ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، شعبان  1438 هـ = مايو 2017م ، العــــــــــــدد : 8 ، السنــــــــــــــــــــــة : 41

 

دراسات إسلامية

من شروط قبول العمل

بقلم: الأستاذ/ أحمد فريد

 

 

 

1- الإخلاص: هو تجريد قصد التقرّب إلى الله - عز وجل- عن جميع الشوائب.

     وقيل: هو إفراد الله - عز وجل- بالقصد فى الطاعات.

     وقيل: هو نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق.

     والإخلاص شرط لقبول العمل الصالح الموافق لسنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم-، وقد أمرنا الله - عز وجل- به فقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء [البينة:5].

     وعن أبى أمامة - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فقال: أرأيت رجل غزا يلتمس الأجرَ والذكْر ماله؟ فقال رسول الله-صلىى الله عليه وسلم-: (لا شىء له)، أعادها ثلاث مرات ويقول رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: (لاشىء له)، ثم قال: (إن الله - عز وجل- لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصًا وابتغى به وجهه)(1).

     وعن أبى سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبى –صلى الله عليه وسلم- أنه قال في حجة الوداع: (نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، فرب حامل لفقه ليس بفقيه، ثلاث لايغل عليهن قلب امرىء مؤمن: إخلاص العمل لله، والمناصحة لأئمة المسلمين، ولزوم جماعتهم)(2).

     والمعنى: أن هذه الثلاثة تستصلح بها القلوب، فمن تخلق بها طهر قلبه من الخيانة والغل والشر.

     ولا يتخلص العبد من الشيطان إلا بالإخلاص لقول الله عز وجل: ﴿إِلا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْـمُخْلَصِينَ[ص:83] .

     وروي أن أحد الصالحين كان يقول لنفسه: «يانفس أخلصي تتخلصي».

     وكل حظ من حظوظ الدنيا تستريح إليه النفس، ويميل إليه القلب، قلّ أم كثر، إذا تطرق إلى العمل، تكدر به صفوه، وزال به إخلاصه، والإنسان مرتبط في حظوظه، منغمس في شهواته، قلّما ينفك فعلٌ من أفعاله، وعبادةٌ من عباداته عن حظوظ وأغراض عاجلة من هذه الأجناس، فلذلك قيل: «من سلم له من عمره لحظةٌ واحدةٌ خالصةٌ لوجه الله نجا»، وذلك لعزة الإخلاص، وعُسْرِ تنقية القلب عن الشوائب، فالإخلاص: تنقية القلب من الشوائب كلها، قليلها وكثيرها، حتى يتجرد فيه قصدُ التقرب فلا يكون فيه باعثُ سواه، وهذا لايتصور إلا من محب لله مستغرق الهم بالآخرة، بحيث لم يبق لحب الدنيا من قلبه قرارٌ، فمثل هذا لو أكل، أو شرب، أو قضى حاجته، كان خالص العمل، صحيح النية، ومن ليس كذلك فبابُ الإخلاص مسدودٌ عليه إلا على الندور.

     وكما أن مَنْ غلب عليه حب الله، وحب الآخرة، فاكتسبت حركاته الاعتيادية صفة همه، وصارت إخلاصًا، فالذي يغلب على نفسه الدنيا والعلو والرئاسة، وبالجملة غير الله، اكتسبت جميع حركاته تلك الصفة، فلا تسلم له عبادةٌ من صومٍ، وصلاة وغير ذلك إلا نادرًا.

     فعلاج الإخلاص كسرُ حظوظ النفس، وقطعُ الطمع عن الدنيا، والتجرد للآخرة، بحيث يغلب ذلك على القلب، فإذ ذاك يتيسر به الإخلاص، وكم من أعمال يتعب الإنسان فيها، ويظن أنها خالصةٌ لوجه الله، ويكون فيها من المغرورين، لأنه لم يَرَ وجهَ الآفة.

     كما حُكي عن بعضهم: أنه كان يصلي دائمًا في الصف الأول، فتأخر يومًا عن الصلاة فصلى في الصف الثاني، فاعترتْه خجلةٌ من الناس حيث رأوْه في الصف الثاني، فَعَلم أن مسرته وراحة قلبه منِ الصلاة في الصف الأول كانت بسبب نظر الناس إليه، وهذا دقيقٌ غامضٌ قَلّما تسلم الأعمال من أمثاله، وقلّ من ينتبه له إلا من وفقه الله تعالى، والغافلون عنه يَرَوْنَ حسناتهم يوم القيامة سيئات، وهم المقصودون بقوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّاٰتُ مَا كَسَبُوا (الزمر: 47-48) .

     وبقوله عز وجل: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيٰوةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا [الكهف: 103 104].

بعض الآثار عن الإخلاص

     قال يعقوب: «المخلص من يكتم حسناته كما يكتم سيئاته».

     قال السوسي: «الإخلاص فَقْدُ رؤية الإخلاص، فإن مَنْ شاهد في إخلاصه الإخلاص فَقد احتاج إخلاصه إلى إخلاص». وما ذكر إشارة إلى تصفية العمل من العُجْب بالفعل، فإن الالتفات إلى الإخلاص، والنظر إليه عٌجْب، وهو من جملة الآفات، والخالص ما صفا عن جميع الآفات.

     قال أيوب: «تخليص النيات على العُمّال أشد عليهم من جميع الأعمال».

     وقال بعضهم: «إخلاص ساعة نجاة الأبد، ولكنّ الإخلاص عزيزٌ».

     وقيل لسهل: أي شيء أشد على النفس؟ قال: «الإخلاص،إذ ليس لها فيه نصيب».

     وقال الفُضَيْل: «ترك العمل من أجل الناس رياء، والعملُ من أجل الناس شرك، والإخلاص: أن يعافيك الله منهما».

فضل النيّة

     عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: «أفضل الأعمال أداءُ ما افترض الله تعالى، والورعُ عما حرّم الله، وصدقٌ النية فيما عند الله تعالى».

     وقال بعض السلف: «رب عملٍ صغيرٍ تعظمه النية، وربّ عمل كبير تصغره النية».

     وعن يحيى بن أبى كثير: «تعلّموا النية، فإنها أبلغ من العمل».

     وصحّ عن ابن عمر أنه سمع رجلًا عند إحرامه يقول: أللهم إني أريد الحج والعمرة فقال له: «أتُعْلم الناس، أوَ ليس الله يعلم ما فى نفسك»: وذلك لأن النية هي: قصد القلب، ولا يجب التلفظ بها في شيء من العبادات وإنما يشرع في الحج والعمرة أن يقول: لبيك أللهم بحجة أو بعمرة أو بعمرة وحجة إن كان قارنًا، وهو الذي يسمى بالإهلال.

2 - متابعة السنّة

     والشرط الثاني لقبول العمل أن يكون العمل مطابقًا لسنة النبى –صلى الله عليه وسلم- لحديث عاشئة - رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد» وفي رواية لمسلم: من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد(3).

     فهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام، فكما أن حديث: «الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال فى باطنها فهو ميزان للأعمال فى ظاهرها فكما أن كل عمل لايراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيـه ثواب فكذلك كل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو ردعلى عامله فقوله: «ليس عليه أمرنا» إشارة إلى أن أعمال العاملين كلها ينبغى أن تكون تحت أحكام الشريعة فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها، فمن كان عمله جاريًا تحت أحكام الشريعة موافقًا لها فهو مقبول، ومن كان خارجًا عن ذلك فهو مردود.

     أوجب الله - عز وجل- علينا طاعــة رسوله – صلى الله عليه وسلم- قال تعالى: ﴿وَمَآ اٰتٰكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهٰكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا[الحشر: 7]

     وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلٰلًا مُّبِينًا (الأحزاب: 36)

     وجعل الله - عز وجل- اتباع سنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- علامة على محبته فقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ (آل عمران: 31)

     قال الحسن البصري: ادعى ناس محبة الله - عز وجل- فابتلاهم بهذه الآية: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي ... الآية.

     كما أوصى النبي –صلى الله عليه وسلم- بالتمسك بسنته وسنة خلفائه الراشدين فقال –صلى الله عليه وسلم-: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضّوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة»(4).

     قال الزهري: الاعتصام بالسنة نجاة؛ لأن السنة كما قال مالك: مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك.

     وقال سفيان: لايقبل قول إلا بعمل، ولا يستقيم قول وعمل إلا بنية، ولا يستقيم قول وعمل ونية إلا بمتابعة السنة.

     وعن ابن شوذب قال: إن من نعمة الله على الشاب إذا نَسُكَ أن يوفقه الله إلى صاحب سنة يحمله عليها.

*  *  *

الهوامش:

(1)      رواه النسائى (6/25) الجهاد، وحسنه العراقي في تخريج الإحياء (4/28) ، وقال المنذري فى الترغيب (1/24): إسناده جيد، وحسنه الألباني في الصحيحة رقم (52) .

(2)      رواه الترمذي (10/126) العلم، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (1/84) المقدمة، والدارمي (1/76) ، والبغوي فى شرح السنة (1/236) ، وأحمد (4/80،82) ، وصححه الألباني.

(3)      رواه البخاري (5/301) الصلح، ومسلم (12/16) الأقضية، والرد هنا بمعنى المردود أى فهو باطل غير معتد به.

(4)      رواه أحمد (4/126، 127) ، وأبو داود (12/359، 360) السنة، والترمذي (10/144) العلم، وقال: هذا حديث حسن صحيح، وابن ماجه (43) المقدمة، والدارمي (1/44، 45) اتباع السنة، والبغوى في شرح السنة (1/205) وقال: هذا حديث حسن.