ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، جمادى الآخرة 1439 هـ = فبراير – مارس 2018م ، العــــــــــــدد : 6 ، السنــــــــــــــــــــــة : 42

 

دراسات إسلامية

 

الحوافز التي أدَّت إلى هجوم المسلمين على إسبانيا

إعداد:  الأستاذ ظهور أحمد شاه القاسمي (*)

 

 

 

الأندلس حلقة من حلقات التاريخ الاسلامي؛ بل هي منارة في تاريخ البشرية كلها: حيث كانت مصدر العلم والمعرفة في الأرض لقرون متطاولة، تعلّمت منها أوربا كلّها دروسًا للحضارة والمدنية فبلغت أوج الرقي والازدهار علمًا وحكمةً، ثقافةً وحضارةً، حرفـةً وصناعـةً، وما إلى ذلك، وقد كانت قبل الفتح الإسلامي في جاهلية عمياء، وكانت كغابة موحشة تزخر بالحيوانات المفترسة، والدواب السائمة، والأُسودالضارية، والنمور الفتّاكة، والذئاب والكلاب العاوية، وكانت غابةً تتحكم فيها شريعة الغابات، وقانون العصابات.

     وكان فتح هذه البلاد بلا شك من أعظم أحداث القرن الهجري الأول-92هـ الموافق 711م وكان ذلك العهد أزهى وأرقى عهود بلاد الأندلس منذ بدء التاريخ، ولعلّه إلى آخرالزمان.

     وههنا سوال مهم، وهو: لماذا هجم المسلمون على البلاد الأندلسية؟ وما هو الأمر الأساسي الذي أدَّى المسلمين إلى أن يخرّبواالقرى، ويدمّروا الخلائقَ الإنسانية كما يزعم المؤرخون المتعصبون- ؟. فحاول الباحث خلال هذه الدراسة الموجزة أن يُلقي ضوءًا على تلك الظروف التي جرَّت المسلمين إلى الهجوم على إسبانيا.

إسبانيا وسكانها وقت هجوم المسلمين

     إسبانيا وأسماؤها عبر التاريخ: سمّى اليونانيّون إسبانيا (الأندلس) بـ«آي بيرباء» (IBERIE)، نسبةً إلى جماعةٍ منهم، وسماها الروم بـ«إشبانيا»، نسبةً إلى مَلِكِهم الأول: «إشبان بن طيطش»، حسب بيان المؤرخين العرب(1). ولكن المؤرخين المعاصرين رفضوا رأيهم، وقالوا: سمّاها الروم بـ«إشبانيا»، لوقوعها في الجانب الغربي لبلادهم الرومة. ولمّا دخل العرب البلادَ سَمَّوها بـ«الأندلس». ويقول المؤرخون المعاصرون: إنها معَّرب من «واندال» (vandal)، أو من «واندالس» (vandalus)، نسبة إلى قوم من ألمانيا، الذين حكموا البلاد من411م إلى 429م(2).

     موقعها: يحُدّ الأندلس من المشرق «البحرالمتوسط»، ومن الغرب «بحر الظلمات»، ومن الجنوب «بحرالزقاق»، ومن الشمال «جبل البرانس» (Pyrenees) و«خليج بسكي»(3).

سكان بلاد الأندلس:

     وكان يتكوّن سكّان البلاد من طبقات أربع متناقضة متصارعة عند هجوم المسلمين على البلاد، الأولى: طبقةالقوط الحكام المستعمرين، الثانية: طبقة الأعيان الرومانيين، ومعهم القطاعيون ورجال الدين، الثالثة: طبقة اليهود، الرابعة: طبقة الشعب العامل من سكان البلادالأصليين(4). فهي بلاد محتلة مضطهَدة أصلًا، ولم تكن تحت سكّانها الأصليين؛ بل تحت حكم المحتلّين، ولم يكن المسلمون هم المبتدئين للاحتلال، إنما خلّصوا البلادمن احتلال ظالم إلى بلد مسلم، يختار أهله عقيدة المسلمين، وينتسبون إلى دولتهم.

القوط الحاكمة في البلاد

     كانت الأندلس (آي بيرياء) خاضعة للإمبراطورية الرومانية، وفي مطلع القرن الخامس الميلادي، حوالي 410م اجتاحتها قبائل «القوط» الذين كانوا يدينون دين المسيحية الآرية - أي الذين كانوا لايعتقدون ألوهية المسيح، ولايعترفون للقساوسة بحق الوساطة بين الله وبين الناس -  وأسّسوافيهادولةً قوطيةً عاصمتها «طليطلة». ومن هنا نفهم أنّ شعوبَ «الأندلس» الأصلية من الكنعانيين الكاثوليك كانت خاضعة للنفوذ القوطي، وكانت البلاد محتلّة مضطهَدة أصلًا، ولم تكن تحت حكم سكّانها الأصليين. وبالإضافة إلى الاحتلال الذي فرضته قبائل القوط الغربية على بلاد الأندلس، كان التسلّط والظلم والاضطراب سمةً بارزةً في فترة حكمهم التي امتدّت نحو ثلاثة قرون. يقول الدكتور حسين مونس في كتابه «فجر الأندلس»(5): «لكن سلطانهم لم يستقرّ في البلاد أوّلَ الأمر، بسبب ما ثار بينهم وبين أهل البلاد من منازعات دينية، وبسبب ما شجر بين أمرائهم من خلافات، ولهذا ظلت البلاد طَوالَ القرن السادس نهبًا للحروب الأهلية، وما ينجم عنها من الفوضى وسوء الحال». وكان آخر ملوك القوط الآريين «ليوفيجيلد» (LIUVIGIDL)، وخلفه ابنه «ريكاريدو» (RECAREDO)، فاستبان له أنه لاصلاح لدولة القوط في هذه البلاد إلاّ إذا تخلّى ملوكها عن الآرية، ففعل ذلك، وأعلنه في مجمع طليلة الديني سنه 587م، واعتنق الكاثوليكيّة هو وأهل بيته، وتبعه الأمراء وكبار أهل المملكة، وبهذا أصبحت الكاثوليكية هي الدّيانة الرسميّة في إسبانيا من ذالك الحين، وخمدت نيران الحرب والمناضلة التي كانت ملتهبة في البلاد منذ زمن بعيد. وكان هذا حادثًا خطيرًا ظلّ مؤثرًا في التاريخ الإسباني كلّه؛ فإن الكاثوليكية تأصّلت في أهل البلاد مع الزمان، وزادها قوةً ميلُ الإسبان للتشدّد في الإيمان، والتعصّب لكل ما يؤمنون به، فأصبحت إسبانيا معقلًا من أمنع معاقل الكاثوليكية، وكان لهذه أثر بعيد جدًّا في حياة الإسبان، وفي مجرى تاريخهم كله(6).

     وكان تحوّلُ القوط إلى الكاثوليكية الخطوةَ الفعّالةَ الأولى لامتزاج الشعبين: القوطي والأيبيري الروماني، فقد ظلّامتباعدين ما اختلف عقيدتاهما الدينيّتان، فأما وقد اتفقا في العقيدة فقد انفتح الباب أمام الامتزاج، ولكنه لم يتمّ إلاّعلى صورة مصغَّرة جدّا، لأنَّ القوط حرصوا على أن يحتفظوا لأنفسهم بمركز الشعب الحاكم، مما كان له أثر بعيد سيئ على مصير دولة إسبانيا(7)، حتى كان آخر حكام القوط وأحد أسمائه «رودريكو» (لُزريق)(8)، وقد نال هذا هزيمةً كاسحةً نكراء في معركة «وادي لكَّة» على أيدي المسلمين، وانقرضت دولة القوط الظالمة من إسبانيا. وقال ابن حيان في «المقتبس»: ذكروا أنّ «لُزريق» لم يكن من أبناء الملوك، ولا بصحيح النسب في القوط، وأنّه إنما نال الملك من طريق الغصب والتسوّد عندما مات إغطشة (غيطشة) - الملك الذي كان قبله-، وكان أثيرًا لديه، مكينًا، فاستصغر أولادَه لمكانه، واستمال طائفةً من الرجال فمالوا إليه، فانتزع الملك من أولاد إغطشة، واستبقاهم. فكانوا هم الذين دبّروا عليه فيما ذُكِر عندما لقي الرجال المقتحمين عليه بالأندلس من تلقاء بحر الزقاق، وعليهم «طارق بن زياد» مولى «موسى بن نصير»، طمعًا منهم في أن يؤدي ويخلص إليهم ملك أبيهم(9).

لما ذا هجم المسلمون على إسبانيا

     وقد علمنا مما مضى أن الشعبَ الأندلسيَّ عانى الظلمَ والاضطرابَ الشديدَين تحت سيطرة القوط واحتلالهم، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وكان اليهود متعرضين لهذه الشدائد أكثر من غيرهم، حتى صارت البلاد نموذجًا للفوضى والانتشار، وزاد البلادَ اضطرابًا احتلالُ «لُزريق» عرش الحكومة غصبًا، وسيرُه في قومه سيرةً فاسدةً، حتى غدر بابنة «يُوليان» - أحد كبار وُلاته -، وكانت فتاةً رائعةَ الحسن، بارعةَ الجمال، فأقسم «يُوليان» على أن ينتقمَ من «لُزريق» لشرفه المغصوب، وعرضه المسلوب شرَّ انتقام. وأضف إلى ذلك أمرَ أولاد «غيطشة» الذين كانوا يريدون استردادَ إرث أجدادهم من عرش الحكومة... وما إلى ذلك، والتفصيل فيما يلي:

     اعلم أنَّ الله - سبحانه وتعالى - لما قضى بتحقيق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «زُوِيَت لي مشارق الأرض ومغاربها، وسيبلغ ملك أمتي مازُوِي لها، وقع الخلاف بين «لُزريق» ملك القوط وبين ملك «سبتة» الذي على مجاز الزقاق(10). يقول ابن خَلدون: «وكانت لهم للقوط خطوة وراء البحر في هذه العُدوة الجنوبية خطوها بفرضة المجاز بطنجة، ومن زقاق البحر إلى بلاد البربر، واستعبدوهم، وكان ملك البرابرة بذلك القطر الذي هو اليوم  جبال غمارة يُسمّى «يُليان»، فكان يدين بملتهم، وموسى بن نصير - أمير الغرب - إذ ذاك عامل على إفريقية من قبل الوليد بن عبد الملك، ومنزلته بالقيروان، وكان قد أغزى لذلك العهد عساكرَ المسلمين بلادَ المغرب الأقصى، ودوَّخ أقطارَه، وأثخن في جبال «طنجة» هذه، حتى وصل خليج الزقاق، واستَنْزَل «يُليان» لطاعة الإسلام... ، وكان «يُليان» ينقم على «لُزريق» - ملك القوط- لعهده بالأندلس فعلةً فعلها- زعموا بابنته الناشئة في داره على عادتهم في بنات بطارقتهم، فغضب لذلك، وأجاز إلى «لُزريق» وأخذ بابنته منه، ثم لحق بـ«طارق» فكشف للعرب عورةَ القوط، ودلّهم على عورة فيهم أمكنت «طارقًا» فيها، فانتهزها لوقته، وجازالبحرَ(11).

     هذا إلى أنَّ المصادرَ التاريخيّةَ الغربية تنسب إلى اليهود المضطهَدين في «الأندلس» من قبل «القوط» استنجادَهم بمن وراء البحر من«الأفارقة» أو «المسلمين»، ليخلِّصوهم من ظلم «لُزريق» وأعوانه، وهو أمر وإن أنكره بعض المؤرخين، غيرَ أنّ المتّفَقَ عليه أنّ اليهود تعرّضوا في تلك الفترة لاضطهادٍ كاد يُفنِيهم ولا يُبقي لهم أثرًا(12).

     وقد حاول كثير من المؤرخين الإسبان أن يدافعوا عن دولة القوط، تعصبًا منهم في رفض الوجود الإسلامي في تلك البلاد إلّا أنّ كتب التاريخ مليئة بالأدلة على ما ذكره الأستاذ «حسين مونس» في شأن رفض أهل البلاد حكمَ القوطيين، حتى نقل في ص23 عن «رفائيل بالستيروس» - المؤرخ الإسباني قولَه: «إنّ العربَ لولم يتدخّلوا في سنة 711م في شؤون الجزيرة، ويضعوا نهايةً لهذا العصر المضطرب، لبلغ القوط بإسبانيا مبلغًا من السوء لا يسهل تصوره(13).

خاتمة البحث

     ثبت من كل ما بينَّا أنّ المسلمين ما هجموا على البلاد طمعًا في مغنم من مغانم الدنيا، أو شهوةً في سلطان مما يسعى إليه الفاتحون الذين عرفهم التاريخ، وإنما جاءوهم يحملون إليهم العقيدةَ البانيةَ، واليد الحانية، والشرعة التي تساوي الإنسان بأخيه الإنسان، وجاءوهم ليُنقِذوهم من مخالب القوط والأساقفة الظالمة، ومن أيدي الحكام الجائرة المفترسة، الفتّاكة، فجاء هؤلاء المضطهَدون إلى المسلمين ليستعينوا بهم ويستغيثوا منهم؛ لأنَّ الإسلام ينظر إلى الرعايا الذين يُحكَمون بالظلم، ويقيدون في حُرِّيَّاتهم نظرةً رحيمةً حانية، ينصرهم إذا استنصروه، ويرفع عنهم نيرَ الطغيان إنْ هم استعانوا به.

     وأضف إلى ذلك أنَّ من أهمِّ مقاصد الجهاد التي شُرِع من أجلها تبليغُ رسالة التوحيد، وكسرُ جميع الطواغيت التي تحُوْل بينها وبين الناس، ودعوةُ الناس إلى الإسلام من غير إكراه وإجبار؛ بل عن طواعية واختيار. يقول الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوْهُمْ حَتَّى لَاتَكُوْنَ فِتْنَةٌ الآية، (الأنفال:39). والمسلمون يؤمنون بأنّ نصرة المظلوم، وإحقاق العدل والسلم من أعظم مقاصد الجهاد في الشريعة الإسلامية.

     ويتوّج ما سبق بالقطع واليقين حين تستحضر أنّ فتحَ تلك البلاد لم يستغرق إلّا نحو ثلاثة سنين (92-95)، وصل فيها المسلمون إلى فرنسا، ولم يُشارِك فيه إلّا بضعة آلاف من الجنود، مما يقطع لك بأنَّ الأمر لم يكن فتحًا عسكريًا بالقدر الذي كان فتحًا فكريًا وعقائديًا، آمن فيه سكان «أندلس» بعقيدة المسلمين، واختاروا عن حب وطواعية التسليمَ لهذا الدّين الجديد، والتخلّص من طغيان الكنيسة والإقطاع الذي كان سائدًا قبل المسلمين.

     ويرجع الفضل في ذلك كله إلى عبقرية الإسلام، فلقد استطاع أن يُقِرَّ في نفوس الذين أسلموا من سكّان البلاد المفتوحة أنّ المسلمين وبصفة خاصة- العربَ إخوة لهم في الدين، وليسوا كـ«الرومان» سادةً فاتحين، فبدا لهم الفرق الكبير بين «الروم» الذين جاءوهم مستعبدين مستغلين، و«المسلمين» الذين وفدوا عليهم هداةً معلِّمين.

*  *  *

الهوامش:

(1)    انظر: أحمد بن محمد المقري التلمساني: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (بيروت: دار صادر، 1388هـ/1968م)  ج1، ص134.

(2)    انظر: رياست علي الندوي: تاريخ الأندلس (باللغة الأردية)، الهند، أعظم جراه: دارالمصنفين، أكاديمية شبلي النعماني، د ط،ت 2012م،  ج 1، ص 9-6.

(3)    انظر: المصدر السابق، ص9.

(4)    انظر: النجيب آبادي؛ أكبر شاه: تاريخ الإسلام (باللغة الأردية )، الهند، ديوبند، دارالكتاب، دط، دت، ج3، ص 22-26.

        انظر :الندوي ؛ رياست علي: تاريخ الأندلس، ج 1، ص15-17.

(5)    حسين مونس، الدكتور: فجر الأندلس،  بيروت، دار المنا هل، ط1، ت 1433هـ/2002م، ص21.

(6)    انظر: المصدر السابق.

(7)    انظر: المصدر السابق.

(8)    انظر: المصدر السابق، ص28.

(9)    المقري: نفح الطيب،  ج 1 ص 248 .

(10)  المقري: نفح الطيب، ج 1 ص 229 .

(11)  المقري: نفح الطيب.ج1، ص 232. // وانظر:الندوي: رياست علي: تاريخ الأندلس (باللغة الأردية)، الهند، أعظم جراه، دارالمصنفين أكاديمية شبلي، دط، ت 2012م،  ج1، ص57-70.

(12)  الدكتور: حسين مونس؛ فجر الأندلس، بيروت ، دارالمنا هل، ط1، ت1433ه/2002م، ص29-33 .

(13)  انظر: المصدر السابق، ص21-23.

*  *  *

المصادر والمراجع

1.     القرآن الكريم

2.     أحمد بن المقري التلمساني: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، لبنان، بيروت:دار صادر، دط، ت1388ه/1948م.

3.     الدكتور، حسين مونس: فجرالأندلس، بيروت:دارالمناهل، ط1، ت1423ه/2002م.

4.     الندوي: رياست علي:تاريخ أندلس(تاريخ الأندلس باللغة الأردية)، الهند، أعظم جراه، دارالمصنفين، أكاديميةشبلي النعماني، دط، ت2012م.

5.     النجيب آبادي؛ أكبر شاه:تاريخ إسلام (تاريخ الإسلام باللغة الأردية)، الهند، ديوبند:دارالكتاب، دط، دت.

6.     الندوي؛ أبوالحسن علي:ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين، الهند، لكناؤ: المجمع الإسلامي العلمي، دط، ت1431ه/2010م.

7.     الندوي: شاه معين الدين: تاريخ إسلام (تاريخ الإسلام باللغة الأردية)، الهند، ديوبند:مكتبة فيصل، دط، ت2006.

8.     عبدالرحمن رافت الباشا: الطريق إلى الأندلس لمحات وقطوف: الهند، ديوبند: دارالمعارف، د ط، دت.

*  *  *



(*)    email: zahoorahmad3121@gmail.com