَّى يخْلق وَجهه فَمَا يكون لَهُ عِنْد الله وَجه»(13).  وَقد بَايع النَّبِي صلى الله عليه وسلم جمَاعَة من الصَّحَابَة على أن لَا يسْألُوا النَّاس شَيْئًا، مِنْهُم الصّديق رَضِي الله عَنهُ وَأبُو ذَر وثوبان، وَكَانَ أحدهم يسْقط سَوْطه وخطام نَاقَته فَلَا يسْأَل أحدًا أن يناوله إيَّاه رَضِي الله عَنْهُم. وَاعْلَم أن سُؤال الله تَعَالَى دون خلقه هُوَ الْمُتَعَيّن عقلًا وَشرعًا وَذَلِكَ من وُجُوه مُتعَدِّدَة مِنْهَا أن السُّؤَال فِيهِ بذل لماء الْوَجْه وذل للسَّائِل وَذَلِكَ لَا يصلح إلَّا لله وَحده فَلَا يصلح الذل إلَّا لله بِالْعبَادَة وَالْمَسْأَلَة وَذَلِكَ من غَايَة الْمحبَّة الصادقة ... وَهَذَا الذل وَهَذِه الْمحبَّة لَا تصلح إلَّا لله وَحده، وَهَذَا هُوَ حَقِيقَة الْعِبَادَة الَّتِي يخْتَص بهَا الْإلَه الْحق(14). ثمَّ نجد فِي آخر الحَدِيث الموجه إلَى الْغُلَام ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ التَّوْجِيه إلَى الْيَقِين بِالْقدرِ، وَفِيه تربية على الْقُوَّة وَالصَّبْر على الضّر وَنزع الْخَوْف من الْخلق. وَالرَّسُول الْكَرِيم صلى الله عليه وسلم أرَادَ أن يغْرس كل هَذَا فِي أبنَاء هَذِه الْأمة الْقُوَّة وَالْيَقِين، الْقُوَّة الَّتِي يقتحمون بهَا الْأهْوَال ويركبون الصعاب نصْرَةً لله ولدينه، وَالْيَقِين بِأن النَّفْع والضر بيد الله سُبْحَانَهُ وبتقديره سُبْحَانَهُ فَمَا أعظم هَذِه التربية النَّبَوِيَّة وَمَا أحوجنا إلَيْهَا الْيَوْم؟ إن التربية على العقيدة ركيزة مهمة، وأصل يَبْنِي عَلَيْهِ غَيره فقوة الْإيمَان تَسْتَلْزِم الانقياد وَالتَّسْلِيم فعلى قدر إيمَان الشَّخْص وَقُوَّة عقيدته تَأتي قُوَّة الْتِزَامه بمنهج الله.

     وَمن مهمات العقيدة الَّتِي يجب أن ترسخ فِي النُّفُوس، التَّوَكُّل على الله فَهِيَ من صِفَات الْإيمَان كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [سُورَة الْأَنْفَال:2] وكما فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وعَلى الله فَليَتَوَكَّل الْمُؤْمِنُونَ﴾ [سُورَة إِبْرَاهِيم:11] وَيُوجه النَّبِي صلى الله عليه وسلم صحابته إلَى التَّوَكُّل الصَّادِق وَيبين لَهُم أثَره فَيَقُول: «لَو أَنكُمْ توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كَمَا يرْزق الطير تَغْدُو خماصًا وَتَروح بطانًا»(15) والْحَدِيث مصداق لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَوكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُه﴾ [سُورَة الطَّلَاق:3] ويُعلي الرَّسُول صلى الله عليه وسلم شَأْن التَّوَكُّل علوًا كَبِيرًا عِنْدَمَا بَين أن من أمته سبعين ألفًا يدْخلُونَ الْجنَّة بِلَا حِسَاب وَلَا عَذَاب وهم من بلغُوا كَمَال التَّوَكُّل فَبين أنهم «الَّذين لَا يسْتَرقونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وعَلى رَبهم يَتَوَكَّلُونَ»(16). فهم تركُوا الاسترقاء «وَهُوَ طلب الْقِرَاءَة لمن كَانَ مَرِيضًا» والكي لكَمَال توكلهم وَلم يتشاءموا بالطير لعلمهم أن النَّفْع والضر بيد الله فالتوكل عَلَيْهِ وَحده.

     وَيضْرب رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْمثل الْأعْلَى فِي قُوَّة التَّوَكُّل بالاعتماد على الله والثقة بِهِ فَفِي معركة أحد عِنْدَمَا جمعت لَهُ قُرَيْش لتستأصله، توكل على الله فكفاه. يَقُول ابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنهُ: «حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل، قَالَهَا إبْرَاهِيم حينما ألقِي فِي النَّار وَقَالَهَا مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم حينما قيل لَهُ: إن النَّاس قد جمعُوا لكم»(17).

     واقرأ معي هَذِه الْقِصَّة وفيهَا صُورَة رائعة من صور توكله وثباته واعتماده على الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: عَن جَابر رَضِي الله عَنهُ قَالَ: «غزونا مَعَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم غَزْوَة نجد فَلَمَّا أدْرَكته القائلة، وَهُوَ فِي وادٍ كثير العضاه، فَنزل تَحت شَجَرَة واستظل بهَا وعلق سَيْفه، فَتفرق النَّاس فِي الشّجر يَسْتَظِلُّونَ، وبينما نَحن كَذَلِك إذْ دَعَانَا رَسُول الله فَجِئْنَا فَإذا أعْرَابِي قَاعد بَين يَدَيْهِ قال: أتَانِي وَأنا نَائِم فاخترط سَيفي فَاسْتَيْقَظت وَهُوَ قَائِم على رَأْسِي فَقَالَ: إن هَذَا مخترط سَيفي صَلتا قَالَ: من يمنعك مني؟ قلت: الله. فشامه «يَعْنِي أغمده» ثمَّ قعد فَهُوَ هَذَا وَلم يعاتبه رَسُول الله صلى الله عليه وسلم (18). وَوَقع فِي بعض الرِّوَايَات «فَدفع جِبْرِيل فِي صَدره فَوَقع السَّيْف من يَده فَأخذه النَّبِي صلى الله عليه وسلم وَقَالَ: من يمنعك أنْت مني؟ قَالَ: لَا أحد. قَالَ: قُم فَاذْهَبْ لشأنك، فَلَمَّا ولى قَالَ: أنْت خير مني»(19).  فَانْظُر كَيفَ دعاهم الرَّسُول صلى الله عليه وسلم ليشهدوا هَذَا الْموقف وَكَيف أن الله مَنعه من هَذَا الرجل الَّذِي اخْتَرَطَ سَيْفه لقُوَّة توكله وثقته بربه.

     وَهَكَذَا نجد فِي تربية الرَّسُول صلى الله عليه وسلم لأصْحَابه تربيتهم على الثِّقَة بِاللّٰه والاعتماد والتوكل عَلَيْهِ وَالْيَقِين بنصره لأوليائه، فَبَيْنَمَا كَانَ الْمُسلمُونَ الْأوَائِل تَحت طائلة عَذَاب الْمُشْركين واستضعافهم لَهُم حَيْثُ عانوا مِنْهُم الأمرّين. جَاءُوا لرَسُول الله صلى الله عليه وسلم كَمَا فِي حَدِيث خباب قَالَ: شَكَوْنَا إلَى رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُتَوَسِّد بردة لَهُ فِي ظلّ الْكَعْبَة فقلنا: ألا تستغفر لنا ألا تَدْعُو لنا؟ فَقَالَ: «قد كَانَ من قبلكُمْ يُؤْخَذ الرجل فيحفرله فِي الأرْض فَيجْعَل فِيهَا ثمَّ يُؤْتى بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَع على رَأسه فَيجْعَل نِصْفَيْنِ وَيُمشط بِأمْشَاط الْحَدِيد مادون لَحْمه وعظمه مَا يصده ذَلِك عَن دينه، وَ الله ليتمنّ الله هَذَا الْأمر حَتَّى يسير الرَّاكِب من صنعاء إلَى حَضرمَوْت لَا يخَاف إلَّا الله وَالذِّئْب على غنمه وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُون»(20).

     هَذِه الْكَلِمَات تربية على الْيَقِين بنصر الله والثقة بِمَا عِنْده وَرفع الهمة فِي نفوس الصَّحَابَة بِضَرْب الْمثل لَهُم بصبر الدعاة السَّابِقين لَهُم؛ بل علا صلى الله عليه وسلم بهمة أصْحَابه لتتطلع إلَى الْجنَّة وَتحْتَسب مَا يُصِيبهَا عِنْد الله فها هُوَ صلى الله عليه وسلم يمر بآل يَاسر وهم يُعَذبُونَ فَيَقُول: «صبرًا آل يَاسر فَإن مَوْعدكُمْ الْجنَّة». رَوَاهُ الْحَاكِم(21). وَطَرِيق الْجنَّة محفوف بالمكاره فَلَا بدمن الصَّبْر وَلَا بُد من تربية النُّفُوس على التَّحَمُّل وَالصَّبْر، وَإذا ارتبطت الْقُلُوب بالجزاء الأخروي صبرت وصابرت؛ لِأنَّهَا تستشعر أن لَهَا ثَوابًا على ذَلِك هُوَ النَّعيم وَالْجنَّة الَّتِي لَا نصب فِيهَا وَلَا تَعب، والنفوس إذا ذاقت حلاوة الْإيمَان هان عَلَيْهَا كل شَيْء دونه، وَصَارَ زَادهَا فِي الثَّبَات على الطَّرِيق. وَلذَلِك نجد من أولويات التربية النَّبَوِيَّة تربية النُّفُوس على الْعِبَادَة الصادقة والصلة القوية بِاللّٰه والارتباط بِهِ، فَالصَّلَاة من أهم مَا يجب أن يتعلمه ويعمله الْمُسلم بعد الشَّهَادَتَيْنِ وَهِي أعظم صلَة للْعَبد بربه. وَلذَلِك كَانَ الرعيل الأول لَهُم حَظّ وافر مِنْهَا فَكَانُوا يقومُونَ اللَّيْل مَعَ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم حَتَّى تورمت أقْدَامهم.

     ورد عَن عَائِشَة رَضِي الله عَنْهَا قَالَت: «لما نزلت ﴿يٰٓأَيهَا المُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قَامَ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم وَأصْحَابه حولا حَتَّى انتفخت أقْدَامهم وَأمْسك الله خاتمتها اثْنَي عشر شهرا ثمَّ أنزل الله التَّخْفِيف فَصَارَ قيام اللَّيْل تَطَوّعا من بعد فَرِيضَة» أخرجه مُسلم فِي صَحِيحه(22). وَلَقَد وَجه الْمُصْطَفى الْكَرِيم صلى الله عليه وسلم إلَى الْعِنَايَة بِأمْر الصَّلَاة مُنْذُ الصغر فَهُوَ يُخَاطب الْآبَاء وَيَقُول: «مروا أوْلَادكُم بِالصَّلَاةِ لسبع وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لعشر» أخرجه أبُو دَاوُد(23). ودلت أحَادِيث الرَّسُول صلى الله عليه وسلم على الْعِنَايَة والاهتمام بِالصَّلَاةِ وَأنَّهَا أعظم الْأركان بعد الشَّهَادَتَيْنِ. وَمَا ذَاك إلَّا لما فِيهَا من صلَة بِاللّٰه تهذب النُّفُوس وتزكي الرّوح وتُقوم السلوك وتنهى عَن الْفَحْشَاء وَالْمُنكر. فعلى المربين أن يعتنوا بِهَذَا الْجَانِب المهم وَأن يغرسوا فِي نفوس الناشئة حب الصَّلَاة، والحرص على أدَائِهَا وإقامتها على الْوَجْه الْأكْمَل وَأن يَكُونُوا لَهُم فِي ذَلِك قدوة.

     روى عبد الله بن عَمْرو رضي الله عَنْهُمَا عَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الصَّلَاة يَوْمًا فَقَالَ: «من حَافظ عَلَيْهَا كَانَت لَهُ نورًا وبرهانًا وَنَجَاة يَوْم الْقِيَامَة، وَمن لم يحافظ عَلَيْهَا لم تكن لَهُ برهَان وَلَا نور وَلَا نجاة، وَكَانَ يَوْم الْقِيَامَة مَعَ قَارون وهامان وَفرْعَوْن وأبيَّ بن خلف» أخرجه أحْمد وَابْن حبَان(24). وَعَن أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ قَالَ: كَانَت عَامَّة وَصِيَّة رَسُول الله صلى الله عليه وسلم حِين حَضرته الْوَفَاة وَهُوَ يُغَرْغر بِنَفسِهِ «الصَّلَاة وَمَا ملكت أيْمَانكُم» رَوَاهُ أحْمد وَابْن مَاجَه وَاللَّفْظ لَهُ.  وَعَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم قَالَ:«إن أول مَا يُحَاسب بِهِ العَبْد يَوْم الْقِيَامَة من عمله الصَّلَاة، فَإن صلحت فقد أفْلح وأنجح، وَإن فَسدتْ فقد خَابَ وخسر، فَإِن انْتقصَ من فريضته شَيْء قَالَ الرب عز وَجل: انْظُرُوا هَل لعبدي من تطوع فيكمل مِنْهَا مَا انْتقصَ من الْفَرِيضَة، ثمَّ يكون سَائِر أعماله على هَذَا» رَوَاهُ أبُودَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه(25). فَانْظُر إلَى تَعْظِيم النَّبِي صلى الله عليه وسلم أمر الصَّلَاة وتأكيده الْمُحَافظَة عَلَيْهَا حَتَّى وَهُوَ يجود بِنَفسِهِ، ثمَّ بَيَانه لفضلها وأجرها وعظيم عُقُوبَة من فرط فِيهَا.

     وَمن معالم التربية النَّبَوِيَّة غرس الْيَقِين بِالآخِرَة فِي النُّفُوس والتذكير بهَا وَجعلهَا هِيَ الهمّ والغاية الَّتِي يسْعَى إلَيْهَا الْمُسلم. وَالْيَقِين بِالآخِرَة من أعظم أسبَاب صَلَاح النُّفُوس واستقامتها وَهُوَ ركن أصيل فِي إيمَان العَبْد الْمُسلم وصلاحه واستقامته وَلِهَذَا نجد أن الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى جعله من أهم صِفَات الْمُؤمنِينَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوْقِنُوْنَ﴾ [البقرة:5] ونجد الْقُرْآن الْكَرِيم لَا تَخْلُو صفحة من صفحاته من التَّذْكِير بِالآخِرَة وَمَا فِيهَا. وَلَقَد كَانَ مَنْهَج النَّبِي صلى الله عليه وسلم ربط النُّفُوس بِالآخِرَة وَبِمَا فِيهَا من النَّعيم الْمُقِيم وَمَا فِيهَا من الْجَزَاء وَالْعِقَاب الْألِيم.

     وَيتبع ذَلِك تحقير الدُّنْيَا وَسُرْعَة زَوَالهَا واغترار أهلهَا بهَا. وتجده صلى الله عليه وسلم كثيرا مَا يُصَدّر أوامره وتوجيهاته بقوله: «من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر » مِمَّا يدْفع للْعَمَل للآخرة وَإرَادَة وَجه الله وثوابه وَفِي غَزْوَة الخَنْدَق عِنْدَمَا كَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأنْصَار يحفرون الخَنْدَق وَرَأى النَّبِي صلى الله عليه وسلم مَا بهم من النصب والجوع قَالَ: «اللَّهُمَّ لَا عَيْش إلَّا عَيْش الْآخِرَة فَاغْفِر للْأنْصَار والمهاجرة»(26) وتجده صلى الله عليه وسلم يحرص على تَوْجِيه أصْحَابه إلَى مَا يَنْفَعهُمْ فِي الْآخِرَة ويزهدهم فِي مَتَاع الدُّنْيَا. حدَّث عقبَة بن عَامر رَضِي الله عَنهُ قَالَ: خرج علينا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَنحن فِي الصُفَّة فَقَالَ: «أيّكُم يحب أن يَغْدُو كل يَوْم إلَى بُطحان أو إلَى العقيق فَيَأْتِي مِنْهُ بناقتين كوماوين(27) فِي غير إثْم ولاقطيعة رحم؟» فَقُلْنَا: يَا رَسُول الله. نحب ذَلِك. قَالَ: «أفلا يَغْدُو أحدكُم إلَى الْمَسْجِد فَيعلم أو يقْرَأ آيَتَيْنِ من كتاب الله خير لَهُ من ناقتين وَثَلَاث خير لَهُ من ثَلَاث وَأرْبع خيرله من أربع وَمن أعدادهن من الْإبِل». رَوَاهُ مُسلم(28)  فَتَأمل كَيفَ فَضَّل صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قِرَاءَة آيَات من كتاب الله على نَفِيس المَال عِنْدهم، وهاهو يحفز صلى الله عليه وسلم أصْحَابه إلَى التزود للآخرة والزهد فِي الدُّنْيَا، وَيسْتَعْمل صلى الله عليه وسلم للترغيب بِالآخِرَة وربط النُّفُوس بهَا أساليب مقنعة تدفع النُّفُوس للتزود والجدّ وَالْعَمَل لهَذِهِ الْحَيَاة الْبَاقِيَة. عَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِي الله عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِي صلى الله عليه وسلم: «أيّكُم مَال وَارثه أحب إلَيْهِ من مَاله؟» قَالُوا: يَا رَسُول الله مَا منا أحد إلَى مَاله أحب إلَيْهِ. قَالَ: «فَإن مَاله مَا قَدَّم، وَمَال وَارثه مَا أخَّر» رَوَاهُ البُخَارِيّ(29).

     والأمثلة من السّنة النَّبَوِيَّة كَثِيرَة تدل على عناية الرَّسُول صلى الله عليه وسلم بربط النُّفُوس بالجزاء الأخروي. وَلِهَذَا كَانَ الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم لما تربت نُفُوسهم على هَذَا المبدأ يجْعَلُونَ الْآخِرَة هِيَ مقصدهم وغايتهم وَمُرَاد سَعْيهمْ ويحرصون على بذل النَّفس والنفيس للفوز بهَا وَالظفر بنعيمها.

     يتَمَثَّل ذَلِك فِي الصُّور الرائعة لجهادهم وبذلهم نُفُوسهم رخيصة فِي سَبِيل الله، روى البُخَارِيّ عَن أنس رَضِي الله عَنهُ قَالَ: «لما طُعِن حَرَام بن ملْحَان ـ وَكَانَ خَاله يَوْم بِئْر مَعُونَة، قَالَ بِالدَّمِ هَكَذَا، فنضحه على وَجهه وَرَأسه ثمَّ قَالَ فزت وَرب الْكَعْبَة»(30)، وَأخرج البُخَارِيّ أيْضا قصَّة عُمَيْر بن الْحمام رَضِي الله عَنهُ فِي غَزْوَة أحد حينما قَالَ للنَّبِي صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْت إن قتلت فَأيْنَ أنا؟ قَالَ: «فِي الْجنَّة». فَألْقى تمرات فِي يَده ثمَّ قَالَ: لَئِن حييت حَتَّى آكل تمراتي هَذِه إنَّهَا لحياة طَوِيلَة ثمَّ قَاتل حَتَّى قتل»(31)، وَهَكَذَا نرى هَذِه الثَّمَرَة الْعَظِيمَة للتربية النَّبَوِيَّة بِحَيْثُ يبْذل الْمَرْء نَفسه رخيصة فِي سَبِيل الله ويبيعها لله تَعَالَى، فَمَا أعظم هَذِه التربية، وَفِي الْمُقَابل نرى كثيرًا من الْأحَادِيث عَنهُ صلى الله عليه وسلم تزهد فِي الدُّنْيَا وَتبين حقارتها، وَفِي هَذَا الْبَاب أحَادِيث كَثِيرَة ألَّفت فِيهَا مؤلفات كالمؤلفات فِي الزّهْد. اسْتمع إلَيْهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يضْرب مثلًا للدنيا بِالنِّسْبَةِ للآخرة فَيَقُول: «وَ الله ما الدنيا فِي الْآخِرَة إلامثل مَا يَجْعَل أحدكُم إصبعه فِي اليم فلينظربم يرجع» رَوَاهُ مُسلم(32)، وَتَأْتِي آيَات الْقُرْآن قبل ذَلِك مؤكِّدة هَذَا الْمَعْنى يَقُول تَعَالَى ﴿اعْلَمُوٓا أَنَّمَا الْحَيَوٰةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَوٰةُ الدُّنْيَآ إلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد:20] لَكِن من الْمَعْلُــوم أن الْإسْلَام لَا يغْفل أمر الْعَمَل للدنيا والتمتع بحلالها ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيْبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص:77]  وَفِي دُعَاء الْمُؤمنِينَ الَّذين أثنى الله عَلَيْهِم ﴿رَبنَآ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَة حَسَنَةً﴾ [البقرة:201]  فَلَيْسَ الزّهْد فِي الدُّنْيَا بِتَرْكِهَا والانقطاع للآخرة؛ بل أن لَا تكون الدُّنْيَا فِي الْقلب وَإن كَانَت فِي الْيَد يَقُول صَاحب كتاب «وَقْفَة تربوية»: «لم يخلق الله الدُّنْيَا ثمَّ يحــرّمها على خلقه؛ بل ذمها عِنْدَمَا يتخذها هَذَا الْمَخْلُوق هدفًا يحيا وَيَمُوت من أجله فتنسيه الهدف الَّذِي خلق من أجله، وَهُوَ الْعِبَادَة أما إذا كَانَت الدُّنْيَا مزرعة للآخرة فَمَا أجملها، وَمَا ألذّها وأسعد مَا فِيهَا. لقد كثرت عِبَارَات السّلف رَضِي الله عَنْهُم عَن النَّوْع الأول من الدُّنْيَا، تِلْكَ الَّتِي تلهي صَاحبهَا عَمَّا خلق من أجله أُولَئِكَ الَّذين أدخلوها فِي قُلُوبهم.. ينبههم التَّابِعِيّ الْجَلِيل مَالك بن دِينَار بقوله: «إن الله جعل الدُّنْيَا دَار سفر، وَالْآخِرَة دَار مقرّ، فَخُذُوا لمقركم من سفركم، وأخرجوا الدُّنْيَا من قُلُوبكُمْ قبل أن تخرج مِنْهَا أبدانكم»(33).

     إنَّه لم يسْتَطع أحد من أُولَئِكَ العمالقة من الصَّحَابَة رَضِي الله عَنْهُم وَالتَّابِعِينَ وَالصَّالِحِينَ من بعدهمْ أن يقومُوا بِتِلْكَ الطَّاعَات، ويتبوءوا تِلْكَ الْمنَازل الْعَالِيَة، إلَّا بعد أن أخرجُوا تِلْكَ الدُّنْيَا الملهية من قُلُوبهم وَأن يجعلوها بِأيْدِيهِم»(34).

*  *  *

الهوامش:

(1)     مُخْتَصر صَحِيح مُسلم لِلْمُنْذِرِيِّ ص (8) .

(2)     مُتَّفق عَلَيْهِ انْظُر اللُّؤْلُؤ والمرجان فِيمَا اتّفق عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ (1/4) .

(3)     مُتَّفق عَلَيْهِ انْظُر اللُّؤْلُؤ والمرجان (1/5) .

(4)     تيسير الْعَزِيز الحميد شرح كتاب التَّوْحِيد ص 97.

(5)     أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث سهل بن سعد انْظُر البُخَارِيّ ك: الْمَغَازِي (7/476)

(6)     تيسير الْعَزِيز الحميد ص 109.

(7)     انْظُر كتاب تَنْزِيه الشَّرِيعَة لِابْنِ عراق الْكِنَانِي (2 / 364)

(8)     أخرجه التِّرْمِذِيّ (4/6679) وَقَالَ: حسن صَحِيح وَأخرجه أحْمد فِي مُسْنده (1/293، 307) والْحَدِيث إسْنَاده حسن وحسّنه ابْن رَجَب فِي جَامع الْعُلُوم وَالْحكم ص462.

(9)     انْظُر كتاب ابْن رَجَب نور الاقتباس فِي مشكاة وَصِيَّة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِابْنِ عَبَّاس ص: (67، 66).

(10)   سنَن التِّرْمِذِيّ رقم (3373) وَرَوَاهُ أحْمد (2/442) وَصَححهُ الْحَاكِم (1/491) لَكِن فِي سَنَده الخوزي وَهُوَ لين الحَدِيث.

(11)   التِّرْمِذِيّ (3571) وَفِي إسْنَاده حَمَّاد بن وَاقد الصفار وَهُوَ ضَعِيف.

(12)   سنَن التِّرْمِذِيّ رقم: (3612) وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه (866).

(13)   أخرجه الْبَزَّار فِي مُسْنده وَقَالَ الهيثمي: فِيهِ مُحَمَّد بن أبي ليلى وَفِيه كَلَام مجمع الزَّوَائِد (3/96) .

(14)   انْظُر نور الاقتباس لِابْنِ رَجَب ص (87) .

(15)   من حَدِيث عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ أخرجه التِّرْمِذِيّ ك: الزّهْد ب التَّوَكُّل على الله ح2344 (4/573) وَقَالَ حسن. وَأخرجه أحْمد (1/30) وَابْن حبَان (الْإحْسَان 2/509) وَالْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك (4 / 318) وَإسْنَاد الحَدِيث حسن.

(16)   رَوَاهُ البُخَارِيّ ك: الرقَاق ب. يدْخل الْجنَّة سَبْعُونَ ألفًا (4 / 199) وَمُسلم ك: الْإيمَان ب: الدَّلِيل على دُخُول طوائف من الْمُسلمين الْجنَّة بِلَا حِسَاب (1/ 199) .

(17)   أخرجه البُخَارِيّ ك: التَّفْسِير، سُورَة آل عمرَان (8 / 229)

(18)   أخرجه البُخَارِيّ ك: الْمَغَازِي ب: غَزْوَة ذَات الرّقاع (7 / 429)

(19)   انْظُر فتح الْبَارِي (7 / 427)

(20)   أخرجه البخاري فِي صَحِيحه (فتح 7 / 126) .

(21)   الْمُسْتَدْرك (3 / 383) .

(22)   صَحِيح مُسلم (ك. صَلَاة الْمُسَافِرين ب: جَامع صَلَاة اللَّيْل 1/512) .

(23)   سنَن أبى دَاوُد (ك. الصَّلَاة ب: مَتى يُؤمر الْغُلَام بِالصَّلَاةِ ح:495/ 496) وَإسْنَاده حسن.

(24)   مُسْند أحْمد (2/169) بِإسْنَاد جيد. وَأخرجه ابْن حبَان فِي صَحِيحه (موارد الظمآن ك: الصَّلَاة ب: من حَافظ على الصَّلَاة ص 87) .

(25)   الْمسند للْإمَام أحْمد (3/115) وَسنَن ابْن ماجة ك: الْوَصَايَا ب: هَل أوصى رَسُول الله [2 / 900، 901] وَهُوَ صَحِيح الْإسْنَاد.

(26)   أخرجه البُخَارِيّ ك: الْمَغَازِي ب: غَزْوَة الخَنْدَق.7 /392 وَمُسلم ك: الْجِهَاد ب: غَزْوَة الْأحْزَاب رقم1805.

(27)   الكوماء من الْإبِل: عَظِيمَة السنام.

(28)   صَحِيح مُسلم ك: صَلَاة الْمُسَافِرين ب: فضل قِرَاءَة الْقُرْآن رقم (803) (1/552) .

(29)   صَحِيح البُخَارِيّ ك: الرقَاق ب: مَا قدم من مَاله فَهُوَ لَهُ (11/260) .

(30)   صَحِيح البُخَارِيّ ك: الْمَغَازِي ب: غَزْوَة الرجيع فتح (7 / 386)

(31)   صَحِيح البُخَارِيّ ك: الْمَغَازِي ب: غَزْوَة أحد (7 / 354) وَأخرج قصَّته مُسلم لَكِن فِيهَا أن ذَلِك كَانَ فِي غَزْوَة بدر..

(32)   صَحِيح مُسلم ك: الْجنَّة وَصفَة نعيمها وَأهْلهَا ب: فنَاء الدُّنْيَا ح (2858) (4/2193)

(33)   صفة الصفوة لِابْنِ الْجَوْزِيّ (3/285).

(34)   وَقْفَة تربوية للشَّيْخ عبد الحميد البلالي ص:137.

*  *  *

إلى الأمام

 

 

الشيخ عبد الرحمن السيوهاروي شاعرًا

بقلم:  الأستاذ سيد مدثر أحمد(*)

 

 

 

ولد الشيخ في سيوهاره في عام ألف وثمان مئة وستين للميلاد، وتوفي في «بهوفال» عام ألف وتسع مئة واثنين وثلاثين للميلاد، وحصّل العلوم الابتدائية في مدرسة شاهي بمراد آباد، وتلمذ على يد المحدث أحمد حسن الأمروهوي وغيره من الأساتذة الأجلاء، وفاق أقرانه في العلوم والأدب، ولذلك اختير عضوًا في مجلس الشورى بدار العلوم /ديوبند، وأخذ عنه كثير من العلماء البارزين، وإن الله سبحانه وتعالى منحه موهبة شعرية، وتشهد على براعته في الشعر صفحات مجلة «القاسم» التي كانت تنشر قصائده بين الفينة والأخرى، فكان بارعًا في قول الشعر باللغة العربية، ويقرض الشعر العربي كثيرًا من الأحيان، وقد عُدّ من المكثرين في مجال الشعر العربي في الهند.

     كانت له يد طولى في قرض الشعر، وله أشعار كثيرة كما أشرنا إليه آنفــــــــًـا، وكانت تنشــــــــــــــد قصائده في المحافل والمجالس بديوبنــــــــــــــــــد، وكان شاعـــرًا غزير الإنتاج، وقد نظم في أغراض مختلفــــــــــــــــة من تهنئة ورثاء وترحيب و وعظ وتخميسات، وأنه قد حافظ على المحسنات، وكانت تميل منظوماته إلى القصر والاقتباس وغير ذلك، ويغلب عليها جلاء المعنى ويتــــــــــــــراجع دور الخيــــــــــــال، وقد أودعـــــــه الله عز وجل عدة مؤهلات، فكان كلامه يذخر بالمحسنات اللفظية والمعنوية والعبارت الفصيحة وبالقدرة على الكلام وحسن الخيال وسهل التركيب وسذاجة البيان، ويشعر الباحث أنه كلامه يشف عن آلامه وبكائه كلما يذكر زيارة المدينة المنورة، وكلما يصف في شعره تلك الديار المقدسة، وكان قبله مملوءًا بالحب النبوي – صلى الله عليه وسلم-، وهذه المحبة أدته إلى قرض المديح النبوي – صلى الله عليه وسلم-.

     وكان من ميزات شعره أنه يصور في أبياته وقصائده ومنظوماته حبه وصلاته الروحية مع النبي –صلى الله عليه وسلم- وشوقــه إليه وهيامه به، ولا يستعمل لبيان ما يختلج في صدره اللغة الركيكـــة والألفاظ غير اللائقة، ولا يعتمد على الكذب والمبالغة والعناصر الأخرى التي يعتمد عليها الشعراء بصفة عامة، ويبدو من كلامه كأنه صادر ممن نشأ وترعرع في البلاد العربية مع أنه ولد وعاش في الهندية بعيدًا عن تلك البقاع السعيدة.

رمت إليّ بسهم اللحظ عيناك

أصاب قلبي فهذا الصيد مقماك

دم المحبين في شرع الهوى هَدَرٌ

بشراك قاتلة بشرى لِقَتْلاك

الموت أهون من هجر نُكابده

والحشر أقرب من وعد بلقياك

هل تدركين عليلًا شفه وصب

ولا طبيب لهذا الداء إلَاك

مشيتِ نحوي وكان الطرف منتظرًا

أهلاً وسهلاً على العينين ممشاك

هلّا سألتِ عن المُضني به رمق

شفاه في شفتيكِ استنطقي فاك

قد فار تنور قلبي والدموع  طغت

جريت يا عين بسم الله مجراك

إني أشم وميض البرق في مطر

أبكي وتبدين بسمًا من ثناياك

نزلتِ دارًا بقلبي وهي فارغة

عما سواك فقد طابت لسُكناك

قلبي كبيت مليك العرش محترم

حاشاك أن تقطعي قلبي فحاشاك

ملكتِ إقليمَ حسن فارحمي وصلي

قلوب أهل الهوى طرا رعاياك

بحا حبيبيك محاريب لسجّدها

كما بعينيك حانات لسَكراك

لم أنس ذكرك في ضيق وفي سعة

لكن بمدح رسول الله أنساكِ

محمد سيد الكونين من بشر

سَمَا عُلُوًا على جنّ وأملاك

حبيب رب الورى والعرش موطئة

أسرى به الله ليلًا فوق أفلاكِ

دنا من الله في معراجه ورأى

بالعين ما جلّ عن فهم وإدراك

وحَازَ غاية قرب لا وراء لها

بالعين ما جلّ عن فهم وإدراك

أتي بدين به الأديان قد نُسخت

دانت به كلُّ عبّاد ونُسّاك

محا حنادس كفر نور جبهته

كطلعة الشمس تمحو كل أحلاك(1).

و حاول مدح المدينة المنورة - زادها الله شرفًا وعظمة - كما يقول:

أيا نسيم القبا من أين مسراك

أفاق مضني الهوى شيئا بريّاك

من أي روض الحمى قد جئت عاطرة

من أي وادي النقا قد طاب مجراك

أهديت طيبا إلى مشتاقه سحرا

ونفحة الطيب من أسنى هداياك

نفختِ روحًا بجسم لا حراك به

أ بقيتِ نفسًا أطال الله بقياك

روائح الإنس من مسراك قد عبقت

فشمّ منها شميم البرء مضناك

للعلماء سيرت من أرجاء كاظمة

بطيب طيبة إنا قد عرفناك

وحزتِ أطيب طيب عرفه عبقٌ

وزرت قبر النبي الطيب الزاكي

لله طيبُ تراب ضمّ عنصره

يفوح منه الشذا كالعنبر الذاكي

إن نلت طيبة في مسراك ثانية

فبلغها سلامي حين تلقاك

وأخبريها أن في بوفال مكتئبًا

له حنين إلى إدراك لقياك

-----------

 

أبكي وأشكو ومالي من يسائلني

لم حرُّ دمع  جرى كم لوعة الشاكي

فجذوة من جحيم كبد ذي كمد

وقطرة من حميم دمعة الباكي

والقلب يخفق في الأضلاء مضطربًا

كأنه الطير محبوسًا بأثــــــــــــــــــراك

سرّ الوجود فلولاه لما وُجدت

حديقة الكون من أرض وأفلاك

لا البرُّ لا البحر لا الإنسان قاطبة

وما سوى الإنس من جن وأملاك

لا الأنبياء ولا من آمنوا بهم

من أوليـــــــــــــــــــاء وعبّــــــــــــــاد ونسّاك

ويتمنى الله عزوجل أن يموت في المدينة المنورة قائلًا:

يا ربي اجعل مماتي في مدينة

ذا منتهى أملي يا ملك أملاك

إذا موت بها تلقاء روضته

يطير روحي بشوق نحو شبّاك(2).

     وإن هذا الشاعر قد أنشد الأبيات العربية في مختلف الأحيان كما مدح في إصدار مجلة «القاسم» قصيدة الألف، وقرض في مدح «ديوبند» في قصيدة اللامية، والمدائح النبوية في قصيدة اللامية والدالية والنونية، وأنه قد حاول في صنف التخميس، وفي مدح مبنى دار الحديث لدار العلوم في قصيدة الألفية، وعدد أبياته العربية يبلغ إلى عشرين وثلاث مائة. فخلاصة القول إن قصائده ملئية و مفعمة بالروح الإسلا مي الخالص.

*  *  *

الهوامش:

(1)     مجلة القاسم :1/2، جلد 4، عدد 4 من ذي قعدة: 1331هـ.

(2)  مجلة القاسم:5/6، جلد:4، عدد 10، جمادي الأولى 1332هـ.

_________________________________

(*)      باحث الدكتوراه بجامعة مولانا آزاد الوطنية الأردية، حيدراباد.

*  *  *

إلى الأمام

 

بين أبي العتاهية والشيخ نور الدين ولي في إطار الزهد

بقلم:  الأستاذ رشيد فاتح القاسمي(*)

 

 

 

أ- في صفات الله

     إن ذات الله وصفاته لهما أهمية أساسية في المعتقدات الدينية، ولا بد لمن يؤمن بالله أن يعتقده واحدًا، صمدًا، قادرًا، رازقًا، مستغاثًا وغيره من الصفات السامية. ينبئ ذكر هذه الأفكار العقائدية عن قرب الشاعر بالله سبحانه وتعالى وكيفية إيمانه بالله المجتمع لصفات الكمال.

     إن الشيخ نور الدين ولي (13771438م) أشهر داعية كشميري وإمام الشعر الكشميري الزهدي وأبا العتاهية (747826م) شاعر عربي فذ ورائد الشعر العربي الزهدي يذكران الله وصفاته في شعرهما ذكرا يدل على علمهما الكامل واطلاعهما الواسع على المعتقد الديني هذا، لم يالوا فيه فكرًا ولم يزلقا فيه ذكرًا، وسلكا فيه مسلكا أرشد إليه الكتاب والآيات وهدى إليه علماء علم الإلهيات.

     إن في شعرهما حول الإيمان بالله وصفاته مغناطيسية تجذب العقول فتزيدها إيمانًا وتخلب الأذهان فتترك عليها آثارًا. يقول الشيخ نور الدين ولي ما معناه:

        «آمنت بالله إيمانا فجعلتني وحيا ثم جعلت نصب عيني الواجب الوجود تاركا الوجود بأشكاله كلها»(1).

     الذين هم على بصر باللغات يعرفون أن الترجمة لا تعبر عما يريد النص كاملًا. الشعر الذي قد ذكرته آنفا على مستوى رفيع من الإيجاز، ولا يتضح معانيه بالترجمة الحرفية فحسب. يقول شيخ العالم، الشيخ نور الدين ولي: آمنت بالله حق إيمانه فصيّرتُني وحيًا أي جعلت أعمالي موافقة لما يهدي إليه الدين، ما أشغلني الكون وموجوداته بعد أن شاهدتها؛ بل اعتبرتها دالة على الواجب الوجود سبحانه وتعالى، وصرفت عنايتي عنها وجعلت الله ومرضاته مركزًا لعنايتي وأعمالي كلها، وما زلت حذرا مما لا يليق بشأنه عز اسمه معبودًا ومسجودًا.

     نجد الشيخ نور الدين ولي متصفًا ببلاغة الكلام عامة ونجد هذا الشعر أبلغ معنى وأفصح لفظًا لما فيه من حمل المصدر على ضمير المتكلم في «وحى کورم پَنُن پان» صيّرت نفسي وحيًا، ولأنه عبر عن ترك الوجود الحادث بأنواعه واعتناق دين الله الواجب في تعبير بليغ حيث جعل الكون مع أشكاله المجهولة العدد غير موجودة بالنسبة إلى وجود الله الواجب القديم في «وجود تراوتھ موجود سرم». عنيت بالموجود تاركا الوجود. استخدم الموجود بإزاء الوجود المشتق منه ولا يخفى لطفه على من له إلمام بأنواع بلاغة الكلام. وبما أن ثلث الشعر مشتمل على ألفاظ أصلها عربي زاده تعمقا روحيًّا. ويقول أبو العتاهية:

تعالى الواحد الصمد الجليل

وحاشى أن يكون له عديل

هو الملك العزيز وكل شيء

سواه فهو منتقص ذليل

وما من مذهب إلا إليه

وإن سبيله لهو السبيل(2)

     الصمد من لا يطرأ عليه العدم أي الذات الواجب. «وما من مذهب إلا إليه» أي يدل الكون بألوانه المختلفة على ذات الله ووجوده. «كل شيء سواه فهو منتقص ذليل «أي بالنسبة إليه سبحانه وتعالى كل شيء ناقص وعاجز. وإن سبيله لهو السبيل» أي وإن دين الله هو الطريق الحق وطريق النجاة، أحق بأن يتبع، وأجدر بأن يسلك. وهذه هي المعاني أتت بها قريحة الشيخ نور الدين ولي فيما سبق.

     يقول الشيخ نور الدين ولي في استحالة معرفة كنه الله سبحانه ما معناه:

     «إن ترد أن تفهم ذات الله الواحد (وصفاته السامية) بعقلك المحدود فهمه فلن تبقى موجودًا، أي تفقد تعقلك في أعماق بحره، ويودّي هذا التهاب شعورك، وأين العقل من ذلك، وما استطاع أحد أن يشرب ذلك من البحر، (أراد كنه الذات وغموض الصفات لله سبحانه وتعالى)» (3).

     إن كنه الله وماهيته أمر ما استطاع إنسان أن يبلغ معرفتَه وإن صرف موهبته العقلية كلها. إن الجهابذة من علماء علم الإلهيات وأهل الكلام وصلوا بهذا الشان إلى أنه سبحانه وتعالى الواحد، القديم، القادر، الحي، العليم، البصير، الشائي، المريد، ليس بعرض، ولا جسم، ولا جوهر، ولا مصوّر، ولا محدود، ولا معدود، ولا متبعض، ولا متجزّ، ولا متركب، ولا متناهٍ، ولا يوصف ماهية كيفيته ولا يتمكن في مكان، ولا يجري عليه زمان، ولا يشبهه شيء، ولا يخرج عن علمه وقدرته شيء، له صفات أزلية لا هو ولا غيره، العلم والحياة والقوة والسمع والبصر والإرادة والمشيئة والفعل والتخليق والرزق والكلام(4). هذا وما يقرب منه من التعابير عكس ما بلغ إليه رجال العقل والدين. ومنهم من منع الخوض في مثل هذه الأمور لتعذر بلوغ أفهام معظم الناس وعامتهم إلى معرفة الذات الواجب بالعقل الخائض. ويقول أبو العتاهية في نفس الموضوع:

الحمد لله الذي لم يزل

لا تستقـــــــــــــــل بعلمــــــــــــــــــــــــــــــــه أفهام

سبحانه، ملك، تعالى جده

ولوجهه الإجلال والإكرام(5)

ويقول هذا بتعبير آخر:

لك الحمد يا ذا العرش، يا خير معبود

ويا خير مسؤول، ويا خير محمود

شهدنا لك، اللهم، أن لست محدثًا

ولكنك المولى ولست بمجحود

وأنّك معروف، ولست بموصوف

وأنّك موجود، ولست بمحدود

وأنّك ربّ لا تـــــــــــــــــــزال، ولم تــــــــــزل

قريبًا بعيدًا غائبًا، غير مفقود(6)

     وفي الشعرين الآتيين ذكر الله متصفًا بإعطاء الرزق مع صمديته وعدم احتياجه إلى أحد من خلقه المرزوق.

     يقول الشيخ نور الدين ولي ما معناه:

     «الله صمد، لا يحتاج إلى أحد، يرزق عامة الناس، يراعينا فهو موجود»(7).

     ويقول أبو العتاهية:

الحمد لله الواحد الصمــــد

فهو الذي به رجائي وسندي

عليـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــه أرزاقنــــــــــــــــا فليس

مع الله بنا حاجة إلى أحد(8)

     الله حافظ وموثوق به في الحوادث والأخطار.

     يقول الشيخ نور الدين ولي ما معناه:

        «إلهي! أنا واثق بك هنا في الدنيا وهناك في دارالآخرة، فاجعلني سالمًا، وأتكل عليك تاركًا ما سواك. أرني شانك يا ربّ(9).

     ويقول أبو العتاهية:

الله في كل حادثــــــــــــــــــــــــــة ثقتي

والله عزّي والله مفتخري

لست مع الله خائفًا أحدًا

حسبي به عاصمًا من البشر(10)

هو الضامن لمن أحاطت به الأخطار.

     يقول الشيخ نور الدين ولي ما معناه:

     «هو الذي لم يزل ولا يزال فأذكره نفسي على كل أحيانك، هو الذي يصرف عنك الأفكار الهائلة قليلًا ما تتفكر!»(11).

     ويقول أبو العتاهية:

إلى الله فيما نالنا، نرفع الشكوى

ففي يده، كشف المضرة والبلوى(12)

     والله هو المستغاث في كل حال. يقول الشيخ نور الدين ولي ما معناه:

        «الذي سوى سبع سماوات ومن الأرض مثلهن، إياه أسأل وهو يعطيني، وإياه أسأل مهما يغضب عليَّ وإلا فمن ذا الذي أستغيثه فيغيثني وأسأله فيعطيني»(13).

     يقول أبو العتاهية:

من لعبــــــــــــــــــــد أزلـــــــــــــــــه مــــــــولاه

ما لــــــــه شافع إليـــــــــــــــه ســـــــــــواه

ويشتكي ما به إليه ويخشا

ـه ويرجو مثل ما يخشاه(14)

     على الله رزق كل دابـــــــــة في الأرض؛ حيث قال عزّ وجلّ: ﴿وَمَا مِنْ دَآبَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود:6] عــــــــبر عن هـــــــــــــــــــــذا المعنى الشيخ نور الدين ولي بأنــــــــــــــه ليس هناك في الكون مخلوق حتى البعوضة بغـــــــــــــــــير رزق يعطيه الله إياها، ويقول أبو العتاهيــــــــــة: على الله ضمان رزق العالمين أي كل نوع من المخلوقات. يقول الشيخ نور الدين ولي ما معناه:

        «الله واحد، له عدد كبير من الأسماء، يذكره كل ذرة من الكون، اعتبر عمرك نفَسا واحدًا، وليس هناك بعوضة بدون رزق»(15).

     يقول أبو العتاهية:

سبحان من هو لا يزال ورزقه

للعالمين بــــــــــــــــــــــه، عليــــــــــــــــــــــــــــــه ضمان

سبحان من في ذكره طرق الرضى

منــــــــــــــه، وفيــــــه الروح والريحان(16)

     يقول كل منهما: إن الله وحيد وليس غيره شريكًا في ربوبيته، على العبد أن يرضى به ربا ويرضى بقضائه كيفما كان. ويشترك شعرهما في أن الإنسان دخل الدنيا وحيدًا وسيتركها وحيدًا، مارافقه أحد وقت ولادته ولا يرافقه أحد عند موته، فعليه ألّا ينساه سبحانه وتعالى الذي هو رفيق دائم له حيًا وميتًا.

     يقول الشيخ نور الدين ولي ما معناه:

        «أتينا وحدانًا وسنذهب وحدانًا ويناسب الوحيد أن يكون في قلبه هو الله الواحد وإلا فالعدم أفضل للإنسان»(17).

     ويقول أبو العتاهية:

سقطت إلى الدنيا وحيدا مجردًا

وتمضي عن الدنيا، وأنت وحيد

وأرشد رأي المرء أن يمحض التقى

وإنّ امرأ محض التقى لسعيد

هو الله ربيّ، والقضاءُ قضاؤه

وربيّ على ما كان منه حميد(18)

(ب) القضا والقدر

     القضاء والقدر معتقد هام من المعتقدات الإسلامية وأساس فكري لدى المسلمين. إن لب القدر أنه تقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه وتعالى بأنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته سبحانه لذلك، ومشيئته له، ثمّ وقوع هذه الأشياء على مقتضى إرادته ومشيئته وخلقه لها سبحانه وتعالى. فتترتب هذه الأمور على هذا الترتيب: علم أزلي، ثمّ كتابة لهذا الأمر، ثمّ مشيئة إلهية لا بد أن تنفذ، ثمّ وقوع المقدور. فكل ما يقع في هذا الكون فهو مخلوق لله كما قال سبحانه وتعالى: ﴿اَللّٰهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (الرعد:16)

     ومن محتويات القضاء التي تصدر بها قرائح الشاعرين موافقة الموت، والموت على أجله وحصول الرزق على مقداره المعين واتصاف المرء بالفقر والثراء والبؤس والسعادة، والرضا بالقضاء الذي هو سلوكه الإيجابي بقضائه.

     يقول الشاعران: لا يمكن منع ما قضى الله للعبد وما قدر له من العمر والرزق وإن استنفد قوته وبذل ما في وسعه لمنعه من نفسه. يقول الشيخ نور الدين هذا بتعبير وأبو العتاهية بتعبير آخر حسب تعبير لغتيهما البليغة.

     يقول الشيخ نور الدين ولي: لا يمكن ازدياد قضائك ولا انتقاصه وإن فركت جبينك برأس الحجر المحدد رغم استنفاد قوتك ضده. ويقول أبوالعتاهية: إن الجهد في الدنيا والمنافسة فيها لا يجلب غير ما قضى للإنسان، وإن القدر لا يجري في الكون إلّا بمقداره كما لا يحتلب الضرع إلّا بقدر حليبه.

     يعبر الشيخ عن هذا بما فيه من تركيز قوي على المعنى وهو أسلوب الاستفهام الإنكاري كما يجعل أبو العتاهية شعره بليغًا باستخدام بدهية من الحقائق البدهية وهو عدم احتلاب الضروع إلّا بمقدار الحليب، واستزادة الحليب من الضروع على مقدارها بعيد عن الإنسان العاقل.

     الشيخ نور الدين ولي يقول ما معناه:

        «ما كتبه الله لك وقت تقديره قضائك، هل يزيدك شيء منه أم ينقص منه شيء؟ لن يزيد ولن ينقص من قضائك شيء وإن فركت جبينك على رأس الحجر المحدد»(19).

     ويقول أبو العتاهية:

هي الآجال والأقدار تجـــــــــــري

بقــــــــدر الدّر تحتلب الضــــــــــــــروع(20)

فيجهد الناس في الدنيا منافسة

وليس للناس شيء غير ما رزقوا(21)

     عند ما نمعن النظر في شعرهما الإسلامي نجد في بعض الأشعار الموافقة الكاملة في المعنى وفي التعبير عن المعنى رغم كونهما من لغتين مختلفتين.

     يمكن أن يكون أحدهما قد أخذ من الآخر فكرته في المعنى، والحق أنه ليس هناك أية شهادة تنبئ تلقي الشيخ شعر أبي العتاهية ولا يبرّر الأمر التاريخ إلا أنه من البدهيات أن الآداب واللغات تؤثر وتتأثر.

     إن ملخص الشعرين الآتيين أن صرف المرء القضاء المكتوب عنه مستحيل كاستحالة جريان السفينة على الأرض اليابسة بينما الإيقان به مسلك ناجح. ويركز أبو العتاهية هنا على الموت ويعم ألفاظ الشيخ نواحيه.

     يقول الشيخ نور الدين ولي ما معناه:

        «إن الحبل لا يفتل من الرمل والسفينة لا تجري على اليبس وما قدر الله لامرئ لا يمكن أحدًا أن يصرفه عنه(22).

     ويقول أبو العتاهية:

لا تأمن الموت في طرف، ولا نفس

وإن تمنعت بالحجاب والحرس

ترجو النجاة، ولم تسلك مسالكها

إن السفينة لا تجري على اليبس(23)

     ويقولان حول الحصول على الرزق والحرمان منه: إنه يبتني على مشيئة الله سبحانــــــــــــــــــــه وتعالى، إن لم يعطه المرء يبعد عنه فراسخ وأميالًا ويخسر مساعيه.

     يقول الشيخ نور الدين ولي ما معناه:

        «إن لم يعطك الله يبعد منك الرزق على آلاف من الفراسخ، وإن لم يمنحك ينتقص قوتك»(24).

توقّ ما تأتيـــــــــــــــــــــــــــــــــــــه وما تـــــــــــــــــــــــــــــذر

جميع ما أنت فيـــــــــــــــــــــــــه معتــــــــــــــــــــــــذر

ما أبعد الشيء منك ما لم يُسا

عدك عليه القضاءُ والقدر(25)

     يقولان: إن قضاء الرزق عجيب، لا يتلقاه المرء بحسب علمه ولبه وجهده؛ ولكنه أمر باهر. يحصل للإنسان منه كمية كتبها الله سبحانه له، ومن الناس من يجده من حيث لا يحتسب؛ ومنهم من يبذل قصارى جهده لا بتغائه ويحصل على كمية قليلة منه. يقول الشيخ نور الدين ولي ما معناه:

        «ومن الناس من هو مستأهل ويبذل قصارى جهده لابتغاء الرزق، ومنهم من يجد الرزق جالسًا في سكناه من حيث لا يحتسب»(26).

     ويقول أبو العتاهية:

كل امرء ولــــــــــــــــه رزق سيبلغـــــــــــــه

والله يرزق لا كيس، ولا حمق(27)

يا رُبّ رزق قد أتى من سبب

وسلَّم العبــــــــــــد إليــــــــــــــــــــــــــه الطلب

ورب من قد جاءه رزقـــــــــــــــــــــــــــــــــه

من حيث لا يرجو ولا يحتسب(28)

     يقول الشيخ في نفس المعني ما معناه:

     «كيف تسلك صراطًا غير قويم وتترك الصراط المستقيم وتكسر دلو ماء الحياة، ما قدّر الله لك يأتيك أينما كنت»(29).

     ويقول أبو العتاهية:

متى ما يرد ذو العرش أمرًا بعبده

يصبــــــــــــــــــــه، وما للعبـــــــــــــد ما يتخــــــــــير

وقد يهلك الإنسان من وجه أمنه

وينجو بإذن الله، من حيث يحذر(30)

     على المؤمن أن يرضى بقضائه، لا يتفكر فيه؛ بل يكون مستعدًا للقاء كل ما يلقاه.

     يقول الشيخ نورالدين ولي ما معناه:

     «ليس منة الله على أن جعلني إنسانًا فحسب؛ بل أمطر عليّ شآبيب رحمته من كل جانب، رضيت بما قدّر لي من المحيا والممات، هو إلهي وأنا عبده!»(31).

     ويقول أبو العتاهية:

أقول ويقضي الله ما هو قاضٍ

وإنّي بتقديـــــــــــــــــــــــــــــــــر الإلـــٰـــــــــــــــــه لراضٍ

أرى الخلق يمضي واحدًا بعد واحد

فيا ليتني أدري متى أنا ماضٍ(32)

     القضاء يحيط بالمرء آناء الليل وآناء النهار، لا يطرف طرفة إلا تبعًا لقضائه. وليس للإنسان قدرة الفراغ من قضائه طرفة عين من حياته ويقول الشيخ ما معناه:

     «فرّ من الحية شبرًا، فرّ من الأسد فرسخًا، فرّ من الدائن عامًا، ولا تفر من القدر طرفة عين»(33).

     ويقول أبو العتاهية:

لعمــــــــر أبي! لو أنّني أتفكـــــــــــــــــــر

رضيت بما يقضى علي، ويُقدر

توكل على الرحمان في كل حاجة

أردت، فإن الله يقضي، ويَقدر

متى ما يرد ذو العرش أمرًا بعبده

يصبـــــــــــه، وما للعبـــــــــــــــــــــــــــد ما يتخير

وقد يهلك الإنسان من وجه أمنه

وينجو بإذن الله، من حيث يحذر(34)

     ويقول أيضًا:

واعلم بأنك لست تطرف طرفة

إلا تفاوت منك ما لا يرتجع(35)

     وأعربا عن حرمان العالم النحرير من سعة الرزق ونعم عيش الأحمق ورغده بأسلوب سهل على الألسن وعميق في معانيه.

     يقول الشيخ نور الدين ما معناه:

     «إلهي! وكم من سبيل جعلتنا نسلكه لكي نصل إلى كنهك، غير أنه ليس من الناس من يدرك أسرار ماهيتك، يُتَوَّجُ الفقير الصالح ويعمى الملك الطاغي في الآخرة. إن العالم النحرير سائل بائس هنا والغبي ثري قائد، وله كثير من النعم  بينما الحكيم يتطلع إليه وينتظر عطاياه»(36).

     ويقول أبو العتاهية:

كل رزق أرجوه من مخلوق

يعتريه ضرب من التعويق

وأنا قائل، وأستغفرُ الـ

ـلّه، مقال المجاز لا التحقيق

لست أرضى بما أتاني إلهي

فلرزقي موكول بالمخلوق(37)

     الموت حق يدرك الإنسان على كل حال، وهو مختفٍ من أعين الناس مادّة شبكته الضئيلة في الجوانب كلها من الكون.

     يقول الشيخ نور الدين ولي ما معناه:

     «سل الجوانب الأربعة أحوالها فتجيب بأن خداع الموت اختفى من أعين الناس غير أن البعض زاره وسيراه البعض الآخرون»(38).

     ويقول أبو العتاهية:

أومَّل أن أخلـــــــــــــــــــــــــد، والمنايا

يثبن عليّ من كل النواحي

وما أدري إذا أمسيت حيًا

لعلّي لا أعيش إلى الصباح(39)

*  *  *

المصادر والمراجع:

(1)     أسد الله آفاقي، كليات شيخ العالم، ص: 83، ناشر: لائف فانديشن، جرار شريف، اقبال بستى روضه بل

(2)     مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 291، الناشر: دار الكتاب العربي، بيروت 2004م.

(3)     أسد الله آفاقي، كليات شيخ العالم، ص: 74

(4)     سعد الدين التفتازاني، شرح العقائد النسفية، ص: 409، البشرى ببلشرز،كراتشي باكستان 2009م.

(5)     مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 112

(6)     كليات شيخ العالم، أسد الله آفاقي، ص: 87

(7)     نفس المصدر

(8)     مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 121

(9)     أسد الله آفاقي، كليات شيخ العالم، ص: 86

(10)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 146

(11)   أسد الله آفاقي، كليات شيخ العالم، ص: 86

(12)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 36

(13)   أسد الله آفاقي، كليات شيخ العالم، ص: 76

(14)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 86

(15)   أسد الله آفاقي، كليات شيخ العالم، ص: 86

(16)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 372

(17)   أسد الله آفاقي، كليات شيخ العالم، ص: 87

(18)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 128

(19)   أسد الله آفاقي، كليات شيخ العالم، ص: 99،

(20)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 227،

(21)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 251

(22)   أسد الله آفاقي، كليات شيخ العالم، ص: 99

(23)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 200

(24)   أسد الله آفاقي، كليات شيخ العالم، ص: 100

(25)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 146

(26)   أسد الله آفاقي، كليات شيخ العالم، ص: 102

(27)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 252

(28)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 45

(29)   أسد الله آفاقي، كليات شيخ العالم، ص: 102

(30)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 154

(31)   أسد الله آفاقي، كليات شيخ العالم، ص: 99

(32)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 208

(33)   أسد الله آفاقي، كليات شيخ العالم، ص: 99

(34)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 154

(35)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 229

(36)   أسد الله آفاقي، كليات شيخ العالم، ص: 100

(37)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 255

(38)   أسد الله آفاقي، كليات شيخ العالم، ص: 103

(39)   مجيد طراد، قدم له وشرحه: ديوان أبي العتاهية، ص: 108

_____________________________

(*) باحث (دكتوراه) مركز دراسات شيخ العالم

        جامعة كشمير،حضرت بل سرينغر كشمير

        موبائل: 9622524965

 

 

*  *  *

إلى الأمام

 

التعريف بكتاب الفتاوى العالمكيرية

الخطوات العملية في سبيل التأليف،وأسلوبه ومنهجه، وأهميته، ومكانته والعناية به

بقلم:  الأستاذ المفتي عبد الرزاق الأمروهوي(*)

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

     الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد!

     فإنِّي أرَى نفسي أصغرَ وأحقرَ من أن أقوم بكتابة تعريفٍ أوتقديمٍ على كتاب: «الفتاوى العالمكيرية» التي كانت في التاريخ الإسلامي أولَ مشروع تأليفٍ فقهيٍّ جامعٍ تقوم به لجنةٌ رسميةٌ من كبار فقهاء العصر بأمر الإمبراطور المغولي قبل نحو خمسة قرونٍ، لتجميع الأحكام الشرعية، وتسهيل الرجوع إليها، واختيار الرأي الفقهي الراجح في كلّ ما يحتاج إليه السائلُ من المسائل والأحكام في ضوء الكتاب والسنة، كخطوةٍ أولى من نوعها في تاريخ تدوين الفقه الإسلامي، وكتمهيدٍ لطريق تقنين الفقه الإسلامي الأغر، وذلك لأنها بحرٌ لا ينزف، ومعين لا ينضب، تنبعث أشعتها الذهبية الحمراء الساطعة في مشارق الأرض ومغاربها فاستغنى عن البيان والتعريف، وقد مضت قرون متطاولة يُثنى على هذه الجهود الجماعية الموثوق بها من عهد التأليف إلى يومنا هذا، ولم يقصر الفقهاء الجهابذة في الثناء العاطر عليها؛ لأنهم كانوا يعرفون ما فيها من الدقائق والحقائق العلمية، فأنَّى لِـمِثْلي أنْ يُسابِق بِظَالِعه في حَلْبةٍ يتسابق في رِهانِه كلُّ ضَلِيعٍ؛ لأنَّه لا يُدرك الظَّالِع شأْوَ الضَّلِيْع.

     وتمهيدًا لما أقوله في التعريف بالكتاب اضطرُّ إلى الحديث عن تسميته، وتسمية مؤلفيه ومساعديه ومُشرفيه، وتاريخ تدوينه، وخصائصه، وأهميته لدى العلماء المسلمين...حتى اليوم، فأقول مستعينًا بالله تعالى:

تسمية الكتاب:

     للكتاب تسميتان مشهورتان: «الفتاوى العالمكيرية» و«الفتاوى الهندية»، وهذه الفتاوى ليست فتاوى بالمعنى المعروف عند الفقهاء القدامى؛ لأن المعروف عندهم أن كتب الفتاوى تدل على مجموعاتٍ من أجوبة المسائل والوقائع التي سئل فعلًا عنها جامعوها من كبار الفقهاء وأجابوا عنها، ثم رتبوها على الأبواب، وأخرجوها في كتابٍ كبيرٍ أو صغيرٍ، وإنما هي الفتاوى العالمكيرية مجموعةٌ كبرى من فروع الفقه الحنفي، وأحكام مسائله في جميع الأبواب الفقهية، جُمعِت من أمهات المتون والشروح في الفقه الحنفي، ومِن كتب الفقه بمعناها المعروف المذكور آنفًا، وإنما سُميت بـ«الفتاوى العالمكيرية»؛ لأنهم جمعوا فيها الأقوالَ والآراءَ الفقهيةَ الراجحةَ في المذهب الحنفي بأمر سُلطان الهند، الملِك العادل المغولي أورنك زيب -رحمه الله- وتحت إشرافه؛ ليعتمدها المفتون والقضاة في الإفتاء والقضاء، فهي الأحكام الفقهية التي يجب اعتمادها للفتوى، ويتحدث الفقهاء والمفتون عن هذا الكتاب تارةً بلفظ «الفتاوى العالمكيرية» بالنسبة إلى لقب الملِك أورنك زيب: «عالَم كِير»، وتارةً يقولون: «الفتاوى الهندية» بالنسبة إلى الهند التي هي دولة الملِك.

من هو مؤلف الكتاب في الحقيقة؟:

     تتجلَّى مِن تسمية الكتاب بــ«الفتاوى العالمكيرية» أنها تنتسب إلى السلطان الأعظم والخاقان المكرم أبي المظفر محيي الدين محمد أورنك زيب بهادر، الإمبراطور المغولي، الملقب بــ«عالَم كير» يعني المنتصر على العالم، وهو من أعظم أباطرة الهند المغوليين، هو الابن الثالث للشاه جهان، وولد السلطان أورنكْ زيْب في بلدة «دوحد» في كجرات بالهند في (15 من ذي القعدة 1028هـ = 24 من أكتوبر 1619م).

     نشأ في بيت عزٍّ وشرفٍ، وظهر في «أورنك زيْب» منذ صغره علامات الجد والإقبال على الدين، والبعد عن الترف والملذات، ونشأ وترعرع محبًّا لمذهب أهل السنة، واستقى الدين على مذهب الإمام أبي حنيفة، فنشأ وتربّى تربية إسلاميّة دينية خالصة لا تشوبها شائبة، ويقال بأن هذا الشعور تولد لديه خلال مرحلة تعليمه على يد كبار العلماء المسلمين، ونشأ محبًّا للشعر فكان شاعرًا، ونشأ محبًّا للخطّ فكان خطّاطًا بارعًا، وتعلّم اللغة العربيّة والفارسيّة والتركيّة، وحين بلغ الأربعين من عمره جلس على كرسي الحكم، وابتدأ عهد العدل والحقّ، فقد آن الأوان لأن يرى المسلمون فيه ما يذكّرُهُمْ بسيرةِ أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ رضي الله عنهم أجمعين، فأقام المساجد والمدارس الدينية، وأصلح الطرق وبنى الحدائق وأصبحت «دهلي» في عهده حاضرة الدنيا، وعين القضاة، وجُعِل له في كل ولاية نائبٌ عنه، وأعلن في الناس أنه «مَن كان له حق على السلطان فليرفعه إلى النائب الذي يرفعه إليه».

     وأظهر أورنك زيْب تمسكه بالإسلام والتزامه بشرائعه، فحفِظ القرآنَ الكريم كلَّه بعد ما أصبح سلطانًا، وكان يكتب بخطه المصاحفَ ويبيعها، ويعيش بثمنها؛ لما زهد في أموال المسلمين، وترك الأخذ منها، وكان صاحب عبادة عظيمة، ويخضع للمشايخ ويقربهم، ويستمع إلى مشورتهم، ويعظمهم وأمر قواده أن يستمعوا إلى مشورتهم بتواضعٍ شديدٍ، وكان يصوم الاثنين والخميس والجمعة من كل أسبوع،ٍ لا يتركها أبدًا، وكان يصلِّي التراويحَ إمامًا بالمسلمين، ويعتكف العشر الأواخر في المسجد، فكان أعظم ملوك الدنيا في عصره.

     وليس من المؤرخين مَن يستطيع أن يجادل في أن «الإمبراطور عالم كير» قد كان عاهلًا تقيًا وملكًا نيرًا، و كتب مرةً إلى والده قائلًا له: إن السيادة هي الحفاظ على مصالح الشعب، وإن كل ما لدى الإمبراطور من أملاكٍ وثرواتٍ ليست مِلْكًا له؛ بل هي وديعة تخص البلاد والعباد.

     توفي السلطان في (28/من ذي القعدة 1118هـ = 20/من فبراير 1707م) بعد أن حكم 52 سنة، وكان قد بلغ من تقواه أنه حين حضرته الوفاة أوصى بأن يُدفن في أقرب مقابر المسلمين، وألا يعدو ثمن كفنه خمسَ روبيات!! وكان يعيش حياةً زاهدةً متقشفةً، فقضى على الأبهة والفخامة التي كانت تحيط بالملِك في قصره، وألغى المبالغات المخالفةَ للشرع في استقبال السلطان وتحيته، واكتفى بتحية الإسلام، فكان إمبراطورًا لم تشهد الهندُ مثلَه في اتساع ملكه وصلاح خلقه، وحسن سيرته وسريرته، فلم يكن كباقي سلاطين المغول؛ بل هو خيرٌ منهم جميعًا، وهو ما دعا بعض الأدباء وهو الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله أن يطلق عليه «بقية الخلفاء الراشدين».

الغرض من تدوين “الفتاوى العالكيرية”:

     وقد عيَّن الملِك العادلُ أورنك زيب رحمه الله تعالى مجلسَ الفقهاء في سنة 1073هـ، وكان من أعظم مقاصده أن يتم بشكلٍ نظاميٍّ ترتيب الآراء الفقهية الموثوق بها، التي جاء بها الفقهاء القدامى والمجتهدون السابقون، والتي كانت مُبَعْثَرةً ومُشَــتَّـــتَـةً في العديد من الكتب الفقهية، وذلك لكي يمكن وضع مؤلَّف ٍشاملٍ ترجع إليه المحاكم والأفراد فيما يتعلق بشؤون دينهم، ويمكن القول بالاستناد إلى الوثائق المتوافرة.

     قال الشيخ علي الطنطاوي رحمه الله: وقد وُفِّق أورنك زيب رحمه الله تعالى إلى أمرين، لم يسبقه إليهما أحدٌ من ملوك المسلمين:

     الأول: أنّه لم يكن يعطي عالما عطيةً أو راتبًا إلَّا طالبه بعملٍ، بتأليف أو بتدريس، لئلا يأخذ المال ويتكاسل، فيكون قد جمع بين السيئتين: أخذ المال بلا حق ، وكتمان العلم.

     الثاني: أنّه أول مَن عمِل على تدوين الأحكام الشرعية فى كتابٍ واحدٍ، يُتخذ قانونًا فوضعت له وبأمرِه وبإشرافِه ونظرِه الفتاوى التي نُسبت إليه، فسمّيت «الفتاوى العالمكيرية» واشتهرت بـ«الفتاوى الهندية»، من أشهر كتب الأحكام في الفقه الإسلامي وأجودها ترتيبًا وتصنيفًا(1).

     قال الشيخ محمد خليل بن علي المرادي: وأمر علماءَ بلاده الحنفيةَ أن يجمعوا فتاوى تجمع جُلَّ مذهبهم، مما يحتاج إليه من الأحكام الشرعية، فجمعت في مجلداتٍ وسماها بـ«الفتاوى العالمكيرية»، واشتهرت في الأقطار الحجازية والمصرية والشامية والرومية، وعمَّ النفع بها، وصارت مرجعًا للمفتين، ولم يزل على ذلك حتى توفي رحمه الله تعالى(2).

     وجاء في تاريخ أورنك زيب: وقد تميَّز عهد الإمبراطور أورنك زيب في تاريخ الهند بإدارة قضائية وقانونية نزيهة، والإدارات التالية كانت الإدارات الرئيسة في الدولة:

     1- إدارة الخزينة العامة والإيرادات تحت إشراف الديوان العالي.

     2- النفقات وإدارة المحاسبة العسكرية تحت إشراف البكشي الإمبراطوري.

     3- الهبات الدينية تحت إشراف الصدر الأعظم، ويدخل تحت إشرافه أيضًا أمور الإحسان والصدقات.

     4- القوانين المدنية والجزائية تحت إشراف كبير القضاة.

     5- مراقبة الأخلاق العامة تحت إشراف المحتسب.

     6- وفي نطاق الإدارة القضائية يُعْتبَر قاضي القضاة القاضي الأعلى.

     وكانت إدارة الولايات تَسِيْر على هذا النمط نفسه مع بعض التغييرات المحلية، ويروي المؤرخون أن الإمبراطور أورنك زيب كان في مناسباتٍ عديدةٍ ينتقد الأحكامَ الصادرة عن المحاكم الدنيا، وكان يشعر بأن بعض هذه الأحكام لا تلمُّ إلمامًا كافيًا بالقوانين، وكان هذا - بالإضافة إلى الرغبة السائدة آنذاك من الأسباب الرئيسة التي حملت الإمبراطور على تنفيذ مشروع جمع الفتاوى(3).

الخطوات المتخذة في سبيل تأليف الفتاوى العالمكيرية:

     عرف أورنك زيب إلى جانب مقدرته الحربية باشتغاله بالعلم، فقد كان فقيهًا يهتمُّ اهتمامًا عظيمًا بالفقه الإسلامي، وهذا ما جعله يدرك حاجة زمنه إليه:

     الخطوة الأولى: وكان أول خطوة اتخذها في سبيل جمع الفتاوى وترتيبها اختياره لكبار علماء الفقه والشريعة، ممن كان مشهودًا له بطول الباع في هذا المضمار.

     الخطوة الثانية: وبعد ذلك اتخذ الترتيبات اللازمة؛ لكي يحصل هولاء العلماء المختارون على التعويضات المالية المناسبة.

     الخطوة الثالثة: وفي خطوة ثالثة أصدر هذا الإمبراطور التقِيُّ النقِيُّ الزاهِدُ العابِدُ أوامرَه بجمع كل مايمكن جمعه من الكتب والمؤلفات؛ لتكون مراجعَ تسهل على العلماء المهمة الموكولة إليهم.

     الخطوة الرابعة: وأخيرًا أقام الإمبراطورُ الفقيهُ نفسه مُراقبًا ومتتبعًا للعمل على أساسٍ يوميٍّ، وبذلك كان يطلع يوميًّا ما تمَّ انجازه من أعمالٍ، فتحت إشرافه وبأمره ألّفت أول موسوعةٍ قيمةٍ في الفقه الحنفي، وعُرفت باسم «الفتاوى الهندية» أو «الفتاوى العالمكيرية».

لجنة العلماء المساهمين في تدوين “الفتاوى العالمكيرية”:

     ساهم في إعداد «الفتاوى العالمكيرية» نخبةٌ من كبار علماء الهند الأحناف المتضلعين من العلوم الشرعية الإسلامية الغراء، فالفقهاء الذين ساهموا في جمع كتاب «الفتاوى العالمكيرية» أسماؤهم ما يلي:

     1- الملا نظام الدين البرهان فوري، رئيسًا لمجلس الفقهاء.

     2- القاضي محمد حسين الجونبوري.

     3- القاضي علي أكبر الحسيني أسعد الله خاني.

     4- الملا وجيه الدين الكوباموي.

     5- الملا حامد بن أبي حامد الجونبوري.

     6- الملا محمد أكرم الحنفي اللاهوري.

     7- الملا جلال الدين محمد الجونبوري.

     8- مولانا السيد نظام الدين بن نور محمد التتوي السندي.

     9- الملا محمد جميل بن عبد الجليل الصديقي الجونبوري.

     10- مولانا محمد شفيع السرهندي.

     11- القاضي محمد أبو الخير السندي.

     12- الملا أبو واعظ الهركامي.

     13- الملا وجيه الرب.

     14- الملا ضياء الدين المحدث.

     15- السيد محمد بن محمد القَنّوجي.

     16- الشيخ رضي الدين البهاغلفوري.

     17- مولانا محمد فائق.

     18- السيد عنايت الله المونغري.

     19- الملا غلام أحمد اللاهوري.

     20- الملا فصيح الدين بهلواري.

     21- الشيخ أحمد بن منصور الكوباموي الخطيب.

     22- الملا محمد غوث الكاكوروي.

     23- الشيخ عبد الرحيم بن وجيه الدين الدهلوي.

     24- المفتي أبو البركات بن حسام الدين الدهلوي.

     25- الشيخ أحمد بن أبي المنصور الكوباموي.

     26- القاضي عبد الصمد الجونفوري.

     27- مولانا عبد الفتاح بن هاشم الصمداني.

     28- القاضي عصمة الله بن عبد القادر اللكناوي.

     29- مولانا محمد سعيد بن قطب الدين السهالوي.

     30- القاضي محمد دولة بن يعقوب الفتح فوري.

ترتيب العمل فيما بينهم:

     وقد أسند الملكُ أورنك زيب رحمه الله تعالى ترتيبَ العمل للعلماء المعنيين بالتدوين بحيث:

     (1) عهد إلى الشيخ وجيه الدين الكوباموي القيام بالربع الأول من العمل.

     (2) وعهد بالربع الثاني إلى الشيخ جلال الدين محمد الجونفوري.

     (3) وعهد بالربع الثالث إلى القاضي محمد حسين الجونبوري.

     (4) وخصص الربع الرابع الأخير للشيخ الملا حامد الجونبوري

     وقد ألحق بكلٍّ من هؤلاء العلماء الأربعة عددًا من المستشارين وعلماء الشريعة، وكان عليهم القيام بجمع الكتب الموثوق بها، والمذاهب الإسلامية وترتيبها حسب تسلسلها الزمنيِّ، كما هيَّأ لهم الملِكُ كلَّ ما كانوا يحتاجون إليه من أمهات الكتب والمصادر في الفقه الحنفي، مطبوعةً ومخطوطةً، وكان الملا نظام الدين رحمه الله - يَرْأسُ العلماءَ الأربعةَ المذكورين، وذلك لأنه كان مرتبطًا ارتباطًا مباشرًا بالملِك أورنك زيب رحمه الله، وكان الملِك يُجِلُّه لعلمه الغزير، وتعمقه في علوم الكتاب والسنة، إلى جانب صلاحه وتقواه وزهده في الدنيا وفيما عند الناس، وكونه أكبرَ علماء عصره، فكان الشيخ الملا نظام الدين بوصفه رئيسًا لمجلس الفقهاء يستدعي يوميا لمقابلة الإمبراطور؛ ليطلعه على ما تمَّ إنجازه من العمل، والملِك كان كثيرًا ما يبدي ملاحظات انتقادية على العمل اليومي المنجز، الذي كان يُقدَّر بحوالي ثلاث أو أربع صفحات يوميًا، كما كان يشير إلى بعض النواقص فيما يقدم إليه من مسوَّداتٍ، وقد استغرقت رحلةُ العمل في جمع الفتاوى وتسجيل الآراء الفقهية الموثوق بها فترةَ ثماني سنواتٍ، وقدِّرت تكاليفه المالية بحوالي ثمان مئة ألف روبية هندية آنذاك(4).

أسلوب الكتاب العلمي:

     وقد جُمِعَتْ هذه الأحكامُ الفقهيةُ باللغة العربية السهلة السلسة على أحسن وجه يكون، تلبس من حسن الترتيب حُلَّة الجمال، عاريةً عن الإطناب والإملال، مشتملةً على جل الدرايات النجيحة، وسُميت بــ«الفتاوى العالمكيرية»، واحتوت على عرضٍ موثوق به للمسائل الصَّعْبة المعقَّدة، ولأحكام الشريعة وقوانينها واجتهاداتها، وذلك بأحسن طرازٍ حيث لا يعاني باحثٌ شرعيٌّ أيَّ جهدٍ في البحث عن المسائل المطروحة، ولقي هذا الجهد الجماعي إقبال الناس إقبالًا منقطع النظير، وذاع صِيته أكثر من  مجهودٍ فرديٍّ، ولم يمض على ظهور هذه الفتاوى القيمة والقوانين الشرعية أكثر من قرنٍ حتى طبعت بمصر سنة (1282هـ=1865م)، كما ترجمت إلى اللغة الفارسية والإنجليزية(5).

المصادر والمراجع للكتاب:

     نظرًا إلى أن الملِك أورنك زيب نفسه كان مهتمًّا بعملية جمع الفتاوى لحلّ المسائل المطروحة؛ كي لا يفوت الاحتياطُ في العمل والاجتناب عن الزلل، فمن الحقائق التي لا تُجْحَد أن هذه «الفتاوى العالمكيرية» تستند بصورةٍ رسميةٍ إلى المصادر والمراجع الموثوق بها في المذهب الحنفي، وتُعْتَبر خطوة رائعة في تاريخ قوانين الشريعة الإسلامية بالهند، وحقًّا وهي تتفوق على المجموعات الفقهية الأخرى التي تمَّ إعدادها في الهند قبلها، والكتب التالية تعتبر من أهم مراجع الشريعة الإسلامية التي تمَّ الاستناد إليها في تحضير الفتاوى العالمكيرية:

     1- «الهداية في شرح بداية المبتدي»، لِــعلي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني المرغيناني، أبي الحسن برهان الدين (المتوفى:593هـ).

     2- «الوقاية وشرحها»، لصدر الشريعة الأصغر عبيد الله بن مسعود بن محمود المحبوبي البخاري الحنفي (المتوفى747هـ).

     3- «النقاية مختصر الوقاية في مسائل الهداية»، لصدر الشريعة الأصغر عبيد الله بن مسعود بن محمود المحبوبي البخاري الحنفي (المتوفى747هـ).

     4- «شرح معاني الآثار»، لأبي جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ).

     5- «كنز الدقائق»، لأبي البركات عبد الله بن أحمد حافظ الدين النسفي (المتوفى710هـ).

     6- «مختصر القدوري»، لأحمد بن محمد بن أحمد أبي الحسين القدوري (المتوفى 428هـ).

     7- «المحيط البرهاني في الفقه النعماني»، لأبي المعالي برهان الدين محمود بن أحمد بن عبد العزيز بن عمر بن مَازَةَ البخاري الحنفي (المتوفى:616هـ).

     8- «المحيط الرضوي»، لمحمد بن محمد رضي الدين السرخسي (المتوفى571هـ).

     9- «الجامع الصغير»، لأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني (المتوفى:189هـ).

     10- «المبسوط»، لأبي عبد الله محمد بن الحسن الشيباني (المتوفى:189هـ).

     11- «الكافي في فروع الحنفية»، للإمام محمد بن محمد بن أحمد المروزي الحاكم الشهيد (المتوفى 344هـ).

     12- «منية المصلي وغنية المبتدي»، لمحمد بن محمد بن علي الكاشغري (المتوفى705هـ).

     13- «فتح القدير»، لكمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابن الهمام (المتوفى: 861هـ).

     14- «فتاوى نوازل»، للإمام أبي الليث نصر بن محمد بن أحمد السمرقندي الحنفي (المتوفى 373هـ).

     15- «بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع»، لعلاء الدين، أبي بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني الحنفي (المتوفى:587هـ).

     16- «السراج الوهاج شرح القدوري»، لأبي بكر بن علي بن محمد الحدادي الحنفي (المتوفى800هـ).

     17- «المجتبى شرح مختصر القدوري»، لأبي الرجاء نجم الدين مختار بن محمد بن محمود الزاهدي الغزميني، (المتوفى:658هـ).

     18- «المنتقى في فروع الحنفية»، للحاكم الشهيد أبي الفضل محمد بن محمد بن أحمد المقتول شهيدًا، (المتوفى334هـ).

     19- «البحر الرائق شرح كنز الدقائق»، لزين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجيم المصري (المتوفى:970هـ).

     20- «العناية شرح الهداية»، لمحمد بن محمد بن محمود، أكمل الدين أبو عبد الله ابن الشيخ شمس الدين ابن الشيخ جمال الدين الرومي البابرتي (المتوفى:786هـ).

     21- «جامع المضمرات والمشكلات في شرح مختصر القدوري»، للإمام يوسف بن عمر بن يوسف الكادوري، (المتوفى832هـ).

     ومن المؤلفات القيمة التي تم الرجوع إليها خلال تأليف هذه الموسوعة الفقهية الفتاوى العالمكيرية بالإضافة إلى ما ورد ذكره:

     القُنْيَة الْمُنْيَة لتتميم الغنية للزاهدي (ت:658هـ)، الشمني شرح النقاية لتقي الدين الشمني (ت:872هـ)، الفتاوى التاتارخانية لفريد الدين الدهلوي (ت:786هـ)، الفتاوى السراجية للحنفي (ت:569هـ)، الفتاوى البزازية لابن البزاز (ت:827هـ)، البناية شرح الهداية للعيني (ت:855هـ)، الجوهرة النيرة للحدادي الحنفي (ت:800هـ)، خزانة الفقه للسمرقندي (ت:373هـ)، النهر الفائق شرح كنز الدقائق (ت:1005هـ)، البرجندي شرح مختصر الوقاية (ت:932هـ)، التجنيس والمزيد للمرغيناني (ت:593هـ)، الاختيار لتعليل المختار لأبي الفضل الحنفي (ت:683هـ)، خزانة المفتين للسمن قاني (ت:746هـ)، المختار في فروع الحنفية لأبي الفضل الحنفي (ت:683هـ)، زيادات الجامع الكبير للشيباني (ت:187هـ)، الذخيرة البرهانية مختصر المحيط البرهاني لبرهان الدين الحنفي (ت:616هـ)، غاية البيان ونادرة الأقران في آخر الأوان لكاتب بن أمير الإتقاني الحنفي (ت:758هـ)، مجمع البحرين وملتقى النيرين لأحمد بن علي الساعاتي الحنفي (ت:694هـ)، فتاوى التُّمرتاشي لمحمد بن عبد الله الخطيب التمرتاشي الغزي الحنفي (ت:1104هـ)، وغيرها من الكتب الفقهية التي تلقتها العلماءُ بالقبول، فجمعت هذه الكتب والمؤلفات، ودرست بعنايةٍ فائقةٍ، وفحصت محتوياتها فحصًا دقيقًا، وذلك لغاية الاستعانة بها في عملية جمع الفتاوى العالمكيرية، وكان على القائمين بهذا المشروع الضخم أن ينظموها بحيث يمكن استخراج مبادئ عامة منها قابلة للتطبيق.

     فاقْتَصَرتْ هــذه اللـجنـةُ العلميـةُ المكونة من فئــةٍ كبيـرةٍ من العلماء والفقـهـاء النابـغين المتضلعين مِن عــلم الكتاب والسنة والقياس وإجماع الأمة - في الأكثر - على نَقْلِ ظاهر الروايات، ولم تَلْتَفِتْ إلَّا نادرًا إلى النوادر والدرايات، وذلك فيما لم تَجِدْ جوابَ المسألة في ظاهر الروايات، أو وَجَدَتْ جوابَ النوادر موسومًا بعلامة الفتوى، ونَقَلَتْ كلَّ روايةٍ من الكتب المذكورة أعلاه بعبارتها، مع الإحالة إليها، ولم تُغَيِّر العبارةَ عن وجهها إلَّا لضرورةٍ دعت، ولإشعار الفرق بينهما أشارَتْ إلى الأول بكذا، وإلى الثاني بهكذا(6).

ترتيب الكتاب المنهجي:

     الكتاب ينقسم إلى قسمين رئيسين:

     1- المقدمة.

     2- الكتب والفصول الرئيسة.

     فالمقدمة تشتمل على الحمد والصلاة، وبيانِ أهمية الفقه والفتاوى، وسبب تأليف الكتاب، وفضل سلطان الهند أبي المظفر محيي الدين محمد أورنك زيب في ذلك، وأن جامعيه سهّلوا على الناس الوقوفَ على الروايات الصحيحة في المذهب الحنفي، والأقوالِ المعتمدةِ والراجحةِ فيه، وما تجري عليه الفتوى من أحكام المذهب، وأنهم حافظوا على عبارات الكتب التي نقلوها عنها، وأسندوا كلَّ حكم نقلوه إلى الكتاب الذي أُخِذ عنه، وأنَّ أغلب الأحكام مجردة عن الأدلة، كما تشتمل هذه المقدمة الجامعة على الإشارة إلى اصطلاحهم في عزو النصوص إلى مراجعها.

     وأما الكتب والفصول الرئيسة فهي تشتمل على (59) موضوعًا، وهي:

     كتاب الطهارة، وفيه سبعة أبواب. كتاب الصلاة، وفيه اثنان وعشرون بابا. كتاب الزكاة، وفيه ثمانية أبواب.كتاب الصوم، وفيه سبعة أبواب. كتاب المناسك، وفيه سبعة عشر بابا. كتاب النكاح، وفيه أحد عشر بابا. كتاب الرضاع، كتاب الطلاق، وفيه خمسة عشر بابا. كتاب العتاق، وفيه سبعة أبواب. كتاب الأيمان، وفيه اثنا عشر بابا. كتاب الحدود، وفيه ستة أبواب. كتاب السير، وهو مشتمل على عشرة أبواب. كتاب اللقيط. كتاب اللقطة. كتاب الإباق. كتاب المفقود. كتاب الشركة، وهو يشتمل على ستة أبواب. كتاب الوقف، وهو مشتمل على أربعة عشر بابا. كتاب البيوع، وفيه عشرون بابا.كتاب الصرف، وفيه ستة أبواب. كتاب الكفالة، وفيه خمسة أبواب. كتاب الحوالة، وهو مشتمل على ثلاثة أبواب. كتاب أدب القاضي، وهو مشتمل على أحد وثلاثين بابا. كتاب الشهادات، وهو مشتمل على أبواب. كتاب الوكالة، وهو مشتمل على أبواب. كتاب الدعوى، وهو مشتمل على أبواب. كتاب الإقرار، ويشتمل على أبواب. كتاب الصلح، وهو مشتمل على أحد وعشرين بابا. كتاب المضاربة، وهو يشتمل على ثلاثة وعشرين بابا. كتاب الوديعة، وهو مشتمل على عشرة أبواب. كتاب العارية، وهو مشتمل على تسعة أبواب. كتاب الهبة، وفيه اثنا عشر بابا. كتاب الإجارة، وهو يشتمل على اثنين وثلاثين بابا. كتاب المكاتب، وفيه تسعة أبواب. كتاب الولاء، وهو مشتمل على ثلاثة أبواب. كتاب الإكراه، وفيه أربعة أبواب. كتاب الحجر، وفيه ثلاثة أبواب. كتاب المأذون، وفيه ثلاثة عشر بابا. كتاب الغصب، وهو مشتمل على أربعة عشر بابا. كتاب الشفعة، وهو مشتمل على سبعة عشر بابا. كتاب القسمة، وفيه ثلاثة عشر بابا. كتاب المزارعة، وفيه أربعة وعشرون بابا. كتاب المعاملة، وفيه بابان. كتاب الذبائح، وفيه ثلاثة أبواب.كتاب الأضحية، وفيه تسعة أبواب. كتاب الكراهية، وهو مشتمل على ثلاثين بابا. كتاب التحري، وفيه أربعة أبواب. كتاب إحياء الموات، وفيه بابان. كتاب الشرب، وفيه خمسة أبواب. كتاب الأشربة، وفيه بابان. كتاب الصيد، وفيه سبعة أبواب. كتاب الرهن، وفيه اثنا عشر بابا. كتاب الجنايات، وفيه سبعة عشر بابا. كتاب الوصايا، وفيه عشرة أبواب. كتاب المحاضر والسجلات. كتاب الشروط، وفيه فصول. كتاب الحيل، وفيه فصول. كتاب الخنثى، وفيه فصلان. كتاب الفرائض، وفيه ثمانية عشر بابا.

     وأشار العلماءُ الْمَعْنِيُّونَ بتأليف هذا الكتاب الضَّخْمِ الفريدِ إلى المصادر المعتمدة التي نقلت منها الآراء الفقهية، وشمل هذا الكتابُ جميعَ ميادين الشريعة الإسلامية الغراء، ليكون القانونَ الأساسيَّ إلى جانب المؤلفات المعروفة في هذا المجال.

مكانة الفتاوى العالمكيرية ومزاياها في الفقه الإسلامي:

     حين نتأمل تأملًا عميقًا في محتويات هذا الكتاب: «الفتاوى العالمكيرية» نجدها تناولت كلَّ مظهرٍ من مظاهر الحياة الإسلامية الاجتماعية والدينية للفرد والمجتمع على السواء، وعلى هذا الأساس خصصت فصول مستقلة للأمور العائدة للمعاملات الفردية والاجتماعية، وللسلوك الديني، ولإدارة القضاء، ولشؤون الدولة الداخلية والخارجية، كما أنها تتضمن قواعدَ محدَّدةً للتفسير والتأويل والتفهيم للمسائل الفقهية بشكلٍ صائبٍ وناجحٍ، وذلك لأن العلماء الذين قاموا بإنجاز هذا المشروع استخدموا اصطلاحاتٍ توضح المسائلَ المطروحةَ، وعلى هذا الأساس نجدهم في الأكثر - أنهم استخدموا التعبيرين التاليين، هما: «هو الصحيح»، و«هو الأصح»، للتمييز بين قوة الآراء الفقهية، وكذلك الحال بالنسبة لتعبير: «عليه الفتوى»، وهذا للدلالة على أنه الرأي الذي يجب العمل به، وتعبير: «عليه الاعتماد»، للدلالة على اختيارها على غيرها لاعتباراتٍ؛ كصحة الدليل وقوَّته على غيره، أو لكون الفتوى أرفق بأهل الزمان، وتعبير: «عليه عمل الأمة» لبيان أن علماء المذهب المتأخرين قد أجمعوا على الأخذ بهذا القول من بين الأقوال والآراء الفقهية، وإذا كان التعامل الجاري يأتلف مع رأيٍ شرعيٍّ فيشار إليه بعبارة: «عليه العمل اليوم»، يعني لمناسبته للعرف، وهذه التعبيرات المستخدَمة لترجيح قولٍ من الأقوال المختلفة، ولتمييز الآراء الفقهية قد اخْتِيْرَت بشكلٍ يمكن معه بيان الرأي الفقهي الْمُفَضَّل(7).

     قال الدكتور أحمد سراج في «الفقه الإسلامي والتغير القانوني في البلاد الإسلامية»: تعد هذه الفتاوى العالمكيرية التي تبنت الدولة المغولية في الهند تقنينًا مدنيًّا كاملًا، وهي مأخوذة من المذهب الحنفي، وشملت إلى جانب المعاملات المدنية عددًا من القواعد الفقهية وأحكام التقاضي...(8).

     قال الدكتور عبدُ الستار أبو غدة -رئيسُ الهيئة الشرعية الموحدة لمجموعة البركة المصرفية، وعضوُ مجمع الفقه الإسلامي الدولي-: لقد شهدت العهود الإسلامية منذ القدم محاولات لصياغة أنظمةٍ من الفقه في العصور الإسلامية الزاهرة، ومن هذه المحاولات: في القرن الحادي عشر الهجري رغب الملِك الهندي المسلم محمد أورنك زيب عالم كير في وضع مدونة رسمية للفقه العملي ليجري القضاء، وعول في ذلك على لجنةٍ من فقهاء الحنفية برئاسة الشيخ نظام البرهانفوري، فاستخرجوا الأحكام العملية الراجحة المفتى بها في المذهب الحنفي، فكان من ذلك كتاب «الفتاوى العالمكيرية» أو «الهندية»، وهي مشهورة متداولة، تشهد بالجهد الكبير المبذول في إعدادها(9).

     وهذا كلُّه يدل دلالة واضحة على ما للفتاوى العالمكيرية من قيمةٍ كبيرةٍ، وما لها من مكانٍ مرموقٍ بالمقارنة مع غيرها من كتب الفقه الأخرى في العالم الإسلامي؛ ويمكن القول دون أدنى مبالغة بأنه ليس هناك من عملٍ فقهيٍّ يماثل ما تتصف به الفتاوى العالمكيرية من ميزاتٍ خاصةٍ بها، حتى أصبحت مرجعًا أساسيًا في الأقطار الإسلامية حتى بلدان العالم العربي، وحقًّا ما قال مؤلفو الموسوعة الفقهية الكويتية في المقدمة: «ومن الأمثلة للجهد الجماعي في المؤلفات الفقهية الجارية مجرى الموسوعات: الكتابُ المعروف في الفقه الحنفي بــ«الفتاوى الهندية»، والذي اشترك في إنجازه (23) فقيهًا من كبار علماء الهند بطلب وتمويل ملِكِها محمد أورنك زيب، الملقَّب: «عالم كير» أي فاتح العالم، ولذا سميت «الفتاوى العالمكيرية»(10).

الفتاوى العالمكيرية على طاولة الإدارات القضائية:

     صدر الأمر الملكي أن توضع الفتاوى العالمكيرية موضعَ التطبيق والتنفيذ في جميع الإدارات القضائية في الهند، فقد روى السيد أحمد عن بعض المؤرخين بأنه كما جاء في الجزء السادس الصفحة 249-371 من الفتاوى العالمكيرية: «لا يجوز إتلاف سجلات القضايا ويجب إتاحتها بناءً على الطلب إلى المحاكم الأخرى»، وعندما كان الملِكُ أورنك زيب يعيد قضيةً ما لإعادة النظر فيها لم يكن يكتفي بإعطاء توجيهاته إلى المحكمة التي أعيدت القضية إليها؛ وإنما كان يشير إلى القواعد المذكورة في الفتاوى العالمكيرية التي غفلت المحكمة عن اتباعها عند القضاء(11).

     وذلك لأن هذه الفتاوى بوضعها الحدود والصيغ المناسبة لتطبيق القانون كانت وفقًا لِسُنَّة رسول الله ، فقد أغنت السلطات القضائية عن التحرِّي في مراجع أخرى؛ لكونها متضمنةً أحكامًا بالنسبة لأية نقطة من النقاط القانونية بلغةٍ سهلةٍ واضحةٍ.

     ومنذ إصدار «الفتاوى العالمكيرية» قامت الإدارة القضائية المغولية باتخاذها كأداةٍ من أدوات الإدارة القضائية للمسلمين، وبالنسبة لغير المسلمين كالهندوس فقد كانت تطبق بحقهم أحكام الشريعة بالقدر الذي يسمح به كونُهم من أهل الذمة في دولة إسلامية، على أن أهل الذمة كانوا يخضعون لقانونِ العقوبات الإسلامي، والقانونِ المدنيِّ الإسلامي في الشؤون المتعلقة بالتجارة والعقود، وبالنسبة للمنازعات كان القانون الإسلامي هو القانون المطبَّق، وعلى سبيل المثال: قد استند على الفتاوى العالمكيرية في قضية «سِيْبَا» ضِدَّ «مويونولا» في عام 1818م، حيث جاء في قرار المحكمة: «أن القانون الإسلامي يقر بحق السلطة الحاكمة بإنزال العقاب في حالات الجرائم الخطيرة تحقيقًا لمبادئ العـدالة، على الرغم من أن الطرف المتضرر قد تنازل عن حقه الخاص»، وبالاستناد إلى الفتاوى العالمكيرية تقرر في الحكومة المغولية أن  الصبيَّ البالغَ من العمر أربع عشرة سنةً، والذي قتل صبيًا آخر عمره إحدى عشرة سنة، يجب أن يحكم عليهما بعقوبة «التعزير» الإسلامية، باعتبار أن القصاص لا يجوز إنزاله بحق طفلٍ لم يبلغ سِنَّ الرشد(12).

     وتتجلَّى أهمية «الفتاوى العالمكيرية» عندما نرى اتباعَها في تطبيق الشريعة الإسلامية في أرجاء العالم منذ أن تم جمعُها في القرن السابع عشر الميلادي، فبصرف النظر عن المذاهب الأربعة المتَّبَعة لدى المسلمين في شتى الأقطار الإسلامية؛ فإنه من الطريف أن نلاحظ بأن الأحكام القضائية في الأقطار المختلفة تستند إلى المبادئ القانونية التي احتوتها الفتاوى العالمكيرية، فنرى أن عدَّة بلاد قامت بتطبيق هذه الفتاوى بكل ما تحمل هذه العبارة مِن معنى، فمِن مراكش إلى إندونيسيا، ومن تركيا إلى إفريقيا الجنوبية، استَخْدمت مجموعة الفتاوى كمَرْجعٍ جاهزٍ لإصدار الأحكام القضائية في تطبيق نظرية الشريعة الإسلامية من حيث الشكل والموضوع(13).

الفتاوى العالمكيرية في تاريخ العالم القانوني:

     الفتاوى العالمكيرية التي تم اعتمادها بالاستناد إلى الخطوط العريضة المذكورة أعلاه عبارةٌ عن توطيدٍ للآراء القانونية، التي تم جمعها ضمن إطارٍ من التدقيق والتحليل بشكلٍ لا تعارض فيه مع فحوى القوانين الأخرى في العالم؛ بل تشكل عملية جمع الفتاوى العالمكيرية أسلوبًا فريدًا من أساليب التطور في تدوين القانون بكلِّ ما تحمِل مِن معنى، إذ إنها ربطت ما بين النظريات المدرسيـــــة وتأثيرات الحياة العملية؛ فلذا يُسْتَند إليها بشكلٍ ملحوظٍ في الاستشهاد بها في غالبية القضايا التي تتعلق بتطبيق القــوانين الإسلامية في مسائل الأحوال الشخصية، ومؤلفو كتب النصوص القانونية يستشهدون بسلطة الفتاوى العالمكيرية، ويظهرو نتفوُّقَها في عرض نصوص القوانين، وفي بعض الدول الإسلاميـــــــــــة كانت الفتاوى العالمكيريـــــــة تُتَّبَعَ بكلٍ مباشرٍ.

     والمثالُ على اتِّبَاع الفتاوى العالمكيرية من حيثُ القانون هو قضيةُ «سعدات كامل» في فلسطين، إذ اعتمدت المحكمةُ بعضَ النصوص الواردة في الجزء الثاني من الفتاوى العالمكيرية، وتتعلق هذه القضية بمسألة تطبيق التقادم لأجل استرجاع أملاك العائلة مِن الحكومة التي اسْتَوْلَت عليها، وقد أقرَّ مجلسُ القضاء البريطاني الحُكْمَ الصادرَ عن المحكمة العليا بفلسطين بالاستناد إلى الفتاوى العالمكيرية(14).

     وهذا لأن نصوص الفتاوى العالمكيرية المستندة إلى الشريعة الإسلامية قد ازدادت عمقًا في التطبيق من قبل السلطات اللاحقة، ولعله من الصعوبة أن نجد ما يماثل ذلك في تاريخ العالم القانوني، والسبب الرئيس لذلك أن الفتاوى العالمكيرية قد تمَّ جمعُها مِن قِبَل هيئةٍ مختارةٍ مِنَ العلماءِ المتضلِّعين من الكتاب والسنة، والقضاةِ المهرةِ بالنصوص القانونية، الذين وحَّدوا الآراءَ الْمُـشَـتَّتةَ المتعلقةَ بالشريعة، وجعلوا منها مرجعًا يسهل الاسترشاد به، ولذا كانت المحاكم في ظل الإدارة البريطانية في الهند تُقِرُّ بأصالة الفتاوى العالمكيرية وصحتها.

     ومن أهم الأمثلة على ذلك ما أورده القاضي البريطاني «بيمان» في موضوع قضية «تجبى» ضد «مولى خان»؛ فإن هذا القاضي - العالِم بشرحِه لأصالة الفتاوى العالمكيرية في موضوع عدم شرعية زواج أخت الزوجة أثناء قيام زواج الأخت الأخرى قد قال: «أيًّا كان التفسير الحرفي المعاصر لآيةٍ في القرآن الكريم، فإن المحاكِم لا تستطيع أن تَنْسَى أن الحكمَ المستخرجَ مِن هذه الآية القرآنية - ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء:23]- قد استمَرَّ قائمًا لفترةِ عشرة قرونٍ في ظلِّ حكم سلاطين المسلمين وأباطرتهم، ولذلك فإنَّ هذا القانون الذي وَضَعَ نصوصَه فَطَاحِلُ العلماء المتوافرين في عصرهم، وكبارُ المتشرعين الذين كانوا في خدمة أورنك زيب، يَجِبُ أنْ يُحْظَى منَّا بأعلى مراتب الاحترام... إنَّ الاستشهاد بوثوق كتابٍ ككتاب الفتاوى العالمكيرية، سواء احتمل معناه تفسيراتٍ أخرى أم لا؛ فإن ذلك لا يقدم ولا يؤخر في الأمر، باعتبار أن ما جاء فيه بالنسبة للرأي الراجح لدى مؤلِّفي الفتاوى العالمكيرية هو القانون الصحيح(15).

العناية بـ«الفتاوى العالمكيرية» من ناحية التراجم:

     من المعلوم أن الفتاوى العالمكيرية كانت باللغة العربية السهلة؛ لكن نظرًا لقيمتها وتعميم إفادتها قام العلماءُ والكُتَّاب الباحثون بترجمتها إلى لغاتٍ شتىَّ:

     1- الترجمة إلى الفارسية: أول مَن ترجم الفتاوى العالمكيريةَ هو الأديبُ الأريبُ الشيخ الفاضل العلامة عبد الله مولانا عبد الحكيم الرومي المشهور بالجلبي، كان من كبار العلماء، يعرف اللغات المتنوعة من العربية والتركية والفارسية ويحسنها، وله معرفة تامة بمصطلحات القوم، واليد الطولى في الفقه والأصول، قدم الهند في أيام شاهجهان وسكن بدهلي في زي الفقراء، ولما تولى المملكة عالمكير خصه بأنظار العناية والقبول، وأمره بترجمة «الفتاوى العالمكيرية»، فتَرْجَمها إلى اللغة الفارسية أثناء عهد الإمبراطور أورنك زيب، حتى طبعت الترجمة في عهده المبارك، ثم أعيدت طباعتها في دول الشرق الأوسط عدَّة مراتٍ(16).

     2- ثم شرح شرحًا بسيطًا بالفارسية على كتاب الجنايات من «الفتاوي العالمكيرية» قاضي القضاة الشيخُ نجم الــدين علي بن حميـــــــــد الدين بن غلزي الدين الكاكوروي (المتوفى 1229هـ)، الذي كان من العلماء المشهورين في الهند؛(17) لكن لم يطبع هذا الشرح حتى الآن، ونسخته الخطية توجد في مكتبة باني فور فتنه، الهند.

     3- الترجمة إلى اللغة الأردية: ترجم الفتاوى العالمكيريةَ باللغة الأردية أوّلًا السيدُ أمير علي بن معظم علي الحسيني المـليح آبادي ثم اللكهنوي (المتوفى:1337هـ)، وطبعت هذه الترجمة من مكتبة نول كشور لكناؤ الهند مرَّات وكرَّات، وهي مقبولة متداولة فيما بين العلماء، وفي بداية هذه الترجمة مقدمةٌ طويلةٌ تتضمن أهميةَ الفقه وأصوله(17).

     4- ثم قام بترجمتها إلى الأردية أيضًا كلٌّ من: الشيخ مولانا لقمان الحق الفاروقي، والشيخ المفتي كفيل الرحمن نشاط، والشيخ المفتي جميل الرحمن، قد طبعت ترجمتهم المشتركة عدَّة مرات في ديوبند ولاهور، وهذه الترجمة متوافرة في عصرنا الحاضر.

     5- ترجمتها إلى الإنجليزية: كان بيلي نيل بنجامين إدمونستون (Baillie Neil Benjamin Edmonstone) (المتوفى:1883م) أوَّلَ المستشرقين الذين ترجموا أجزاءً من الفتاوى العالمكيرية إلى اللغة الإنجليزية، وسمَّاها: (A digest of Mohummudan law on the subjects to which it is usually applied by British courts of justice in India) يعني: نصوص مختارة من القانون الإسلامي بشأن الموضوعات التي تطبقها عادةً محاكمُ العدل البريطانية في الهند..

     وطُبِعَت هذه الترجمة الأخيرة أول مرة سنة 1875م من مكتبة «سميث إلدر» في لندن؛ لكن تصرفه بالترجمة قد أسقط المراجع، وفي كثيرٍ من الأحيان أسقط مسائلَ على غايةٍ من الأهمية، لدرجةٍ تجعل القارئ - الذي لا يستطيع الرجوع إلى الأصل يجد كثيرًا من عدم التكامل؛ بل ويجد أحيانًا اختلافاتٍ ليس لها أصل في الطبعة العربية، هو في الحقيقة افْتِئَاتٌ على الموضوع من قبل المترجِم نفسه، لا يمكن الاعتماد عليها كدليلٍ موثوقٍ به.

الخاتمة:

     أخيرًا يمكن القول بأن مسائل «الفتاوى العالمكيرية» كلها مبنية على الأدلة الشرعية المعروفة، تدل على ذلك عبارات الكتاب والمنهج الذي اتبعه مؤلفوه لحل المسائل الفقهية، فهو كتابٌ فريدٌ ضخمٌ؛ بل موسوعةٌ شاملةٌ للمسائل الشرعية في الفقه الحنفي، حتى أصبح مرجعًا موثوقًا به لأهل الفتاوى، وقد تداولتها أيدي العلماء بالقبول والعناية؛ و قد حاولت قدر المستطاع تحليل المنهج المتضمَّن في ثنايا الكتاب، وإلقاء الضوء الخاطف على أهميته وميزاته لدى العلماء، أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذا الأثر العلمي الجليل، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبي ونعم الوكيل.

*  *  *

الهوامش:

(1)     رجال من التاريخ: ص/ 236

(2)     سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر(4/113).

(3)     تاريخ أورنك زيب ( 3/84).

(4)     صفحات من جهود المسلمين في الحضارة الهندية، عبد الحليم عويس ( ص/ 112).

(5)     تاريخ الهند في العصور الوسطى (7/160).

(6)     ملخص من مقدمة الفتاوى العالمكيرية (1/52).

(7)     المختار من الشريعة المحمدية (1/8).

(8)     الفقه الإسلامي والتغير القانوني في البلاد الإسلامية ( ص/10).

(9)     موسوعات الفقه والقواعد رؤية نقية نحو التقنين الفقهي (ص/28).

(10) الموسوعة الفقهية الكويتية ( 1/ 52).

(11) إدارة العدالة في الهند في العصور الوسطى للسيد أحمد:1/41، مخطوط علي جرا تحت رقم ( 1941).

(12) مقدمة مختصر الفتاوى العالمكيرية باللغة الانجليزية، شارل هاملنون ( 1/86).

(13) مقدمة لدراسة القانون الإسلامي، لوبس ميليو، باريس (1/1953).

(14) التقارير القانونية للدول التي تطبق الشريعة الإسلامية ( ص:10، 1952م).

(15) المصدر السابق.

(16) الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام (5/580)

(17) الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام (7/1121)

(18) بر صغير ميں علم فقه، لمحمد إسحاق البهتي ( ص/360 )

_______________________________

(*)    أستاذ بالجامعة الإسلامية العربية بجامع «أمروهه» بالهند.

*  *  *

إلى الأمام

 

مشاكل الحصول على اللغة العربية لغير الناطقين بها في الهند:

أسبابها وحلولها

بقلم:  الأستاذ سجاد حسين بن داود القاسمي

 

 

 

     الحمد الله الذي خلق الإنسان، وعلمه البيان، ونزل القرآن بلسان عربي مبين، والصلاة والسلام على النبي العربي سيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد!

اللغة:

     اللّغة هي فكر الإنسان المترجم لكلماتٍ ومعانٍ وصياغته ضمن قوالب لغوية أدبية، وتصوير الفكر العاطفي بصور وكلمات ترصعها المحسنات البديعية، وهي من أرقى أدوات التواصل بين البشر على مر العصور، وبها تنهض الأمة ويعلو شأنها، ويتحد صفها، ويرسخ تاريخها، اللغة هي صورة الأمة ومعرض لإنجازاتها وثقافاتها ووعيها ورقيّها، وهي رابطٌ قوي يربط بين الذهن والجسد تنقل كل ما يزخر به العقل من أفكار وترجمة لأحرف وكلماتٍ، وتعبر عن كل ما يختلج بالصدر والقلب من فرحٍ أو حزن، وتنقله بصورٍ تشبيهية فيها الكثير من الفن والإبداع، اللغة هي التعبير عن الذات وهي الوطن. و تعد اللغة أداة للإفصاح عن أفراح البشر وأتراحه، ونبضات القلب وخفقاته، وخواطر الضمير وهمساته وللإدلاء بما يتلاطم في الفؤاد من مشاعرجياشة، و عواطف رقراقة، وللإعراب عما ينتج العقل من نتاج علمي وثقافي وتربوي، ولإبانة أحاسيس رقيقة وأخيلة بديعة ووصف لصور مشرقة من الحياة الاجتماعية والدينية.                                                               

اللغة العـربية:

     هي من أحلى اللغات وأنداها، وأجملها وأذكاها، و لها مكانة مرموقة بين لغات العالم جمعاء، ويكفيها عزةً وفخرًا أنّها معجزة الله تعالى التي أنزلها للعالم أجمع في كتابه الخالد، وبها نزل الوحي برسالة خالدة لآخر الزمان فهي واسطة عقد بين اللغــات العالمية لتكاتفه مع الزمن وطواعيتها للنمو والازدهار، وقدرتهـا الفطــرية على التعبيرعن الذات والموجــودات، واحتضانها لينا ومرونة يمكنانها من التكيف وفقًا لمقتضيات العصر. وفوق مــا تتصف أنها لغة رسالة الله الخالدة، ووعاء سنـة نبيه المطهرة، ومعلم في طريق العلم، ومفتاح التـفقّه في الدين وأداة كبيرة لقرع باب التراث الإسلامي الحافل بالخيرات والبركات والمعارف والحكم.

     إن العربية أكثر اللغات السامية تداولًا وأكثرها شيوعًا واستخدامًا، وذلك لاحتـفاظها بمقومات اللغة السامية الأم أكثر من أي لغة سامية أخرى؛ فالعربية لغة نابضة متدفقة يتحدثها عشرات الملايين كلغة رسمية وكذلك مئات الملايين كلغة دينية، وقد تمتعت هذه اللغة بخصائصها العجيبة ومعجزاتها الفريدة منها: الخصائص الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية، ومنها: خصائص حروفها وإعرابها، وتعدد أبنيتها وصيغها، ووفرة مصادرها وجموعها وجودة مفرداتها واشـتـقاقها والدقة في تعابيرهــا وتراكيبها، وفي ذلك يقول «أرنست رينان» العالم الفـرنسي: «إن هذه اللغة قد بلغت حد الكمال في قلب الصحراء عند أمــة من الرحل ففاقت اللغـات بكثرة مفرداتها، ودقة معانيها، وحسن نظـام مبانيها»، كما يقول عبد الرزاق السعدي أحد أعلام اللغة والأدب: «العربية لغة كاملة معجبة تكاد تصور ألفاظها مشاهد الطبيعة، وتمثل كلماتها خطـوات النـفوس، وتكاد تنجلي معــانيها في أجـراس الألفاظ، كأنمــا كلماتها خطوات الضمير، ونبضات القلوب، و نبرات الحياة»(1).

هل لغة القرآن الكريم صعبة؟

     من الحقائق الواضحة وضوح الشمس في رائعة النهارأن جميع اللغات التي يستخدمها البشر ويعالجها نطقًا وكتابة وصحافة في أقصى العالم وأدناه عربية كانت أوفرنسية، عبرانية أو سريانية لا يجمل بأحد رزق عقلًا سليمًا، وذوقًا طيبًا، وعلمًا غزيرًا، واطلاعًا واسعًا، وتجربة شاملة لعلوم اللسانيات واللغويات أن يصف أي لغة من اللغات في العالم بأنها صعبة الحصول وبعيدة المنال، وعزيزة الجانب وبالغة من التعقيد مبلغا سحيقا يخرج عن طوق الإنسان دراستها، و نيلها وإتقانها، ولا يليق بمن يعرف طبيعة اللسان أن يقول عن لغة ما بغاية من البساطة: إن هذه اللغة سهلة غاية السهولة، وميسورة نهاية اليسر، أو سائغة يسوغها كل من هب ودب،  أوفكهة مستساغة يلتذ بها مرتاح البال طيب العيش، أو سلسة منقادة يقودها كل من حرم الموهبة الربانية؛ بل الأمر السديد الصائب في ذلك أنه لا يمكن أن يُقال: إنها صعبة أو سهلة بطبيعتها؛ لأن اللغة وليدة مجتمعها، واتفاق أبنائها الذين يفكرون بها، ويتفاهمون بها. فما من طفل وُلد إلا ومعه استعداد فطري لاكتساب لغة بيئته. واللغة بكونها إنتاجًا بشريًّا لا تنحصر قابليتها للاكتساب والتعلم في أبنائها فقط، وإنما يمكن تعلمها أيضا خارج بيئتها ولغير أبنائها من الناطقين بلغات أخرى. إذن، فالاتجاه الذي يقول: إن اللغة العربية لغة صعبة ومعقدة وإن تعلمها وإجادتها على غاية من الصعوبة لم يصدر من طبيعة اللغة العربية بحد ذاتها، وإنما نتج من طريقة المعاملة معها عند تعليمها وتعلمها، ودراستها وممارستها، وكيف يكون ذلك؟ إن تعليم اللغة العربية للأجانب هو في الحقيقة عملية تعرفهم عليها فإن نجحت تركت فيهم انطباعًا إيجابيًّا، وإن فشلت قَادَتْهم إلى انطباع سلبي عنها. قد عالج معلمو اللغة العربية لغير الناطقين بها عدة اتجاهات تعليمية، أو إستراتيجيات تعليمية في سبيل تعليم اللغة العربية، وتعريف الأجانب على العربية من خلال طريقة صعبة معوجة جعلت محبي اللغة وعشاقها متنكرين لها، ومتقززين منها، ومحتقرين لمنجزات العقل العربي أكثرمن حبهم لها ورغبتهم فيها وتهافتهم عليها تعلمًا ودراسةً.

     لونظرنا نظرة إنصاف وقلبنا الموضوع وجها لوجه لقلنا بدون تردد و ارتباك: إن اللغة العربية من أسهل اللغات منالًا، وأيسرها حصولًا، وأكثرها حلاوة، وأوسعها نطاقًا، وأجملها رونقًا، فكيف يجد الصعوبة وأصنافها طريقًا إلى اللغة العربية؟ وقد قال القرآن الكريم: ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْماً لُّدّاً﴾، يخبر تعالى عن نعمته، وأنه يسر هذا القرآن الكريم بلسان الرسول محمد -- يسر ألفاظه ومعانيه ليحصل المقصود منه والانتفاع به؛ لتبشر به المتقين بالترغيب في المبشر به من الثواب العاجل والآجل، وذكر الأسباب الموجبة للبشارة، وتنذر به قوما لدا، أي: شديدين في باطلهم، أقوياء في كفرهم، فتنذرهم، فتقوم عليهم الحجة، وتتبين لهم المحجة، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيىٰ من حي عن بينة(2). وكيف يتجرأ التعقيد وأخواته أن يجدا السبيل إلى حماها، وقد قال القرآن العظيم: ﴿ فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ فَارْتَقِبْ إِنَّهُم مُّرْتَقِبُونَ﴾،  القرآن بلسانك أي: سهلناه بلسانك الذي هو أفصح الألسنة على الإطلاق وأجلها؛ فتيسر به لفظه وتيسر معناه لعلهم يتذكرون ما فيه نفعهم فيفعلونه وما فيه ضررهم فيتركونه(3). وكيف يشرئب العسر وأخواته أعناقها إلى ساحتها، وقد قال الكتاب الخالد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه: ﴿ وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾، أي: ولقد يسرنا وسهلنا هذا القرآن الكريم، ألفاظه للحفظ والأداء، ومعانيه للفهم والعلم؛ لأنه أحسن الكلام لفظًا، وأصدقه معنى، وأبينه تفسيرًا، فكل من أقبل عليه يسر الله عليه مطلوبه غاية التيسير، وسهله عليه؛ ولهذا كان علم القرآن حفظا وتفسيرًا أسهل العلوم، وأجلها على الإطلاق. فتبين مما أسلفت من الكلام أن الدعاية التافهة الفارغة التي ما زالت ولا تزال تهتف بها أعداء الإسلام والمسلمين و معادو الوحيين الغنيين. القرآن الكريم والسنة الغراء. عن وعاء المصدرين الحافلين بالتشريع الإسلامي، والقانون الباقي ما دامت الخضراء والغبراء قائلين: إن اللغة العربية صعبة المنال ومعقدة المسائل ومستحيلة الحصول؛ حتى وقع أبناء الإسلام في أحبولتهم الماكرة الغاشمة لتدعيمهم فيما ينشرون من الخزعبلات التي لا أصل لها ولمساندتهم فيما يذيعون من الأباطيل لاقوام لها عن أجمل اللغات تحت قبة السماء عبرالعصور، وما ظهرت فكرة شرسة مستغربة عن صعوبة العربية و تعسرها إلا لطمس معالم الإسلام ومحو مآثر الأبطال والقضاء على أمجاد الإسلام وإبعاد الجيل الحديث عن التراث العلمي الغني الذي خلفه سلفنا الصالح وطرزه  كُتَّاب الإسلام في صفحات بيضاء بمداد الروح والقلب.

مشاكل اللغة العربية:

     من الحقائق الثابتة أن معظم أبناء المدارس الأهلية والجامعات الرسمية الهندية وغيرها يعانون مشكلة مريرة تتفاوت من طالب لآخر حسب عدة ظروف تكمن في حب المادة، وتفاعل الطالب، وقدرة المدرس على الإيصال، وكذلك موضوعات المادة نفسها كمًا ونوعًا، ولقد أقلقت هذه الظاهرة العديد من الباحثين من أكاديميين وطلبة، وجذبتهم إلى دراستها لمعرفة أسبابها، والحلول التي يمكن أن تزيلها شيئا فشيئًا حتى تعود اللغة العربية لتتبوأ مكانتها الطبيعية كلغة للقرآن. فلو تحدثنا عن اللغة العربية بصفة عامة ثم تطرقنا إلى مادتين أخرييين هما مادتا الأدب والإنشاء لوجدنا أن هناك أسبابًا لهذه الظاهرة أو المشكلة، ونتوصل بعدها لإيجاد الحلول المناسبة، هيا بنا نستعرض الأسباب التي تعرقل تعلم اللغة العربية السهلة العذبة بالدقة والجدية البالغتين، وننعم النظر في الأمورالتي تشكل عائقًا كبيرًا للمغرمين بتعلمها، والمولعين بدراستها، ونتناول القضايا التي تعترض سبل إتقانها، وإجادتها  كعقبات هائلة مع إيجاد الحلول المناسبة المجدية التي تأخذ بيد الناشئين، وترشدهم إلى أنجع الطرق، وأليقها، وتقلل من خوفهم نحو العربية الطرية، وتدفع عنهم الهزيمة النفسية وتشحنهم بثقة النفس.

ترجع مشاكل الحصول على اللغة العربية إلى أمور تالية:

     (1)المقرر الدراسي (2) البيئة المدرسية (3)الدارس (4) المعلم ( 5) التركيز العشوائي على القواعد أكثر من تطبيقها: أي التدريس النظري دون التطبيقي (6) عدم الاكتراث بالمهارات اللغوية: الاستماع وفهم المسموع والقراءة والكتابة والتحدث.

(1) المقرر الدراسي:

     أما المقرر الدراسي الذي تتبعه وتسلكه المدارس الإسلامية العربية في ديارنا فيخلو مما يهيج شوق الطلاب ونهامتهم في القراءة، ويحرضهم على الاستزادة من المطالعة، ويبعثهم على الحرص والرغبة في دراستها، و يرسخ في أذهانهم سهولتها وعذوبتها، ويحبب إليهم تصفح أوراق النصوص المفروضة، ويوقظ مواهبهم اللغوية، ويفجر قدراتهم المخبوءة، ويستهوي أفئدتهم، ويسحر عيونهم، وتأخذ بمجامع قلوبهم من أجل احتوائه على النثر المتفكك اليابس غير اللائق بذوق النشء الجديد، ومما يزيد الأمر مرارة وخطورة أن كتب النصوص المتداولة في ديارنا تجمع بين رداءة الطباعة وسماجتها وما إلى ذلك من سقطات وغلطات وزلات لا تعد ولا تحصى، ولا يتميز بالجمال والوضوح، ودقة التصوير والطباعة، وروعة الإخراج الفني، وجودة التصميم اللتي تخلب حواس القارئ، وتزيد من القناعة بجدوى اقتناء الكتب اللغوية والأدبية؛ لكن مع الأسف البالغ ما زالت الكتب تشكو ضعفَ الطباعة، والتصميم في زمن الرقي والتطور؛ فالطالب لا يعجبه إلا كتاب منمق بخطوط أنيقة فاتنة موشاة بكلام مطرب شيق يضم في أضلاعه مادة رقيقة أنيسة تلائم مستواه، وتترجم نفسيته وهواه، و تتناغم مع عقليته وطبيعته، وتستهوي اهتمامه، وتلفت انتباهه حتى يكون أسيرما يدرس وتبعا لما يطالع.

     مما لا غموض فيه ولا التواء أن هذا القرن الذي نعيشه يتميز بالعلم والبحوث، والاكتشافات  والمستجدات في شتى مجالات الحياة، اجتماعية كانت أم سياسية، فضائية أم طبية، ويتوجب على اللغة أن تتلاءم مع روح العصر ومتطلباته. لا بد أن يكون في مقرراتنا المدرسية قسم المهارات الأربع: الاستماع، والقراءة، والكتابة، والحوار؛ ويُدرب الطلابُ في الحصص على الاستماع، والحوار، والحديث، واستخدام اللغة عمليًّا. حقًّا، إن مادة الحوارمفقودة تمامًا في المناهج  المدرسية؛ حتى طلابنا المتخصصين باللغة العربية يتخرجون في الجامعة دون أن يُدرَّبوا على المحادثة، ولو لساعة واحدة! في حين إذا انتسب أحدنا إلى أيِّ معهد لتعليم اللغات الأجنبية فإنه سيجد مادة المحادثة مقرَّرة جنبًا إلى جنب مع مادة القواعد؛ فلا بد أن يكون مقررنا الدراسي منطويًا على كل من النظم والنثر المتسمين باللذة والمتعة والمنسجمين مع مستوى الناشئين ولا بد أن يركز  المقرر الدراسي على الاهتمام الأكبر بالنطق الصحيح والإعراب الصحيح والتساؤلات والأمثلة والإبداعات الشخصية وتطويرالذوات والتفكير والإبداع يتلوهما النقاش حول الحياة الاجتماعية التي يستطيع الطالب إحاطتها بتعبيرات وجمل من لدنه.

(2) البيئة المدرسية:

     تعتبر البيئة أكبرعامل يلعب دورًا كبيرًا فعالا في انتشار اللغة، وشيوعها بين المجتمع البشري، وتشكل أمرًا مهما في ازدهارها، وترعرعها بين الكتلة الإنسانية، وتمثل عمودًا فقريًا في نموها، و رقيها بين المولعين بها، وتعد ماء الحياة لنهضتها، ورفعتها بين الراغبين فيها، وبالرغم من ذلك إن المدارس الإسلامية وأبناءها لا يهتمون باستخدام اللغة العربية في فصولهم الدراسية، ودروسهم اللغوية والعربية فضلًا عن معالجتها خارج الفصول، وداخل الرحاب، ومما هو أدهى وأمرأن اللغة العربية تعتبر لغة ثانية؛ لأن الطالب لاتسنح له فرصة في حياته اليومية للنطق بها ولا تسمعها في حجرته؛ وإنها تدرّس في الفصول فحسب؛ بل  يندر وجودها في معظم المدارس؛ لأن معظم المعلمين يتحدثون باللغة المحلية في الحصص العربية ويتناولون المواضيع التي يعلمونها لإحكامها وتعزيزها بلغة لا قيمة لها ولا وزن فتبقى المسكينة أسيرة الكتب. والمسكين الأكبر في هذه الحالة هو الطالب؛ لأن المعلم يطلب منه ما لا يستطيع فعله. يطلب منه التعبير شفويًا وكتابيًا باللغة الفصحى، ويستخدم أستاذ اللغة العربية اللغةَ المحلية في شرح الدروس وحلها، بحجة أن مراعاة أحوال الطلاب أمرلا مناص منه، وأرى هذه حجة فارغة؛ لأن الطلاب الذين يدخلون روضة الأطفال الإنجليزية  - مثلًا - تلقى عليهم الدروس كلها من أول يوم باللغة الإنجليزية، ومعظمهم لا يؤهله مستواه فيها لفهم كل ما يسمعه؛ ولكنه يعمل على رفع مستواه، نجده يفهم ما يسمع شيئًا فشيئًا. ولا يعنينا لو وجدنا منهم صعوبة في الفهم، ستكون مؤقتة وسرعان ما تزول، بإذن الله تبارك وتعالى. لما كانت حالنا هذه تجاه العربية؛ فأنى للناشئين المناخ الملائم الذي يتجلجل بصدى العربية ويتزخرف بجمالها ويتحلى بطلاوتها؟ ومما يؤسفنا ويقلقنا كثيرًا حينما نرى بعضًا ممن تفتخر بهم الأمة وتعتز بانتماها إليهم يثبطون الناطقين بها مدربين الجيل الجديد عليها بدل التشجيع على عملهم المشكور.

     المهمّ أن نبدأ، دون تباطؤ أو تكاسل شق الطريق الأمثل لتكوين البيئة العربية العطرة يشعر عبيقها كل زائر يزور، فإذن، من أهم واجبات المدارس أن تفرض على المعلمين والدراسين للغة العربية على السواء استخدامها فى فصول الجامعة ورحابها وما إلى ذالك من عقد برامج المدرسة، وندواتها ومؤتمراتها، وحفلاتها وجلساتها بنفس اللغة وتعتني المدارس بتعيلق اللافتات، والإعلانات على جدرانها بها فحسب، أضف إلى ذلك إعداد البطاقات المحفزة على تكوين الجو العربي الماتع السار، ويشجع المدرسون الدارسين على كتابة المقالات القصيرة، والملاحظات الوجيزة، و الرسائل العلمية، وطلبات الإجازة والعفو، والمعذرة، ولا يسمح القائمون على المدرسة الناشئين بتقديم طلب في لغة سواها مما يزيد البئية استقرارًا وتماسكًا، وقوة وثباتًا قيام الجامعة بجميع الشؤون التعليمية، والتربوية والثقافية كالشهادات والتوصيات، والورقات اللازمة المعنية حتى الاستمارات ودليلها، بالإضافةِ إلى نشر البرامج الصوتية والمرئية لمختلف الأعمار وبطرقٍ سهلة ومبسطة في رحاب المدرسة، ومن اللازم أن تسعى المدرسة جاهدة في تشجيع القراءة بالجوائـــز والمكافآت، وتشجيع الكتابات الأدبية بكافة أنواعها.

(3) الدارس:

        المشاكل التي يتعرض لها طالب اللغة العربية الحديث العهد بروضتها الغناء النضرة ذات الجمال الفاتن والحسن الباهر فيما يلي:

     (1) إن أكبرمشكلة يواجهها الطالب حين دراسة اللغة العربية هو عدم حبه لتعلمها، والشوق إلى إتقانها، والرغبة الجامحة في إجادتها، وإنما يختار هذه المادة بإجبار من أعضاء الأسرة، وإرغامهم على تعلمها ودراستها؛ فيضيع وقته، ويرجع إلى بيته كما كان من قبل، فلا نتغلب على هذه المشكلة إلا أن نغرس حب اللغة والغيرة عليها ببيان فضلها وفوائدها، وجعلها سبب الافتخار والاعتزاز به، أونيل المكانة العليا في الدارين جميعا.

     (2) الهزيمة النفسية المزدوجة بالدعاية الزائفة السائدة بين طبقة الطلاب في عصرنا هذا، أن اللغة العربية من أصعب اللغات وأعوجها؛ بل عاجزة عن استيعاب المعاني والمصطلحات العلمية الحديثة؛ فالعهدة في ذلك علينا أن نقدم العربية بينهم كالوردة الأنيقة الرائقة التي تعجب الناظرين، وتستهوي قلوبهم، وتستأسركيانهم بشكل شيق يلمس الطالب متعة وتسلية في تعلمها ودراستها.

     (3) تقصير الطلاب في المواظبة على الحضور في الحصص، وعدم متابعتهم دروسهم، وانشغالهم في اللعب واللهو في أحيان كثيرة، وقضاء معظم أوقاتهم في الشوارع والحدائق، والهروب بذلك عن أداء واجباتهم المدرسية، والعكوف على أمور تافهة أخرى غير دراسية تصرفهم عن العناية التامة بها، وتفوت عليهم الفرصة الغالية، وتختطف منهم زهرة الحياة التي يتوقع فيها النجاح الباهر الممتاز.

     على كل حال، فلا يعود أمرالطلاب إلى السداد والخير إلا بنصح فيه شفقة ومحبة، وحب وحنان يدفعهم إلى التهافت على ما يريدون نيلها، وتنبههم على ضياع العمرالعزيز الذي لا يعود أبدًا، وتحذيرهم من الخسائر الفادحة التي سيعانونها من أجل إفلات الفرصة من أصابعهم الناعمة، وتشويقهم إلى المستقبل الزاهر إن نحجوا فيما يرومون.

     (4) الشعوربالتقيد المطلق المتزايد في الحصص كلها عامة، وفي الحصة العربية خاصة، وهذا لا يصلح إلا أن يسمح بقدر من الحرية للتلاميذ للتحدث مع أقرانهم، ومناقشتهم فيما يعملون لكي لايشعروا بالضغط، ووطأة الرقابة الشديدة ويدرسوا الكتاب؛ وهم في لذة وسرور.

     (5) فقدان المشاركة الجماعية النشيطة بين الطلاب والأستاذ ثم بين الأقران بعضهم بعضًا في حل الدروس وتسهيلها؛ فالأستاذ يُعد الدرس ويلقيه والطلاب ينظرون إليه ولا يصغون إليه بآذانهم بتاتًا كأنهم تماثيل تنظرإليها وتنظرإليك، ولكن بدون جدوى، والجهود الجماعية تأتي بثمار يانعة مثمرة دومًا في جميع الأعمال التي يديرها الإنسان في الدنيا؛ لأن الطالب ربما يستحيي من أن يطرح سؤالًا أمام الأستاذ خوفًا من البيئة التعليمية، أوهيبة المعلم، أوخجلًا من أن يجعله أصدقاؤه أضحوكة يضحكون ويستهزؤن به بعد انتهاء الحصة، فمن الضروري أن يكرس المعلمون قدرًا أكبر في تفاعلهم مع التلاميذ وتشجيع الطلاب الأذكياء على المساعدة العلمية لرفاقهم الآخرين الضعفاء؛ لكي تكون جهودهم المبذولة في هذا السبيل ذخرًا لهم، وسلما للرقى في العلم والعمل.

     (6) تراكم النصوص و تكديسها بشكل ممل منفِّر يفرض على الطالب حفظها دون مراعاة ميوله، و مستواه فيحفظ كشريط مسجل، ولا مراء في أن لحفظ النصوص الأدبية نثرًا ونظمًا يدًا غراء، وأثرًا كبيرًا في إثراء المهارات اللغوية، وتنمية الكفاءات اللسانية؛ لكن حفظ الكلمات والتعبيرات الأدبية لا تغني عنهم شيئًا في سبيل الارتقاء بهم، والنهوض بهم نحو الأمام ما لم توجد المرانة المتواصلة المستمرة على طريقة منهجية واقعية تفاعلية لتظهر النتائج  الملموسة المتوخاة في أقرب وقت ممكن.

     (7) ضعف الطالب في القراءة والاستماع والكتابة والنطق، وأما مشكلة القراءة فهي أصبحت قضية صعبة في أوساط المدرسة؛ لذا نرى طالبًا  يقرأ العبارة صحية سليمة من الأخطاء النحوية والصرفية؛ لكن لا تكون قراءته مشجعة، ولهجته عربية ويكون أداؤه متهجنا تمجه الآذان وكثيرًا ما يحدث أن الطالب يختار اللهجة المحلية البعيدة عن أصول التجويد، والنحووالصرف معًا، فالتركيز على تصحيح القراءة مع مراعاة قوانين التجويد، والنحو والصرف أمرلا يستهان به  لتعويد الطالب على تحسين القراءة ليكون لها أثر جميل، وموقع طيب من النفس، والتغلب على هذه المشكلة بصورتين ممتعتين: إحداهما: قراءة الأستاذ بلهجة بديعة فيها صوت الهدير وخرير الماء وغناء البلبل، وطلبه من الطلاب محاكاته فيما يسمعون من نبراته ورناته مراعين خفض الصوت وارتفاعه، وواقفين عند الوقف باعتبار قصره وامتداده.

     وثانيهما: تشغيل الأقراص المدمجة التي فيها خطب وأناشيد، ومحاضرات ودروس للخطباء المعروفين بصفاء صوتهم وروعة بيانهم، ووضوح لهجتهم، وتركيز اهتمام الطلاب على الشاشة الطويلة العريضة، وإصغاء أسماعهم بكل معاني الوعي، واستحضار الحواس إلى الجهاز؛ لكي يستطيعوا محاكاة المحاضر، أو الخطيب، أوكائنا من كان بشكل صائب وصحيح، وبعد انتهاء المسموعة يطلب الأستاذ نقل كلام الخطيب بأسلوب عربي جميل رائق، وينبه على أخطائه، وإن التوى على الطالب فهم كلمة غامضة من المحاضرة؛ فالمدرس يعيدها بصوت واضح؛ والبشر يرقص على قسمات وجهه.

     (8) يشكو الطالب مرارة كبر حجم المقرر الدراسي مع خفض دقائق الحصص المقررة لمادة اللغة العربية مع التركيزالبالغ على إنهاء الجزء المقرر في إطارمن الوقت المحدد دونما اهتمام كبير بالجودة والإتقان والإجادة؛ بل يسعى الأستاذ لإكمال الجزء المقتطع سعيًا حثيثًا، والطالب المسكين يحاول أن يجوب المسيرة الهائلة التي قطعها الأستاذ بوثبة عملاقة لإرضاء المدير، أو المشرف تاركًا تلميذه وراءه يلهث وترتعد فرائصه، وحل هذه المشكلة من تخفيف حجم المقرر التقليدي بمشورة من الأكاديميين ذوي الخبرات الواسعة، والتجارب المحنكة.

(4) المعلم:

     يعتبر المعلم  حجر الزاوية في العملية التعليمية؛ لأنه هو العامل المباشر الذي يعمل على تحقيق الأهداف العامة والرئيسة للتربية والتعليم، وبالتالي كان لابد للأستاذ أن يتصف بمجموعة من المهارات اللازمة المقرونة بالخبرات الواسعة لتنفيذ التدريس بشكل صائب وناجح، ولا تعني المهارات إلا الميزات التعليمية والممارسات التدريبية التي يستخدمها المعلم في نشاطه التعليمي ويتفاعل مع المتعلم والمادة التعليمة في داخل الفصل بهدف تحقيق أهداف معينة.

        المشاكل التي تمثِّل عقبة كبيرة في  سبيل تعلم اللغة العربية من جهة الأستاذ لغير الناطقين بها تأتي في نقاط تالية:

     (1) عدم كون الأستاذ ماهرًا في مادة اللغة مع أنه يعتبر  قطب الرحى لتمكين الطلاب من المادة التي يقرؤونها عليه، وترسيخها في أذهانهم، فلا بد أن يكون معطاء يقدرعلى العطاء، وكريمًا يفيض ما عنده من الثروة العلمية، والخزانة اللغوية على من يحرصون علي تعلمها بطريقة ساحرة سائغة، وهذا لا يمكن إلا أن يكون الأستاذ ماهرًا في اللغة والأدب متسما بالتأهيل التربوي الكافي قبل الخدمة وأثنائها، ومتفانيًا في سبيل تنمية مهاراتهم، وإكسابهم الذوق الصحيح الذي يدفعهم إلى التهافت على اللغة بشكل مدهش.

     (2) المدرس يعوزه تخطيط الدرس، وإعداده باختيار الوسيلة المناسبـــــــــــــة المواتيــــــــــــة مع طبيعة الدرس وأغراضه، ومحتواه ليمكن الطالب من نيل الغايات المنشودة للدرس، وهناك العديد من الوسائل التعليميـــــــة التي يمكن المعلم أن يستخدمها في تخطيطه للدرس، وتنفيذه مثل النماذج والعينات، واللوحات، والسبورات، والخرائط، والشرائح، والتوضيحات التي يتضمنها الكتاب المدرسي والتسجيلات والإذاعة بالإضافة إلى الوسائل والتكنولوجيا الخاصــــــــــــــــــــــــة باستخدام المواد التعليمية.

     (3) حرمان الأستاذ من الإلقاء النشيط الفعال الذي يبعث الطالب على التوقد والتركيز على الموضوع والاهتمام به، ولا يجبر هذا القصور إلا أن يأتي المدرس بتغيير كبير في أسلوبه ولهجته ونبرات صوته رفعًا وخفضًا حتى يمتلك الطالب إحساسه وشعوره، ومن أهم ما يجب على الأستاذ للتغلب عليه أن يقوم بالتدريب على عملية الإلقاء لكونه وسيلة قويمة لنقل المعارف، والمعلومات إلى عقول التلاميذ مع عدم الاقتصار عليها في عملية التدريس.

     (4) اعتماد الأستاذ على الكتاب المدرسي بشكل لا يترك له مجالًا للتحرر منه، أو البعد عن أغلاله حتى يصبح الكتاب المدرسي هو مصدره الوحيد للتعليم، وهذا هو الخطر الأكبر؛ لأن الكتاب يستخدم كمرجع للمعلم والتلاميذ في إعداد الدروس فلا بد له أن يتحرر من قيوده وسلاسله، ويطلق سراح الفكر يعمل بكل حرية في استنتاج المعاني واستخراج المفاهيم، وابتكار المعلومات لكي يكون أكثر إلماما بكلمات جديدة، وأوسع اطلاعًا على تعبيرات خلابة؛ لأن اللغة تتطور مع تطور الزمان ويتبدل مع تبدله؛ ليكون في وسعه تلبية متطلبات الطلاب واحتياجاتهم المتنوعة وإروائهم الغلة العلمية وإقناعهم.

     (5) هذه المشكلة قد باتت عميقة الجذور في مجتمع المدرسين وهي طريقة التلقين، فهي طريقة تقوم على طرف يُلْقِي، أما الآخر فلا يفعل سوى أن يتلقى، وبهذا يفقد الطالب التفاعل مع لغته، ويبقى دون عمل مع أن اللغة تستدعي أن تكون المشاركة النشيطة من كلا الجانبين على السواء مع طرح الأسئلة، والنقاش والحوار، أو إثارة الدافعة لدى الطالب خلال الدرس لئلا ينقطع عنه الطالب؛ حتى لبرهة قليلة.

     (6) تركيز الأستاذ على الأذكياء دونما بذل العناية بالضعفاء مع تثبيطهم، فلا بد للأستاذ أن يكون كالغيث يسقي الأراضي الخصبة والجدباء معًا أو كالورد تتضوع منها رائحة طيبة تنعش النفوس الطيبة والخبيثة على السواء، وبالجملة لا بد للأستاذ أن يقيس مدى تقدم كل طالب بمقارنة أدائه الواجبات التي حددها لنفسه، وليس بمقارنته بأداء غيره من التلاميذ.

     (7) الغلظة والجفوة من المدرسين إزاء الطلاب كأن بينهم عداوة تليدة ساقتهم إلى معركة دامية يشفي فيها بعضهم بعضا غليل صدورهم، فلا يمرن الأساتذة أيديهم على الطلاب ظنا منهم أنهم  كرة يدوية للاستجمام والاستمتاع لهم؛ بل يجب عليهم أن يبالغوا في حسن معاملتهم مع الطلاب، وفتح صدورهم لهم ومشاركتهم في الحديث كأب شفوق لابنه؛ لكي لا تموت مواهبهم وقدراتهم في صدورهم؛ بل تظهر بالحب و الحنان، والرحمة والرأفة، ولا بد أن يكون هناك بعض من الانفتاح والحرية بين الطلاب والأساتذة مع مراعة الرزانة والوقار، وآداب العلم لئلا يخاف الطالب طرح الأسئلة  أمام مربيهم.

     (8) استخدام الأستاذ في الفصول لغته المحلية أداة لشرح الدروس وتفهيمها، فلا يتكلم سوى اللغة العربية خلالها ليكون قـــــــــدوة في ذلك ليقتدي به الطلاب، وأسوة يتأسون بـــــــه، ويحذون حذوه حتى تجري اللغة منهم مجرى الدم في عروقهم وشرائينهم.

     (9) الغرور العلمي المزعوم الذي يعوق الأستاذ عن  الاستعانة بجهود الآخرين في صياغة الخطة، والمساعدة في تنفيذها، من إخصائي اجتماعي وخبير في اللغة و التربية؛ حتى يكون وجه المدرس عبوسًا قمطريرًا حينما يقدم المهرة باللغة العربية توجيهات وإضاءات وإرشادات بدل أن يكون فرحًا مسرورًا.    

     (10) تخلف الأستاذ عن التقدم العلمي المعاصر بعدم تحديث استراتيجيات التعليم وتطويرها باستعمال أحدث التقنيات، واستخدام أدوات الإنترنت في التعليم، فالمطلوب هو إعداد الخطة الناجحة لتذوب العقبات، ومحو الأمية المعلوماتية؛ لأن غرفة الصف في هذا العصر هي غرفة بلا جدران؛ فلا بد من العودة إلى أصول نقررها بما يتجاوز الماضي إلى الحاضر والمستقبل دون انقطاع عن تراثنا لمسيرة العربية قُدُمًا، كي لا يبقون في كهوف التاريخ.

(5) التركيزالعشوائي على القواعد أكثر من تطبيقها، أي: التدريس النظري دون التطبيقي:

     مما لا يتطرق إليه الشك أن قواعد اللغة كالنحو والصرف والبلاغة والعروض تعدّ من أكبر دعائم اللغة تبتني عليها، وتعتبر مقياسًا يعتمد عليه للتمييز بين الصواب والخطأ، والعامي والفصيح؛ فاللازم دراستها بهدف تمكين الطالب من إجادتها وإتقانها شفويًا وكتابة وخطابة؛ ولكن ليست دراسة القواعد والأصول هي المقصود بذاتها كما هو المعتاد في ديارنا؛ بل إن إلمام الطالب بالقواعد لا يضمن له الإتقان في اللغة، لذا نشاهد أغلبية ساحقة من الطلاب يجتازون مراحل الابتدائية والثانوية وينفقون سنوات طويلة في التمكن منها لكن بدون جدوى؛ لأنهم سجلوا القواعد وحفظوها عن ظهر القلب، ولم يجدوا فرصة ليمارسوا ما تعلموا نطقًا وكتابة، فتمثلت القواعد عراقيل في اللغة وازدهارها بدل أن تشق الطريق للدارسين لها إلى الرقي والتطور فيها، وتحولت عقبات في سبيل النهوض بهم إلى انطلاق ألسنتهم، وتفتيق قرائحهم وشحنهم بالثقة بالنفس بدل أن تكون علاجًا لمشاكلهم التي يواجهونها في مشوارهم اللغوي، وكيف لا؟! عندما يلتحق الطالب في الصف الأول والثاني ليتعلم  القراءة والكتابة تنهال عليه تمارين في القواعد، والنحو والصرف من كل صوب وحدب، فعليه أن يميز الفعل من الحرف ومن الاسم، ثم عليه أن يتعرف على أسماء الإشارة، والأسماء الموصولة، والحروف الشمسية والقمرية، والتاء المربوطة والمفتوحة، والمفرد و الجمع والمثنى، والمذكر والمؤنث،  وأدوات الاستفهام، وإضافة الاسم للضمير وعلامات الترقيم.... منهاج يزج ويذخر بقوانين يتوجب على الطالب معرفتها، قال الأديب المفكرالإسلامي صاحب الفضيلة الشيخ نورعالم خليل الأميني حفظه الله رئيس التحرير لمجلة الداعي الصادرة عن الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند خلال الدرس مؤكدًا: ومن الممكن أن يكون الرجل نحويًا، أوصرفيًّا، أوبلاغيًّا من غير أن يكون له ذوق أدبي ولغوي؛ لأن حفظ القواعد له أثربالغ لايجحد؛ لكن اللغة لا يكون الدارس فيها متقنًا إلا بالمرانة والدربة المتواصلتين بجد واجتهاد وشوق ولهفة.

توجيهات لإتقان اللغة العربية وإنماء الثروة اللفظية:

     (1) اليقين الكامل بأهمية اللغة العربية، والاستمتاع بالممارسات اللغوية.

     (2) إثراء معجمك اللغوي والفكري بمطالعة الكتب ذات الأساليب المشرقة حول الموضوعات المختلفة ذات أسلوب بديع، والمضبوطة ضبطًا تامًّا سليمًا، والزاخرة بالكلمات المتنوعة لتسعفك وقت الحاجة، واجعل الكتاب صديقًا لك دائمًا، واقتطع وقتًا ثابتًا يوميًّا يخصَّص للقراءة، وانتق من الكتب أفضلها، ومن القصص أحسنها. ومن الكتب التي أقترحها عليك: صور من حياة الصحابة، وصور من حياة التابعين، كلاهما لعبد الرحمن رأفت الباشا. والنظرات والعبرات لمصطفى لطفي، والقصص الأدبية لعطية الأبرشي، والقصص العربية لكامل الكيلاني، ونصوص الأدب في الكتب المدرسيَّة تفي بالغرض أيضًا.

     (3) التفكيرفي اللغة العربية حتى تتناغم فكرتك مع اللغة وتتلاحم بشكل يصير دمك ولحمك.

     (4) المران على الترجمة الذهنية الفورية لما يطرأ في الذهن من أفكار ورؤى إلى اللغة الفصحى.

     (5) اكتب حوارا متخيلًا بالعربية بينك وبين آخر، ثم قف أمام مرآتك وردده مرارًا حتى تستقر الكلمات، والألفاظ في ذهنك.

     (6) التزم الاستماع إلى مجموعة من الخطب والأحاديث من خلال جهاز الكاسيت، أو الكمبيوتر، أو مشغل  MP3. استمع إلى خطبة سياسية يتحدث فيها الخطيب إلى الجمهور بلغة عربية فصحى، واستمع إلى خطبة دينية ينصح فيها الإمام الآخرين بلغة فصحى، كذلك استمع إلى نشرات الأخبار التي تذاع باللغة العربية، وركز على مخارج الحروف التي ينطق بها المتحدث والخطيب والمذيع، واهتم بنبراته الصوتية، وتغيرات انفعالاته مع كل حدث أو خبر يقوله، واجعل انتباهك في كيفية تقليد ما تستمع إليه بنفس اللغة العربية التي ينطقها، وبذلك تكون قد دربت أذنيك على حب الاستماع للهجة الفصحى.

     (7)  التزم بمشاهدة الحوار بين رجلين سوف يساعدك على تكوينك أكثر فصاحة في التحدث، فعندما تسمع حوارًا يدور بين أكثر من شخص بأسلوب فصيح، تتمكّن من إتقان الطريقة السليمة لنطق الكلمات، ومعرفة أصواتها بشكل جيد، ومن الممكن الاستفادة من متابعة نشرات الأخبار المتنوعة، والتركيز على أسلوب مذيع الأخبار في التكلم؛ لكن لابد أن تكون المذكرة في متناول يديك ليسهل عليك تسجيل الكلمات الجديدة.

*  *  *

الهوامش:

 (1)    عبد الرزاق السعدي، مقومات العالمية في اللغة العربية وتحدياتها في عصر العولمة، بحث  منشور في مجلة آفاق الثـقافة والتراث،العدد الثالث والستون،1429، ص/47.

 2     الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تيسير الكريم الرحمن، سورة مريم /الآية: 97-98.

3       الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تيسير الكريم الرحمن، سورة الدخان /الآية: 59.

*  *  *

إلى الأمام

 

مكتبة دارالعلوم/ديوبند

ماضيها وحاضرها، ومتطلباتها في العصر الراهن

بقلم:  محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري

 

 

 

عناصر البحث:

مدخل، نشأتها، أول مبنى للمكتبة،المتبرعون للمكتبة،وضع الفهارس للمحتويات،عدد الكتب لدى التنظيم، إدخال بيانات محتويات المكتبة في النظام الحاسوبي، المخطوطات في المكتبة، المكتبة المركزية قيد الإنشاء، الحاجة إليها ومتطلباتها، نداء المكتبة إلى الشعوب الإسلامية:

 

مدخل:

     لقد اعتنى المسلمون والحضارة الإسلامية بالعلم والعلماء مالم تعتنِ به أمة من الأمم أو حضارة من الحضارات، وذلك لأن الأمم تتوخى بالعلم كسب المنافع الدنيوية وتحقيق المصالح الشخصية،وأما المسلمون فيكسبون العلم للعلم فحسب، لا لغايات معيشية أخرى، فالعلم هو الهدف والغاية في المنظور الإسلامي، لا وسيلة لكسب المعيشة وتحقيق المصالح المادية. وتظافرت الآيات والأحاديث النبوية على هذه الفكرة الإسلامية السامية التي لايدانيها فيها أمة من أمم العالم، ولسنا بصدد بيان وشرح ذلك، إذ لو ذهبنا نسرد ما يحضر من الآيات والأحاديث ومواقف السلف الصالح من الصحابة ومن بعدهم من طلب العلم للعلم فقط لجاءت مجلدات.

مكتبة دارالعلوم/ديوبند

     ونظرا لأهمية المكتبة ومكانتها ونفعها في المجال التدريسي والتعليمي والتصنيفي اهتمت دارالعلوم/ منذ نشأتها بهذا الجانب، و وضعت نواة هذه المكتبة في فاتحة عمرها. وكان أول شيءبدؤوا به توفير المقررات الدراسية و شروحها. ثم زادوا عليها المصادر من غير المقررات الدارسية في مراحل عدة. وتفيد التقارير الدورية لعام1319هـ أن المكتبة تجمَّع فيها عدد لابأس به من  مصادر العلوم والفنون المختلفة لنهاية هذا العام. فتقول التقارير:"نحمد الله تعالى على أن وفقنا لتوفير مقدار من الكتب الدراسية وغيرها بما يغطي حاجات الطلاب ويفي بها. فلاتأتي على طالب في صف من الصفوف فاتحةُ أيام الدراسة إلا كان بإمكانه أن يحصل على المقررات الدراسية من المكتبة العامة؛ فقد حوت المكتبة ما لابد منه من الكتب وحواشيها و شروحها في كل علم وفن. كما تحتوي المكتبة على بعض الكتب النوادر. فهي في جملتها مكتبة عامرة عظيمة، إلا أن احتواء التراث الإسلامي من الكتب الإسلامية التي لايحصرها عاد، لازالت في حاجة إلى مراحل أخرى كثيرة. وستمثل هذه المكتبة مَعلَمًا بارزًا على  الهمم البعيدة والسخاء وبسط اليد، التي  يتصف بها المسلمون حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها. ويستحق المولوي عابد حسين الحاكم الفخري لـ«جون فور»-الشكر والتقديرَ على أنه منح دارَالعلوم مكتبتَه القيمة العامرة ببعض النوادر. وفي العام ذاته خصصت النواب السلطانة جهان بيغم بولاية «بهوبال» تبرعًا سنويًا متمثلًا في ثلاث مئة روبية هندية انطلاقًا من حبها للعلم وحرصها عليه. وارتفعت كمية التبرعات هذه في الأعوام اللاحقة إلى ألفين وخمس مئة روبية هندية، واستمرت حتى سقطت هذه الولاية المعطاء. و استمرت المكتبة في بعض الحجرات في الجانب الجنوبي من مبنى «نودره». ثم ضاقت الحجرات عن محتويات المكتبة من المصادر والمراجع العلمية الهامة،واحتيج إلى مبنى مستقل لها، وتبرع لهذا الهدف النواب يوسف علي خان أمير «ميندهو» (علي كره حاليًا)-  بمبالغ سخية.

المبنى الحالي للمكتبة:

     في 2/صفرعام 1324هـ= 28/مارس عام 1906م وضع حجر أساس مبنى المكتبة الحالي بين مبنى «نودره» ومسجد «تشته». وكان يطلق على هذا المبنى لمدة من الزمان «المكتبة اليوسفية» نظرًا إلى مساهمة النواب المذكور أعلاه بسخاء،كما تبرع له أصحاب الخير من سكان مدينة «ميروت» كذلك.

     وشهد هذا المبنى توسعة عام 1386هـ/ 1966م فأضيفت إلىها قاعة واسعة للمصادر العربية، بجانب حجرة خاصة بكتب مشايخ وعلماء ديوبند. وشهد هذا المبنى توسعات كثيرة مع مرور الأيام و  ارتفاع عدد المصادر والمراجع المتوفرة فيها،وضم إليه شطر كبير من مبنى قسم الفارسية في المراحل اللاحقة.

ترتيب جديد للمكتبة:

     كانت تحتضن مكتبة «دارالعلوم» نحو مئة ألف كتابٍ، وإن كان العدد الكبير منها نسخ المقررات الدراسية إلا أن نحوًا من نصفها مصادر علمية من غير المقررات الدراسية، ومن هذه الكتب مطبوع، ومنها مخطوط. فإن المكتبة تحتضن عددًا لابأس به من المخطوطات.

     و وُكِل أمر ترتيب الكتب وتنسيقها عام 1355هـ أول مرةٍ إلى السيد محبوب الرضوي، وانتفع روادُ المكتبة بهذه الفهارس لمدة من الزمان مديدة. وفي عام 1382هـ بعد مضي ربع قرن من الزمان احتاجوا إلى إعادة ترتيبها وفهرستها من جديد في حين قد ضُمت إلى المكتبة آلاف من المصادر الجديدة. فاختار المجلس الاستشاري لهذا الأمر المفتي ظفير الدين المفتاحي(1344- 1432هــ/1925 -2011م)، فانصرف الشيخ إلى هذا العمل وبذل فيه من سواد ليله وبياض نهاره مالايعلمه إلا الله تعالى. والأمر الجديد الذي شهدته هذه الفهرسة والصياغة أنه أعدت «كروت» تحمل المعلومات عن الكتاب و تم ترتبيها على حروف الهجاء شأنَ المكتبات الأخرى في العصر الحاضر، وأعانت هذه الكروت في البحث عن الكتاب والمصدر كثيرًا، كما تم إعداد كتاب يعرِّف بالمخطوطات المتوفرة في المكتبة بصورة مستقلة، وطبع في مجلدين. وسيمربك تعريف مفصل بالمكتبة في موضعه بعنوان «المكتبة».

     ومما يميز هذا الترتيب أن المصادر كانت مرتبة حسب الفنون والعلوم فقط، وبصورة إجمالية، وأما الترتيب الجديد فقد أفرز المصادر والمراجع ووزعها على اللغات أولا، فجعل مصادر كل لغة لوحدها، كما اعتنى الترتيب الجديد بفرز المطبوعات من المخطوطات، كما أفرز الكتب المكررة، وأما إذا تعددت طبعات الكتاب فجعل في خانة الكتب المرتبة على الرفوف نسخة أو نسختين من الكتاب، للرجوع إلى المجلد أو الصفحة الخاصة بتلك الطبعة.

إدخال بيانات محتويات المكتبة في النظام الحاسوبي:

     وشرعوا منذ السنوات الأخيرة في إدخال بيانات محتويات المكتبة من اسم المصدر وصاحبه، ولغته، و موضوعه، و رقمه الخاص بالموضوع، والرقم العام إلى الحاسوب الآلي، تيسيرًا للوصول إلى المصدر عن طريق البحث في أجهزة الحاسوب الآلي المنويّ نصبها في المكتبة؛ و تمهيدًا لإعداد مكتبة رقمية في حينها. ويتجاوز عدد المصادر والمراجع والمصادر المتوفرة في المكتبة حسب رقم السجل العام (Woqsi Number) مئتي ألف كتاب. ويجري الآن إعداد (Soft were) خاص بها.

المخطوطات في المكتبة:

     عمل المفتي ظفير الدين - رحمه الله- كتابًا تعريفيًا بالمخطوطات في جزأين، يتضمن الجزء الأول منه مخطوطات خاصة بالمصاحف الشريفة (21مخطوطا)، وتجويد القرآن الكريم باللغة العربية (5مخطوطات) و باللغة الفارسية (9مخطوطات)، و التفسير وما يتعلق به (باللغة العربية) (66مخطوطا)، وأصول الحديث باللغة العربية (5 مخطوطات) ومتون الحديث وما يتعلق به (118 مخطوطا)، أسماء الرجال (13مخطوطا)، و أصول الفقه (باللغة العربية والفارسية) (25مخطوطا)، والفقه العربي (90) والفقه الفارسي(36مخطوطا)، و علم الكلام العربي (66مخطوطا).

     ويحتوي الجزء الثاني من الكتاب التعريفي بالمخطوطات على المخطوطات الخاصة بالتصوف العربي (26 مخطوطا) والتصوف الفارسي(89 مخطوطا)، والتاريخ العربي (18مخطوطا)، والتاريخ الفارسي (36 مخطوطا)، والمعاني والبيان العربي (9مخطوطات)، والأدب العربي (18مخطوطا) والقواميس العربية (6مخطوطات)، والقواميس الفارسية ( 17مخطوطا)، والفلسفة العربية (22مخطوطا)، والمنطق العربي و الفارسي (46مخطوطا)، والهيئة والرياضيات العربية (7مخطوطا)، والهيئة الفارسية (6مخطوطات)، والصرف و النحو العربي والفارسي (40 مخطوطا)، والمناظرة العربي-(4مخطوطات)، والمناظرة -فارسي-(12مخطوطا) والمناظرة أردو- (13مخطوطا) ، و الموضوعات المتفرقة (7مخطوطات) والرياضية- عربي- (6مخطوطات) والرياضية فارسي-(4مخطوطات)، و الطب عربي- (58مخطوطا) والطب- فارسي- (34مخطوطا)، والأدب فارسي- (63مخطوطا)، و الأدب -أردو-(8مخطوطات).

     وفي بداية كل جزء فهرس للمخطوطات على حروف الهجاء، وفي نهايته فهرس أسماء المؤلفين على حروف الهجاء، وفهرس للمصادر والمراجع التي استقى المؤلف تراجم أصحاب المخطوطات ومؤلفيها، بالإشارة إلى مصدر الترجمة وصاحبه والطابع والناشر له.

     واكتفى فضيلة الشيخ المفتي ظفير الدين رحمه الله في كتابه بجزأيه- بتعريف المخطوطات العربية والفارسية بشكل عام، مع أن المكتبة تحتوي على عدد كبير من المخطوطات في اللغة الأردية، وهي كالتالي:

     تجويد القرآن (30)، والتفسير(131)، والحديث (132)، والفقه (133)، وعلم الكلام (134)، و علم المناظرة (135)، وعلم التصوف (136)، والتاريخ (38)، وعلم الأدب (137)، وعلم الرياضيات(84).

تصانيف علماء ديوبند:

     وأفرز المفتي ظفير الدين رحمه الله مؤلفات مشايخ وعلماء دارالعلوم/ديوبند فأفردها في سجل، وخُصص لها جناح من المكتبة، ويبلغ عدد هذه المؤلفات (1730). فاتحة هذه التصانيف مؤلفات المحدث الشاه ولي الله الدهلوي (1114-1176هـ= 1702- 1762م)، والمؤلفون الذين تجمع هذه الغرفة مؤلفاتهم أسماء بعضهم مايلي:

     المحدث الشاه ولي الله الدهلوي، والشاه عبد العزيز (1159-1239هـ/1746-1823م)، و الشاه رفيع الدين(1163-1233هـ/ 1749- 1817م)، والشاه عبد القادر(1167-1230هـ = 1753-1814م)، والشاه محمد إسحاق (نحو1197-1262هـ/1783-1846م)، والشيخ محمد إسماعيل الشهيد (1193-1246هـ  / 1779-1830م )، والشيخ أحمد علي السهارن فوري (1225-1297هـ/1810-1880م )، والحاج إمداد الله المهاجر المكي (1233-1317هـ /1817-1899م)، والشيخ محمد قاسم النانوتوي (1248-1297هـ/1832-1880م)، و الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي ( 1244-1323هـ/1829 - 1905م)، والشيخ محمد يعقوب النانوتوي (1249- 1302 هـ/1833-1884م)، والشيخ ذو الفقار الديوبندي (1237-1322هـ/1822-1904هـ)، والشيخ خليل أحمد الأنبيتهوي (1269 -1346هـ/1853-1920)، وشيخ الهند محمود حسن الديوبندي (1268-1339هـ/ 1851-1920م)، والشيخ أحمد حسن الأمروهوي (1267-1330هـ/1850-1912م)، والشيخ أشرف علي التهانوي (1280-1362هـ/1863-1943م)، والشيخ الحافظ محمد أحمد (1279-1347هـ/1862-1928م) المدير الخامس لدارالعلوم-، والشيخ محمد أنورشاه الكشميري (1292-1352 هـ/1875-1933م )، والشيخ المفتي كفاية الله الدهلوي (1292-1372هـ/ 18751952)، والشيخ المفتي عزيز الرحمن (1275-1347هـ/1858-1928م)، و الشيخ رحيم الله البجنوري (...-1347هـ /...-1929م)، والشيخ عبيد الله السندي (1289-1363هـ /1872- 1944م)، والشيخ منصور الأنصاري (المتوفى 1365هـ /1946م)، والشيخ حبيب الرحمن العثماني (...- 1348هـ/...-1929م)، والشيخ شبير أحمد العثماني (1305-1369هـ/1887-1949م)، والشيخ ميان أصغر حسين الديوبندي (1294-1364هـ/1877-1944م)، والشيخ المفتي محمد سهول البهاري (1287-1367هـ/1870-1948م)، والشيخ مرتضى حسن (نحو 1285-1370هـ/ نحو 1868-1951م)، والشيخ حسين أحمد المدني (1296-1377هـ/ 1879-1957م)، والشيخ مناظر أحسن الكيلاني (1310-1375هـ/1892-1956م)، والشيخ عبد السميع الديوبندي (1295- 1366هـ/1878-1947م)، والشيخ إعزاز علي الأمروهوي (1300-1374هـ/ 1882-1955م)، والشيخ فخر الدين أحمد (1307-1392هـ/1889-1972م)، والشيخ بدرعالم الميروتي (1316-1385هـ/1898-1965م)، والشيخ محمد إبراهيم البلياوي (1304-1381هـ/1886-1967م)، والشيخ حفظ الرحمن (1318-1382هـ/1901-1962م)، والشيخ المفتي محمد شفيع (1314-1396هـ/1897-1976م)، والشيخ محمد إدريس الكاندهلوي (1318-1394هـ/1900-1974م)، والشيخ السيد محمد ميان الديوبندي (1321-1395هـ/ 1903-1975م)، والشيخ محمد طاهر القاسمي رحمهم الله، والشيخ محمد طيب (1315 - 1403هـ/1897-1983م) مدير دارالعلوم-، والشيخ سعيد أحمد الأكبر آبادي (1325- 1405هـ/1908-1985م )، والشيخ منت الله الرحماني (1332-1411هـ/1914- 1991م)، والدكتور مصطفى حسن العلوي (1315-1401هـ/1897-1890م)، والشيخ منظور أحمد النعماني (1323-1417هـ/1905-1997م)، و الشيخ القاضي زين العابدين سجاد (1328-1411هـ/ 1910-1991م)، والشيخ حامد الأنصاري (1327-1413هـ/ 1909-1992م)، والشيخ حبيب الرحمن الأعظمي (1319-1412هـ/1901-1992م)، والشيخ أنوار الحسن الشيركوتي (1324-1396هـ/1906-1976)، وغيرهم زيدت معاليهم في الدارين.

تبرعات بالمقررات الدراسية:

     كانت «دار العلوم» تعوزها كتبُ المقررات الدراسية أول نشأتها، فاستعار القائمون عليها الكتبَ من أهل العلم في المناطق المجاورة لها إلى أجل معلوم، و أهابوا بسكان البلاد إلى توفير كتب المقررات الدراسية. ولقيت هذه الدعوةُ آذانا صاغيةً في أنحاء البلاد، وفتح أصحابُ المطابع صدورهم لها، وتقدموا بالعدد الهائل من كتب المقررات الدراسية للجامعة، كما ساهم بعض الهندوس أصحاب المطابع كذلك- بالتبرع بالكتب لها، وتشير التقاريرالدورية إليه شاكرةً و مقدِّرةً لهؤلاء: «إن أعضاء الشورى بالجامعة مدينون كثيرًا للمنشي نول كشور- صاحب مطبعة «أعظم» بـ«لكناؤ»- الذي ساعد المدرسة ببعض الكتب النافعة كعادته السارية».

     وكانت هذه الهدايا فاتحةَ خيرٍ وبركةٍ، فقد توالت الكتب المطبوعة في كل سنةٍ في هذه المطابع إلى هذه الجامعة، وهي تمثل نموذجًا مبدئيًّا لهذه المكتبة الضخمة القيمة التي تحوي الآلاف من المقررات الدراسية وغير الدراسية. وعلى كلٍ فقد سَعِدَ بالتقدم في هذا المساركلٌّ من الشيخ عبد الرحمن خان - صاحب مطبعة «نظامي» كانفور- ، والمنشي «نول كشور» الراحل. وكان كل منهم أسوة لغيرهم في هذا العمل الخيري. ولم يتخلف أحد منهما عن إهداء إصداراتهما إلى «دارالعلوم» ما دامَا على قيد الحياة. و تقول التقارير الدورية لعام 1294هـ: «ونخص بالشكر كلا من المنشي نول كشور - صاحب صحيفة أودهـ «لكناؤ»- والمستر/ راؤ أمر سنغ- صاحب صحيفة «سفير» بدهانه؛ فإنهما رغم كونهما من الهندوس - يتبرعان بصحفهما القيمة لصالح الجامعة، فيا لَه من كرمٍ وسخاء.

مساحة المكتبة القديمة حاليًا:

     يضم مبنى المكتبة حاليًا ست غرف وصالات، على النحو التالي:

     (1) 49×23 قدم مربع

     (2) 20×19 قدم مربع

     (3) 25×13 قدم مربع

     (4) 24×20 قدم مربع

     (5) 37×13 قدم مربع

     (6) 22×20 قدم مربع.

المكتبة المركزية قيد الإنشاء: الحاجة إليها ومتطلباتها:

     وفي السنوات الأخيرة اشترت الجامعة أو أهدي إليها عدد هائلٌ من المصادر والمراجع العلمية، في حين أن المساحة المتوفرة لها لاتسع ترتيبها و وضعها على الرفوف الموجودة نظرا لضيق المكان على رحبه، وهناك أكداس من المصادر والمراجع العلمية لازالت في مخزن المصادر في انتظار ليتم ترتيبهاو رصفها على الرفوف الخاصة الموزعة على الموضوعات، والحاجة ماسة إلى مبنى أكبر يسع هذه المصادر الموجودة على رفوف المكتبة والمكدسة في خزانتها بالإضافة إلى تزويدها بالتسهيلات العصرية الرائعة اللائقة بمكانة دارالعلوم العالمية السامية، حتى يعم نفعها الأساتذة والطلاب والرواد مراجعتها و الاستفادة منها. ففي عام 1425هـ/ 2005م وافق المجلس الاستشاري بالجامعة على إنشاء مبنى موسع يطلق عليه «مكتبة شيخ الهند محمود حسن الديوبندي». وفعلًا تم الشروع في بنائه- بعد وضع تصميم له على يد المصمم البنائي الشهير السيد/أحمد كاسو، وبإشراف من فضيلة الشيخ عبد الخالق المدراسي حفظه الله- وكيل الجامعة- على قطعة أرض مساحتها 262000 (مئتين واثنين وستين ألف) قدم مربع.

     وهذا المبنى الدائري الناطح للسحاب ذوسبعة طوابق وصل إلى مرحلته البنائية الأخيرة حيث تم بناء الطوابق السبعة. والدوري الأرضي منه يحتوي على قاعة موسعة مساحتها (42000) قدم مربع، يستخدم كقاعة الامتحانات وقاعة المحاضرات. والدوران: الأول والثاني ومساحتهما ثلاثة وسبعون ألف قدم مربع- سيتم استخدامهما فصلًا دراسيًا للحديث الشريف؛ حيث يضم قسم دورة الحديث الشريف حاليًّا نحو ألف وخمس مئة طالب.

     وأما الأدوار الأربعة العليا فمختصة بالمكتبة المعروفة بـ«مكتبة شيخ الهند محمود حسن الديوبندي». و تيسيرًا للصعود إلى الأدوار العليا تَمَّ نصب أربعة مصاعد كهربائية وأربعة سلالم عادية موسعة.

     ومساحة كل دور خاص بالمكتبة تبلغ (42000) قدم مربع، ومجموع مساحة أدوارها الأربعة (168000) قدم مربع.

     وتزدان المكتبة المركزية الجامعية بالتسهيلات الحديثة المتنوعة، وتوزع على صالات متعددة تخص اللغات: الأردية والعربية والإنجليزية والهندوسية، وغيرها من لغات العالم والأديان، وكل صالة تضم المصادر والمراجع الخاصة بالموضوعات الدينية والسياسية والاجتماعية، وأديان العالم كلها.

     ويبلغ عدد رواد المكتبة كل يوم نحو ألف من زائر وباحث، وعدد كبير منهم من يدرس الأديان والفرق والمذاهب العالمية، وعليه خصصت المكتبة جناحًا منها للمصادر والمراجع العلمية الخاصة بالأديان والملل العالمية في مختلف اللغات، لتجتمع هذه المصادر في مكان واحدٍ تيسيرًا على الدارسين والباحثين في إعداد بحوثهم ودراساتهم، والمقارنة بين الأديان.

نداء المكتبة إلى الشعوب الإسلامية:

     1- وعليه تنادي المكتبة جميع المؤلفين والمصنفين والناشرين للكتب وأصحاب الخير إلى تقديم المصادر والمراجع العلمية لهذه المكتبة الشامخة الموسعة؛ فإنه يجلب لهم لسان صدق وأجرًا ومثوبةً في الدنيا والآخرة، وهي صدقة جارية، ودلالة لغيره على العمل الخيري. كما ترجو المكتبة منهم أن يرسلوا عددًا من نسخ الكتاب ليتوفر في كل صالة من صالاتها.

     2- ولامانع لدى مسؤولي دارالعلوم/ديوبند من تحمل نفقات نَقلِ المكتبات الشخصية التي يريد أصحابها وقفها لصالح دارالعلوم/ديوبند- وجلبها إليها إذا ما قام أصحابها بإشعارهم بذلك. كما يمكن تخصيص جناح خاص بالمكتبة الموقوفة في جناح من أجنحة مكتبة دارالعلوم /ديوبند إذا رغب أصحابها في ذلك.

     3- وتضم المكتبة جناحًا خاصة بمؤلفات وتصانيف مشايخ وعلماء الجامعة، فنهيب بخريجي دارالعلوم كلهم إلى تزويد هذه المكتبة بعدد من نسخ أعمالهم العلمية.

     4- وتملك مكتبة الجامعة آليات وأدوات متطورة للحفاظ على المخطوطات،فندعو كل من يملك مخطوطات علمية إلى إهدائها إلى الجامعة إن رغب في ذلك.

     5- تدعو المكتبة أهل العلم، و رؤساء التحرير للمجلات والجرائد الدينية إلى إرسال نسخة منها إلى المكتبة؛ فإنها تقوم بتجليدها على السنوات، والاحتفاظ بها، مما يعين القارئ على الاستفادة منها، وهذه العادة مستمرة منذ القديم، كما تأمل المكتبة أن يُشعر أصحاب الجرائد والمجلات الجامعةَ بما إذا كانوا عاجزين عن إرسالها إلى الجامعة مجانًا.

     6- كما ترجو المكتبة ممن يملك كتبا قديمة، حبيسة في الرفوف، أن يزودوا الجامعة بها؛ فإن الجامعة تقوم بإصلاح ما تخرب أو بلي أو أكلتها الأرضة حتى تعود مصونة صالحة للاستفادة منها.

     7- كما نرجو ممن يملك خزانة من الكتب النادرة ويرغبون في بيعها أن يشعروا الجامعة بذلك.

     8- تهيب الجامعة بأصحاب الخير إلى العناية بتوفير أجهزة الحاسوب الآلي (Computers)، والطابعات(Printers)، والمصورات(Photo copir)، والماسحات الضوئية (Scanner)، وخادم البيانات (Data server).

*  *  *

إلى الأمام

 

خمسة أيام في كيرالا

بقلم:  مساعد التحرير

 

 

 

     بدعوة من الجامعة الكوثرية بكيرالا(1) جنوب الهند- لزيارتها واختبار طلابها والنظر في منهجها الدراسي قمت أنا والشيخ المفتي محمد عثمان القاسمي(2)- أحد أساتذة دارالعلوم/ ديوبند- الذي يستحق مني الشكر على أنه تولى تنسيق الرحلة وحجز المقاعد في القطار من ديوبند إلى دهلي.

     وحسب البرنامج الموضوع طلعنا من ديوبند في الساعة الخامسة مساء من يوم الأحد 16/ديسمبر عام 2017 لنركب القطار السريع المعروف بـ«أحمد آباد إكسبريس»، وتأخر القطار عن موعده ساعتين أو أكثر ومكثنا على المحطة نترقب القطار ترقب العطشان الماء؛ إذ كان الوقت ليلا باردًا جدًا في هذه المناطق، والوقوف على المحطة شبه العراء يعرض المرء لتيارات البرد القارس، فجاء القطار يتهادى فركبناه وأخذنا مقاعدنا فيه، فلما استقر بنا المقام تجاذبنا أطراف الحديث ردهًا من الزمان، وكان للشيخ عثمان شاغلٌ من تحقيق بعض الأعمال التي استصحبها معه، فانصرف إليها، وتوقف القطار على المحطات الكبيرة العديدة بين ديوبند ودهلي حتى وصلنا إليها والساعة تشير إلى العاشرة والربع. فما إن نزلنا من القطار حتى أخذ بي المفتي محمد عثمان إلى محطة قطارات «ميترو»، وكان يسرع الخطى وأنا ورائه ألهث، خشية أن يفوتنا القطار الأخير المتجه إلى المنطقة التي كنا نريد النزول فيها وقضاء الليل على أحد معارف الشيخ عثمان. واشترى الشيخ تذكرتين على قطار ميترو، وانتظرنا قرابة ثلث ساعة حتى جاء القطار. فركبناه فسار سير البرق الخاطف إلى المحطة القادمة، وتوقف القطار على عدة محطات حتى وصل إلى محطة «شتري فور»، فأسرعنا النزول من القطار، والساعة حادية عشرة ليلًا، وخرجنا من المحطة فإذا الحاج/ رفيق(3) واقف ينتظرنا بسيارتـــه الخاصة، فأخذ بنا إلى بيته المجاور للمحطة، ولقينا به والده المسن المنتمي إلى ولاية بنغال الغربية من الهند، فرحب بنا أهل البيت صغارًا وكبارًا أيما ترحيب، ونزلنا في إحدى حجرات البيت الصغير الذي يتوفر فيها الحاجات الأساسية. وقدموا لنا شايًا حارًا فحسونا مما أذهب عنا بعض البرد الذي أصابنا في الطريق، وسرى عنها كثيرًا من العناء الذي لقيناه. ثم تجاذبنا أطراف الحديث مع أهل البيت وصلينا العشاء ثم تعشينا وحسونا القهوة ذات الرائحة القوية النفاذة، وجلس صاحب البيت يسأل المفتي عثمان في الدين وما يهمه من المسائل. ثم أوينا إلى الفراش، ونهضنا من النوم مبكرًا، وصلينا الفجر، وأفطرنا فطورًا خفيفًا ثم حملنا عفشنا إلى السيارة الواقفة بجوار البيت، وركبناها وساق الحاج/رفيق السيارة في طرق دهلي الملتوية التي يتلوى الخريت فيها من خوف الضلال والسير في غير الاتجاه الذي يرغب فيه.و وصلنا إلى المطار الدولي الهندي رقم1 بعد ثلث ساعة من السير، والساعة تشير إلى السادسة تمامًا، ونزلنا فيه وودعنا الحاج/رفيق شاكرين له حسن وفادته وحفاوته البالغة بنا، وما تحمل من المتاعب لأجل لنا.فجزاه الله عنا خير ما يجازي به عباده الصالحين وحقق أمانيه، وهل في أماني المسلم أمنية أغلى من أن يزور بيت الله الحرام، و يقف في المقام، يشتبث بأستار الكعبة ويذرف الدموع على عتبتها، ويسعى بين الصفا والمروة. وهذا ما يولي المرء المسلم لأخيه المسلم الذي أحسن إليه وأكرمه. و كنا حجزنا على الخطوط الجوية (Spice)، واستكملنا إجراءات الركوب إلى الطائرة خلال نصف ساعة ثم توجهنا إلى صالة الانتظار، فلبثنا فيها ريثما يعلن استعداد الطائرة للإقلاع و الركوب إليها،في الساعة التاسعة إلا الربع. وأقلعت الطائرة في الموعد المحدد،وسارت على المدرج ثم ارتفعت في جو السماء شيئا فشيئًا، وفي الساعة الحادية عشرة إلا الربع هبطت على مطار فونه (Pune)، فنزل المسافرون إلى هذه المطار ولبثنا نحن والمسافرون المتجهون إلى كوتشين (Cochin) (4)،  وصعد إليها مسافرون جدد متجهون إليها، ثم أقلعت الطائرة في الساعة الحادية عشرة والربع صباحًا منها متجهة إلى مطار «كوتشين»، حيث وصلنا إليها في الساعة الواحدة والربع. وكان في استقبالنا على المطار كل من الشيخ عبد الغفار(5)، والأخ الفاضل/ رجيب(6)- مدير شؤون التعليم في الجامعة الكوثرية-، خرجنا من المطار وركبنا سيارة خاصة يقوده الأخ/ رجيب، إلى المدرسة في «أرناكولم»، دخلنا المدرسة وصلاة الظهر قائمة، فأول شيء بدأنا به الصلاة ثم تغدينا وأوينا إلى الفراش لنأخذ قسطًا من الراحة، ثم صلينا العصر جماعة، في مسجد المدرسة ذي طابقين، يستخدم الدور الأول منه للصلاة، ولصفوف تحفيظ القرآن الكريم، والدور الأرضي مختص بصفوف تجويد القرآن الكريم، التي يدرسها المقرئ محمد سلمان، وبعد العصرجلسنا مع مسؤولي الجامعة وأساتذتها على الشاي وبعض المأكولات المحلية، وتبادلنا الآراء، وبعض منهم من خريجي دارالعلوم /ديوبند مثل الشيخ ظفير الدين(7)، حتى صلاة المغرب، و صلينا المغرب جماعة في المسجد. وأهم شيء لفت انتباهنا في المسجد هو تقيد الطلاب والأساتذة بالحضور إلى المسجد قبل موعد الصلاة بوقت كافٍ، والمواظبة التامة على التطوع وتلاوة القرآن والأذكار المأثورة بعد الصلوات وقبلها وفي الصباح والمساء، والتزام الطلاب بالعمائم البيضاء على الرؤوس، فيكون منظرًا بهيجًا يشرح الصدر ويبعث الفرح والسروروالغبطة.

     وحسب البرنامج الموضوع عقدنا اجتماعًا مع الشيخ/رجيب القاسمي- مدير الشؤون التعليمية- بعد المغرب، والذي أطلعنا على منهج الجامعة والمواد الدراسية التي يتم تدريسها في الجامعة، لنرى رأينا فيه ونستعد لاختبار الطلاب والاستعراض التعليمي في المدرسة. وتوزع العمل على الشيخ المفتي/عثمان وعلى كاتب هذه السطور لثلاثة أيام لاحقة، على أن نختبر كل يوم طلاب ثلاثة فصول دراسية، ونتعرف على المنهج الذي يتبعه الأساتذة في تدريسهم حتى نرى رأينا فيه.

     وبدأنا هذه الجولة من صباح الغد، وكلفنا الطلاب قراءة كتب المواد الدراسية وسألناهم عن المنهج الذي يتبعه أستاذ المادة في التدريس، ورأينا الطلاب يتكلمون باللغة العربية إلى درجة كبيرة كل حسب مرحلته الدراسية، مما بعث في أنفسنا الفرح والسرور، وهكذا مرت ثلاثة أيام، نختبر الطلاب في النهار، نعد تقريرًا شاملًا للمواد التي اختبرنا الطلاب فيها، بالإضافة إلى منهج مدرس المادة، وفي اليوم الأخير قدمنا إلى مدير الشؤون التعليمية بأمر منه تقريرًا شاملًا جامعًا،ثم عقدنا اجتماعًا للأساتذة والمسؤولين وعرضنا عليهم ما رأينا عرضه، وتشاورنا معهم في منهجية تدريس بعد المواد الدراسية، ومن كرمهم وحسن خلقهم أنهم أصغوا بأسماعهم لآرائنا المتواضعة، كماكسبنا فوائد جمة من هذا المجلس التشاوري، فكان مجلسًا وديًّا أخويًّا رائعًا.

     وذات يوم رغب مسؤولو المدرسة أن نلقي دروسًا في الحديث الشريف على طلاب دورة الحديث الشريف، فألقى الشيخ عثمان عليهم درسًا في سنن أبي داود، وكان من نصيب كاتب هذه السطور درس في شمائل الترمذي ألقيته باللغة العربية؛ لأنها هي لغة التدريس في معظم الأحوال في كيرالا، وأما صاحبنا الشيخ عثمان فيتكلم باللغة العربية بكل طلاقة؛ إذ سبق له أن قضى أعوامًا في هذه المنطقة ودرَّس في بعض المدارس الإسلامية لبضع سنوات.

     وكان لكاتب هذه السطور رغم قلة بضاعته في اللغة العربية- محاضرة حول اللغة العربية وطرق تدريسها والتمكن من الترجمة منها إلى الأردية استمرت ساعتين وربعًا، حضرها طلاب الجامعة بجانب أساتذة الجامعة وبعض مسؤوليها.

     بعد جهود مضنية ومتواصلة بذلناها في اختبار الطلاب وتحليل المنهج الدراسي المتبع في الجامعة الكوثرية وأسلوب تدريس أساتذتها وضع لنا المشرفُ الأعلى على الجامعة وهوالشيخ إبراهيم(8) برنامجًا لزيارة بعض الأماكن الأثرية والسياحية في كيرالا، فأخذ بنا في سيارته الفاخرة الفارهة إلى أول مسجد أقيم في كيرالا في الهند معروف بمسجد شيرامان جمعة  (Cherman Juma Masji)(9).

     وركبنا السيارة بعد، واتجهنا من المسجد إلى سوق السمك على ساحل البحر، وكانت سفن صيد الأسماك مرساة عليه للتفريغ أو لحمل الزاد والحاجات والعودة إلى لجة البحر. ثم اتجهنا إلى بعض المناطق السياحية على البحر، ورأينا الهنود والأجانب يمتعون نفوسهم بجو البحر الهادئ ذلك اليوم بعض الشيء، ويلهون بعض اللهو. توقفت السيارة في بعض المطاعم الشعبية وشربنا القهوة على بعض المأكولات الشهيرة في المنطقة. وعُدنا منه إلى بيت الشيخ إبراهيم الذي هيأ لنا فطورًا شهيًا من السمك الطازج وغيره من المأكولات فتناولنا وشربنا الشاي المنعش في بيته العامر، وعدنا إلى المدرسة، وأخذنا قسطًا من الراحة بعد رحلة طويلة في الوهاد والأنشاز.

     ثم ركبنا السيارة في اليوم التالي صباحًا مبكرًا، مع جماعة تضم المفتي رجيب والمفتي زين العابدين، والمفتي محمد عثمان وكاتب هذه السطور، والسائق عبدالعزيز، والساعة سادسة و نصف، متجهين إلى مونار (Munnar) على بعد نحو مئة كيلو من المدرسة، بعد أربع ساعات تقريبًا وصلنا إلى مونار المدينة وجاوزناها إلى راج مالا (Raj Mala) وهي جبل سامق، و الساعـــة عاشــرة ونصف، وهنا شعرنا ببرد قارس، رغم أن الشمس كانت طالعة، فقد كان البرد وصل إلى (12) درجة مئوية، وتركنا السيارة مع السائق، واشترينا تذاكر للدخول إلى المنتزه الشهير على الجبل، وركبنا سيارات إدارة المنتزه، و طلعنا إلى الجبل كليومترات، ثم توقفت السيارة وقالوا: من أراد الصعود إلى الجبل والتنزه في المنتزه فليمش على  قدميه، وليصعد إلى الجبل لرؤية المناظر الجميلة والحيوانات الموجودة به من الأوعال وغيرها، فنزلنا من السيارة مع النازلين، وبدأنا نخطو خطوات إلى الجبل، ورأينا أول مرة في الحياة الأوعال في الغابة، وتناثرت اللوحات المكتوبة عليها: لايجوز مساس الحيوانات الموجودة على الجبل، ومن ورائنا حراس المنتزه يترقبون الناس وتصرفاتهم بعين من عقاب، والطرق ضيقة جدًا لاتسمح بمرور سيارتين معًا إلا بشق النفس، وطالما وقفت سيارتنا لتفسح المجال للسيارة القادمة حتى تمر ثم تواصل سيارتنا السير إلى الأمام. وتجولنا في الجبل برهة من الزمان، ثم عدنا إلى المكان الذي تركنا سيارة المنـتزه الجبلي هذا، فوجدنا طابورًا طويلًا من المنتظرين للسيارات حتى جاء دورنا للركوب فركبناها، ونزلنا من الجبل بعد نحو ثلاث ساعات إلى حيث تركنا سيارتنا نحن، وكثيرًا ما تنقطع الاتصالات في هذه المنطقة الجبلية، ولم نستطع الاتصال بسائقنا الذي خلفناه مع السيارة إلا بشق النفس. وقد أخذ منا التعب كل مأخذ، ثم شربنا قهوة في بعض المقاهي.وواصلنا السير إلى منطقة ماريور (Marayoor)، وهي منطقة جبلية أعلى من منطقة «راجل مالا»، على بعد نحو أربعين كيلو، والطرق وعرة وعثاء ضيقة يتلون السائق فيها تلون الحرباء خوف التوى والهلاك، ففي جانب منه وادٍ سحيق، و في جانب آخر جبال عالية و زروع خضراء من الشاي مد البصر. انطلقنا من «راج مالا» والساعة ثانية ونصف، وبلغنا «ماريور» والساعة رابعة إلا الربع، مررنا خارج المدينة بمسجد فأوقفنا السيارة وصلينا الظهر، ولم نجد في المسجد أحدًا من المصلين، ثم تابعنا المسير إلى المدينة، نتلمس مطعمًا للأطعمة الحلال، ولم نجد مطعمًا إلا عليه لافتة مكتوب عليها: «الحلال» بألفاظ بارزة، و تنقلنا في المدينة ساعة في البحث عن الطعام الحلال، حتى بلغنا مطعمًا عليه لافتة مكتوب عليها: «الحلال مئة في المئة» واسمه (Sneha Resturan)، فنزلنا من السيارة، سألنا النادل عن اللحوم فقال: هي حلال مئة في المئة؛ لأننا نشتريه من المسلم الفلاني- سماه-، ولم يطئمن بعضنا بقوله فلم يتناول إلا بعض الخضراوات، وأفاد الشيخ/ رجيب أن أصحاب المطاعم لايكذبون فيما يخص اللحوم، فإذا قالوا: حلال، فهوحلال دون ريب. ثم واصلنا السير في الطرق الجبلية وكان الشيخ/رجيب مصرًا على أن يُزيرنا بعض حقـول التفاح، فصعد بنا أعلى الجبل حيث يكون الضباب بصورة مستمرة في كل وقت من ليل ونهار، ونزلنا من السيارة والرذاذ يستقبلنا، فدخلنا بعض الحقول، ولم يكن موسم التفاح، فاكتفينا برؤية أشجاره وبعض الأشجار الأخرى التي لم نرها في حياتنا. وعُدنا أدراجنا والساعة رابعة وربع، حتى بلغنا المسجد الذي صلينا فيها الظهر، والساعة خامسة إلا الربع، فصلينا العصر، ولقينا إمام المسجد وهو الشيخ عبد اللطيف يشتغل مدرسًا في بعض المدارس في مدينة «مريور»، وأفاد بأن الإمام المكلف غائب وهو ينوب عنه في إقامة الصلاة في هذا المسجد، وعرض علينا الشاي، ولكن أعجلنا الوصول إلى «محطة القمة» عن تلبية طلبه، فاعتذرنا إليه، وأفاد الشيخ عبداللطيف بأن عدد المسلمين في المدينة لايتجاوز مئة بيت، ومعظم سكانها نصارى، بجانب قلة قليلة من الهندوس، ولاتوجد حساسية دينية في المنطقة أصلًا، والسكان كلهم يتعايشون في ظلال الأمن والسلم، ولم يستطع عبد اللطيف تحديد النسبة المئوية للمسلمين في المدينة، وذكرأن المصلين يكثرون في صلوات المغرب والعشاء والفجر، وأما صلوات الظهر والعصر فقلما يتوجه إليه أحد للصلاة؛ لأن الناس موظفون أو عملة يدأبون النهار كلها في أعمالهم ووظائفهم في أماكن مختلفة من المدينة. وتبين أن صاحبنا المفتي عثمان سبق أن درَّس أحد إخوان زوجة عبد اللطيف في مدرسة «منجيري»، فتبسط إلينا كثيرًا. ثم ودعنا عبد اللطيف وركبنا السيارة متوجهين إلى «محطة القمة» على بعد أربعين كيلو منها، مرورًا بـ«راجل مالا» ومدينة «مونار»، وكان السائق عبد العزيز يسوق السيارة بمهارة تامة وبسرعة كبيرة، يعتسف الخرق بعد الخرق، في هذه الطرق الملتوية رغبةً في أداء الصلاة في مدينة مونار، فبلغناها ودخلنا المسجد وقد سلم الإمام، فصلينا نحن جماعة في ناحية من المسجد. ثم تناولنا الشاي في المدينة، وكان الشيخ رجيب مصرًا على زيارة «محطة القمة»، وقد أخذ منا التعب كل مأخذ بعد الرحلة الشاقة المرهقة من بزوغ الشمس إلى غروبها، فاعتذرنا إليه عن هذه الزيارة، فتجولنا قليلًا في المدينة، ثم ألح الشيخ /رجيب أن يزيرنا (Water flower) فزرناها وتجولنا في أنحائها، وهي غنية بالأزهار الجميلة ذات أنواع وألوان لاتحصى ولاتعد، وعرجنا على متحف للأسماك، واطلعنا على أنواع كثيرة منها لم نرَ ها من قبلُ. ثم أزمعنا على العودة إلى الجامعة الكوثرية، والوقت الساعة الثامنة ليلاً، و وصلنا إليها في الساعة الحادية عشرة ليلًا بسلام آمنين، وحمدنا الله تعالى على العودة. وبتنا الليلة في الجامعة الكوثرية واستيقظنا صباحًا مبكرًا وخرجنا منها حين انشق الصبح الصادق، بسيارة الشيخ إبراهيم مدير المدرسة وهو يقود السيارة بنفسه، و ودعنا الشيخ إبراهيم والشيخ/رجيب على المطار بعد أن عانقنا وتصافحنا، وفي النفس حزازة على فراق هؤلاء الذين أحبونا في الله تعالى، وأكرمونا فوق ما نستحقه، والفضل في ذلك يرجع بعد الله تعالى إلى الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند، التي تحل في قلوب الناس قاصيهم ودانيهم محلا أسمى، ولحبهم لها أحبوا كل من ينتمي إليها من أساتذة وطلاب. فجزاهم الله خير ما يجازي به عباده الصالحين.

     وكانوا حجزوا لنا مقاعد على طائرة الخطوط الهندية المتجهة إلى دهلي عاصمة البلاد، وتأخرت الطائرة عن موعدها نحو ساعة أو أكثر، دخلنا المطار، واستكملنا الإجراءات اللازمة، واتجهنا إلى صالة الانتظار، وقضينا بها ما تبقى من وقت إقلاع الطائرة. ونزلنا على مطار دهلي للرحلات الداخلية، و ركبنا قطار «ميترو»، وسبق أن حجزنا المقاعد في القطار المتجه إلى ديوبند ووصلنا إليها في الساعة السادسة إلا الربع بسلام آمين، وحمدنا الله تعالى على ذلك.

*  *  *

الهوامش:

(1)     الجامعة الكوثرية: إحدى المؤسسات التعليمية على منهج دارالعلوم/ديوبند، يرجع نشأتها إلى أن الحاج/زبير – أحد أثرياء المنطقة (يوم الجمعة 20 /5/1929- يوم الاثنين 26/6/1990م) خرج مع جماعة الدعوة والتبليغ عام 1973م وزار – زيارة دعوية- كلا من العراق والشام وفلسطين والمدينة المنورة، ومكة المكرمة، وعاد منها بعد أن انقلب رأسًا على عقب، وتبدل نفسا بنفس، فجاشت في نفسه الرغبة في تدريس أبنائه دراسة دينية، فأرسل نجله الحاج/ أويس رحمه الله إلى مدرسة سبيل الرشاد/ بنغالور للدراسة فيها، ثم حدثت نفسه أن ينشئ مدرسة عظيمة في المنطقة تفاديًا من الصعوبات التي يلاقيها الراغب في الدراسة الدينية في الرحلات الشاقة إلى الأماكن البعيدة، وليتيسر على الناس تعليم أولادهم الدين في منطقتهم، فبدأ المدرسة بأستاذ وبعض الطلبة على صورة كُتَّابٍ صغير، بإيعاز من الشيخ موسى (1349-1423هـ=1930-2002م) في مسجد النور بمدينة «أرناكولم» في29/رمضان عام 1394هـ= 15/أكتوبرعام 1974م. هذه هي البداية المصغرة لهذه المدرسة التي عادت فيما بعد مركزًا علميا تعليميا على مستوى «كيرالا».

ولمسجد النور قصة طريفة حكاها لي الأخ الفاضل/رجيب، وهي أن الحاج موسى– أحد أثرياء المنطقة – عاد من الدول الأوربية والغربية، و اشترى هذه القطعة من الأرض في المدينة ليبني عليها مسرحًا وملهى من طراز جديد سائ&#