ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، جمادى الأولى  1438 هـ = فبراير2017م ، العدد : 5 ، السنة : 41

 

دراسات إسلامية

 

مقاصد خلق الإنسان بين عالم الملائكة والشيطان

بقلم: الأستاذ/ نبيل طنطاني (*)

 

 

 

     خلق الله تعالى إلى جانب الإنسان، مخلوقات عجيبة، لو تفحّصها الإنسان بمجهر الوحي ومنظار العقل، لوجد أنه أفضلها، فقد فضّله الله على البهائم التي ركّب فيها الشهوة بلا عقل، ليعلم نعمة قيادة العقل في قضاء مصالحه، فإن رفض قيادة العقل وترك القضاء للشهوة، فالبهائم خير منه، كما فضّله الله تعالى على الملائكة التي خلقها الله تعالى بلا شهوة، فإن تغلب الإنسان على الشهوة، كان أعظم من الملائكة. ولايزال الشيطان يتربص بالإنسان حتى يطمس عليه النور، ويخمر عقله بالوساوس، ويوقد نيران الشهوات فيه، كل  هذا يقتضي من الإنسان ليدرك أبعاده أن يرجع إلى قصة الإنسان في بداية خلقه، والتي تعتبر ضرورة شرعية وكونية، تستوقف كل إنسان بناء يرغب في أن يعرف لماذا خلق ولماذا وجد في هذه البرية، فالمتأمل فيها يلحظ أنها تلخص للإنسان جوهر وجوده وتريحه من اقتحام ما لا يعنيه، وتربي في أعماقه التوقف عند حدود صنعته، حتى لا يخرج إلى ما لا يحسنه، فيقع فيما يحزنه، وهي قصة بدايتها ترسم له معالم الطريق، حتى يرث الأرض التي أراد الله من خلقه منها أن يكون خليفته فيها، وهي إرشاد لكل من اصطلح عليه اسم الإنسان ليفهم سر إيجاده في الأرض، وهو محيط بالمخلوقات التي للأسف الشديد لا يحس بآثارها النافعة والضارة إلا من ألقى السمع وهو شهيد، ومن ألغى الغفلة وهو سديد، ومن أهمها في وجوده، وأكثرها تأثيرًا على مجريات حياته وهي الملائكة والشيطان، فالملائكة تمثل مصدر التحدي والقوة، ليرتقي فوقها الإنسان بعقله وإيمانه ووحيه، والشياطين التي تمثل العقبات التي ينبغي أن يخترقها الإنسان ليقيم مملكة الرب في الأرض، والتي تسعى الشياطين إلى إفشالها بإغواء الإنسان وجرّه إلى الانتكاسات والهزائم النفسية والمادية واستدراجه إلى المنهيات قال تعالى: ﴿يٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ اٰمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوٰتِ الشَّيْطٰنِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوٰتِ الشَّيْطٰنِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْـمُنْكَرِ(1)، وأمام كل هذه التحديات في الأرض والسماء، يبقى الإنسان مستفيدًا من نور الوحي ليحدث التغيرات الكونية والمعجزة الربانية التي قصدت من خلقه. وإذا تعرف عليها الإنسان ناله الشرف الرباني، وكان من عباده المقربين الذين قصدهم الحق بقوله: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتٰبَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ(2).

     قال اليوسي: «وامتاز الإنسان بفضيلة الاختيار، ومقاساة  الشهوة، ومجاهدة النفس والشيطان، وانقسم إلى ثلاثة أصناف: صنف ابتلي بمخالفة الحكمة، فالتحق بالشيطان... وصنف خصص بالطهارة والنزاهة، فالتحق بالملائكة وهم الأنبياء. وصنف وسط المجال، والحرب بينه وبين الشيطان سجال. ثم من هذا الصنف صنف يقارب الأول، وهو عوام العصاة الغافلين، أديلوا على الشيطان في الإيمان، وأديم عليهم في أكثر الأعمال. وصنف يقارب الثاني. وهم خواص الصديقين والأولياء. وصنف وسط وهم سائر المتوجهين من المؤمنين. ثم الصنف الملتحق بالملك، يكون أفضل من الملك على الصحيح، لاستحصاله الفضيلتين، وإنما النظر في الذي يليه لاختلاف الجهتين، ولن يكون كالإنسان، باعتبار الصنف الأول منه، والثالث بخلاف الثاني، فإن النبوة لم تكن في الجن على الصحيح المشهور، فالإنسان أشرف كما قال تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيْ اٰدَمَ»(3).

     وقد نبهت الآيات الكريمات على المنطلقات الربانية التي اقتضت خلق الإنسان في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلـٰٓـئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ اٰدَمَ الأسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْـمَلٰٓئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صٰدِقِينَ * قَالُوا سُبْحٰنَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يٰٓاٰدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمٰوٰتِ وَالأرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلٰٓئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكٰفِرِينَ(4).

     فهذه الآيات البينات تبيّن أن خلق الإنسان اقترن بوجود ثلاثة من المخلوقات وهي الملائكة التي هي مصدر الطاعة، ومنبع الخير قال اليوسي: «وامتاز الملك بفضيلة الدؤوب على طاعة الله تعالى، والنزاهة عن معصيته»(5).

     والشياطين التي اختارت المعصية سبيلا، والغواية والضلالة طريقا، فكان لابد في قدر الله وحكمه الأزلي، من خلق وسط بينهما وهو خلق هذا الإنسان الذي يحمل نوازع الخير أصالةً ونوازع الشر تبعًا، والتي يسعى الشيطان إلى تنشيطها في النفس البشرية، ليخرجه من هدي العقيدة التي تجعله معترفا لله بالربوبية كما أقرتها فطرته  في الأزل وأشهد الله بها على نفسه قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي اٰدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غٰفِلِينَ(6).

     وقد تمكن الإنسان بفضل قدرة الله من حل المعادلة الكونية المعقدة، وخرق القوانين المألوفة بحيث تحقق إمكان أن يخرج الحي من الميت، والميت من الحي؛ لأن ما كان مسلما أنك إذا خلقت الخير فسيلد الخير، والشر لا يلد الخير، لكن القوانين الكونية بخلق الإنسان تغيرت، وأصبح ممكنا، لمن فيه الخير والشر والمعصية والطاعة أن يلد الخير، وهو السر في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ(7).

     وهو ما حمل في خلقه زوائد جديدة لنظام الكون، اقتدر بهما على الترقي ليكون فوق الملائكة بقوة تحصيل وتحقيق الطاعة مع نوازع المعصية، ولا يستسلم لضلالات الشياطين وإغوائها، فيكون في أسفل السافلين. لقد استطاع الإنسان مع غلبة الشهوة أن يثبت بصماته في الأرض من خلال الإقرار بعبودية الله تعالى، والسعي فيها إلى عمارتها وإصلاحها، بكل ما أتاه الله من نعمة الوحي والعقل. وما جعل الإنسان يتبوأ مقام خليفة الله في الأرض، ويستحق سجود الملائكة، وتبقى الملائكة مسخرة لحفظ الإنسان، هو استعداده الخلقي للانتصار على النفس، فيرتقي بها إلى الطاعة فيكون فوق مرتبة الملائكة، ويتمكن من السيطرة على الشهوة مع إغواء الشياطين، التي أوتيت الحكمة؛ لكنها استخدمتها في غير محلها، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلٰٓئِكَةِ اسْجُدُوا لاٰدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَءَيْتَكَ هٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيٰمَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلا قَلِيلا(8) فوجه الحكمة أن السجود في عمقه لا يكون إلا لله، ولكن ما لم ينتبه إليه الشيطان، وهومما يدل على قصور جميع المخلوقات في الإحاطة بالحقيقة المطلقة، وهو أن الشيطان التفت لأدم فأبى أن يسجد له، وكأن آدم هو الذي أمره بالسجود، بينما الآمر حقيقةً وحكما هو الله تعالى، وهنا ضاعت الحكمة والعقل الذي يقتصر على جهة المنظور، ولا يلتفت إلى من خلق كل شيء، وهو مصدر الحقيقة المطلقة، وهو الله تعالى أحسن الخالقين، قال اليوسي: «أما الصنف الثاني فهو أخس الأصناف؛ بل أخس المخلوقات، لخبثه وعيبه وسوء كسبه. نعم له مرتبة من الشرف الوصفي، بالحياة والعلم والإرادة والتصرف، فاق بها الجمادات والحيوانات العجماوات، ولكن خالف الحكمة في استعمالها، في غير ما هو من شأنها أن تستعمل فيه، من معرفة الله تعالى، ومعرفة حكمه وحكمته وعبادته، وما يعين على ذلك، فبطل شرفه، وصارت المذكورات أشرف منه، لسلامتها عن تلك المخالفة»(9).

     ونفس المشاهد القرآنية تتكرر في العالم البشري، لكن بأحداث مختلفة، وهذه المرة يكون بطلها من الإنس، وهو سيدنا إبراهيم -عليه الصلاة والسلام-، حينما يأمره الله تعالى، بذبح ابنه، وقد حرص الشيطان على تثبيط عزيمته الإيمانية وإفشال ابتلائه في سعيه لإقامة مملكة الرب، ليدفعه إلى فلسفة الإباء في طاعة الرحمان، حتى يجعل إبراهيم يقع في مصيدة جدوى الذبح، وأن ذلك التكليف خروج عن منطق الحق والمعقول، فيذكّره بأن من يأمره بهذا،  لا يريد منه إلا الانتقام والظلم والاعتداء على حقوق الإنسان، كما فهمه من فهمه في عصرنا من بعض تكاليف الشريعة، لكن هيهات هيهات لم يستسلم الخليل لنداء الشيطان الذي ركّز في تضعيف إبراهيم على مخاطبة  الأبوة حتى تمنع ابراهيم من الحقيقة، في النهاية نجح إبراهيم في حسن الاختيار، ونال جائزة الابتلاء، فربح طاعة الرب ومعصية الشيطان، ونسمة إسماعيل الطاهرة وجائزة الرحمان التي حملتها الملائكة التي قال الله تعالى لها: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ(10).

     وقد رسم القرآن الكريم قصة انتصار الخليل على مملكة الشيطان بقوله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يٰبُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْـمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصّٰبِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنٰهُ أَنْ يٰٓاِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّءْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْـمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلٰٓؤُ الْـمُبِينُ * وَفَدَيْنٰهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الاٰخِرِينَ * سَلٰمٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْـمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْـمُؤْمِنِينَ(11).

     ومما يدل على ضعف الشيطان وفشله في فهم الحقيقة المطلقة مرة أخرى، وهو طلبه لله تعالى واستعانته بقدرته، ما يدل على معرفته بأن الرجوع إلى الله، هو الأصل الثابث الذي ما إن اكتشفه الإنسان، ستنهار المملكة الإبليسية في التاريخ البشري، وستصبح كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقًا يلعب به ولدان أهل المدينة»(12).

     يصور القرآن هذا بقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ  الْـمُنْظَرِينَ *  قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْـمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شٰكِرِينَ(13) ومنذ ذلك الزمن بقي الشيطان وذريته يسعون لبناء حضارة الفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰبَنِي اٰدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطٰنَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ *  وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ(14).

     ويوقع الملايين من الإنس الذين عزز الله قوتهم بالسمع والبصر والفؤاد والوحي، لكنهم كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ اٰذَانٌ لّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولٰئِكَ كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ(15).

     وهنا ينبغي للإنسان أن ينتبه ويفكر على الدوام؛ لكي ينتصر في أكبر معركة في التاريخ الإنساني التي لابد من مواجهتها، ومما يبرز أهميتها أن الإنسان إذا خسرها فقد خسر كل شيء، وإذا انتصر فيها ربح كل شيء. 

     ومما يجعل الإنسان مؤهلًا لينتصر في هذه المعركة، وهو مالم تحط به الملائكة خبرًا، وهو قبول الإنسان لتلقي العلم الذي به سيتمكن من خلق المعجزات، ومن بناء مملكة الرب في الأرض التي اختار الإنسان ليكون سيدًا فيها.

     ومن الأمور الدقيقة التي جعلت الإنسان يخلق العجب في الكون، ويصدق ما قاله الله تعالى للملائكة فيه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ(16)، وهو أن الملائكة قد أوتيت نعمة الطاعة ولم تجرّب مرارة الابتلاء، فلو أنها ابتليت بما ابتلي به الإنسان لما قالت ما قالته، ولهذا قال الله تعالى لها: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ والإنسان أوتي طلب الطاعة وابتلي بالشهوة، ومع ذلك فقد منحه الله القوة والمكنة ليتغلب عليها، ويجعل الشهوة مسخرة في طاعة الله قال عليه الصلاة والسلام حين قيل له: «أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أرأيتم لو وضعها في حرام  أكان  عليه وزر؟  فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر»(17). ويحقق الإنسان بالوحي العبودية الكاملة ويستحق أن يكون خليفة الله في الأرض يرث علم الله في الكون.

     وقد تعجبت الملائكة من عائدة خلق الانسان، مع العلم أن الحقيقة المطلقة لا تكمن إلا في تعظيم الله، والملائكة هي خير من يقوم بهذه الوظيفة، لاسيما وما جبلت عليه، من طاعة الله عزوجلّ- التي هو أساس كل شيء، لكن الملائكة مهما أحاطت خبرًا، فلن تعرف سر خلق الإنسان الذي هو أعظم مصنوعات الله في الكون؛ لأن خلقه يشوبه مقاصد إلهية إذا لم تفهم فلن يستطيع الإنسان أن يفهم فلسفة وجوده، ومن أعظم ما ينبهر له عقل كل إنسان وهو استعداد الإنسان دون غيره من الكائنات لتلقي العلوم، ومن أعظمها العلم الإلهي والعلم المتعلق بالنبوة، وقد كرر القرآن الكريم لفظة «علم» ومشتقاتها في بداية خلق الإنسان وهي: إني أعلم تعلمون وعلم - لا علم علمتنا العليم - إني أعلم - وأعلم، وليس في ذلك إلا التنبيه إلى قوة الإنسان العلمية التي بها يستطيع أن يخترق القوانين المألوفة، ويقيم الخلافة في الأرض على سنن الله في الخلق.

     ولهذا لا تستطيع نظرية العبث أن تقوم حجتها، وتصمد في تفسير خلق الإنسان، ولا شك أن العقلاء يقفون مندهشين في سر إضافة الإنسان، إلى نظام الكون، وهي زيادة تحمل ما لم يحصل في علم أحد سوى الله، والتاريخ خير شاهد على ما اقتدر عليه الإنسان حينما حرّك قوة العلم في نطاق حضارته، فحقق المعجزات، وقد اكتمل هذا الإنسان بالرسالات السماوية التي جاء بها كل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام-، وخاتمهم محمد -عليه الصلاة والسلام- الذي اقتضت حكمة الله أن تكون معجزته عقلية علمية، تفتتح مسيرة الإنسان بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(18) والسر في اختيار القدر الإلهي أن تكون معجزته على سنن العقل وبرهان العلم، هو أن العلم والعقل لا تنتهي حكايته في التاريخ البشري، فكذلك أراد الله تعالى لهذا القرآن أن يكون محجة العلماء لا تنتهي عجائبه، ولا تنضب خزائنه، وسيبقى حجة إرشادية للخلق، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ اٰيٰتِنَا فِي الاٰفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتّٰى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(19).

     وقد فرض خلق الإنسان اكتمال المثلث الإلهي الوجودي. قال اليوسي: فخلق تعالى ذوي العلم أصنافا أربعة، وقيل ثلاثة: الأول من النور المحض، فجعله مستعدا للانتفاع وظهور الفضل، وهو الملك، والثاني من النار فجعله مستعدا للإباية وظهور العدل، وهو الشيطان. الثالث من الهواء، فجعله قابلا للأمرين، وهو الجن. ولذا يكون فيهم كافر ومؤمن، وقيل: إنهم من الصنف الثاني والله يهدي من يشاء. الرابع من أخلاط أربعة: تراب ونار وماء وهواء، فجعله أيضا قابلا للأمرين، وهو الإنسان»(20).

     وهكذا يكون خلق الملائكة من نور، وقد جبلت على الطاعة والتعظيم، لا يدور في عالمها حس المعصية؛ بل إن جوهر عبادتهم تنحصر في طاعة الرب قال تعالى: ﴿يٰٓأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلٰٓئِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(21) وقال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(22). وقال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ(23)، وقال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لا يَفْتُرُونَ(٢4). وهكذا يخرج الإنسان من فائدة خلقه، وقد حقق الارتقاء فوق مقام الملائكة، ولم يخلد إلى العالم الإبليسي بظلماته، فاستحق أن يكون أعظم مخلوق. وما جعل الله تعالى له الأرض ليكون خليفة فيها، والسماء ليدخل في أبوابها إلى جنة الخلد، إلا دليلًا قاطعًا على قيمته عند الله، فهل استطاع الإنسان أن يتذوّق هذا، ويجعل كل شيء يفعله لله، كما جعل الله تعالى له كل شيء لصلاحه وبقائه.

*  *  *

الهوامش:

(1)      سورة النور الآية 21.

(2)      سورة آل عمران 79.

(3)      القانون في أحكام العلم وأحكام العالم وأحكام المتعلم لأبي المواهب اليوسي 108-109 تحقيق حميد حماني نشر جامعة الحسن الثاني عين الشق ط 1 س 1419هـ/1998م.

(4)      البقرة 30-34.

(5)      القانون في أحكام العلم وأحكام العالم وأحكام المتعلم لأبي المواهب اليوسي 108.

(6)      سورة الأعراف 172.

(7)      سورة البقرة 30.

(8)      سورة الإسراء 61-62.

(9)      القانون في أحكام العلم وأحكام العالم وأحكام المتعلم لأبي المواهب اليوسي 108. 

(10)    سورة البقرة 30.

(11)    سورة الصافات  102-111.

(12)    رواه مسلم، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب جواز لعن الشيطان في أثناء الصلاة، رقم 542 تحقيق فؤاد عبد الباقي، دارإحياء الكتب العربية، ط 1 س 1412هـ/1991م.

(13)    سورة الأعراف 14-17.

(14)    سورة يس 60-62.

(15)    سورة الأعراف 179.

(16)    سورة البقرة 30.

(17)    رواه مسلم، كتاب الزكاة، باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف، رقم 1006.

(18)    سورة العلق  الآية 1.

(19)    سورة فصلت 53.

(20)    القانون في أحكام العلم وأحكام العالم وأحكام المتعلم لأبي المواهب اليوسي 108.

(21)    سورة التحريم الآية 6 .

(22)    سورة النحل 50 .

(23)    الأنبياء 26-27.

(24)    الأنبياء 20.



(*)       أستاذ باحث من المغرب.