ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، ربيع الآخر  1438 هـ = يناير 2017م ، العدد : 4 ، السنة : 41

 

محليات

 

جوانب تستحق العنايةوالتركيز

من قانون الأحوال الشخصية الإسلامي والقانون المدني الموحد

بقلم: فضيلة الشيخ أسرار الحق القاسمي(*)

تعريب: أبو عائض القاسمي المباركفوري

 

 

 

     تشهد الهند جوًا من النقاش الحادّ من جديد فيما يخصّ الطلقات الثلاث والزواج بأكثر من واحدة والتحليل، بعد أن قدمت الحكومةُ المركزية الشهادةَ الخطية بقسم إلى المحكمة العليا الهندية، كما حصحصت النوايا التي تكنّها الحكومة في صدرها، وانكشف القناع عنها. وأشارت الحكومة في شهادتها الخطية بقسم التي تقدمت بها إلى المحكمة العليا- إلى أن المعادلة الاجتماعية والجنسية في البلاد تتطلّب إدخالَ تعديلات في الطلقات الثلاث ونحوها من القضايا في جانب، وفي جانب آخر بَدَا رئيسُ الوزراء الهندي «نريندرا مودي» في مسيراته واجتماعاته التي خاطبها في الأيام الأخيرة بَدَا يُنَوِّهُ بضرورة إعطاء المرأة حقها والانتصاف لها.

     وهذه الأصوات وإن بَدَت خلابةً معسولةً إلا أن ما تتوخى الحكومة تحقيقها من ورائها يتمثل في إلزام سكان البلاد عامةً والمسلمين خاصةً بقانون نابع من القومية الهندوسية، يعارض دينهم ويصادم شريعتهم على طول الخط. وشنشنة فرض القانون المدني الموحّد في البلاد غير حديث؛ فقد ارتفعت أصوات مماثلة كثيرة في الماضي بمباركة من الحكومات السابقة.

     والجدير بالذكر أن الدعاة إلى فرض القانون المدني الموحد في البلاد يستندون إلى البند رقم 44 من دستور البلاد، الذي ينص على أن البلاد ستسعى إلى إخضاع كافة الولايات لقانون مدني موحّد. و لايخفى على أهل العلم والمعرفة أن الدكتور/ «أمبيدكر» صرَّح خلال النقاش حول هذا البند من الدستور في البرلمان الهندي- بأن ذلك لايعني أن حكومة من الحكومات بِمُكنتِها أن تفرض قانونًا من القوانين على شعبها ضاربةً عرضَ الحائط برغبةِ سكانها، فلن يتمَّ سنُّ قانون مثله إلا برضًا وطواعية منهم. وهذا ما قالوه يوم قالوه، ولكن الأسف أن الحكومات اللاحقة ظلّت تتغنى بالقانون المدني الموحّد مشيرة إلى هذا البند من دستور البلاد.

     ومن الحقائق الجلية على الناس أن بلادنا ليست عبارةً عن أتباع دين واحد، وإنما تمتاز باحتضان أتباع أديان عدة، وتُعرَف بتنوعها الثقافي، وتتصف بالوحدة رغم تعدد ثقافاتها، وهويات سكانها. كما أن دستور الهند يخوّل لكافة سكانها الحريةَ الدينية، أي أنهم أحرار في القيام بطقوسهم الدينية والاجتماعية والعبادات ونحوها بما ينسجم مع أصول دينهم وإملاءاته وقوانينه، من غير أن يتعرضوا لضغوط أيًّاكان نوعها.

     والقول بضرورة فرض القانون المدني الموحّد في البلاد بحجة إدخال التعديلات الاجتماعية لا يحظى بالمنطقية أصلاً، بالنظر إلى واقع الأمر والحقائق؛ فإن بلادنا يسودها القانون الموحد في نحو تسعين في المئة من قضاياها وشؤونها، ومنها: القانون ضد تشغيل الأطفال، وضد تزويج الصغار، وما إلى ذلك مما لايحصى ولايُعَدُّ. ورغم ذلك كله هل بوسعنا أن نقول: إن تشغيل الأطفال قدتلاشت ظاهرتها في الهند، و أخذت تشهد تناقصًا وهبوطًا؟ وهل تلاشت ظاهرة تزويج الصغار في البلاد؟

     أضف إلى ذلك أن القوانين الخاصة بالجرائم موحدة مماثلة، تقضي باتخاذ خطوات متساوية وإنزال عقوبات مماثلة من غير تفريق بين أحد من أتباع الأديان السائدة في الهند. ولكن هذا القانون هل خفف من وطأة الجرائم وخفض من غلوائها؟ أبدًا، فمن لي في ضوء المعطيات و واقع الأمر- بأن فرض الحظر على الطلقات الثلاث يُمَكِّن المرأةَ في عشية وضحاها من الانتصاف لنفسها، فيسود البلاد جوٌ من التعادل الجنسي بين الرجل والمرأة.

     وإذا كانت المسلمات يواجهن أوضاعًا مزريةً، فهل يسع أحدًا أن يؤكد لنا أن النسوة في الديانة الهندوسية وغيرها من الديانات قد استوفين حقوقهن كاملة غير منقوصة؟ وهل أصبحن سواسيةً مع  الرجال كأسنان المشط في الأموركلها؟ في حين أن الحقائق المرة تشي بأن ظاهرة الطلاق والمفارقة بين الزوجين متفاقمة في الهندوس وغيرهم من أتباع الديانات بصورة أفظع مما عليه المسلمون الهنود، وإن كانت بعض المصالح السياسية تسوِّل لبعض الناس توجيهَ أصابع الاتهام والطعن في موقف الإسلام من الطلاق.

     هذا، والمسلمون مستهدَفُون كذلك بأنهم يتزوجون أكثر من واحدة، مع أن الإسلام لم يفتح باب تعدد الزوجات على مصراعيه، وإنما فرض على الراغب فيه شروطًا شديدةً صارمةً، فلم يسمح للرجل أن يتزوج ثانيةً أو ثالثةً دون التقيد بهذه الشروط والمواصفات. ثم إن الزواج بأكثر من واحدة نسبتُه في الأوساط الإسلامية - بالنظر إلى ما عليه الهند- ضئيلة جدًا، حيث يصعب معه أن نعتبر الطعن في الإسلام -انطلاقًا من ذلك وبناءً عليه- أمرًا منطقيًا.

     والنظرة المتأنية الموضوعية في هذه الأمرتكشف- بجلاء عن حقيقة واحدةٍ تفيد أن الحكومة حريصةٌ على إلزام المسلمين بالقوانين التي تسنُّها هي، مما ينافي روح دستور الهند ويعارضه على طول الخط.

     وأما بالنسبة إلى النكاح والطلاق وأمثالهما من الأحوال، فيجب أن نكون على علمٍ بأن كثيرًا من الأحكام الإسلامية قد سمح الإسلام بإدخال التعديل والبحث عن بديل لها عند الحاجة إليه بعد إعمال الفكر والنظر المتأني فيه، ويقوم بهذا الواجب-والحمد لله على ذلك العلماء المتمكنون من الفقه الإسلامي، هذا في جانب، وفي جانب آخر لايعدم الإسلامُ أحكامًا تأبى التعديلَ والنسخَ على الإطلاق، وإلا لسوَّلت للمرء نفسُه أن يدخل فيه تعديلات تخدم أهواءه وتشبع رغباته متى ما شاء وبقدر ما شاء، وإذًا ستصير الشريعة ألعوبة للاعبين وسخرية للساخرين. فالطلاق ونحوه من الأحكام الإسلامية قد تقررت في ضوء كتاب الله وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلم-، ولن يُسمح بأي تعديل أونسخ حسب الأهواء والرغبات.

     ويَستشْكلُ البعض أن الإسلام جعل الطلاق إلى الرجل، أفلا يرى هؤلاء أن الإسلام نفسَه خوَّل للمرأة حقَ مفارقة زوجها عن طريق الخلع والتفويض وأمثالهما. ومن الحقائق الساطعة أن الإسلام لم يشجّع بصورة أو أخرى- على الطلاق، ولم يحثَّ عليه، فهذا نبينا محمد-صلى الله عليه وسلم- يقول: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق». وإنما نَبَّهَ النبي-صلى الله عليه وسلم- المسلمين على ذلك تحذيرًا لهم من استخدام حق التطليق. فلايطلّق الرجال زوجاتهم ما لم يواجهوا وضعًا لا فرارمنه.

     والأصول والضوابط التي سَنَّها الإسلامُ لأتباعه للتغلب على المشاكل والصعوبات العائلية تتصف للغاية- بالوسطية والتوازن، وهي أقرب شيءٍ إلى الفطرة الإنسانية، وأشد انسجامًا مع متطلبات الحكمة والمصلحة. وأرشد الإسلام الزوجينإذا خافا الشقاق بينهما إلى أن يصلحا بينهما صلحًا، فإن تعذّر ذلك فعلى ذوي الرأي من أهلهما أن يلعبوا دورهم في الإصلاح بينهما، ثم إذا تعذر الوفاق و التعايش بينهما فإنه يسمح لهما أن يفترقا بعضُهما عن بعض، ثم خيرُ السبل إلى المفارقة بينهما أن يطلق الرجل زوجته طلقةً رجعيةً واحدةً، حتى إذا ندمَا على ما فَرَطَ منهما ورَغَبَا في التعايش بعضهما مع بعض، كان الباب مفتوحًا إليه أمامهما. والحق أن الأمر لن يتفاقم حتى يصل إلى النزاع والجدال بصورة أو أخرى إذا تقيد المسلم بقانون الأحوال الشخصية الإسلامي، وعضَّ عليه بالنواجذ.

     وتزعم الحكومة أنها تريد إدخال التعديلات الاجتماعية وتحقيق التعادل الجنسي، وهذا الزعم وإن كان يبدو صائبًا في بادي النظر إلا أنه في الواقع لايعدو استهدافَ أتباع دينٍ بعينه، ونسجَ مؤامرة ضدهم من وراء ذلك.

     وتعاني بلادنا كثيرًا من المشكلات الاجتماعية، وعلى رأسها الفقر المدقع والمجاعة. وظهر في الأيام الأخيرة تقريرعن الفقر والمجاعة على المستوى العالمي يفيد بأن الهند تمرُّ بوضع حرج جدًا في هذا الخصوص. وتحتلّ الهندُ - وفق قائمة إحصائيات أجريت في 118 دولةً فيما يخص نقص الأغذية والمجاعة- المركزَ السابع والتسعين، وهذا يعني أن الهند في وضع أسوأ؛ فإن 39% من الأطفال في الهند يتعرضون لما يعوق دون نموّهم، و15.2% من السكان يعانون نقص الأغذية.

     ومما يبعث على الحيرة والغرابة أن البلاد المتجاورة للهند أمثال «نيبال» صُنِّفَتْ الدولةَ الثانية و السبعين و «ميانمار» الدولةَ الخامسة والسبعين و «سريلانكا» الدولةَ الرابعة والثمانين و «بنغلاديش» الدولةَ التسعين في هذه القائمة. إذًا هذه البلاد تعاني الفقر والمجاعة على مستوى أقل بكثير مما عليه الهند.

     وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن أول ما يجب أن يبدأ به الحكومة عملها في خصوص الفلاح والرفاهية هي أن تتخذ خطواتٍ جادةٍ لمواجهة المشكلات المتفاقمة أمثال الفقر والمجاعة، وتُفكر بجدية في القضاء على كابوس البطالة من البلاد، وتخطو خطوات حثيثةً نحوتحقيق المعادلة الاجتماعية. ولكن المشكلة أن الحكومة لاترغب في التركيز على هذه المشكلات والعناية بحلّها، وإنما يهمّها إنفاق سوقها السياسية، وتحاول تحقيقًا لهذا الهدف شغلَهم في قضايا تُفَوِّتُ عَلَيْهِمْ فرصةَ النظرفي أصل مشكلاتهم ومؤاخذةِ الحكومة على التفريط فيها.

     وبهذه المناسبة يجب على المسلمين بصفةٍ خاصةٍ أن يفكروا وينظروا أننا بصفتنا مسلمين- على إيمانٍ بأن التعادل الجنسي الذي دعا إليه الإسلام يزداد على ما في الأديان الأخرى كلها؛ بل يفضله ويفوقه. وإن ديننا الإسلامي منح كل واحد من الرجل والمرأة حقوقَهما كاملةً غير منقوصة وبسخاء كبيرٍ، وسَنَّ لنا ضوابط متكاملة للحياة يغنينا العملُ بها عن أي قانون آخر. ومن المؤسف جدًا أننا لانتبع الطريق الذي أرشدنا الإسلام إليه فيما يخص الحياة العائلية والاجتماعية والشخصية. ثم يقوم بعض الرجال والنساء منا إذا أصابه مشكلة وحَزَبَه أمر- ليقرع باب الحكومة أوالمحكمة، فتتوفر بذلك لأعداء الإسلام فرصةُ النيل منه الإسلام- وتوجيه أصابع الاتهام إليه بسبب شخص أوشخصين منا.ولقد يَسَّرالإسلامُ الزواج كثيرًا، ونحن عَقَّدناه أيما تعقيد. ومن سوء حظنا أننا نأخذ بتقاليد الأديان الأخرى وعاداتها بصورة توحي إلى أنها جزء من شرعنا، والشرع بريء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب عليه السلام. لقد شَرعَ الإسلام لنا ضوابط لعيش الحياة العائلية أعلى وأرفع ما يكون، ولكن هل نرضى بسلوكها واتباعها؟ فهذ الأوضاع الحالية تتطلب في جانب معارضةَ المؤامرة التي تنسجها الحكومة ضد قانون الأحوال الشخصية الإسلامي على وعيٍ كامل،كما تتطلب -بشدة- في جانب آخر إيقاظَ الوعي الاجتماعي في المسلمين بصورة منظمة، وشنَّ حركة توعية المسلمين والمسلمات بقانون الأحوال الشخصية الإسلامي توعيةً كاملةً، والعزمَ الصارم على صياغة حياتنا في القالب الإسلامي المتكامل. ولن تتجرّأ حكومة أونظام سياسي في التفكير في الطعن في هويتنا وتوجيه أصابع الاتهام إلى قانون الأحوال الشخصية الإسلامي فيما إذا حققنا ذلك على أرض الواقع. (صحيفة «راشتريه سهارا» الأردية اليومية، دهلي الجديدة، ص7، السنة:17، العدد:6165، الثلاثاء: 16/المحرم الحرام 1438هـ الموافق 18/أكتوبر 2016م).

*  *  *



(*)          عضو مجلس الشعب الهندي، ورئيس المؤسسة التعليمية الوطنية لعموم الهند.