ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، ربيع الأول  1438 هـ = ديسمبر 2016م ، العدد : 3 ، السنة : 41

 

دراسات إسلامية

 

ما كان أحدٌ أحسنَ خُلُقًا من رسول الله –صلى الله عليه وسلم-

بقلم: الأستاذ أسامة  نور/ القاسمي (*)

 

 

 

     قيمة الإنسان عند الله تعالى وعند الناس تَعْظُمُ بأخلاقه وسلوكه الاجتماعي، فبقدر ارتفاعه خُلُقًا وسموّه سلوكًا اجتماعيًّا تسمو مكانته عند الله وعند خلقه. وبما أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كان قد صَنَعَه اللهُ على عينه، تُحِيطُ به رعايتُه، وتَشْمَلُه عنايتُه، وتَتَغَمَّدُهُ رحمتُه ولطفه، فاجتمع له من عظيم الخصال وسامي الصفات والأخلاق ما لم يجتمع لأي من البشر. ولا غَرْوَ فقد قالت سيدتنا عائشة رضي الله عنها حينَ سُئِلَتْ عن خلق رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «كان خُلُقُه القرآنَ»(1) وقد وَصَفَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ نبيَّه فقال: « وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ»(2).

     وخُلُقُه كان نابعًا من أن الله تعالى صَنَعَه صَنْعًا خاصًّا، وقد عرف رسولُ الله –صلى الله عليه وسلم- فضل ربّه عليه في هذا الشأن، فقال مُعْتَرِفًا بذلك: «أَدَّبَنِي رَبِّي فَأَحْسَنَ تَأْديبي»(3).

     إذا صَحِبَ فردٌ أو جماعةٌ أحدًا انكشف عليها ما فيه من المحاسن والمساوئ. وبما أن الإنسان خُلِقَ حاملاً للضعف والنقائص أكثر من المحاسن؛ فمن طالتْ صحبةُ أحدٍ لفرد من البشر اكْتَشَفَ فيه من المعايب ما يفوق محاسنه للسبب المذكور آنفًا. ولا يوجد بين أفراد المجتمع البشري من يكون أَلْصَقَ بهم من الزوجة بزوجها؛ لأنها تُعَايِشُه ليلًا ونهارًا، وتُلاَحِظُ كلَّ ما فيه من العادات والصفات، والحسنات والسيئات، وما يُثْنَىٰ به عليه، وما تُوَجَّهُ به التهمةُ إليه، حتى تُدْرِكُ خَلَجَاتِ قلبه ودَوَاعِيَ صدره، وتَعْرِف عنه ما لا يعرفه أَيٌّ من الأَخِلَّاء والأقران الذين قد يُصَاحِبُونَه مُعْظَمَ لَحَظَات المواقف في الحياة.

     من هنا تجد الزوجات في الأغلب لا يُعْجَبْنَ بأزواجهن في قرارة أنفسهنّ؛ لأنهنّ يعرفن عنهم معرفةً دقيقةً نِقَاطَ الضعف البشري فيهم، الأمرُ الذي يجعلهنّ يَفْقِدْنَ كلَّ شيء يُصَنَّفُ ضمنَ الإعجاب والتبجيل والتقدير والإكبار.

     ولكننا نجد السيّدة عائشة رضي الله عنها التي كانت أحبَّ زوجات النبي –صلى الله عليه وسلم- إليه لرجحان عقلها وفضلها وتَفَقُّهِها في الدين تَشْهَدُ للنبيّ –صلى الله عليه وسلم- بحسن أخلاقه، وتُصَرِّحُ بأنه ما كان أحدٌ أحسن منه خُلُقًا، فتقول: «ما كان أحد أحسن خُلُقًا من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ما دعاه أحد من أصحابه ولا أهل بيته إلّا قال –صلى الله عليه وسلم- لبيك»(4) وتقـول: «لم يكـن فاحشًـا ولا مُتَفَحِّشًا»(5) تعنـي أنه –صلى الله عليه وسلم- لم يكن يعرف الألفاظ والصياغات الكلاميّة النابية البذيئة المتضادة مع القيم الإنسانيّة والأخلاق السامية التي تليق بإنسان كريم.

     وقد كان الصحابي الجليل أنس بنُ مالك رضي الله عنه أَشَدَّ لصوقًا بالنبي –صلى الله عليه وسلم- بعد زوجاته، لكونه قد وَقَفَ نفسَه على خدمته فكان يلازمه ولا يبرحه إلا لدى حاجه مُلِحَّة تفرض عليه أن يفارقه، يقول في وصف خُلُقه: «لم يكن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- سَبَّابًا ولا لَعَّانًا ولا فاحشًا»(6). إنّ هذه الصفات السيئة تعيب عامّة أفراد الناس،فضلاً عن النبي الخاتم –صلى الله عليه وسلم- الذي بُعِثَ لتتميم مكارم الأخلاق؛ فقد قال –صلى الله عليه وسلم-: «بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأخلاق»(7).

     لقد كان لخلق رسول الله –صلى الله عليه وسلم- دور كبير في انتشار الإسلام، ورسوخ قدم الدعوة الإسلامية، وانجذاب الناس أفواجًا إلى دين الله. ولقد قال الله تعالى مُخَاطِبًا إِيّاه –صلى الله عليه وسلم-: «لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ»(8) أي إنّ الصفات السيئة كان من شأنها أن يُنَفِّر الناسَ من الإسلام ويُكَرِّهه إليهم؛ ولذلك جَعَلَه الله لَيِّنًا نَاعِمَ الْخُلُقِ رَحِيمَ النفس لطيفَ الْـمَعْشر. قال الله تعالى: « فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ »(9).

     من أجل خُلُقه الحسن، ولين جانبه، ونعومة نفسه، دخل كثيرٌ من المشركين في دين الله، وصَرَّحُوا أنهم إنما آمنوا بمحمد –صلى الله عليه وسلم- لخلقه العظيم، فها هوذا جيفر بن الجلندي ملك عمان على عهد النبي –صلى الله عليه وسلم- عندما بلغه دعوةُ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إلى الإسلام قال: «والله لقد دَلَّني على هذا النبيُّ الأُمِّيُّ، إنّه لا يأمر بشيء إلّا كان أوّلَ آخذ به، ولا يَنْهَىٰ عن شيء إلّا كان أَوَّل تارك له، إنه يَغْلِب فلا يُبْطِر، ويُغْلَب فلا يَضْجَرُ، ويفي بالعهد، ويُنْجِز الموعودَ، وأشهد أنه نبيٌّ»(10).

     إن حياته –صلى الله عليه وسلم- تفيض بما يُؤَكِّد أنه كان على خُلُقٍ عظيم من الحلم والكرم، والرأفة والرحمة، والرقة العاطفيّة، والكرم النفسيّ، والنبل الشخصيّ، والسماحة المتناهية، وهي صفات جليلة القدر، عظيمة القيمة، اكتسابها ليس سهلاً هَيِّنًا؛ بل إنه أمرٌ صعبٌ جدًّا؛ لأنه الاكتساب يحتاج إلى حبس قوة الغَضَب، والتحكم في الإغراءات الغريزيّة، والقدرة على التصرف الحسن المتوازن لدى ثورة العاطفة وتوتر النفس؛ فلا يقدر على التحلّي بها إلا حاملو القدرة القوية والعزيمة الصلبة، الذين يَحْظَوْنَ بالجِدِّيَّة وعدم التسرّع الذي قد يحول بين المرء وهدفه وقد يَحُطُّ من قدره.

     وقد قال العلماء: إن ترويض النفس والسيطرة عليها كان مما أراده النبيُّ –صلى الله عليه وسلم- من قوله لأصحابه لدى عودتهم من غزوة تبوك التي لَاقَوْا فيها من النَصَب والمشقّة ما كان فوق الحسبان: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس»(11) وذلك لأن الجهاد بالأسلحة الظاهرة المرئيّة مع العدوّ المرئي أَقلُّ صعوبةً وأَخَفُّ وَطْأَةً من الجهاد بالأسلحة المعنوية غير المرئية مع العدوّ غير المرئي وهو النفس الأَمَّارَة بالسوء التي لا تَبْرَحُ الإنسانَ في لحظة من لَحَظَات العمر، والتي يُمدّها الشيطان بكل ما يقدر عليه من الأسلحة الفتّاكة.

     وقد بلغ النبي –صلى الله عليه وسلم- من التحكّم في الاستجابات الغريزية والسيطرة على النفس وحبس قوة العضب مُنْتَهَى الغاية؛ لأنه –صلى الله عليه وسلم- كان مأمورًا من ربه الذي بعثه نبيًّا: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ»(12) حيثُ إنّه لـمّا نزلت الآية عليه –صلى الله عليه وسلم- سَأَلَ جبريلَ عن معناها، فقال له جبريل: دَعْنِي حتى أسألَ العليم أي اللهَ تعالى، ثم ذهب وأتاه فقال له: «يا محمدُ! إِنّ الله يأمرك أن تَصِلَ من قَطَعَك، وتُعْطِيَ من حَرَمَك، وتَعْفُوَ عمن ظلمك»(13).

     وجميعُ مَحَطَّات حياته –صلى الله عليه وسلم- تُؤَكِّد أنه طَبَّقَ حرفيًّا ما أَمَرَه اللهُ به، فلم يُقَابِل قَطُّ السَّيِّئَةَ بالسيئة، وإنما قابلها بالحسنة، وظَلَّ يلتزم الصفحَ والعفوَ، ولم يُضْمِرْ لأحد سوءًا أو حقدًا؛ لأن الثأريّة والعاطفة الانتقامية لا تليق بفرد عاديّ من البشر، فكيف بالنبي الخاتم الذي بُعِثَ رحمةً للعالمين، فكان يكاد يَبْخَعُ نَفْسَه أسفًا على عدم إيمان من لم يؤمن من المشركين، فقال تعالى: «فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا»(14). وقال تعالى: «لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ»(15).

     اللهم وَفِّقْنَا لاتِّبَاع سيرة سيّد الْـمُرْسَلِين في القول والعمل، اللهم سَهِّلْ علينا الاِئْتِسَاء بأُسْوَته والاهتداء بهديه.



(*)        المتخرج من الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند والحامل لشهادة الماجستير في الفلسفة في اللغة العربية وآدابها من جامعة دهلي.

(1)          مسند أحمد: 24601.

(2)          القلم: 4.

(3)          معناه صحيح، ولكن لم يأتِ من طريق صحيح. راجع: التذكرة في الأحاديث المشتهرة على الألسنة للزركشي الشافعي 1/160.

(4)          أبو نعيم في «دلائل النبوة»: 119.

(5)          صحيح البخاري: 3559؛ مسلم: 2321.

(6)          صحيح البخاري: 6031.

(7)          مسند البزار: 8949.

(8)          آل عمران: 159.

(9)          آل عمران: 159.

(10)         الشفا للقاضي عياض: 1/484.

(11)         الدرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة: 242.

(12) الأعراف: 199.

(13)         مجمع الزوائد: 13692.

(14)         الكهف: 6.

(15)         الشعراء: 3.