ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، جمادى الأولى 1439 هـ = يناير – فبراير 2018م ، العــــــــــــدد : 5 ، السنــــــــــــــــــــــة : 42

 

الفكر الإسلامي

 

من ظلال التفسير

بقلم: العلامة الشيخ شبير أحمد العثماني رحمه الله

(1305-1369هـ/1887-1949م)

تعريب: أبو عائض القاسمي المباركفوري

 

 

 

     إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)

فائدة:

     أي كتم اليهود ما أنزل الله تعالى في الكتب السماوية من أحكام الحلال والحرام، وزادوا فيها ونقصوا منها. كما جاء في الآية الأولى. أضف إلى ذلك أنهم كانوا يكتمون نعت النبي صلى الله عليه وسلم الوارد في كتبهم ويبدلونه، وهما ذنبان عظيمان؛ فإنه يؤدي إلى حرمان الناس كلهم الهدى وطريقَ الحق. وإلى ضلالهم وغوايتهم، في حين أن الله تعالى أرسل الكتاب والرسول هدى للناس، فعصوا الله تعالى وأرادوا أن يضلوا خلق الله تعالى ويسفهوهم.

فائدة:

     أي لم يكتفوا بمعصية الله تعالى وإضلال خلقه سبحانه؛ بل أخذوا على كتمان الحق الرشوة ممن كانوا يضلونهم، وسموه هدية، ونذورا وشكراعلى ذلك. مع أن أكل الحرام هذا أخبث من أكل الخنزير. وإذًا لابد أن يكون العقاب على هذه الفعلات الشنيعة أشد وأفظع، وهو ما يأتي بيانه لاحقا.

فائدة:

     أي وإن استلذوا ذلك المال واستثمنوه، بادئ ذي بدء، إلا أنه نار في واقع الأمر، يملأون بها بطونهم فرحين مسرورين. ومثل ذلك مثل الطعام اللذيذ المشوب به السم الزعاف؛ فإنه يلذه آكله، ويتحول نارا في بطنه.

فائدة:

     قد يقول قائل: ثمة آيات أخرى تدل على أن الله تعالى يكلمهم يوم القيامة؟ فالجواب عنه أن معنى عدم تكليمه سبحانه إياهم: عدم كلامه كلام لطف ورحمة، وإن كلمهم كلام تخويف وإذلال وتهديد ووعيد، فيصابون بغم شديد. أو نقول: لايكلمهم مباشرةً، وأما كلامه إياهم فبوساطة من الملائكة.

فائدة:

     أي يوضح التهديد بقوله:( لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ) أن حب الله تعالى راسخ في قلب كل واحدٍ، وإن لم يشعربه في الحال، ويظهر ذلك يوم القيامة حين ترتفع الموانع كلها؛ إذ لو لم يكن ذلك؛ فإن تهديد الكفار هذا أشبه شيء بمن يهدد عدوه بعدم رضاه عنه وبإعراضه عنه، وهو باطل، ولاطائل تحته؛ فإن المحب الحميم الذي يفدي بنفسه حبيبه هو الذي يدرك لوعة إعراضه عنه، لا الأعداء. فعلم منه أن قلوب الناس جميعا ستمتلئ حبا لله تعالى بحيث يعتبرون هذا الإعراض الإلهي عنهم مبعث هم وغم أشد من عذاب النار بدرجات كثيرة.

فائدة:

     أي أن أهل الإيمان وإن أمعنوا في المعصية ما أمعنوا، يخرجون من النار ويدخلون الجنة بعد تطهيرهم من المعاصي بلبثهم في النار مدة محددة، وأما الكفار فيخلدون في النار أبدا، ولن يتطهروا من المعاصي ولن يصلحوا لدخول الجنة أبدا؛ فإن الأمور الشركية أنزلتهم منزلة نجس العين، حيث لاتزول نجاستهم بصورة أو أخرى، وأما المسلم العاصي فهو بمثابة شيء طاهر وقعت عليه النجاسة، ثم زالت النجاسة وعاد طاهرا.

فائدة:

     وهل من عذاب أشد ألما وأذى من هذا العذاب؛ فإن باطنهم يضرم نارا أشد من نار ظاهر أجسادهم، ولايرضى عنهم المحبوبُ الحق، ثم لاينجون من هذه المصيبة المُحزنة أبدا. نعوذبالله من ذلك.

     أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥)

فائدة:

     أي أنهم يستحقون ذلك كل الاستحقاق؛ فإنهم ضيعوا رأس مال النجاة، وآثروا الضلال على الهدى، ورضوا لأنفسهم بأسباب العذاب بدلا من أسباب الغفران.

فائدة:

     أي أنهم يختارون موجبات دخول النار برضى وطواعية منهم، فكأن النار أحب إليهم، حيث يشترونها بأموالهم وأنفسهم، إذ لايخفى على أحد أن لا صبر على النار.

     ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)

فائدة:

     ذلك أي الدليل على اشتراء الضلال بالهداية، والعذاب بالمغفرة، أووقوع العذاب المذكور بأنواعه عليهم- أنهم عارضوا الكتاب الحق الذي أنزله الله تعالى واختلفوا فيه اختلافات كثيرة متنوعة، وأبعدوا في الخلاف والعداوة، أي خالفوا مخالفة عظيمة، أو أبعدوا عن طريق الحق. ويحتمل أيضا أن صبرهم على النار لما كان بديهي البطلان، أشار إلى الجواب عنه بلفظة (ذلك)، فافهم.

     * لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)

فائدة:

     أي سمع اليهود والنصارى ذمهم في الآيات السابقة فقالوا: فينا كثير من أسباب وآثار الهدى والمغفرة، من أبرزها أن القبلة التي أمر باستقبالها نصلي والصلاة أفضل العبادات- إليها وفقا لأمر الله تعالى، فكيف نستحق هذه الهنات و العذاب؟ فردالله تعالى عليهم بقوله: ليس البر والخير الكاملالذي يجلب المغفرة والهداية أن تولواوجوهكم في الصلاة قبل المشرق أوالمغرب، دون أن تهتموا بالعقائد والأعمال اللازمة.

فائدة:

     أي البر والخير- الذي هو من آثارالهداية ومن أسباب المغفرة- أن يؤمن المرء بقلبه بالله واليوم الآخر والملائكة والكتب السماوية والأنبياء، ويستيقين بذلك، وينفق ماله رغم حبه له وحرصه عليه - على ذوي القربى والمساكين وأبناء السبيل، والسائلين المحتاجين، وفي فك الرقاب، أي في تخليص المسلم الذي أسره الكفارظلما، أوتخليص المدين من الدائن، أو في عتق العباد والإماء، أو في تخليص المكاتب، ويقيم الصلاة، ويؤدي زكاة ما عنده من الفضة والذهب وأموال التجارة، ويوفي بالعهد، ويصبرعلى الفقر والفاقة والمرض والمشقة والخوف، وبما أن اليهود والنصارى مقصِّرون في هذه العقائد والأعمال و الأخلاق كما كانوا يخلّون بها بصور شتى كما أشار إليه القرآن الكريم، فاعتزاز اليهود والنصارى باستقبال القبلة وظنهم أنفسهم على الهدى والطريق المستقيم، وأنهم أحقاء بالمغفرة، كل ذلك من الأوهام والأفكار الباطلة، ما لم يستقم المرء على هذه العقائد والأخلاق والأعمال التي فصلتها هذه الآية الكريمة، وأما مجرد استقبال القبلة فلايجلب هداية ولاينجي من عذاب الله تعالى.

فائدة:

     أي من اتصف بهذه العقائد والأخلاق والأعمال المذكورة، أولئك هم الصادقون في عقائدهم وإيمانهم وودينهم و قولهم وعهدهم، وأولئك هم المتقون في أخلاقهم وأعمالهم، أو المتقون والحاذرون من الذنوب والسيئات وعذاب الله تعالى، فكيف يصدق ظن أهل الكتاب في أنفسهم ذلك في حين أنهم لايتصفون بشيء من هذه الخصال والصفات.

     يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)

فائدة7:

     استمر اليهود والعرب في الجاهلية على أن يقتلوا الأحرار الأراذل من الناس بعبيد أشرافهم، والرجل بالمرأة والحرين بحر واحد قصاصا، فأمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة وقال: يا أهل الإيمان، فرضنا عليكم التساوي في القتلى. والقصاص لغة: التساوي، وأما فرقكم بين الشريف والرذيل، فهو لغو وباطل، فنفوس الناس كلهم سواسية كأسنان المشط، سواء كان فقيرا أو ثريا و شريفا أو رذيلا أو عالما وفاضلا أو جاهلا، و شابا أو شيخا أوطفلا، وصحيحا أو سقيما، ومشرفا على الموت مستوية الأعضاء أو أعمى وأعرج.

فائدة:

     تحدثت الآية الأولى عن مبادئ الخير والبر، مما يقوم عليه الهدى والمغفرة، كما أشارت إلى أن أهل الكتاب لايتصفون بهذه الخصال، وصرحت بأنه لن يكون أحد صادقا ومتقيا في الدين دون أن يزين نفسه بهذه الخصال. فلاتصدق هذه على أهل الكتاب ولا على جهلة العرب، وإنما تصدق على المؤمنين وحدهم، فأعرِض عنهم جميعا وخاطِب أهل الإيمان، واشرح لهم فروع الخير والبر المختلفة من العبادات المالية والبدنية والمعاملات المختلفة؛ فإنه لايأتي بهذه الفروع إلا من رسخت قدمه في الأصول المذكورة آنفا. والقصد منه في الواقع هداية أهل الإيمان وتعليمهم، كما سينبه على أخطاء غيرهم في ثنايا ذلك تصريحا حينا وتعريضا حينا، فقوله تعالى (کُتِبَ عَلَيْکُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلىٰ) مثلا يشير إلى أن ما جرى عليه اليهود و غيرهم في القصاص إنما هو اختراع من عند أنفسهم، ما أنزل الله به من سلطان، وعلى خلاف أمر الله سبحانه وتعالى، فظهر منه أنهم فيما يخص الأصول والمبادئ المذكورة سابقا - ليسوا على الإيمان الصحيح بالكتاب أو الأنبياء أو الوفاء بعهد الله أو الصبرعلى المشقات والمصائب، وإلا لما جزعوا على قتل قريب لهم، ولا اتبعوا أهواءهم في ذلك، بأن يأمروا بقتل الأبرياء ضاربين عرض الحائط بقول الله تعالى وقول رسوله صلى الله عليه وسلم وحكم الكتاب.

فائدة8:

     هذا بيان للمساواة التي أمربها، والمعنى: أنه لايسع أن يُقتل قصاصا لحر- إلا الحرالواحد الذي هـو قاتله، لا أن يقتل اثنان فصاعدا ممن توفروا من قبيلة القاتل في حين لم يتول القتل إلا واحد منهم. 

فائدة9:

     أي لايقتل بعبد من العبيد إلا العبد الذي تولى القتل، لا أن يقتل حرمن أحرارأراذل الناس بقتل عبد من عبيد أشرافهم، بدلا من العبد الذي باشر القتل.

فائدة:

     أي لايقتل بالمرأة إلا المرأة التي تولت قتلها، لا أن يقتل رجل من أراذل الناس بقتل امرأة شريفة بدلا من قتل المرأة الرذيلة التي تولت القتل. والحاصل أن الحر يعدل الحر، والعبد يعدل العبد، فيجب التساوي في القصاص، ويمنع التعدي الذي كان عليه أهل الكتاب والجهلة من العرب.

فائدة:

     أما إذا قتل الحرعبدا، أو قتل الرجل امرأة، فهل يقتص منهما أو لا؟ فالآية الكريمة ساكتة عنه، واختلف فيه الأئمة، وذهب الإمام أبوحنيفة إلى (أن النفس بالنفس) وقوله صلى الله عليه وسلم: «المسلمون تتكافأ دماؤهم». فيُقتص في الوجهين المذكورين. وكما أن القوي والضعيف والصحيح والمريض وغير المعذور ونحوهم متساوون في حكم القصاص، كذلك الحر والعبد والرجل والمرأة متساوون في القصاص عند أبي حنيفة شريطة ألايكون العبد القتيل عبدا للقاتل؛ فإنه مستثنى من حكم القصاص عنده. وإن قتل مسلم ذميا كافرا وجب عليه القصاص عند أبي حنيفة إلا أنه لاقصاص بين المسلم والكافرالحربي.

فائدة:

     أي إن عفا ورثة المقتول- ولو بعضهم- عن الدم، لم يقتص من القاتل، وإنما ينظر: هل عفوا عن الدم احتسابا وعلى غير عوض مالي، أو عفوا على الدية الشرعية، أو رضوا بمقدار من المال على سبيل الصلح، وتخلوا عن القصاص فقط. وفي الوجه الأول تبرأ ذمة القاتل من مطالب الورثة كل البراءة، وفي الوجه الثاني على القاتل أن يؤدي العوض الذي التزمه شكرا لهم وبطواعية.

فائدة:

     هذه الرخصة في القتل العمد المتمثلة في الاقتصاص إن رغبوا، و قبول الدية و العفوإن شاؤوا تيسير من الله تعالى ورحمة منه عز وجل بكل من القاتل وأولياء القتيل، مما لم يشرع في الأمم السالفة؛ فقد كان اليهود عليهم القصاص خاصة وعلى النصارى الدية أو العفو.

فائدة:

     أي فمن عصى بعد هذا التخفيف والرحمة، وسار سيرة الجاهلية، أو اقتص من القاتل بعد العفو أو قبول الدية، فله عذاب شديد في الآخرة، أو حالا بحيث يقتل في حينه.

*  *  *