ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، شعبان  1438 هـ = مايو 2017م ، العــــــــــــدد : 8 ، السنــــــــــــــــــــــة : 41

 

دراسات إسلامية

 

قيمة سلامة الصدر والإخلاص في حياة المسلم

بقلم: الأستاذ أسامة  نور/ القاسمي (*)

 

 

 

أبناء بني آدم يَتَفَاوَتُون في طبيعتهم البشريّة، كما يَتَفَاوَتُون في نزعتهم إلى الخير أو إلى الشر؛ ومن ثم قد تكون النفس البشرية مستقيمة مُتَّزِنَة، وقدتكون مُعْوَجَّة مُخْتَلَّة، فالأولى يُشِعُّ النُّبْلُ من داخلها ويعلو النورُ وجهَها، فيَتَجَلَّيَان في جميع تصرفاتها في الحياة، ولا تُؤَثِّر عليها حالات الزمان وتحوّلات الفصول والأنواء؛ لأنها تَثْبُت خُطاها على درب الحياة فتُغِذّ السيرَ عليها دونما انحرافٍ عن الجادّة.

     أما النفس المُعْوَجَّة الْـمُختلَّة، فتتأثر من الفُصُول والطُّقُوس، وتتفاعل مع الأنواء والظروف، وتَتَحَكَّم فيها أعاصير المواقف، فتجعلها تتخبّط على درب الحياة، وتُسِيء التصرّفَ.

     من هنا رَكَّزَ الإسلامُ على إصلاح النفس وبناء الداخل الإنساني، وكان الاهتمام بهذا الجانب هو الدعامة الأولى والأساس الذي اعتمد عليه الإسلام في تهذيب النفس وتغليب الخير على الشرّ، فضَغَظَ على سلامة الصدر من الضغائن والأحقاد. قال تعالى:

     ﴿ فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)(النازعات:37-41).

     وقال:

     ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ (الشمس: 7-10).

     وقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: «اَلَا! إنَّ في الجسد مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجسدُ كلُّه، وَإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجسدُ كلُّه. أَلَا! وهي القلبُ» (البخاري:52).

     وقد كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يضغط جدًّا على أن يعيش المسلم بريئًا من نزعات الحقد والتحاسد والتباغض والتدابر فقال: «لا تَقَاطَعُوا ولا تَدَابَرُوا، ولا تَبَاغَضُوا ولا تَحَاسَدُوا، وكونوا عبادَ الله إخوانًا، لا يحلّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث» (البخاري: 6065).

     وقال: «لا يحلّ لمؤمن أن يهجر مؤمنًا فوق ثلاث، فإن مَرَّتْ به ثلاثٌ فَلْيَلْقَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عليه، فإن ردّ عليه السلام، فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يردّ عليه فقد باء بالإثم، وخرج الـمُسَلِّم من الهجرة (أبوداود:4912).

     وذلك لأن القلب الأسود المنطوي على الأمراض التي ذكرها النبي –صلى الله عليه وسلم- يُفْسِد الأعمالَ الصالحةَ، ويطمس بهجتها، ويسلبها صفوَها، والقلب الـمُزَكَّىٰ المشرق بالإيمان الصادق المجرد من كل نوع من الضغينة والحقد والحسد والغل يبارك الله فيه ويمده بالخير والتوفيق لكل ما يحبه الله ورسوله –صلى الله عليه وسلم- فقد سُئِلَ رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: أيُّ الناس أفضل؟، فقال: «كُلُّ مخموم القلب صدوق اللسان» قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: «هو التقيُّ النفس، لا إثمَ فيه ولا بغي، ولاغلَّ ولا حسد» (ابن ماجه: 4216).

     حرص الإسلامُ حرصًا لا مزيد عليه أن يكون المسلم مُنَزَّهًا من كل نوع من النزعات الطائشة تنحرف به عن الصراط المستقيم، ويدفعه إلى الحقد والعناد، والجفاء والقطيعة، فيعيش على علاقة الحب والوئام بإخوانه من أعضاء المجتمع، ويظلّ ممارسًا للتعاون المتبادل، والتكافل المشترك، والمجاملة اللطيفة، وحبّ الخير لغيره. قال النبي –صلى الله عليه وسلم- «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى. قال: «إصلاح ذات البين؛ فإن فساد ذات البين هو الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر؛ ولكن تحلق الدين» (الترمذي:2509).

     وسلامةُ الصدر من الأحقاد العامل الأساسي في صياغة المسلم في بوتقة الإخلاص الذي هو العمدة في كون الأعمال والأفعال مقبولةً عند الله تعالى؛ لأن الله لا يقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم. ومعنى كون العمل أو القول خالصًا، أن يَخْلُص من الرياء والشرك وقصد إرضاء غير الله. وفي تجريد النية ورد حديث متفق عليه رواه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم:

     «إنما الأعمالُ بالنيّات، وإنما لكل امرئ مانَوَىٰ، فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرتُه لدنيا يُصِيبُها أو امرأةٍ ينكحها، فهجرتُه إلى ما هَاجَرَ إليه» (البخاري:54؛ ومسلم:1907).

     وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الدين وينصّ على أن الإخلاص روح الدين وجوهر العبادة، وأساس قبولها؛ لأن العبادة إذا شَابَها الرياءُ، ضاع أجرُها وصار هباءً لا وزنَ لها عند الله تعالى مهما أُحْسِنَ أداؤها ورُوعِيَ فيها الشروطُ الظاهرة؛ لأن الله أغنى الشركاء فهو يغار أن يشرك العبدُ معه غيره في قول يقول أو فعل يفعله تَعَبُّدًا. قال شهر بن حَوْشَب:

     «جاء رجل إلى عُبَادَة بن الصامت رضي الله عنه فقال: أَنْبِئْنِي عما أسأل عنه، أرأيتَ رجلاً يصلي يبتغي وجهَ الله ويحب أن يُحْمَد؟ فقال عبادة: ليس له شيء، إن الله تعالى يقول في حديث قدسي:

     «أنا خير شريك، فمن كان له معي شريك، فهو له كله لا حاجةَ لي فيه» (المصنف لابن أبي شيبة: 34811).

     إن المرائي والمشرك غيرَه في أعمال العبادة يلقى خسارة أي خسارة يوم الجزاء، ويذوق عذابًا أليمًا، فعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

     «يُؤْمَرُ يومَ القيامة بناس من النار إلى الجنة، حتى إذا دَنَوْا منها واسْتَنْشَقُوا ريحَها ونظروا إلى قصورها وما أَعَدَّ اللهُ لأهلها فيها، نُودُوا: أن اصْرفُوهم عنها؛ فلا نصيبَ لهم فيها، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون بمثلها، فيقولون: رَبَّنا لو أدخلتَنا النارَ من قبل أن تُرِيَنا الجنةَ وفي رواية: قبل أن تُرِيَنا ما أَرَيْتَنا من ثوابك، وما أَعْدَدْتَ فيها لأوليائك لكان أَهْوَنَ علينا. قال: ذاك أردتُ بكم. كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مُخْبِتِين، تراؤون الناسَ بخلاف ما تُعْطُونِي من قلوبكم، هِبْتُمُ الناسَ ولم تهابوني، وأجللتم الناسَ ولم تُجِلُّوني، وتركتم للناس ولم تتركوا لي، اليومَ أذيقكم أليمَ العذاب مع ما حُرِمْتُم من الثواب» (الطبراني في الكبير: 199؛ والبيهقي في شعب الإيمان: 6390).

     على كل فسلامة الصدر من الضغائن والإخلاص دعامتان كبيرتان في الدين، يرتقى بهما المسلم الدرجات العلى، وبدونهما لا يحقق نجاحًا في دينه ودنياه.



(*)       المتخرج من الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند، الهند، والحامل لشهادة الماجستير في الفلسفة في اللغة العربية وآدابها من جامعة دهلي.