ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، رمضان – شوال 1439 هـ = مايو – يوليو 2018م ، العــــــــــــدد : 9-10 ، السنــــــــــــــــــــــة : 42

 

دراسات إسلامية

 

كيف نستعد لرمضان ؟

بقلم:  الأستاذ أبو العلاء محمد بن حسين بن يعقوب المصري

 

 

 

أحبتي في الله!

     لقي أحد السلف أخًا له فقال له: أترضى حالتك التي أنت عليها للموت؟، قال: لا.

     قال: فهل عرضت عليها توبة من غير تسويف؟، قال: لا.

     قال: فهل تعلم دارًا تعمل فيها غير هذه؟، قال: لا.

     قال: فهل للإنسان نفسان إذا ماتت إحداهما عمل بالأخرى؟، قال: لا.

     قال: فهل تأمن هجوم الموت على حالتك هذه؟، قال: لا.

     قال: فما أقام على ما أنت عليه عاقل.

     إنني -إخوتاه- إذا تخيلت أن هذه الأسئلة وجهت إليَّ أو إليكم، فلن نجيب بأكثر مما أجاب هذا الرجل الصالح، إنها أسئلة أود أن أوجهها لكل منكم بذاته وشخصيته، أسألك وأجِبْ أنت فيما بينك وبين ربك:

     (1) أترضى حالتك التي أنت عليها للموت؟، بمعنى هل ترضى أن تموت الآن؟

     (2) أترضى أن تقبض روحك هذه الساعة؟

     لعل بعض الناس يقول: نعم، لكي أستريح، أقول: وما يدريك أنك ستستريح؟!، لعلك تخرج من نكد الدنيا وعذابها إلى نار الجحيم التي هي أنكى وأشد وأبقى.

     (3) أترضى حالتك التي أنت عليها للموت؟

     لعل بعضنا يقول: نعم وهو لا يدري ماذا في قلبه، إنه لا يرضى بالموت الساعة إلا غافل جاهل.

     (4) أترضى حالتك التي أنت عليها للموت، لا؟

     (5) فهل عزمت على توبة من غير تسويف؟، الصادق سيقول: لا، ذكرت في كتاب «كيف أتوب» أن الذي يقرأ القرآن وينظر إلى النساء، يقوم الليل ثم يدخن .. يصوم ثم يكذب، أن هذا علامة من علامات فساد القلوب، وهو قدح في التوبة.

     لا بد لهذه التوبة من شروط، وشروطها ثلاثة وهي: الإقلاع والندم والعزم، الإقلاع عن الذنب والندم على ما فات والعزم على عدم العودة، فإذا استحضرت هذا وسئلت الآن: هل تنوي توبة من غير تسويف؟، ستقول: لا.

     ثم يأتيك السؤال التالي:

     (6) هل هناك دار للعمل غير هذه الدنيا؟ يعني هل هناك زمان للعمل غير عمرك؟، بالطبع لا.

     (7) فهل لك نفسان إذا ماتت إحداهما تعمل بالأخرى؟، بالطبع لا.

     (8) فهل تأمن هجوم الموت عليك الآن؟، بالطبع لا، فهذه حالة لا يقيم عليها عاقل.

     اللّٰهم بلغنا رمضان؛ فإن الذنوب تتكاثر علينا، اللّٰهم بلغنا رمضان؛ فإن القلوب قد اسودت منا، اللّٰهم بلغنا رمضان؛ فقد أثقلت الخطايا كواهلنا، اللّٰهم بلغنا رمضان؛ فقد اشتد شوقنا إليـه، اللّٰهم بلغنا رمضان؛ فقد طال انتظارنا له، إننا ننتظر بالفرح حلول رمضان، وكيف لا يبشر المؤمن بفتح أبواب الجنان؟!، وكيف لا يسعد المذنب بغلق أبواب النيران؟! فالسعادة في دخول رمضان.

     ولكن أي فرح؟، إنه الفرح بفضل الله تعالى، قال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58]، إننا ننتظر رمضان الساعة تلو الساعة، فلابد أن نعلم بماذا نفرح؟

     فالفرح فرحان: فرح بالحق، وفرح بالباطل، الفرح بالحق هو الفرح برحمة الله وفضله، أن تفرح بتوبة الله عليك من المعاصي والذنوب، تفرح بتوفيق الله لك بقيام الليل كل ليلة لمدة شهر، تفرح لأن الله أعطاك فرصة لأن تحسن إلى الخلق فتطعم المساكين، وأن تدعو الله في صيامك وعند فطرك وتشعر أن للصائم دعوة مستجابة.

     أما الفرح بالباطل فهو كمن يفرحون بالمسلسلات والأفلام، ينتشي أحدهم؛ لأن في رمضان سيكون هناك فوازير ومسرحيات، يفرح لأن في رمضان كرة ومباريات، دورات رياضية واحتفالات، خيام رمضانية وسهرات، فهذا فرح بالباطل، قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ في الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ * ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خٰلِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [غافر: 75 - 76].

     يفرح المؤمن بالحق، فيفرح بفتح أبواب الجنة وغلق أبواب النار، ويستبشر فيه بوقت تغل فيه الشياطين، ولكن لا بد من الاستعداد لهذا الفرح، لا بد من إعداد العدة لهذا المهرجان، لا بد من التجهز قبل قدوم الضيف ..

     قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ الله انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقٰـعِدِينَ﴾ [التوبة:46]، إن من منن الله العظيمة وآلائه الجسيمة ونعمه الكريمة علينا أن يبلغنا رمضان، واعلم أيها الحبيب أن من النعم التي يغفل أكثر الناس عن شكرها نعمة الإمهال.

     سبحان الملك الحليم!، كَتبَ في كتاب فهو عنده فوق العرش أن رحمته سبقت غضبه، وأن مؤاخذته سبقت عقابه، سبحانه فهو الكريم، فاشكر نعمة الله على ذلك، كم رآك على معصية طيلة السنة فسترك وعافاك وأمهلك وأخَّرك حتى أدركك رمضان، ومنحك الفرصة لتتوب فيتوب عليك ويكرمك ويعطيك ويمنحك ويغفر لك ما تقدم من ذنوبك طيلة عمرك؛ ولكن لا بد من الاستعداد لهذا الشهر قبل مجيئه، حتى تتروض النفس على الطاعة قبل الشروع فيها، لابد من إعداد العدة وأخذ الأهبة لرمضان.

     قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة:46]، فلما لم يعدوا العدة للخروج عُلم أنهم غير صادقين؛ لذلك عوقبوا بالتثبيط والخذلان، فإن كنت تريد العتق من النار في رمضان .. إن كنت تريد أن تقبل، وتمحي خطيئتك فلابد من إعداد العدة، يقول ابن القيم رحمه الله: «حذارِ حذار من أمرين: أن يأتي واجب الوقت وأنت غير مستعد له ومتهيء لفعله، فتعاقب بالتثبيط عن فعله والتخذيل عن تحصيله، قال تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ الله إِلَى طَآئِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخـٰلِفِينَ﴾ [التوبة:83].

     وحذار من رد الأمر لأول وهلة لمخالفته هواك؛ فتعاقب بتقليب القلب، قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الأنعام:110]» اهـ.

     من هنا عُلم أنه لا بد من الاستعداد لشهر رمضان قبل دخوله حتى لا تعاقب بالتثبيط عن أفعال الخير والتخذيل عن زيادة الطاعات في رمضان، وافهم الآية في ضوء هذا الكلام، أن كراهية الله انبعاثهم وتثبيطهم كانت نتيجة عدم استعدادهم أصلًا وعدم صدق رغبتهم في ذلك، أما إذا استعد الإنسان للعمل وتجهز لأدائه وأقبل على الله راغبًا إليه؛ فإن الله سبحانه أكرم من أن يَرُدَّ عبدًا أقبل عليه.

     ولذلك كان السلف يستعدون لرمضان استعدادًا حقيقيًّا يبدأ ذهنيًّا، فيدعون الله ستة أشهر أن يبلغهم رمضان، ثم يدعون الله ستة أشهر أخرى بعد رمضان أن يتقبل رمضان، فكأن السنة كلها رمضان، ومن الاستعداد أيضًا أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم كان يكثر الصيام في شعبان حتى كان يصومه كله إلا قليلًا، وما رؤي في شهر هو أكثر صيامًا من شعبان، وما استكمل صيام شهر قط إلا رمضان.

     هؤلاء السلف كانوا يعرفون قدر رمضان، قال يحيى بن أبي كثير: كان من دعائهم: اللَّهم سلِّمْنِي إلى رمضان وسلِّم إليَّ رمضان، اللَّهم سلمنا لرمضان وسلم رمضان لنا، وتسلمه منا متقبلًا.

بلوغ رمضان نعمة من الله علينا:

     أيها الإخوة، إن بلوغ شهر رمضان، وصيامه نعمة عظيمة على من أقدره الله عليه، يدل على ذلك هذا الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رجلان من بلي من قُضاعة أسلما مع النبي – صلى الله عليه وسلم-، واستشهد أحدهما وأُخِّر الآخر سنة، قال طلحة بن عبيد الله: فأُرِيت الجنة فرأيت فيها المؤخر منهما أُدْخِل قبل الشهيد فعَجِبت لذلك، فأصبحت فذكرت ذلك لرسول الله – صلى الله عليه وسلم- فقال: «أليس قد صام بعده رمضان، وصلى ستة آلاف ركعة أو كذا وكذا ركعة صلاة السُّنة؟»، وفي رواية قال: «وأدرك رمضان فصامه، وصلى كذا وكذا سجدة في السَّنة؟» قالوا: بلى، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: «إن الذي بينهما لأبعد مما بين السماء والأرض»(1).

     فبلوغ رمضان نعمة، ومن حرم رمضان فهو المحروم، من حرم خيره فهو المحروم، ومن لم يتزود لاستقباله فهو ملوم ..

     أتى رمضانُ مزرعةُ العبادةْ

                      لتطهيرِ القلوبِ مِنَ الفسادِ

     فأدِّ حقوقَهُ قولًا وفعلًا

                      وزادَكَ فاتخذهُ للمعادِ

     فمَنْ زرعَ الحُبوبَ وما سَقَاها

                      تَأَوَّهَ نادمًا يومَ الحَصَادِ

     وقد ذكر العلماء أن شهر رجب شهر البذر، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر جني الثمار، فلكي تجني الثمار في رمضان لا بد من بذر يبذر، وأن يسقى حتى تكون له ثمرة.

     أيها الإخوة، إننا ينبغي ابتداء أن نستعد لرمضان وذلك بخطوتين:

     الأولى: إثارة الشوق، بأن يثور من قلوبنا شوق لأن نستقبل رمضان فنرحم فيه وتعتق رقابنا من النار.

     والثانية: إنك لو اشتقت لشممت ريح رمضان عن بعد كما شمَّ يعقوب ريح يوسف، فلو شممت ريح رمضان ولبست قميصه لعاد قلبك بصيرًا، فالاستعداد لرمضان بخطوتين: الشوق، وبصيرة القلب.

     أما الشوق فإنه عملية غليانٍ في القلب تحفُّزًا لاستقبال محبوب غائب طال انتظاره، وأما البصيرة والنور في القلب؛ فإنها تجعل الإنسان يرى فضل الأيام وثمرة الأعمال ووعود الآخرة، فيكون ذلك دافعًا لعلو الهمة في الاستقبال والاستعداد.

     إخوتاه، حريٌّ بنا أن نستعد استعدادًا حقيقيًّا لاستقبال شهر رمضان، أن نعلم كيف نصومه حقًّا. إنك في عبادة من ساعة نويت الصوم عند طلوع الفجـــــــــــر كأنك دخلت الصلاة بتكبــــــــيرة إحرام، فإياك أن يلتفت قلبك عن الله أثناء النهار، في أثناء النهار أنت صائم يعني عابد لله، فاحذر التفات القلب، وهـــذه هي بصيرة القلب، أن ترى بعين قلبك طيلة نهار الصيام نفسك قائمًا بين يدي الله عَزَّوَجَلَّ.

     وشهر رمضان عند الله شهرٌ معظم، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنٰتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة:185]، هذا، ويكفي تعظيمًا له أن القرآن أنزل فيه، وفيه ليلة القدر خير من ألف شهر، فهو شهر عظيم تعظم فيه الطاعة وتعظم فيه كذلك المعصية، فافهم هذه القضية لتعلم خطورة الجناية على النفس بالمعاصي في رمضان.

     قال العلماء: إذا قــــــــــوي الــــــداعي وتم الترك عظم الأجر، وإذا ضعف الداعي وتم الفعل عظم الوزر.

     وقد استخرجوا هذه القاعدة من حديث النبي – صلى الله عليه وسلم- في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: «ورجلٌ دعته امرأة ذاتُ منصبٍ وجمال؛ فقال: إني أخاف الله»(2)، الداعي إلى المعصية هنا قوي؛ لأنها هي الطالبة، ولأنها ذات منصب وجمال، ولكنه ترك ذلك لله، فهو في ظل عرش الرحمن، «وشاب نشأ في عبادة الله» هذا في ظل عرش الرحمن أيضًا؛ لأن الداعي إلى المعصية الحامل عليها قوي، وتم الترك فعظم الأجر.

     والعكس بالعكس، إذا ضعف الداعي وتم الفعل عظم الوزر، قال النبي – صلى الله عليه وسلم-: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخٌ زانٍ، وملكٌ كذاب، وعائلٌ مستكبر»(3)، شيخ زان أي رجل كبير السن ويقع في الزنا، فهذا إضافة إلى عقوبة الزنا أنه لا يكلمه الله، ولا يزكيه، ولا ينظر إليه، فكيف إذا جئت يوم القيامة فلم يكلمك الله؟، ولم ينظر إليك؟!

     يا له من هجر!، لعلك تتمنى ساعتها أن تكون ترابًا، فليس ثمة عقوبة أشد من أن تحرم رؤية الله، فكيف إذا أعرض عنك لا يكلمك، ولا يزكيك، ولا ينظر إليك، يا لها من عقوبــــــــــــــة!، لو علمتها قلوبنـــا لانفطـرت، اللّٰهم لا تصرف وجهك في القيامة عنا ..

     وفي رمضان يضعف -بلا شك- الداعي إلى المعصية؛ لأن المعين على المعصية مفقود، أبواب الجنة مفتحة، وأبواب النار مغلقة، والشياطين مسلسلة وأكثر المسلمين مشغولون بالطاعات، ثم تعصي الله!! فيكون العاصي في رمضان قد ارتكب عظيمًا. اللَّهم عافنا من الذنوب والمعاصي.

     أخي الحبيب:

     إنه زمان طاعة، وقد يسر الله لك الأمر وأعانك عليه؛ بل وذكر سبحانه أيام الصيام فقللَّها بقوله جل وعلا: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودٰتٍ﴾ [البقرة: 184]، فاحترم الشهر ولا تجترم الآثام في تلك الأيام، وأنا أحذرك من قطاع الطريق إلى الله، الداعين إلى معصيته في هذا الشهر من وسائل الإعلام المختلفة في الجرائد و المجلات، والراديو والتليفزيون، والمسارح والسهرات، إياك والمعاصي في هذا الشهر؛ فإنه كما تضاعف الحسنات فيه تضاعف أيضًا السيئات؛ لأنه ينضاف إلى المعصية الظاهرة من زنا العين بالنظر إلى الحرام وكذب اللسان بالزور والفحش والبهتان، ينضاف إلى ذلك معصية قلبية من الكبائر وهي عدم تعظيم حرمات الله؛ فاحذر أن ينزل بك بطش الرحيم الرحمن في شهر رمضان.

     أيها المسلمون! عباد الله المؤمنين! شهر رمضان كله رحمات، وزيادة طاعات، ومضاعفة حسنات، فأبشروا يا معاشر المسلمين، فهذه أبواب الجنة الثمانية في هذا الشهر لأجلكم قد فتحت، ونسماتها على قلوب المؤمنين قد نفحت، وأبواب الجحيم كلها لأجلكم مغلقة، وأقدام إبليس وذريته من أجلكم موثقة.

     ففي هذا الشهر يؤخذ من إبليس بالثأر، وتستخلص العصاة من أسره، فما يبقى لهم عنده آثار، كانوا فراخه قد غذَّاهم بالشهوات في أوكاره، فهجروا اليوم تلك الأوكار، نقضوا معاقل حصونه بمعاول التوبة والاستغفار، خرجوا من سجنه إلى حصن التوبة والإيمان؛ فأمنوا عذاب النار، وقصموا ظهره بكلمة التوحيد، فهو يشكو ألم الانكسار، في كل موسم من مواسم الفضل يحزن، ففي هذا الشهر يدعو بالويل لما يرى من تنزل الرحمة ومغفرة الأوزار، غلب حزب الرحمن حزب الشيطان، فما بقي له سلطان إلا على الكفار، عزل سلطان الهوى، وصارت الدولة لسلطان التقوى فاعتبروا يا أولي الأبصار.

     إخوتاه ..

     شهر رمضان شهر التيقظ، شهر التحفظ، إخوتاه ..

     بين أيديكم سفر، والأعمار فيها قصر، وكلكم والله على خطر، كونوا على حذر من الجبار وقــــد قدر، اعرفوا قَدْرَ من قَدَر، تذكروا كيف عصيتم وستر، وأيم الله لو قمتم على البصر، وسجدتم شكرًا لله سجــــــــدتم على الإبـــــــــــــر، ما وفيتــــــــم شكر نعمة الله ولا على نعمة الستر، أما طوى القبيحَ والجميلَ نشر؟!، أما بعضُ نعمهِ السمعُ والبصر؟!!

     إخوتاه ..

     آن الرحيل وما عندكم خبر!، إلى كم توعظون ولا تتعظون؟!، إلى كم توقظون ولا تبصرون، أكلفتم ما لا تطيقون، أكلمتم بما لا تفهمون؟، ما لكم عن مآلكم تعرضون؟، ما هذا الفتور وأنتم سالمون؟!، ما هذا الرقاد وأنتم منتبهون؟!، إخوتاه .. أدركوا أنفسكم اليوم بتوبة قبل أن يدرككم الموت .. اللَّهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت راحة، وبعد الموت جنة ونعيمًا.

     هذه تهيئة لرمضان، وتقول السيدة عائشة - رضي الله عنه-: «ما كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم- يصوم في شهر من السنة أكثر من صيامـــــــــــــــه من شعبان كان يصومه كله»(4)، وفي رواية: «كان يصومه إلا قليلًا»؛ فلذلك استعدَّ لرمضان بكثرة الصيام حتى تتعودَ النفس على الصيام .. قم الليل في شعبان، أكثر من تلاوة القرآن، وأكثر من ذكر الله تعالى .. تمهيدًا للدخول في رمضان.

     قال السَّرِيُّ السَّقْطِي: السنة شجرة، والشهور فروعها، والأيام أغصانها، والساعات أوراقها، وأنفاس العبد ثمرتها، فشهر رجب أيام توريقها، وشعبان أيام تفريعها، ورمضان أيام قطفها، والمؤمنون قطافها.

     ويقول بعض السلف: رجب شهر الغرس، وشعبان شهر السقي، ورمضان شهر جني الثمار، فإذا أردت جني الثمار في رمضان؛ فلابد من الغرس في رجب وسقي ذلك الغرس في شعبان.

     إنني عندما أقول لك: صم في رجب وشعبان، وقم الليل فيهما، وتصدق فيهما، واغرس الأعمال الصالحة في رجب وتعاهدها بالسقي في شعبان؛ إنما أقول ذلك لكي تستشعر بعد ذلك في رمضان لذة الصيام، ولذة القيام وقراءة القرآن، ولذة الصدقة وسائر اللذات؛ لأن الأمر يحتاج إلى صبر ومصابرة وطول مُكْث .. لا يأتي من أول وهلة، وأيام رمضان قليلة، ومرور أيامه سريع؛ فلذلك لا بد من الاستعداد الجِدِّي قبله بفترة كافية.

*  *  *

الهوامش:

(1)     أخرجه أحمد (2/ 333)، وصححه الألباني (372) في "صحيح الترغيب والترهيب".

(2)     البخاري (1357)، ومسلم (1031).

(3)     أخرجه مسلم (107).

(4)     أخرجه مسلم (1156).

*  *  *