ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، رجب 1439 هـ = مارس – أبريل 2018م ، العــــــــــــدد : 7 ، السنــــــــــــــــــــــة : 42

 

دراسات إسلاميه

 

من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند

(الحلقة 58)

بقلم: الأستاذ/ سيد محبوب الرضوي الديوبندي -رحمه اللّه-

(المتوفى 1399هـ / 1979م)

ترجمة وتعليق: محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري(*)

 

 

 

من نفحات دارالعلوم العلمية والدينية:

     وشهد القرن الثالث الهجري (القرن التاسع عشر الميلادي) العالم كله تدهور المسلمين السياسي وانحطاطهم الفكري، في الوقت الذي شهد العالم الإسلامي كله تغلب أوربا عليه، وكانت الثقافة والعلوم الإسلامية تصارع البقاء والحياة في كل مكان في قليل أو كثير، ونشأت الحركات الجديدة المضللة في العالم الإسلامي كله. والحاصل أن مسلمي الهند كانوا يمرون بمرحلة عصيبة من تاريخهم، بعد أن أفلت شمس الملوك المغول في الهند، وكانوا أحوج إلى توجيه صائب حينئذ أكثر من أي وقت مضى، وكان أفول الحكومة المغولية وحلول الحكومة الإنجليزية محلها يشكل كارثة تاريخية رهيبة. وعزّ الحفاظ على الإسلام والمسلمين في الهند فضلا عن تطبيق قوانينه و شرائعه في جو يسوده اضطهاد الإنجليز وجبروتهم وسطوتهم، وكانت جماعة العلماء وحدها تتولى الحفاظ على الإسلام، ويشهدكل شبر من أشبار الهند بأن العلماء لم يدخروا وسعًا في القيام بواجبتهم حيال ذلك، ولايخفى على طالب له إلمام بالتاريخ أن علماء الهند قاموا بالحفاظ على الأمة الإسلامية، -تلك المسؤولية الباهظة- خلال قرن وربع على أحسن ما يرام، رغم حرمانهم من موازرة الحكومة حتى مُنيت الحكومة الأجنبية المعادية للإسلام بالهزيمة النكراء على كافة الجبهات وشهد المجتمع الإسلامي الرقي والازدهار في الهند والحمد لله على ذلك.

     وفي أعقاب ثورة عام 1857م السياسية صُبَّ على المسلمين سوط العذاب والويلات و الاضطهاد المتواصل مما خلق فيهم بصفة عامة الشعور بالخوف والذعر والبؤس والخذلان، شعورا يصعب معه التنبأ بأحوال المسلمين في الهند اليوم، بصفتهم مسلمين، لولا أنهم اتخذوا خطوة عاجلة حاسمة تجاه ذلك؛ فقد هدمت المدارس والزوايا، وقتل أهل العلم شنقا، ونهبت ضيعات الأمراء والأثرياء، وطالت يد التخريب والخيانة أوقافَ المدارس والخانقاهات، و عذب الشعب الهندي تعذيبا رهيبا، فاستولى عليهم الشعور بالعجز والبؤس والقهر، مما شل قواهم الدينية والعلمية. وخيم عليهم حالة من الجمود والشلل يعزّ معه التنبأ بأن هذه الأمة ستنهض من جديد، ولم يقتصر الإنجليز الفاتحون انطلاقا من حب الثأر والانتقام - على القضاء على حكومة المسلمين وسلطتهم؛ بل لم يألوا جهدا في محو ما كانوا يعتزون به طوال ثلاثة عشر قرنًا من المآثر الجليلة، والثقافة والحضارة والعلوم والفنون الإنسانية والقضاء عليه ما وسعهم ذلك، ولن نغلو والوضع هذا- في القول بأن بقاء الإسلام حيًّا لحد كبير، يرجع إلى ما بذلته دارالعلوم وعلماؤها من الجهود وما قدموه من التضحيات على أرض الهند، ولم تقتصر نفحاتهم على الهند؛ بل تعدت خدماتهم الدينية والتربوية إلى شعوب العالم الإسلامي، بعد أن نظموها في سلك واحد من العروة العلمية بكل سخاء. وما أقل دول العالم الإسلامي التي لم يتوجه طلابها إلى دارالعلوم/ديوبند لِبلِّ عطشهم العلمي الديني. وقد اقتبس الآلاف من طلاب العلوم الدينية أنوارهم من هذا المشعل العلمي، وحملوها في أنحاء العالم البعيدة المظلمة ينشرون النور فيها ويبـــددون ظلماتها. فـــــــوصل إلى رحـابها الطلاب من كل من: سيلون، وجاوا، وسماطرا، وماليزيا، وبورما، ومنغوليا، وتاتارقازان، وبخارا، وسمرقند، و أفغانستان، ومصر، والشام، واليمن، والعراق، حتى من المدينة المنورة ومكة المكرمة، يستقون من منهلها العذب الفياض. أليس عجبًا أن تصبح الدولة التي لم تحظ بعلوم النبوة بصورة مباشرة يومًا من الأيام- مركزًا للعلوم الدينية في العالم الإسلامي كله؟ حتى عادت أنوار هذه الشمس العلمية تضيء بأشعتها الباهرة أكناف الحرمين الشريفين. ولم تحظ مؤسسة تعليمية غيرها بأن قام خريجوها بالتدريس في المدينة المنورة وخاصة في المسجد النبوي الشريف. فالشيخ خليل أحمد السهارنفوري- (1279-1346هـ =1862- 1927م) صاحب بذل المجهود-، والسيد أحمد، والسيد حسين أحمد المدني(1296-1377هـ =1879-1957م) قاموا بتدريس الحديث النبوي سنوات وسنوات في المدينة المنورة والمسجد النبوي الشريف، وفجروا أنهار العلوم والفنون والكتاب والسنة النبوية، استقى منها  كثرة كاثرة من طلاب مصر والشام والعراق علاوة على طلاب الحجاز، وبلّوا غلتهم العلمية. وأنشأ الشيخ السيد أحمد (1293-1358هـ/1876-1939م) - الشقيق الأكبر للشيخ المدني، والذي تلقى العلم في دارالعلوم/ ديوبند- مدرسةَ العلوم الشرعية في المدينة المنورة، يستفيد منها سكانها. يقول الشيخ المدني رحمه الله: «كنت خلال نزولي بالمدينة المنورة- أعرض الإفادات التفسيرية للشاه عبد العزيز (1159-1239هـ/1746-1823م)  وغيره من علماء الهند على علماء الحجاز فيملكهم العجب والحيرة، يسألونني: أنى لك هذه الأسرار والحكم القرآنية التي توردها لنا؟ وأنشأ الشيخ رحمت الله الكيرانوي (1233-1308هـ/1818-1898م) المدرسة الصولتية في مكة المكرمة، وكانت هذه المدرسة تحذو حذو دارالعلوم/ديوبند. كما أنشأ الشيخ إسحاق الأمرتسري مدرسة أخرى في مكة المكرمة، وكان الشيخ من خريجي دارالعلوم /ديوبند.

     ومما يختص به دارالعلوم/ديوبند أنها تنهل من منهل الإسلام الصافي، وتحتل مكانة تميزها عن غيرها من المؤسسات. وهذه الخدمات العالمية التي قامت بها دارالعلوم/ديوبند وتعدّت الهند إلى البلاد الإسلامية تعتبر ثمرة حلوة من عرفان المسلمين الهنود وما قدموه من التضحيات المالية. ويحق لنا أن نتحدث عن هذه النعمة الكبرى ونرفع رأسنا أمام البلاد الإسلامية بأن هذه المؤسسة التعليمية الكبرى في آسيا قائمة على أساس سخائهم وجودهم وحبهم للعلم والمعرفة. ولاتقتصر نفحاتها على الهند؛ بل شملت المسلمين خارج الهند بتربيتها وتعليمها الديني. وأصداء «قال الله، و قال الرسول، التي ترتفع في الهند منذ قرن وثلاثة عشر عاما هل يرجع فضلها إلا إلى دارالعلوم /ديوبند. وعين الفيوض الإلهية هذه هي التي سقت بمائها الروحاني زروع الإيمان واليقين في أكناف الهند وخارجها، فاهتزت الأرض و رَبَتْ وأنبتت من كل زوج بهيج. ويقوم خريجو هذه المؤسسة التعليمية بخدمة الدين الحنيف في الهند وفي معظم البلاد الإسلامية. ولايسع مسلما له مسكة من الإنصاف أن ينكر أن الوعي الديني في المسلمين يرجع معظمه إلى المساعي المشكورة التي بذلتها دارالعلوم/ديوبند.

     شهد الزمان تقلبات وألوانًا من الثورات، دون أن تنحرف دارالعلوم عن أهدافها ورؤيتها حينًا من الدهر. فهي قائمة على سيرتها الأولى منذ أكثر من مئة عام، وقد تعرضت لعواصف هوجاء كثيرة في تاريخها، وتحطمت على جدرانها أمواج متلاطمة، دون أن تتخلى عن موقفها قيد أنملة. وحاولت بدلا من أن تتأثر من الثورات والأحداث التي شهدتها الأيام- أن تترك بصمات واضحة على صفحة الأيام بنفوذها وتأثيرها. وإليه يرجع استمرار المسلمين الهنود على الدين والتزامه رغم معاناتهم القهر والاضطهاد الذي دام دهرا طويلا، مما يفقده الدول الإسلامية الأخرى. يقول أحد كُتّاب مجلة «علوم الدين/ علي كره»:

     «إن تغلب الإنجليز أثار القلق على الدين وعلومه لا قدر الله في ربوع الهند، فقامت دارالعلوم /ديوبند والوضع هذا، فقضت على هذه المخاوف كلها، وبرزت تعبيرا صادقا للآية القرآنية القائلة ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر/9].

     إن المسلمين في الهند وباكستان- شبه القارة الهندية- مدينون لخريجي دارالعلوم/ديوبند في حياتهم، فقد عملت المساعي الدعوية والإصلاحية التي بذلوها على القضاء على البدع والخرافات والتقاليد الباطلة واستئصالها من فوق الأرض في كل ناحية من نواحي البلاد. ومن مآثرهم البارزة إصلاح العقائد، والدعوة إلى الدين، ومناظرة الفرق الباطلة ومقاومتها ونحو ذلك.

     لقد قام خريجوها بمآثر عظيمة في مجال العلم، متمثلة في التوصل إلى التراث العلمي القديم، وتعليقات مفيدة وحواشي نافعة، وترجمة كتب لاتحصى علاوة على إعداد الكتب النافعة. فما قاموا به من الخدمات في مجال العلم يستحق التقدير والاستحسان.

     لقد خاض غير واحد من خريجي دارالعلوم في ميدان السياسة، وقدموا تضحيات غالية في سبيل تحرير البلاد، وتحملوا مشاق ومتاعب في ذلك، فعادت دارالعلوم مركز إشعاع سياسي لمسلمي الهند. وقام غير واحد من خريجيها بالانضمام إلى مختلف الحركات؛ بل كثير من الحركات إليهم ترجع نشأتها وبروزها للعيان. فيقوم هؤلاء بإرشاد المسلمين في سياستهم بصورة مستمرة.

     إن نشأة دارالعلوم كانت تشكل حاجة ملحة، فقام خريجوها بتلبية هذه الحاجة التي أَمْلَتْها الأيام والأوضاع، في الوقت الذي كانت البلاد تعدم فكرة التعليم وخاصة التعليم الديني، وشهدت قيام المدارس الإنجليزية التي كانت تعمل على تنصير طلابها أو تنفيرهم من الدين على أقل تقدير. فقامت دارالعلوم في مثل هذه الأوضاع الحرجة بتوجيه البلد توجيهًا صائبًا، وخلقت جوًّا دينيًّا في أكناف الهند. والخدمات التي قدمتها دارالعلوم/ديوبند في هذا المضمار تستحق أن تكتب بحروف من ذهب(1).

     وأعرب السيد «سردارنجيب الله خان»- سفير أفغانستان سابقًا لدى الهند- عن انطباعاته في خصوص دارَالعلوم قائلا: «إن الشعب الأفغاني إذا كان يرى هذه الجامعة مدرسة شعبية، فإني أرى أنها ليست مدرسة فحسب، وإنما هي كذلك مركز للثقافة الإسلامية.لقد عملت «دارالعلوم» على الحفاظ على الإسلام والعلوم الإسلامية في حين انقرضت الحكومة الإسلامية في الهند. وأملي كبيرأن تستمر و تدوم خدمات هذه الدار العلمية في المستقبل وتواصل مسيرها. وإن الشعب الأفغاني والأوساط العلمية الأفغانية وأهل العلم فيها يثمنون جهود الجامعة ويقدرونها؛ بل ساعون لها وعاملون لما فيه خيرهذه الدار ورقيها وتطورها. والحق أن مجلسكم هذا يحتل مكانة مرموقة مميزة بين المجالس الثقافية الإسلامية. مجلس يعز مثيله. وإن الثقافة الإسلامية عمادها الصدق، والحب، ومعرفة الحقائق. وهذا المجلس قائم على مثل هذه المقومات.

     ويشهد تاريخ دارالعلوم بأنها خرّجت دائما أبناء صادقين في القول والسلوك، ممن يحق لدارالعلوم أن تعتز بهم(2).

*  *  *

الهوامش:

(1)      مجلة علوم الدين، كلية العلوم الدينية، جامعة مسلم علي كره، عام 73-1972م، ص 105، 186.

(2)      أحداث عام 1369هـ/1950م، ملحقات أوضاع دارالعلوم/ ديوبند، ص 7.

*  *  *



(*)   أستاذ التفسير واللغة العربية وآدابها بالجامعة.