ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، المحرم – صفر 1439 هـ = سبتمبر- نوفمبر2017م ، العــــــــــــدد : 1 – 2 ، السنــــــــــــــــــــــة : 42

 

إلى رحمة الله

 

العالم الذكي فضيلة الشيخ رياست علي ظفر البجنوري – رحمه الله –

أحد كبار أساتذة الحديث بالجامعة

1359-1438هـ = 1940-2017م

بقلم: رئيس التحرير

nooralamamini@gmail.com

 

 

 

في الساعة الرابعة والنصف من الصباح الطالع من الليلة المتخللة بين الجمعة والسبت: 22-23/شعبان 1438هـ الموافق 19-20/مايو 2017م، انتقل إلى رحمة الله تعالى فضيلة الشيخ رياست علي ظفر البجنوري أحد كبار أساتذة الحديث بالجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند، إثر تَعَوُّق شعر به في التنفّس، فسارع نجلُه الأكبر الأستاذ محمد سفيان القاسمي إلى طبيب قريب ليدعوه للإسعاف الطبي الأوّلي، وخلال ذلك لفظ الشيخ أنفاسه الأخيرة؛ لأن أجل الله إذا جاء لا يُؤَخَّر. وكان لدى الوفاة في 79 من عمره بالنسبة إلى السنوات الهجرية، وفي 77 منه بالنسبة إلى الأعوام الميلادية، فإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

     وإثر صلاة الفجر يوم السبت: 23/شعبان = 20/مايو ارتفع الإعلانُ بنعي وفاته من منارات المسجد القديم الذي هو أحد المساجد الثلاثة في محيط الجامعة يقول: إنه قد تُوُفِّيَ منذ وقت قصير فضيلة الشيخ رياست علي ظفر البجنوري أحد كبار أساتذة الحديث بالجامعة، فإنا لله وإنا إليه راجعون. وقع الإعلان الحزين على الوسط الجامعي كالصاعقة، وخَيَّمَ عليه الحزنُ والأسفُ المعجون بنوع من العجب.

     والعجبُ كان مصدره أنه لم يكن عند الوفاة مصابًا بمرض أو عارضة مرضية تُؤْذِن بقرب الأجل، وتستعدّ الأذهان لسماع النعي، بل كان يعيش حياةً عاديّة، وإن كان مصابًا منذ سنوات طويلة بداء السكري، الذي كان قد أدى إلى تضرر في الكلية والقلب وما إلى ذلك من الأعضاء الرئيسة في الجسم.

     والحزن والأسف الشديد، كان مصدره أنه كان فريدًا في أسرة التدريس بالجامعة بالنسبة إلى كثير من الاعتبارات؛ ولذلك جعلت وفاته الوسط الجامعي يعتقد أنه قد فقد جوهرًا فردًا؛ فقد كان من خريجي الجامعة الممتازين في العصر الحاضر، وكان قد بذّ زملاءه في الدراسة في الامتحان النهائي للصف النهائي الذي ينال بعده الطلاب شهادة العالمية. وكان إلى الإتقان العلمي فريدًا في الذكاء، وإصابة الرأي، واكتناه الأمور، وبعد النظر، و خفة الروح، وحضور البديهة، وحلاوة المنطق، وقرض الشعر، وطلاقة اللسان، وسلاسة البيان، وجريان القلم، وإحسان الخطّ.

     وإلى ذلك كان مستشارًا أمينًا؛ فقد كان كثير من الطلاب والأساتذة يقصدونه لاستشارته في قضاياهم الشخصية، فكان يشير عليهم بما يحلها عاجلًا بسهولة؛ ولذلك ظلّ مستشارًا ومُؤْتَمَنًا غير رسمي لدى المسؤولين الكبار عن الجامعة ولاسيّما فضيلة الشيخ مرغوب الرحمن رحمه الله (1332-1432هـ = 1914-2010م) الرئيس السابق للجامعة، الذي كان يستند إليه في إيجاد الحلول للمشكلات العويصة التي تعرضت لها الجامعة من حين لآخر فيما بعد 1400هـ/1980م، والتي سهل حلّها في معظم الأحيان بآراء الفقيد الحكيمة. الحقُ أن العهد الذي تخرج فيه في الجامعة والعهود التي سبقته كانت عهود الربيع للجامعة بالنسبة إلى إنتاج العباقرة وتخريج الرجال، فكان كل من خريجيها مثالاً للإتقان العلمي والكفاءة الإدارية وتربية الرجال، فكان الفقيد ممن يشار إليه بالبنان بالنسبة إلى جميع المؤهلات المشار إليها.

     إثر صلاة العصر من يوم السبت: 23/شعبان = 20/مايو أُدِّيَت الصلاة عليه في «محيط مولسري» الشهير بالجامعة، أَمَّهَا رئيس جمعية علماء الهند وأستاذ الحديث بالجامعة فضيلة الشيخ المقرئ السيد محمد عثمان المنصور فوري حفظه الله، ووُرِّيَ جثمانه بالمقبرة القاسمية الجامعية الشهيرة، وحضر الصلاةَ عليه وتورية جثمانه جمع حاشد من العلماء والمشايخ والطلاب وأهالي المدينة رغم كون الأيام أيام الإجازة الرمضانية الكبرى في الجامعة والمدارس الإسلامية التي تكثر في المنطقة. ومن المؤسف أن كاتب السطور رغم وجوده في «ديوبند» لم يتمكن من حضور الصلاة عليه وتشييع جثمانه إلى مثواه الأخير؛ لأنه قد أُجْرِيَت العملية الجراحية في قلبه مؤخرًا، وكان الأطباء المعنيون قد منعوه من صعود السلم وعبور النِّجَاد والأَوْهُد، وإنما اكتفى بتقديم التعزية إلى بعض أنجاله عبر الهاتف الجوّال.

     إن حادثة وفاته أحزنتني شخصيًّا بشكل كنتُ لا أحسبه في حياة الفقيد، فقد حدث أنه جميع من زارني لعيادتي فيما يخص العملية الجراحيّة جرى معهم ذكر الفقيد ومزاياه الحسنة التي كانت تُمَيِّزه عن الأقران، وكان ذكره يجعل العيون تستعبر، والألسنة تُعْتَقَل. حقًّا إن الإنسان فُطِرَ على تقدير النِّعمَ والرجال بعد فقدهم.

     إن الفقيد ترك بوفاته فراغًا لا يُمْلَأُ ولا سيما بالنسبة إلى الجامعة، وإن كان الله تعالى قادرًا على كل شيء دونما سبب. ومن المعجزة الإلهية أن الله تعالى يُكْرِم الموهوبين من المواهب بما يَتَفَرَّد به كل منهم عن غيره، فكل موهوب يترك بعد وفاته، فراغًا لايقدر الموهوبون على ملئه ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا؛ لأن الموهوب الفقيد يكون جوهرةً فردةً تتفق وحده ومقتضيات الوضع اللازمة، فكلما مست الحاجة إلى تمشيط لمم المشكلات، وكلما كان للأوضاع مُتَطَلَّبَاتها الخاصة تَذَكَّرَ الناس ذلك الموهوب الذي فقدوه، وهذه الذكرى تأتي أليمة مُمِضَّة جدًّا، يقولون عندها: يا ليتنا كنا قد اتخذنا تدبيرًا للإبقاء على ذلك الموهوب الفرد.

     وربّما كان الفقيد هو وحده راعيًا للتقليد المجلسي، فقد كان يتقاطر إليه بعد صلاة العصر عشرات من الأساتذة والطلاب وأهالي المدينة، فكان يُقَدِّم إليهم الشأيَ وما يُقَدَّم معه من المأكولات الخفيفة، وخلال ذلك ربما كان يطرح أحد من الحضور موضوعًا دينيًّا أو دنيويًّا أو علميًّا أو أدبيًّا أو ماسًّا للوضع الساخن أو لقضيّة من قضايا دارالعلوم حدثت مؤخرًا، فكان يتدخل فيه بأسلوب يثير الضحك ويبعث النشاط، ويترك الحضور كلهم يهتزون فرحًا ويَلَذُّون أيامًا وربما أسابيع وشهورًا النكاتِ العميقةَ التي كان يتضمنها حديثُه اللَّبِق الشَّهِيّ. ولم يكن هذا اللون هو لون مجالسه الشخصية، بل كلُّ مجلس كان يَحْظَىٰ بوجوده، كان يظل يُبْسُه رطبًا بحديثه الساخر المثير للمعاني اللطيفة. وقد صار بعضُ أحاديثه الظريفة مثلاً يُضْرَب وتتناقله الألسنة في كل مكان، منها ما قاله لأحد زملائه في الدراسة من أساتذة دارالعلوم عندما قاله له الزميلُ : إني أقدم منك في التدريس بالجامعة؛ حيث عُيِّنْتَ أستاذًا بها بعدي بسنوات، فردّ عليه الفقيد قائلاً: إنّ الأقدمية هذه لم تُفِضْ عليك أيَّ فضيلة، لأنها ترجع أصلًا إلى حكمة الله عز وجل، الذي جعل الجامعة لم تخترني أستاذًا بها إلّا عندما صِرْتُ مثلَك في الأهليّة العلمية الضئيلة، حيث جعلتني السنون أنكمش أهليّة، بعد ما كنتُ أفوقك فيها بدرجات كبيرة! وهذا الردّ المُرْتَجَل جعل الحضور يرقصون فرحًا.

     وكان رحمه الله مُتْقِنًا لفن عيش الحياة الاجتماعية؛ فكان لايستاء أحد قطُّ إذا تعامل معه في شأن من شؤون الحياة؛ لأنه كان لايُبْدِى سخطه على المتعامل معه بأي من لسانه أو ملامح وجهه، ولا يَدَعُ الاستياءَ يجد طريقه إلى الانسياب من خلال لغة الوجه أو الجسم أوالسلوك؛ فكان يظلّ طلق الـمُحَيَّا، باسم الشفتين، جميل السلوك حتى في أحرج الأوضاع التي تبعث على الاستياء والغضب. إنه بعد وفاته تدور صورته في مخيلتي وَضَّاءة الجبين باسمة الثغر. من أجل مزيته الفريدة هذه قلما كان من يدرك أنه مستاء منه؛ لأن أحاديثه المعسولة ونكته الظريفة تحول دون أن يفكر أحد في شأنه تفكيرًا سلبيًّا؛ لذلك قلّ أعداؤه أو ندروا، وكثر أصدقاؤه. إنه سَرَّ الجميعَ بسلوكه، ولم يمسّهم بأي سوء أو حزن. إن الجالسين إليه حَظُوا بالسكينة والطمأنينة، ولم يُصَابُوا قط بأي قلق واضطراب. إن مثله يتذكره مَنْ بعده كثيرًا، ويذكرونه بخير فحسب، ويدعون له في حالة السكوت والكلام؛ ولذلك فكل من لقيه كاتب السطور بعد موته وجده حزينًا كئيبًا على موته، يذكر حلاوة منطقه وخفة روحه وجميل تعامله، فتدمع عيناه ويحزن قلبه.

     وكانت البسمةُ لاتفارق شفتيه في الفصول الدراسية كذلك، فكان تلاميذه يحبون دروسه كثيرًا؛ حيث كان يقدمها إليهم بلسانه العذب السلسال مُنَضَّدَة مرتبة متصلة الحلقات، فكانت ترسخ في أذهانهم، وكان يساعده في ذلك صفات كان يمتاز بها عن غيره من زملائه في التدريس، منها: أنه كان مستوعبًا للمواد التي كان يقوم بتدريسها؛ لأنه كان ذكيًّا قوي الذاكرة إلى ما وُفِّقَ له من الاجتهاد في الدراسة أيام الطلب؛ ومنها أنه كان لايحضر الفصولَ إلا بعد تحضير كامل للدروس؛ ومنها أنه كان يتمتع بمنطق سلس وبيان أَخَّاذ. ورغم أنه كان مصابًا بداء السكري وعوارضه الكثيرة التي أصابته بالضنى، وكان معروق اللحم، خفيف الجسم خَلْقًا؛ ظل حاضر الذهن، نشيط الفكر في الفصول الدراسية لآخر يوم من أيام تدريسه، ومما كان يزيد دروسه محبوبية أنه كان حظيًّا بقدرة الإرسال والتفهيم، التي هي أجلّ النعم الإلهية، التي ربما يُحْرَمُها بعضُ من يكون متضلعًا من العلم والفضل، فلا يقدر على إرسال ما عنده من الأفكار والرؤى حتى في مجالسه اليومية أو حياته العامة.

     وبفضل مزاياه هذه كان خطيبًا مثمرًا كما كان مدرسًا نافعًا، فكانت خطاباته أَخَّاذَة مُنْعِشَة؛ حيث كان يوجز أفكاره في قالب جميل من الكلمات، وكان يُعْنَىٰ عناية خاصةً بإيجاد التوازن والانسجام بين اللفظ والمعنى، وكان عارفًا بقيمة كل منهما ومكان استخدامهما المناسب، فكان فردًا في التعبير عما في ضميره. إن أمثالنا كانوا يَلَذُّون الحديثَ معه لذةً لا يسع كاتبَ السطور أن يصفها وصفًا دقيقًا، إننا لم نجد في حياتنا من يماثله في هذا الوصف إلّا رجالًا يُعَدُّون على الأصابع، فحَزِنَّا عليه حزنَنا عليهم. إن العارفين بقيمة اللفظ والمعنى وجمال الصياغة الدقيقة يُقَدِّرون من يشاطرهم في هذه الصفة البارعة. أما المجردون منها فإن خطابهم يؤذي من يحظى بها؛ لأنهم لايقدرون أن يفرقوا بين الفرس والحمار.

     وكانت كتاباته باللغة الأردية تمتاز مثل حديثه وخطابه بالحلاوة والإيجاز والشمول وجمال التعبير؛ ولذلك استعان به رئيس الجامعة السابق فضيلة الشيخ مرغوب الرحمن رحمه الله في إعداد ما أهمّ الجامعةَ من الكتابات والمقالات، وقد دَوَّنَ بعض الأحيان مسودات مداولات مجلس الشورى الجامعي، كما كتب عن رئيس الجامعة كلمات رئاسية ومقالات استقبالية افتتاحية لشتى الحفلات والمؤتمرات الجامعية.

     وكان له مقدرة كبيرة على قرض الشعر، فكان يجيد القول ويتقنه كالشعراء الأرديين الأساتذة. وكان أستاذه في هذا الفن الشيخ محمد عثمان الهاشمي المتلقب في شعره بـ«كاشف» رحمه الله (1351-1417هـ=1933-1996م) الذي كان من سكان «راجوفور» المجاورة لـ«ديوبند» وكان عالمًا بارعًا نالت سلسلة تفسيره للقرآن الكريم المسمى بـ«هداية القرآن» قبولًا واسعًا؛ ولكنه لم يتمكن من إكماله بقلمه. وكان شاعرًا واعيًا وعيًا إسلاميًّا يخفق في صدره مثل القلب الذي كان يخفق بين جنبي الشاعر الإسلامي الفذّ العلامة الدكتور محمد إقبال رحمه الله (1290-1357هـ= 1873-1938م) فكان يحذو حذوَه في دعوة المسلمين إلى الثقة بالذات، ويُرَكِّز على كون الكون في الواقع تراثًا للمؤمن الصادق.

     إن الشيخ رياست علي رحمه الله كان يتلقب في شعره بـ«ظفر» وكان شعره ينصبغ بصبغة شعر أستاذه لحد كبير. وكان يمتاز في شعره بجدية العالم الديني، وجلالة الأستاذ، وجزالة الشاعر المطبوع، ووقار المؤمن الصادق، كما يمتاز بإثارة المعاني اللطيفة البارعة، وقد صدرت مجموعته الشعرية عام 1396هـ/1976م، ونالت استحسانًا واسع النطاق، وتعددت طبعاته فيما بعد.

     وكان النشيد الذي قرضه للجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند، بيت القصيد بين أبياته جميعًا، فقد تجلت فيه مقدرته الشعرية، وتفننه في الصياغة، وبراعته في التعبير عن المعاني الكبيرة، التي كان يودّ أن يودعها إيّاه إلى جانب الإشارة البارعة إلى تأريخ الجامعة وخلفية تأسيسها وإلى أسماء المشايخ العظام الذين أسسوها أو ساهموا في تقدمها المدهش للعالم ليومنا هذا. ويصح أن يقال: إن هذا النشيد خَلَّدَ اسمه في التاريخ وجعله يدوم بإذن الله دوامَ الجامعة.

     وكان من مزاياه أنه كان جوادًا مِضْيَافًا، إنه ظل يجاورنا في السكن الجامعي العائلي المعروف بـ«أفريقي منزل قديم» الملاصق لمسجد «تشته» نحو 22-23 سنةً، فكان يشاهد كاتب السطور أنه لايخلو يوم لم ينزل عليه ضيف أو ضيوف يكرمهم بالفطور أو الغداء أو العشاء، وبعد صلاة العصر يتوافد إليه الطلاب والأساتذة وبعض أهالي مدينة «ديوبند» ويجلسون إليه، فكان يفاكههم بالحديث اللذّ العذب، كما كان يكرمهم بالشأي وما يستلزمه من الأكلات الخفيفة.

     وأيّامَ رمضان كان يكثر من التضييف، وكان يرسل إلينا نحن الجيران من وقت لآخر خوانات مملوءة بموادَّ الإفطار المنوعة. وكانت زوجته السيدة «صفية» رحمها الله (1361-1432هـ = 1942-2011م) مثله سبّاقة إلى الكرم والتضييف وفعل الخير. وظلّ كل منهما يعرف حقَّ الجوار ويؤديه إلينا، حتى بعد ما انتقلا بأسرتهما من السكن المذكور إلى منزلهما الخاص بحي «خانقاه».

     كان الفقيد رحمه الله يساعد الفقراء، ويعين على نوائب الدهر، وكان لايلوم أحدًا إلّا بأسلوب ملؤه النعومة والعذوبة، فكان لايستاء الملوم قط. إنه قد يقول للبعض لدى الحاجة قولًا أَمَرَّ؛ ولكنه كان يُغَلِّفه بأسلوب لَيِّن جميل من الاستعارة، يسلبه المرارةَ ويُضْفِي عليه الحلاوةَ.

     وكان متقيدًا بمذهب السلف، فكان لايشذّ عنه قِيدَ شعرة، وكان محافظًا على الصلاة بالجماعة، فلم تَفُتْه صلاة ولا صيام، وكان يهتم بتلاوة القرآن. وفيما يتعلق بالمسائل الشرعية كان يلازم مذهب وفتاوى جمهور علماء الحنفية، وكان لا يتفرد في هذا الشأن برأي مثل بعض العلماء. وكان يتقيد في الأغلب بالاستشارة مع المعنيين، وكان يثبت كالجبال على الرأي الذي يتوصّل إليه بعد المشاورة، وكانت حياته لا تعرف ترددًا أو اضطرابَ رأي. إن الاعتدال، والتواضع، والبساطة، واتباع السنة، والثبات على المبدإ، والنضج الفكري، والإيمان الراسخ، كان سلاحه الأمضى في معركة الحياة.

     من أجل الأشغال المُنَوَّعَة الكثيرة التي شغلت عليه وقتَه وفكرَه وعنايتَه، لم يتمكن من بذل عنايته على الكتابة والتأليف حَسَب مقتضى أهليته العلمية، ولو صرف همته إلى هذا المجال لكان مؤلفًا وكاتبًا كبير الشأن. ورغم ذلك ما صنع من الأعمال التأليفية والكتابية، يحتل قيمة كبيرة، وعلى رأسه شرحه لصحيح البخاري باسم «إيضاح البخاري» الذي صدرت له لحد كتابة هذه السطور عشرة أجزاء. والكتاب يتضمن أصلًا المحاضرات التي كان يُلْقِيها أستاذه الكبير المحدث المتضلع فضيلة الشيخ الشريف فخر الدين أحمد رحمه الله (1307-1392هـ = 1889-1972م) وكان يتقيد بتسجيلها أثناء إلقاء الشيخ إياها على الطلاب في القاعة المخصصة لتدريس كتب الحديث المعروفة في الوسط الجامعي بـ«دارالحديث». وأضاف إلى هذه المحاضرات خلاصة دراسته المستوعبة لشروح صحيح البخاري الأخرى ومحاضرات مشايخ ديوبند الكبار رحمهم الله لدى تدريسهم لدواوين الحديث عامة وصحيح البخاري خاصة، فكان عمله التأليفي هذا تحقيقيًّا وطويلًا، فامتص الشي الكثير من فرص أوقاته المزدحمة بالأعمال. وكان مطبوعًا مثل كثير من ذوي العلم والفكر على إتقان كل عمل والقيام به على أحسن ما يكون؛ حتى يقول المستفيد منه: ذلك هو العمل الذي ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون. ولذلك فلم يُتَحْ له رغم بذل كل ما أمكنه من الجهد وقواه الفكرية والدراسية إلّا إنهاء خمسة أجزاء من الكتاب أصدرهامن مكتبته «قاسم المعارف» بمدينة «ديوبند» وخلال ذلك أَنْهَكَتْه الشيخوخةُ وأَضْنَتْه الأمراضُ، فأدرك أن هذا العمل الكبير لايمكن أن يتم على المستوى الذي قَرَّرَه بقلمه هو مع ما يعانيه من عوارض الشيخوخة وآثار الأمراض السلبية، فقرر منذ سنوات أن يستعين على إتمام هذا العمل التأليفي بتلميذه المُؤَهَّل الأستاذ فهيم الدين القاسمي البجنوري عضو هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند، وقد وُفِّق الأستاذ، وسار حسب المنهج التأليفي الذي اخْتَطّه وعمل به الفقيد، فصدرت خمسة أجزاء أخرى من الكتاب في حياته رحمه الله. ويُرْجَى أن الكتاب سيتم في 22 جزءًا، والأستاذ متوفر على إتمامه، كما كان عاكفًا عليه في حياة الفقيد.

     وكتاب «إيضاح البخاري» يمتاز عن غيره من شروح صحيح البخاري بأنه يستوعب أقوال علماء ديوبند الكبار، ويهتم بتعيين مرادات الإمام البخاري في «تراجم الأبواب» مع الإشارة إلى قيمة وأهمية كل من التراجم، وذلك في ضوء المحاضرات الدراسية لصحيح البخاري التي كان يلقيها المحدث الشريف فخرالدين أحمد رحمه الله، الذي كان يمتاز عن كثير من العلماء السلف الكبار بفهم مرادات تراجم البخاري، حتى فَضَّلَه بعضُ العلماء الثقات، بالنسبة إلى هذه المزية على الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله (أحمد بن علي أبي الفضل المتوفى 852هـ/ 1449م) صاحب «فتح الباري» كما يمتاز الكتاب بأنه يردّ على الإمام البخاري رحمه الله (محمد بن إسماعيل الجعفي 194-256هـ = 810-870م) ردًّا مُفْحِمًا فيما يتعلق بجميع الاعتراضات التي يوردها على الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله (النعمان بن ثابت 80-150هـ = 699-766م) وقد حُرِّرَت بحوث مثل هذه المناسبة بنواحيها مشبعة.

     وكتابه الثاني الهامّ «شورى كى شرعي حيثيت» (الشورى.. مكانتها الشرعية) الذي كان قد أصدرته «أكاديمية شيخ الهند» بالجامعة تحت إشرافه، حيث ظل مديرًا لها لسنوات، ابتداءً من 1408هـ/ 1987م كما صدرت على عهد إدارته لها كتب أخرى قيمة.

     وترجع خلفية تأليف كتاب «الشورى.. مكانتها الشرعية» إلى الأوضاع التي نجمت في الجامعة في الفترة مابين 1400-1402هـ/ 1980-1982م التي بُذِلَت فيه المحاولات لتقليل مكانة الشورى، وكانت الرسالة التي أَلَّفَها فضيلة الشيخ المربي مسيح الله خان الجلال آبادي رحمه الله (1329-1413هـ = 1911-1992م) باسم «رسالهٔ اهتمام وشورى» من تلك المحاولات التي اعتبرت مدير الجامعة أصلًا والشورى فرعًا تابعًا له، وجعلت الدستور الأساسي للجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند غير شرعي، وكان للرسالة دويّ في الأوساط العلمية والدينية، لكون الشيخ رحمه الله ذا مكانة محترمة في المجتمع الديني والعلمي، ولكونه متخرجًا في التزكية والإحسان على الشيخ الكبير العلامة الجليل المربي العبقري الشيخ أشرف علي التهانوي رحمه الله (1280-1362هـ =1863-1943م). ونظرًا لهذا الموقف الحرج، كَلَّفَ فضيلة الشيخ معراج الحق رحمه الله (1328-1412هـ = 1910-1991م) رئيس هيئة التدريس بالجامعة الفقيدَ رحمه الله بدراسة القضية من جوانبها، فأودع كتابه «الشورى .. مكانتها الشرعية» خلاصة دراسته الشاملة للموضوع.

     ورغم ضعفه وطعنه في السن، قام خلال السنوات الأخيرة من حياته بأعمال علمية، منها أنه حقق كتاب «كشاف اصطلاحات الفنون» للعالم الهندي المعروف القاضي محمد أعلى التهانوي رحمه الله (المتوفى بعد 1158هـ/1745م) واستعان على ذلك ببعض تلاميذه الفضلاء، وأَعَدَّ نسخة مُصَحَّحَةً للكتاب في ضوء مخطوطة المؤلف والطبعة الأولى للكتاب التي صدرت في «كلكتة» في الفترة ما بين 1268-1279هـ/1852-1862م بعناية من المستشرقين الذين كانوا من مسؤولي الحكومة البريطانية الاستعمارية في الهند، وهي نسخة متكاملة أكثر نفعًا من النسخة التي كتبها المؤلف بخط يده، وهي جاهزة للطبع والإصدار في جزئين.

     ومنها تحقيقه وإعادة تدوينه لكتاب «خلاصة التفاسير» بالأردية لمؤلفه الشيخ «فتح محمد تائب» اللكنوي (المتوفى 1342هـ/1923م) وقداستعان عليه كذلك ببعض طلابه المُؤَهَّلِين، وعكف على العمل عدة سنوات. وهو كذلك جاهز للطبع في عدة مجلدات.

     والكتاب من كتب التفسير الأردية المُتَلَقَّاة بالقبول لدى كبار العلماء والباحثين لمزايا تخصه، فترجمة معاني القرآن سهلة بسيطة جارية في قناة الأردية الأصيلة؛ لأنها مستقاة من ترجمة معاني القرآن الكريم للمحدث الهندي الفريد الإمام الشاه ولي الله الدهلوي (أحمد بن عبد الرحيم 1114- 1176هـ = 1703-1762م) ومن ترجمة معانيه لابنه المتقن إلى العلم للغات العربية والفارسية والأردية الشاه عبدالقادر الدهلوي (1167-1230هـ = 1753-1814م) والتفسير الذي اختاره المؤلف هو روح التفاسير العربية لكبار السلف الثقات، كما أنه اعتمد في شرح الأحكام الشرعية على الروايات الموثوق بها، واجتنب الإسرائيليات إلا ما لا يتصادم منها مع الشرع الإسلامي والعقل السليم.

موجز ترجمة حياته رحمه الله

     اسمه رياست علي، وكان يتلقب في شعره بـ«ظفر» وُلِدَ يوم 9/مارس 1930م (السبت 28/المحرم 1359هـ) بحي «حكيم سرائے» بمدينة «عليجراه» التي كان يقيم بها والده المنشي فراست علي (المتوفى 1363هـ/1944م) لمشاغله التدريسية، ووطنه الأصلي بلدة «حبيب والا» بمديرية «بجنور» إحدى مديريات المنطقة الغربية من ولاية «أترابراديش» الهندية.

     وينتهي نسبه عن طريق 35 رجلًا إلى سيدنا أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه (خالد بن زيد الخزرجي المتوفى 52هـ/672م). وكان في الرابعة من عمره إذ استوفى أبوه ظمأ حياته، وتلقى التعليم الابتدائي في بلدته «حبيب والا» وقد اجتاز امتحان الصف الرابع في المدرسة الابتدائية الرسمية في البلدة بالدرجة الأولى، ثم دعاه زوج عمته الشيخ سلطان الحق رحمه الله (1325-1407هـ = 1907-1987م) الأمين العام للمكتبة العامّة بالجامعة ليصرفه إلى التعليم الديني. وكان الشيخ سلطان الحق من الرجال الحكماء المربين من ذوي الوعي السياسي الاجتماعي، فأخذ ابنَ أخي زوجته بالتعليم والتربية تحت رعايته المباشرة، فنما الفقيد في العلم والفضل نموًّا مُطَّرِدًا سريعًا، واستطاع أن يشغل جميع فرص حياته في الدراسة، وصنع الذات، وكسب الأهلية العلمية، دون أن تضيع منها لحظة.

     تعلم الفارسية والأردية في دارالعلو/ديوبند، وقرأ الكتب الابتدائية في العلوم العربية والشرعية على شتى أساتذتها دون التحاق بها، والتحق بها في 14 من عمره في 18/شوال 1373هـ الموافق 15/مايو 1954م، وانصرف إلى الدراسة في اجتهاد بالغ يساعده على ذلك ذكاء وفطنته، فاجتاز جميع الامتحانات بعلامات ممتازة، واجتاز امتحان الصف النهائي المعروف بـ«دورة الحديث» بالدرجة الأولى والمركز الأوّل. وكان السقف النهائي للعلامات في الجامعة آنذاك 50 علامة؛ ولكنه نال في شتى كتب الحديث أكثر من العلامات المقررة من قبل الجامعة تشجيعًا له على جدّه وتوفره على الدراسة، فنال في امتحان صحيح البخاري 55 علامة، وفي صحيح مسلم 52، وفي جامع الترمذي 52، وفي سنن أبي داود 53، وفي سنن النسائي 55، وفي سنن ابن ماجه 52، وفي معاني الآثار للطحاوي 53، وفي موطإ الإمام مالك 54، وفي موطإ الإمام محمد 53، فنال مكان 500 علامة 529 علامة. وكان ذلك شيئًا غير عادي.

     وكان من أساتذته في «دورة الحديث الشريف» الشيخ الشريف فخر الدين أحمد رحمه الله (1307-1392هـ = 1889-1972م) الذي قرأ عليه صحيح البخاري، والشيخ العلامة محمد إبراهيم البلياوي رحمه الله (1304-1387هـ = 1886-1967م) الذي قرأ عليه صحيح مسلم وجامع الترمذي، والشيخ السيد فخر الحسن رحمه الله (1323-1400هـ = 1905-1980م) الذي قرأ عليه سنن أبي داود، والشيخ بشير أحمد خان رحمه الله (المتوفى 1386هـ/1966م) الذي قرأ عليه سنن النسائي وسنن ابن ماجه، والشيخ ظهور أحمد رحمه الله (1318-1383هـ = 1900-1963م) الذي قرأ عليه معاني الآثار للطحاوي، والشيخ سيد حسن رحمه الله (المتوفى 1381هـ/1961م) الذي قرأ عليه الشمائل المحمدية للترمذي، والشيخ المقرئ محمد طيب رحمه الله (1315-1403هـ = 1897-1983م) الرئيس السابق للجامعة، الذي قرأ عليه موطأ الإمام مالك، والشيخ محمد جليل الكيرانوي رحمه الله (المتوفى 1388هـ/1968م) الذي قرأ عليه موطأ الإمام محمد، وأنهاه على الشيخ سيد حسن رحمه الله.

     وخلال التحصيل العلمي بالجامعة أدى امتحان شهادة «أديب كامل» بالدرجة الأولى فنال الشهادة من «جامعة أردو» بـ«عليجراه».

     بعد التخرج من الجامعة قام بشتى الأعمال إلى جانب اشتغاله بتاليف «إيضاح البخاري» ولكسب لقمة العيش تعلم إحسان الخطّ على الخطاط البارع المعروف الشيخ اشتياق أحمدالديوبندي (المتوفى 1395هـ/1975م) فصار من الخطاطين الممتازين، وأسس خلال ذلك بعض المكتبات التجارية التي أصدر منها بعض الكتب العلمية الهامة.

     وعُيِّن أستاذًا بالجامعة عام 1391هـ/1987م وظلّ يقوم بالتدريس فيها إلى آخر حياته، وإلى ذلك قام في الجامعة بمسؤوليات عديدة بما فيها إدارته للمجلس التعليمي، وإدارته لرئاسة تحرير مجلة «دارالعلوم» الأردية وإدارته لأكاديمية شيخ الهند، وقيامه بمسؤولية نيابة رئيس الجامعة من وقت لآخر أثناء تشاغله عنها لمرض أو سفر أو لعائق من العوائق. كما ظلّ يكتب عن الجامعة أبحاثا ومقالات ظلُّ يكَلِّفه ذلك رئيس الجامعة.

     الجدير بالذكر أنه دَرَّسَ في الجامعة معظم الكتب الدراسية التي هي جزء من مقرراتها الدراسية، بما فيها كتب الحديث والفقه والأصول والتفسير والبلاغة والأدب والشعر.

     وقد خلف رحمه الله بعده ثلاثة أولاد وهم الأستاذ محمد سفيان القاسمي، والأستاذ محمد عدنان القاسمي، والأستاذ محمد سعدان القاسمي، كما ترك أسرة عامرة تقوم بنشاطات دينية ودنيوية وتعيش حياة مرضية لدى الناس ورب الناس.

*  *  *