ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، ربيع الآخر 1439 هـ = ديسمبر2017م - يناير2017م ، العــــــــــــدد : 4 ، السنــــــــــــــــــــــة : 42

 

دراسات إسلامية

 

أثر القرآن والسنة في تأديب الطفل شعرا ونثرا

بقلم:  أ. د. علي علي صبح (*)

 

 

 

     وتأثر شعر الأطفال بالقرآن والسنة في عصر الصحابة والتابعين -رضي الله عنهم- فهذه أسماء بنت أبي بكر الصديق ترقص عبد الله بن الزبير -رضي الله عنهم-:

أبيض كالسيف الحسام الإبريق

بين الحــواري وبـين الصديق

ظني به ورب ظني تحقيــق

والله أهل الفضل وأهل التوفيق

أن يحكم الخطبة يعيي المسليق

ويفرج الكربة في ساعة الضيق

إذا نبت بالحقــل الحمـاليق

الخيل تعـــدو زيما بــرازيق(1)

     ويقول الزبير بن العوام وهو يرقص ابنه عبد الله -رضي الله عنهما-:

أبيض من آل أبي عتيق             مبارك من ولد الصديق

ألذه كما ألذ ريقي(2)

     ويقول علي كرم الله وجهه -رضي الله عنه-:

أبنيَّ إن الذكر فيـــه مواعـظ

فمــن الذي بعظاتـــه يتأدب

فاقرأ كتاب الله جهدك واتله

فيمن يقوم به هناك وينصب

بتفكــر وتخشــع وتقـــرب

إن المقـــرب عنـــده المتقرب

واعبد إلهك ذا المعارج مخلصا

وأنصت إلى الأمثال فيما تضرب

وإذا مررت بآية وعظيـــــة

تصف العذاب فقف ودمعك يسكب

وإذا مررت بآيـــة في ذكرها

وصف الوسيلة والنعيم المعجب

فاسأل إلهك بالإنابـة مخلصا

دار الخلود سؤال من يتقرب(3)

     ويقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وقد كتب إلى الأمصار: أما بعد فعلموا أولادكم السباحة والفروسية ورووهم ما سار من المثل وحسن من الشعر، وقال(4):

قد ينفع الأدب الأحداث في مهل

وليس ينفع بعد الكبرة الأدب

إن الغصون إذا قومتها اعتدلت

ولن تلين إذا قومتها الخشب

ويوصي الأعشى ابنه فيقول:

سأوصي بصيرا إن دنوت من البلى

وكل امرئ يوما سيصبح فانيا

فذا الشنء اشنأه وذا الود فأجزه

على وده أو زد عليه العلانيا

وإن تقى الرحمن لا شيء مثله

فصبرا إذا تلقى السحاق الغراثيا

وربك لا تشرك به إن شركه

يحط من الخيرات تلك البواقيا

بل الله فاعبد لا شريك لـه

يكن لك فيما تكدح اليوم راعيا

وإياك والميتات لا تقـربنها

كفى بكلام الله عن ذاك ناهيا

ولا تعدن الناس ما لست منجزا

ولا تشتمن جارا لطيفا مصافيا

ولا تزهدن في وصل أهل قرابة

ولا تكن سبعا في العشيرة عاديا

وإن امرؤ أسدى إليك أمانة

فأوف بها إن مت سميت وافيا

     وهذه وصية عبدة بن الطيب لبنيه عندما هرم وضعف:

أبنيَّ إني كبــرت وقـــد رابني

بعدي وفي لمصلح مستمتع

ونصيحة في الصدر صادرة لكم

ما دمت أبصر في الرجال وأسمع

أوصيكم بتقى الإلــه؛ فإنــــه

يعطي الرغائب من يشاء ويمنع

وببر إليكم طاعــــة أمــــره

إن الأبر من البنين الأطوع

إن الكبير إذا عصــاه أهلـــه

ضاقت يداه بأمره ما يصنع

ودعوا الضغينة لا تكن من شأنكم

إن الضغائن للقرابة توضع(5)

     ويقول حطان بن علي، وهو يحرص على رعاية بناته:

أنزلني الدهر على حكمه

من شامــخ عــال إلى خفض

وغالني الدهر بوفر الغنى

فليس لي مال ســوى عرضي

أبكاني الدهـــر ويــا ربما

أضحكني الدهـــر بما يرضي

ولولا بنات كزغب القطا

رددن مــن بعض إلى بعض

لكان لي مضطرب واســع

في الأرض ذات الطول والعرض

وإنما أولادنــــا بـــــديننا

أكبادنا تمشــي على الأرض

لو هبت الريح على بعضهم

لامتنعت عيني من الغمض(6)

     وهكذا اهتم شعر الصحابة والتابعين بتأديب الأطفال ورعايتهم مما يضيق عنه هذا البحث والمقام، وأما النثر الفني فقد كانت مساحته أكثر وأعمق وأعظم عندهم، وأكثر تأثرا بالقرآن الكريم والسنة الشريفة، وسنقتصر على شواهد قليلة للاستدلال بها -فقط- على اهتمام أدبنا العربي القديم بالأطفال دفعا للاتهام الموجه إليه من الباحثين المحدثين.

     ومما رواه ابن سلام أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- استعمل رجلا على عمل، فرأى هذا الرجل سيدنا عمر يقبل صبيا له، فقال له: تقبله وأنت أمير المؤمنين، لو كنت أنا ما قبلته، فقال سيدنا عمر -رضي الله عنه-: فما ذنبي إن كان الله نزع من قلبك الرحمة، إن الله لا يرحم من عباده إلا الرحماء، ثم نزعه عن عمله، وعلل لعزله بقوله: أنت لا ترحم ولدك فكيف ترحم الناس(7).

     ويقول عتبة بن أبي سفيان لمؤدب ولده(8):

     «ليكن أول ما تبدأ به من إصلاحك بني إصلاحك نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، علمهم كتاب الله ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، ثم روهم من الشعر أعفه ومن الحديث أشرفه، ولا تخرجهم من علم إلى غيره، حتى يحكموه؛ فإن ازدحام الكلام في السمع مضلة للفهم، وعلمهم سير الحكماء وأخلاق الأدباء، وجنبهم محادثة النساء، وتهددهم بي، وأدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء، ولا تتكل على عذري؛ فإني قد اتكلت على كفايتك، وزد في تأديبهم أزدك في بري إن شاء الله».

     ويقول عبد الملك بن مروان لمؤدب ولده: «علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، وجنبهم السلفة؛ فإنهم أسوأ الناس رعة «ورعا»، وأقلهم أدبا، وجنبهم الحشم؛ فإنهم لهم مفسدة، وأحف شعورهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم يقووا، وعلمهم الشعر يمجدوا وينجدوا، وإذا احتجت أن تتناولهم بأدب فليكن في ذلك ستر، ولا يعلم به أحد من الغاشية فيهونوا عليه»(9).

     وهكذا فالنماذج الفنية في النثر الأدبي كثيرة لا حصر لها، ولكني أختمها بنموذج للإمام أبي حامد الغزالي(10)، وهذه بعض الفقرات من فصل كامل في تربية الطفل وتأديبه:

     «اعلم أن الطريق في رياضة الصبيان من أهم الأمور وأوكدها، والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة، خالية من كل نقش وصورة، وهو قابل لكل ما نقش، ومائل إلى كل ما يمال به إليه؛ فإن عود الخير وعمله نشأ عليه، وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلم له ومؤدب، وإن عود الشر وأهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه ... ومهما كان الأدب يصونه عن نار الدنيا فبأن يصونه عن نار الآخرة أولى، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قرناء السوء، ولا يعوده التنعم، ولا يحبب إليه الزينة وأسباب الرفاهية، فيضيع عمره في طلبها إذا كبر فيهلك هلاك الأبد.. ينبغي أن يراقبه من أول أمره، فلا يستعمل في حضانته إلا امرأة صالحة متدينة تأكل الحلال؛ فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه.. وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام، فينبغي أن يؤدب مثل: ألا يأخذ الطعام إلا بيمينه، وأن يقول عليه بسم الله عند أخذه، وأن يأكل مما يليه، وألا يبادر بالطعام قبل غيره، وألا يحدق النظر إليه ولا إلى من يأكل، وألا يسرع في الأكل، وأن يجود المضغ، وألا يوالي بين اللقم، ولا يلطخ يده ولا ثوبه.. وينبغي أن يعود ألا يبصق في مجلسه ولا يتمخط، ولا يتثاءب بحضرة غيره، ولا يستدبر غيره، ولا يضع رجلا على رجل، ولا يضع كفه تحت ذقنه، ولا يعمد رأسه بساعده؛ فإن ذلك دليل الكسل ... ويعلم كيفية الجلوس، ويمنع كثرة الكلام، ويبين له أن ذلك يدل على الوقاحة، وأنه فعل أبناء اللئام، ويعود في بعض النهار على المشي والحركة والرياضة، حتى لا يغلب عليه الكسل، ويعود ألا يكشف أطرافه، ولا يسرع المشي، ولا يرخي يديه؛ بل يضمها إلى صدره، ويمنع أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه والداه، وبشيء من مطامعه وملابسه أو لوحته ودواته؛ بل يعود التواضع والإكرام لكل من عاشره، والتلطف في الكلام معهم ...» وغيره مما لا يحتاج إلى تعليق.

     وهكذا في فصل كامل يحتاج إلى بحث مستقل في أدب الأطفال عند أبي حامد الغزالي، وكذلك الأمر عند غيره من الأدباء والنقاد في تراثنا العربي والإسلامي العظيم الذي يضم حضارة الإسلام في تأديب الأطفال ورعايتهم وتربيتهم.

*  *  *

الهوامش:

(1)      أنباء نجباء الأبناء: محمد بن ظفر ص85.

(2)      البيان والتبيين: الجاحظ 100/ 1.

(3)      ديوان علي كرم الله وجهه: تحقيق د. محمد عبد المنعم خفاجي.

(4)      المفضليات: للضبي 384/ 2.

(5)      المفضليات: للضبي 384/ 2.

(6)      شاعر إسلامي: ديوان الحماسة لأبي تمام 101/ 1، وعيون الأخبار لابن قتيبة 95/ 2

(7)      كنز العمال: 853/ 16.

(8)      البيان والتبيين: الجاحظ 73/ 2، وعيون الأخبار: ابن قتيبة 563/2.

(9)      عيون الأخبار: ابن قتيبة 654/ 2.

(10)    إحياء علوم الدين من الأجزاء من 3-8.

*  *  *



(*)          أستاذ الأدب والنقد بجامعة الأزهر الشريف