ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، ربيع الآخر  1438 هـ = يناير 2017م ، العدد : 4 ، السنة : 41

 

دراسات إسلامية

 

النبي الخاتم والرسالة الخاتمة

بقلم:  د. محمد كامل الفقى «رحمه الله»

 

 

 

        محمد –صلى الله عليه وسلم- خاتم الأنبياء، ولا نبي بعده كما يقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا( سورة الأحزاب:٤٠).

     وقد أخبر النبي –صلى الله عليه وسلم- بأنه خاتم النبيين؛ ليشد انتباه المسلمين إلى ما يظهر بين الحين والحين من ادعاء الأفاكين، وزعم الكذابين؛ إذ إنهم يأتون بضروب من السحر، وفنون من الدجل فيوهمون الأغرار والسذَّج أنهم جاءوا بما جاء به النبي-صلى الله عليه وسلم-.

     وقد أخبر وقوله الصدق أنه سيظهر بعده من الكذبة والأدعياء زهاء ثلاثين دعيًّا آخرهم ظهورًا وأعظمهم فتنة المسيح الدجال، وما حديث مسيلمة الكذاب والأسود العنسي والبهائيين والقاديانين وأمثالهم ببعيد.

     إن الشرائع السماوية التي سبقت الشريعة الإسلامية إنما شرعها الله وفقا لعقول الأمم السابقة، وتجاوبا مع أفهامهم ومداركهم، والعقل البشري يحاكي الكائنات الحية نموًا وتطورًا، فكل شريعة من هذه الشرائع تلائم الذين شرعت لهم فهي كالدواء يصلح لحال دون حال، ويجدى عند مريض ليس كل مريض، فلما بلغ العقل ذروته واكتملت واكتهلت المدارك البشرية، واستوت على غاياتها كانت الشريعة الإسلامية مطابقة لها لا تقبل بعد مزيدًا، وكل مكان تحل فيه، وكل زمان توائمه لها فيه الهيمنة والصلاح، وهي وحدها التي تصدّ شقاوة الناس، وترسم لهم الحدود، وتأخذ بيدهم دائمًا إلى حياة راقية في الدنيا يتبعهاخلود مقيم في نعيم الآخرة: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ (سورة الروم:٣٠) ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا (سورة المائدة:3).

     وأمامنا دول رضيت بالإسلام دينًا، اتخذت منه منهجًا ودستورًا ممن سبقونا وممن نعيش معهم لهم العزة والمحبة والاستقرار والغنى، ومن الدول التي لم تتخذ الإسلام دستورًا، لكنها في بعض سلوكها تتبع النظم الإسلامية فلها نظام، وصدق، وتعاون، وجد، وعمل، وهي بهذه المقوّمات التي لم يوضع الإسلام عنوانًا لكنهاسعيدة قريرة العين، ولو أنها أكملت السلوك، وأتمت الشوط، ودانت بعقيدة التوحيد لصرفت عن نفسها جماعات وأفرادًا ما يهددها من فتن، وما ينزل بهابين آن وآخر من تحلل.

     وفي موازنة خاطفة بين شريعة محمد –صلى الله عليه وسلم- وما سبقها من الشرائع السماوية كشف لفضل الشريعة المحمدية، وبيان لتميزها، وأن الله جعلها قمة النعم على عباده، ولا وجه للموازنة طبعًا بينها وبين المبادئ التي وضعها البشر فإن البشر يخطئ ويصيب، وليس المخلوق بقادر على اكتناه أسرار الناس حتى يشرع لهم ما يوائم غرائزهم وطباعهم ومشاربهم فلا مقارنة قطّ بين عمله وعمل الخالق الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفى الصدور، ولا موازنة بين صنع العالم الحكيم وصنع العقول البشرية التي ترى الشيء ثم تعدل عنه، وتحبّ السلوك ثم تكرهه، والتي يلمع لها الأمر ثم تراه بعد قليل مظلمًا، ورُبّ مصلح أو مدعي إصلاح ظن أنه بمبدءه يكفل سعادة البشر.

     وبعد موته أثبتت التجربة أنه كان سر شقاء الناس، وأن منهجه جنى على الدنيا وأحالها إلى ظلام وحيرة. وهكذا يجيء أهل الزعم فينسخون تشريع سابقيهم بما ظنوه هدى ورشادًا، وكلمادخلت أمة لعنت أختها، وهكذا ضلال يصرع ضلالاً، وحجج تقهر حججًا، وكل ذلك زائل طال مداه أو قصر، وحاشا للشريعة المحمدية أن يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، ولم يقف على قدميه أشد الناس كرهًا لها. فإنه قد يتصيد أمورًا جهلها أو تجاهلها، ويجري وراء شبهات حجبته عن رؤية الحق فيها ضلالات فلم يقف على سرها، وكم في الباحثين المستشرقين من خاض محيط الشك فدرس وبذل من الجهد ما بذل فإذا هو من صفوة المؤمنين، ومن أعلام المسلمين الباحثين ممن لهم في الإسلام شهادة تليق بجلاله.

     فالموازنة الخاطفة إذن إنما هي بين شرع لله سبق في أمم قد خلت وطويت صفحتها، ومضى زمانها، وبين دينه المحمدي الذي نموت عليه إن شاء الله، ومن يبتغ غيره فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين.

     أما شرع النبي –صلى الله عليه وسلم- الذي أرسله الله رحمةً للعالمين فهو يفتح باب التوبة على مصراعيه لا يكلّف المذنب إلا نية عدوله عن ذنبه ورجوعه إلى ربه، وعزمه الصادق على عدم العودة إلى سالف إثمه؛ بل إن الله هو التواب الرحيم الذي يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، حدث رب الرحمة عن نفسه بأنه هو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وباب التوبة في شرح محمد العظيم مفتوح للعبد ما لم يغرغر ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا (سورة النساء:١١٠)، وفي حديث النبي –صلى الله عليه وسلم-: «لله أفرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلًا وبه مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال: أرجع إلى مكاني فرجع فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده».

     وفي الحديث القدسي: «يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبا لي يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك».

     هذه توبة المسلم، لا عنت فيها ولا مشقة، وذلك ما وعد الله به رحمةً وجودًا، وبرًا وإحسانًا، فحمدًا لمن أهلّنا بالإسلام لجزيل عطائه فالله -سبحانه وتعالى- كرم أمة محمد –صلى الله عليه وسلم- بهذه الرحمة، وقلّد جيدهابتلك المنة فهو الذي يجود عليهم، ويحلّ لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم، هو الثقل الذي يأصر صاحبه عن الحركة، أي أن الرحمن الرحيم ترفّق بأمة محمد –صلى الله عليه وسلم- ورفع عنها ما كان على قوم موسى من مشقة التكليف التي ناء بها السابقون عليهم.

     وإن هؤلاء كانوا يقطعون مواضع النجاسة من ثوبهم أو من ثوبهم وبدنهم، وكانوا يحرقون ما يصل إلى أيديهم من الغنائم، وكان السبت محرّمًا عليهم فهم يتوفرون فيه على العبادة، ولا يجوز لهم فيه صيد السمك، ولم تكن الدية مشروعة لهم فيتعين القصاص في حال العمد وفي حال الخطأ.

     وقد كان ذلك التشريع مناسبًا أشد المناسبة لقوم قساة القلوب غلاظ الأكباد ما كان لهم أن يؤمنوا بعد أن رفع الله الجبل فوق رؤوسهم وصاروا في يقين من هلاكهم كما قال جل شأنه: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا ءَاتَيْنٰكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (سورة الأعراف:١٧١).

     فلو أنك استحضرت هذه الأحكام، وتصوّرت أنها في ملّة آخرةليس بعدها دين، أيكون في ظنك ملاءمتها للزمان والمكان؟ ما أظن عقلًا يذهب إلى ذلك أبدًا، إنما هي صالحة لليهود وحدهم لما أن الغدر طبعهم، والقسوة من أخص خصائصهم، وقد قتلوا الأنبياء بغير حقّ كما قال القرآن.

     إن صلاح هذه الأمة لن يكون إلا بما صلح به أولها، والعودة إلى الدين الخاتم، والنبي الخاتم، وفرض شريعة محمد –صلى الله عليه وسلم- ذلك وحده هو الذي يقيم ما اعوج، ويصلح ما فسد، ويبني ما انهدم، ولا يماري في ذلك إلا أهل الهوى والضلال والعمى فاللهم اهد كل أمة إسلامية للعمل بأحكام دينك تكون ممن هدى إلى صراط مستقيم.

*  *  *