ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، رمضان – شوال 1439 هـ = مايو – يوليو 2018م ، العــــــــــــدد : 9-10 ، السنــــــــــــــــــــــة : 42

 

دراسات إسلامية

 

فتنة التبرّج والسفور ومسؤولية أئمة المساجد والدعاة إلى الله

بقلم:  الأستاذ عبد الرؤوف خان الغزنوي الأفغاني(*)

 

 

 

أخبرني عددٌ من الإخوة الذين أثق بهم عن عدد من وقائع مؤلِـمة تُخْجِل كلَّ مسلم غَيور وكلَّ مسلمة عفيفة حدثَتْ مؤخَّرًا في مدينة كراتشي ونواحيها نتيجةً لتجوّل النساء السافرات الكاسيات العاريات في الدوائر والمكاتب والأسواق. فحزنتُ حزنًا بالغًا، وجلستُ متشوّشًا قَلِقًا غارقًا في التفكير، وخاطبتُ نفسي أوّلًا ثم إخوتي الدعاة والأئمة والخطباء الآخرين بأننا مقصّرون في أداء المسؤولية التي تقع على عواتقنا من القيام بالجهود المكثّفة، وإبلاغ كلمة الحق إلى مسامع المسلمين، وتذكيرهم بتعاليم الإسلام النظيفة، عن طريق إلقاء المحاضرات الدينيـــــــة المؤثّرة، وإقامة الدروس الدينيـــــة الإصلاحية في المساجد، والاهتمام بالجَوَلات الدعويّــــــــة في الأمكنة المختلفـــة. يقول الله – عـــــــــــــــزّوجلّ-: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الذاريات:55). بعد التفكير في هذا الموضوع صَدَرتْ من قلمي هذه المقالة الموجَزَة التالية:

     إن ظاهرة التبرّج والسفور تتفاقم يومًا فيومًا، فبيئة الأسواق التجارية والمطارات والمحطّات والمجامع العامّة حتى المستشفيات والمدارس العصرية عُرْضَةٌ لهذه الفتنة؛ فإن النساء الكاسيات العاريات المتبرّجات يتجوّلن في هذه الأمكنة بكل حرّية، ناسياتٍ أو متناسياتٍ قولَ الله تعالىٰ في كتابه الكريم: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَآءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيٓ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِيٓ أَخَوٰتِهِنَّ أَوْ نِسَآئِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التّٰبِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرٰتِ النِّسَآءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوٓا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (النور:31)، وناسياتٍ ما أمر الله به أزواجَ النبي – صلى الله عليه وسلم، ورضي الله عنهنّ- مباشرةً وسائرَ النساء المؤمنات عن طريقهنّ قائلًا: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولىٰ﴾ الآية (الأحزاب:33)، وغافلاتٍ عن قول الله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ وَبَنٰـتِكَ وَنِسَآءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَىٓ أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الأحزاب:59).

     فهذه فتنة خَطِرَة تنتشر في المجتمع بشكل سريع، وأصبحت لكثرة انتشارها كأنها قضية بسيطة وأمر عاديّ، وقد حذّر النبي – صلى الله عليه وسلم- أمَّتَه من هذه الفتنة، فعن أسامة بن زيد –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم- «ما تركت بعدي فتنةً أضرَّ على الرجال من النساء» (متفق عليه)، وعن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «إن الدنيا حلوة خضِرة وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة في بني إسرائيل كانت في النساء» (رواه مسلم). كما أخبرنا نبينا الكريم – صلى الله عليه وسلم- قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا بأن هذه الفتنة تظهر في هذه الأمة! فعن أبي هريرة – رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «صنفان من أهل النار لم أَرَهما، قوم معهم سياطٌ كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات، مميلات مائلات، رؤوسهنّ كأسنمة البخت المائلة، لايدخلن الجنة ولايجدن ريحها، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» (رواه مسلم).

     فهل تَضْرب النساء الكاسيات العاريات اللاتي يدّعين أنهنّ مسلمات بتلك النصوص من الكتاب والسنة الآمرة بالحجاب والعفّة عُرْضَ الحائط، ويخْدَعْن بالدعايات المضلِّلة والأصوات الناعقة والكلمات المعسولة الخادعة التي تنتشر في المجتمع عن طريق وسائل الإعلام المتنوّعة؟ وهل يتركن التأسّي ببنات النبي – صلى الله عليه وسلم- الطاهرات، وأزواجه أمهات المؤمنين – رضي الله عنهن-، ويتبعن الماجنات، ويتشبهن بالخبيثات والفاجرات؟.

     فعلى أولياء أمور النساء من آبائهن وأزواجهنّ أن يقوموا بواجب القوامة عليهن؛ حيث جعلهم الله تعالى قوّامين على النساء، فيُصلِحوهنّ بالطريق المناسب من الموعظة الحسنة والهجرة في المضاجع (حينما يظن الزوج أن تكون الهجرة مؤثرة في إصلاحها) والزجر والتوبيخ، يقول الله – سبحانه وتعالى-: ﴿الرِّجَالُ قَوّٰمُونَ عَلَى النِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَآ أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصّٰــــــلِحَاتُ قٰنِتٰتٌ حٰفِظٰتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (النساء:34)

     وعلى أئمة المساجد والدعاة إلى الله أن يكثّفوا جهودَهم الطيّبة ضدَّ مظاهر التبرّج والسفور والاختلاط ونحوها آخذين بالحكمة والموعظة الحسنة؛ فإن أعداء الله يكثّفون جهودهم الخبيثة ضدّ ما تتمتع به المرأة المسلمة من حصانة وكرامة، فيَشُنُّون الحربَ الفكريّةَ الشعواء على أخَوَاتنا المسلمات، وينصبون لها الشِّباك عَبْرَ العناوين الخادعة والمقالات الساحرة، فيُظْهِرون أنهم يريدون تحريرَ المرأة من الحبس والقيد، ويطالبون بعمل المرأة وخروجها من المنزل، ويشيعون الشائعات المُغْرِضة والشُّبهَ الداحضة عن المجتمع الإسلامي المحافظ على المُثُل العليا قائلين: «إن نصفه معطّل، وإنه لايتنفّس إلا برِئَةٍ واحدة؛ حيث ترك المرأةَ حبيسةَ البيت ورهِينةَ المنزل».

     فإذا كان أولياء الشيطان يجتهدون اجتهادًا بالغًا في إفساد المجتمع الإسلامي عن طريق ادّعاء تحرير المرأة فيجب على الدعاة إلى الله أن يقوموا ضدّ أهدافهم الخبيثة، وأن يبيّنوا تعاليمَ الإسلام وآثارَها الطيبة المباركة لعامة المسلمين، وأن يوضّحوا أن أعداء الإسلام لايهدفون في الحقيقة إلى تحرّر المرأة من الحبس والقيد، إنما يهدفون إلى تحرّرها من مُثُلها وقِيَمها ومبادئها، وانسلاخها من أخلاقها وآدابها، وإيقاعها في مستنقَعَات الرذائل ومهاوي الشرور، كما يهدفون من وراء هذه الظاهرة إلى هدف خبيث آخر أيضًا، وهو حرمان بيوت المسلمين من الصلاح وحرمان أطفالهم من التربية الإسلامية؛ فإنه إذا خرجت المرأة إلى السوق فمن يقوم بإصلاح البيت وإصلاح الأولاد؟ فإن المرأة الصالحة والأم المشفقة هي المدرسة الحقيقية الأولى لإعداد الأجيال وصِناعة الرجال.

     وفّق الله – سبحانه وتعالى- المرأة المسلمة في كل مكان لأن تكون على حَذَر من الأيدي الماكرة والعيون الغادرة الخائنة والأنفس الخبيثة التي تريد أن تهبط بها من سماء مجدها، وتُخرجها من دائرة سعادتها، وتَلْعَب بها فتُهْدِرَ عفَّتَها وكرامَتَها ثم تلفظَها لفظَ النواة، وترمِيَها رميَ القذاة. ووفّق الله الدعاة والأئمة وعلماء الأمة لأن يقوموا - بالصدق والإخلاص- بأداء مسؤوليّتهم وتحذير عامّة المسلمين والمسلمات من الوقوع في أودية الفساد وأفنية الشرّ عن طريق فتنة التبرّج والسفور.

والله ولي التوفيق.

*  *  *

*  *



(*)    أستاذ سابقًا بالجامعة الإسلامية: دارالعلوم ديوبند- الهند

           وأستاذ حاليًّا بجامعة العلوم الإسلامية كراتشي- باكستان.