ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العـــــــــــــــــــلوم ديــــــــوبنــــــــــــــــــــد ، شعبان  1438 هـ = مايو 2017م ، العــــــــــــدد : 8 ، السنــــــــــــــــــــــة : 41

 

الفكر الإسلامي

 

الحمامة والزيتون

بقلم:  الدكتور رشيد كهوس (*)

 

 

 

        أقبلت حمامة السلام ذات طوق جميل كأنه عِقد نَفِيس في جِيدِ حورية سماوية. تتعثر في خطاهاتمشي في دلال كأنها تداعب الخيال. تتدلى برأسها تبحث هنا وهناك عن غصن الزيتون بين أشواك الغرقد وأحراشه. تتعجب! تستنكر بحركاتها وكأنها تقول: لم تكن أرض الزيتون يومًا للغرقد موطنًا..!

     وبعد عناء طويل لاح لها من وسط تلك الأكوام والركام غصن يابس تغير لونه وذبل جسمه؛ بسبب النسيان وخذلان الخلان ونفايات الأفعوان.. ذهلت.. تنهدت.. وكأنها عثرت على كنز للجواهر واللآلئ والألماس.. أخذته وطارت به في السماء حتى لا يسرقه اللصوص أو يعبث به القردة والثعالب.

     حلقت بجسدها الخفيف عاليًا بغصن الزيتون.. تغدو وتروح في الفضاء الواسع.. وكأنها تبحث عن مكان آمن لكنزها.. فترنو ببصرها من بعيد قبّة بيت المقدس المسجد الأقصى المبارك.. ذات جلال وجمال.. وهيبة ووقار.. وجهها مستدير يشعّ براءةً ويتقطّر حسنًا وبهاءً.. قطرات الندى تملأ مياسمه.. ورذاذ الغيث يحوم حول حماها.. نَفَسها كأريج الطيب.. كأنها عروس زُيّنت لعريسها.. تستوهي الغريب والحبيب.

     أخذ هذا الحسن والكمال بتلابيب قلبها، وأضفى عليها المكان بقدسيته طمأنينةً وسكينةً وهدوءًا واستقرارًا.. نظرت في المسجد الأقصى المبارك وما بورك حوله تذكّرت ذكريات منقوشة في كل مكان.. ومغروسة في التربة وعلى الحيطان..

     هنا تمثّل جبريل عليه السلام لمريم بشرًا سويًا.

     وهناتساقطت عليها من النخلة رطبًا جنيًا.

     هنا أنطقت القدرة الإلهية المسيح عيسى ابن مريم وألقى على مولده السلام.

     هنا محراب مريم الذي كانت تأتيها فيه الملائكة بفاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف بقدرة ربّ الأنام.. إلى هنا أسري بحبيبنا محمّد خير الأنام عليه أزكى الصلاة وأفضل السلام..

     هنا صلّى بالأنبياء جميعًا إمامًا وأُعرج به إلى السماء فسدرة المنتهى فربّ السماء في علاه.. هنا حائط البراق.. هنا أرض الإسلام والسلام.

     وبعدها نزلت الحمامة بغصن الزيتون إلى فناء المسجد الأقصى المبارك.. حفرت بأظفارها في تربته الطيبة.. وغرست غصن الزيتـون في فنائــه.. ثم سقته بدموعها.. لم تكن وحدها الساقي.. رذاذ السماء يشاركها..! زقزقات البلابل حاديها.. أشعّة الشمس الذهبية أملها!..

     وتمضي الأيام والسنون فيخضرّ الغصن ويزهر ويشتد عوده وتستوي قامته ويكتمل.. شجرة زيتونة مباركة أصلها في القدس وثمارها وفروعها في بلاد الله كلها.. يتفيأ ظلها الناس وتقيهم الحرّ والبأس..

     ستعودين لنا يا قدس.. مهما قصّوا جناح الحمام وجفوا غصن الزيتون.. فذكرياتك لا تنسى.. ونقوشك لا تمحى.



(*)  أستاذ ورئيس مجموعة البحث في السنن الإلهية بكلية أصول الدين بـ«تطوان» جامعة القرويين، المغرب.