ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، المحرم – صفر  1438 هـ = أكتوبر – نو فمبر 2016م ، العدد : 1-2 ، السنة : 41

 

دراسات إسلامية

 

·       عاشوراء يوم لا كالأيام

·       المن بالمعروف في الأدب العربي

·       من معاني الحكمة في القرآن الكريم

·       الورق عند العرب وعاء العلم والمعرفة

·       تلامذة شيخ الإسلام السيد حسين أحمد المدني – رحمه الله – في المدينة المنورة: آثارهم وجهودهم

·       الله أكبر، كم في هذا الموقف من عجب!

·       السبب في معاداة قريش لرسول الله -- وهجرته -- من مكة إلى المدينة

·       يوم وليلة في مدينة الحياض والترع: بهوبال

 

عاشوراء يوم لا كالأيام

بقلم:  الأستاذ/ حامد الإدريسي

 

 

 

     زائر خفيف الظل كثير الهدايا سريع الارتحال، يأتيك وقد أنقضت ظهرك الذنوب، وأثقلت كاهلك المعاصي، وسودت صفحاتك الآثام، فينصرف عنك وقد وُضع عنك وزر عام، ومحيت عنك ذنوب سنة كاملة، وغفر لك ما اقترفت يداك حولا كريتًا، فتدخل على السنة الجديدة جديدًا، وتقبل على ربك سعيدًا.

     عن ابن عباس رضي الله عنهما- أنه سئل عن صيام يوم عاشوراء، فقال: «ما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صام يومًا يطلب فضله على الأيام إلا هذا اليوم، ولا شهرًا إلا هذا الشهر، يعني رمضان» متفق عليه.

     وعن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بصيام يوم عاشوراء، ويحثنا عليه، ويتعاهدنا عليه الحديث»[1].

     وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن صوم يوم عاشوراء، فقال: «يكفر السنة الماضية» وفي رواية: « وصيام يوم عاشوراء أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله»[2].

     فمن الذي يرفض هذا العرض الكريم، ومن الذي لا يريد هذا الأجر مقابل صيام يوم واحد، عجبًا لك والله يا ابن آدم، يجرك ربك إلى الجنة جرًّا، ويأخذ بحجزتك عن النار أخذًا، يدعوك في كل موسم، ويفتح لك باب التوبة والمغفرة في كل حين ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد/21] ، أذنبت ثلاث مئة يوم، يكفرها لك بصوم يوم واحد، أي كرم هذا! وأي رحمة هذه! إن ربكم رحيم ، من همّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة ومن همّ بحسنة فعملها كتبت له عشرًا إلى سبع مئة ضعف ومن همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن عمل بها كتبت»[3].

     لا نتحدث هنا عن فريضة يأثم الإنسان بتركها، أو واجب يعاقب على التقصير فيه، لكن العاقل متيقظ، والحريص منتبه، وطالب الجنة مشمّر.

     إن من لطف الله تعالى بعباده، أنه لم يجعل العام علينا سرمدًا متصلًا، طبقة واحدة، وأيامًا متكررة، بل داخل بين المواسم، وفاضل بين الأيام، لينشط الخامل، وينتبه الغافل، ويتذكر المعرض، فما إن ينتهي الحج أو يكاد، حتى يلوح للمسلم شهر الله الحرام، أول الأشهر الحرم التي قال الله عنها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتٰبِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ وَقَاتِلُواْ الْـمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ مَعَ الْـمُتَّقِينَ﴾ [التوبة/26].

     ومحرم أول هذه الأشهر الأربعة التي نهانا الله أن نظلم فيها أنفسنا بأنواع الظلم والشرك والذنوب، وقد نهينا عن الظلم في كل الشهور، لكن التأكيد على النهي في هذه الأشهر دليل على عظمتها ومكانتها عند الله.

     فإلى كل مقصر، وإلى كل مذنب، وإلى كل نادم، أبشر فقد جاءك الفرج، واحمد الله فقد آذنت ذنوبك بالرحيل، فإن أنت بلغت هذا اليوم، ثم وفقك الله لصيامه، فاعلم أنه ما بلغك إلا ليعطيك، وما وفقك إلا ليثيبك، وما أعانك إلا ليكرمك، فاحمد الله المبتدئ عليك بالنعمة، وتأكد أن توفيقه لك دليل القبول إن شاء الله: ﴿لَقَد تَّابَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْـمُهٰجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * وَعَلَى الثَّلٰثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة/117-118] فبتوبته عليك يهديك للتوبة فتتوب، ثم يقبلها منك فيتوب عليك، نسأل الله من فضله.

     وإن أنت بلغت هذا اليوم، لكن ضعفت نفسك عن الصوم، ووجدت من قلبك إعراضًا عن العبادة، وتهاونًا في الطاعة، فصام غيرك وأفطرت، وأطاع غيرك وما أطعت، وأسرع غيرك وتأخرت، وشمر غيرك وتكاسلت، فاعلم أنه شؤم المعصية، ورين الذنب على القلب، فابك على نفسك، وارجع إلى ربك وأحي عزيمتك، واسأله أن يوفقك كما وفقهم، ويعطيك كما أعطاهم، ويغير حالك كما غير أحوالهم: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ [الرعد/11].

     إن يوم عاشوراء يوم انتصار الحق على الباطل، والخير على الشر، والإيمان على الكفر، ففيه غرق قائل: «أَنَا رَبُّكُمُ الأعْلَى» وفيه انتصر ﴿الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وفيه تبدلت الأحوال ﴿كَمْ تَرَكُوا مِن جَنّٰتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فٰكِهِينَ * كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنٰهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان/25-28].

     فاستلهم الآن هذا النصر العظيم، واستشرف هذا الحدث الجلل بقلب متذكر، وفؤاد مكسور، واسأل الله الذي نصر موسى على فرعون بجنوده، أن ينصرك على إبليس بخيله ورجله، وارج الذي فلق لموسى البحر أن ينجيك من بحار الشهوات والشبهات، ويجعل لك طريقا يبسا إلى الحق، فلا تخاف درك الذنوب ولا تخشى عوالق الشبهات بمنه وفضله.

*  *  *

الهوامش:

[1]    مسلم برقم 1128.

[2]    مسلم برقم (1162) (196) (197).

[3]     مسلم برقم 356.

 

المن بالمعروف في الأدب العربي

بقلم:  مساعد التحرير

 

 

 

     المنة لغة: للمنة في اللغة أصلان كما يقول ابن فارس: أحدهما يدل على قطع وانقطاع، والآخر على اصطناع خير.

     فالأول: المن: القطع، فيقال: منه يمنه منا: قطعه(1). ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ [القلم/3].

     قال ابن كثير: ومعنى غير ممنون: أي غير مقطوع. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّٰلِحٰتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [الانشقاق/25]. وقال ابن عباس: غير منقوص، وقال مجاهد والضحاك: غير محسوب. قال ابن كثير: وحاصل قولهما: أنه غير مقطوع(2). ومن هذا الباب: المنون: الموت وهى جمع منية، سميت بذلك؛ لأنها تنقص العدد وتقطع المدد(3).. والأصل الآخر للمن، تقول: منّ يمنّ منًّا، إذا صنع صنعًا جميلا. ومن هذا الباب المنة، وهي القوة التي بها قوام الإنسان(4).

     المنّة: الامتنان، وهو تعظيم الإحسان والتفاخر به حتّى يفسد(5).

     وَالْـمَنُّ مِنَ الْأَذَى قَالَ تَعَالَى: ﴿يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقٰتِكُمْ بِالْـمَنِّ وَالْأَذى﴾ [الْبَقَرَة: 264] . وَقَدِ انْتَزَعَ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزَبِيْرِ (بِكَسْرِ الْـمُوَحَّدَةِ) أَوْ غَيْرُهُ فِي قَوْلِه:

     سَأَشْكُرُ عَمْروًا إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي

أَيَادِيَ لَمْ تُمْنَنْ وَإِنْ هِيَ جَلَّتِ

     وَمُرَادُهُ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْـمَعْرُوفُ بِالْأَشْدَقِ.

     والمن بالمعروف رذيلة من الرذائل  فكان العرب ينأون بجانبهم عنه ويفتخرون بعدم المن، ومنه ما قال الشاعرعبد الصمد بن المعذل(6):

     أمُـنُّ عَلىَ المُجْتَــدِي ... وَمَـا أُتْبِـعُ المَـنَّ مَن

     كَأَنْ لَمْ يَــزَل مَا أَتَـى ... وَمَا قَد مَضَى لَمْ يَكُنْ

     أَرَى النَّاسَ أُحْدُوْثَةً ... فَكُوْنِي حَدِيثًا حَسَنْ(7)

     ويقول حاتم(8):

     فَخُــذْهَـا إِنَّهَا مِئَــتَا بَعِـــيْرٍ

سِوَى النَّابِ الرَّذِيَّةِ وَالْفَصِيْلِ(9)

     فَلَا مَــــنٌّ عَلَيْكَ بِهَـا؛ فَـإِنِّيْ

رَأَيْتُ الْـمَنَّ يُـزْرِيْ بِالْجَزِيْلِ

     فَآبَ البَرْجَمِيُّ وَمَــا عَلَيْـــهِ

مِنَ أَعْبَاءِ الْحَمَالَةِ مِنْ فَتِيْلِ(10)

     وقال إبراهيم بن العباس الصولي(11) مفتخرًا بترك المن:

     أُفَــرِّّقُ بَيْنَ مَعْــرُوْفِيْ وَمَنِّى

وَأَجْمَعُ بَيْنَ مَالِيْ وَالْحُقُوْق(12)

ويقول عبد الله بن المعتز في المعتضد بالله(13):

     يَهيمُ إلَى كلِّ مــا يَشْتَــهِي

وَإنْ رَدَّهُ الْعَذْلُ لَمْ يَنْجَذِبْ

     وَيْسْخُو بِمَا قَدْ حَوَتْ كَفُّهُ

وَلاَ يُتْبِعُ المَنَّ ما قَدْ وَهَبْ

     فَكَمْ فِضَّةٍ فَضَّها فِي سُرُو

ر يَوْمٍ وَكَمْ ذَهَبٍ قَدْ ذَهَبْ(14)

يقول أبو الفتح الببغاء(15):

     أَفْسَدْتَ بالمن ما أسديْتَ من حَسَنٍ

ليس الكريمُ إِذا أعطى بمنـــــانِ

ويقول علي بن الجهم(16):

     يَا مُبْطــلاً فعـلَ الجميلِ بمِنَّــةٍ

أسخطْتنَي مِنْ بَعْدِ مَا أَرْضَيْتَنيْ

     يَا لَيْتَ كَفَّكَ لَمْ تُسَامِحْني بِـــهِ

أَوْ لَيْتَنِيْ جَانَبْتُ مَـــا أَوْلَيْتَنِيْ

وقال الإمام الشافعي(17):

     إِذا احتاجَ النوالُ إِلى شفيعٍ

فلا تقبلهُ تضحِ قريـرَ عينِ

     إِذا عيفَ النوالُ لفردِ منٍ

فأولى أن يُعــافَ لِمنَّتـــينِ

وقال مكي الماكسيني(18):

     وَمَنْ سَامَحَ الأيامَ يَرْضَ حَيَاتَهُ

وَمَنْ مَنَّ بِالمْعْرُوْفِ عَادَ مُــذَمَّمَا

     وَمَنْ نَافَسَ الإِخوانَ قلَّ صديقُهُ

وَمَنْ لَامَ صَبًّا فِي الْهَوَى كَانَ أَلْوَما(19)

قال أبو يعقوب الخزيمي(20):

     زَادَ مَعْرُوفَكَ عِنــدِي عُظَـمًا

أنَّهُ عِنْــدَكَ مَسْتُــورٌ حَقِــيرْ

     تَتنـــــــــاساهُ كأنْ لمْ تَأْتِــهِ

وَهُوَ عِنْدَ النَّاسِ مَشْهُورٌ كَبير(21)

وقال آخر:

     لأشكرنّك معــروفـًا هممت بــه

إنّ اهتمامك بالمعــروف معـروف

     ولا ألومـك إن لـم يمضــه قـدر

فالشىء بالقدر المجلوب مصروف(22)

     وكانوا يعتبرون المحروم من حسنة يتبعها المن مرزوقًا حيث يقول أبو تمام:

     إَذَا ابْتَدَأَ بُخَلَاءَ النَّاسِ عَارِفَةً

يَتْبَعُهَا المَنُّ فَالْمَرْزُوْقُ مَنْ حُرِمَا

     فأراد أبو تمام أنه ليس بمحدود ولا محارفٍ في ملتمساته ومكالبه(23). 

     و أحسن العطاء موقعًا ما لم يشب بمن وفي مثله يقول الشاعر:

     أَحْسَنُ مِنْ كُلِّ حَسَنْ ... فِي كُلِّ وَقْتٍ وَزَمَنْ

     صَنِيْعَةٌ مَشــــْكُـوْرَةٌ ... خَــــالِيَةٌ مِنَ الْمِـنَنْ(24)

     ومن المذموم  أن يحمل المرء حسنة ممن يتبعها المن، وينسب للإمام الشافعي رحمه الله - وقيل: هو لأبي بشر الخوارزمي-

     لَا تـَـحْمِلَـنَّ لِـمَـنْ يَمُـنّ

مِـنَ الأنَامِ عَلَيْــكَ مِنَّــــه

     وَاخْتـــَرْ لِنَفْسِكَ حَظَّـهَـا

وَاصْبِـرْ فَإنَّ الصَّبْرَ جُنَّـــه

     مِنَنُ الرِّجَــالِ عَلَى القُلُــوْ

بِ أَشَدُّ مِنْ وَقْعِ الْأَسِنَّه(25) 

     والنابغة الذبياني في مدحه للغساسنة طمعًا في نوالهم، لايهمه مقدار الهدية بقدر ما يهمه ألا تكدر بمن ولا تذكير حين يقول:

     عَلَيَّ لِعَمْرٍو نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَـــةٍ

لِوَالِدِهِ لَيْسَتْ بِذَاتِ عَقَارِبٍ(26)

     والمنّ يمحق النعم، قالوا : خير الإحسان ما لم يتقدمه مطل ولم يتبعه منّ. ولقد أحسن قائل هذين البيتين:

     إِذَا زَرَعْتَ جَمِيْلاً فَاسْقِهِ غَــدَقًـا

مِنَ الْمَكَارِمِ كَيْ يَنْمُو لَكَ الشَّجَرُ

     وَلَا تَشُبْــهُ بِمَنٍّ فَالَّـــذِيْ نَقَلُوْا

مِنْ عَادَةِ الْـمَنِّ أَنْ يُؤذَى بِهِ الثَّمَرُ(27)

     وقال موسى شهوان يمدح حمزة بن عبد الله بن الزبير بترك المن:

     حَمْــزَةُ المبْتَـاعُ بِالـمَـالِ الثَّنَاءَ

وَيَــرَى فِي بَيْعِـهِ أَنْ قَـدْ غبن

     وَإِذَا أَعْـطَى عَطَاءً مُفَضَّــلاً

ذَا إِخَـــاءٍ لَمْ يُكَــدِّرْهُ بِمَــن

     ويستبعدون أن يسود المنان حيث يقول الشاعر:

     أَرَاكَ تُـؤَمِّلُ حُسْـنَ الثَّنـَاءِ

وَلَمْ يَـرْزُقِ اللهُ ذَاكَ الْبَخِيْلَا

     وَكَيْفَ يَسُــوْدُ أَخَا بِطْنَــةٍ

يَمُنُّ كَثِيْرًا وُ يُعْطِيْ قَلِيْلَا(28)

*  *  *

الهوامش:

(1)      لسان العرب، ابن منظور، دار المعارف، 6/ 4277، مادة منن.

(2)      تفسير ابن كثير4/524.

(3)      معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 5/ 267. مادة: من، لسان العرب، ابن منظور، 6 / 4279، مادة: منن.

(4)      معجم مقاييس اللغة، ابن فارس، 5/ 267 .

(5)      الأمثال للهاشمي1/78.

(6)      عبد الصمد بن المعذل بن غيلان بن الحكم العبدي القيسي أبو القاسم (ت: 240 هـ = 854 م) من بني عبد القيس، من شعراء الدولة العباسية.

          ولد ونشأ في البصرة. كان هجاءً، شديد العارضة سكيرًا خميرًا(معجم الشعراء العرب1/ 1599).

(7)      الكامل في اللغة2/7.

(8)      حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني، أبو عدي(ت: 46 ق. هـ= 577 م) شاعر جاهلي، فارس جواد يضرب المثل بجوده. كان من أهل نجد، وزار الشام فتزوج من ماوية بنت حجر الغسانية، ومات في عوارض (جبل في بلاد طيء) (معجم الشعراء العرب1/ 1106).

(9)      الناقة المسنة، والرذية: مؤنث الرذي، وهو الضعيف من كل شيء ومن أثقله المرض.

(10)    جمهرة خطب العرب1/34.

(11)    إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول أبو إسحاق(176 - 243 هـ / 792 - 857 م) كاتب العراق في عصره، أصله من خراسان، و كان جده محمد من رجال الدولة العباسية ودعاتها، ونشأ إبراهيم في بغداد فتأدب فيها، وقربه الخلفاء، فكان كاتبا للمعتصم والواثق والمتوكل. وتنقل في الأعمال والدواوين إلى أن مات، متقلدًا ديوان الضياع والنفقان بسامراء. له (ديوان رسائل) و (ديوان شعر) و (كتاب الدولة)وغيرها. (معجم الشعراء العرب1/ 20).

(12)    غرر الخصائص الواضحة1/324.

(13)    عبد الله بن محمد المعتز بالله بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد العباسي، أبو العباس(247 - 296 هـ / 861 - 908 م) الشاعر المبدع، خليفة يوم وليلة. ولد في بغداد، وأولع بالأدب، فكان يقصد فصحاء الأعراب ويأخذ عنهم. آلت الخلافة في أيامه إلى المقتدر العباسي، واستصغره القواد فخلعوه، وأقبلوا على ابن المعتز، فلقبوه (المرتضى بالله)، وبايعوه للخلافة، فأقام يومًا وليلة، ووثب عليه غلمان المقتدر فخلعوه، وعاد المقتدر، فقبض عليه وسلمه إلى خادم له اسمه مؤنس، فخنقه. وللشعراء مراث كثيرة فيه. (معجم الشعراء العرب1/ 98).

(14)    أشعار أولاد الخلفاء 1/121.

(15)    عبد الواحد بن نصر بن محمد المخزومي، أبو الفرج المعروف بالببغاء (ت: 398 هـ= 1008 م) شاعر مشهور وكاتب مترسل، من أهل نصيبين اتصل بسيف الدولة ودخل الموصل وبغداد، ونادم الملوك والرؤساء. (معجم الشعراء العرب1/ 563).

(16)    علي بن الجهم بن بدر، أبو الحسن (188 - 249 هـ /803 - 863 م) شاعر، رقيق الشعر، أديب، من أهل بغداد كان معاصرًا لأبي تمام، وخص بالمتوكل العباسي، ثم غضب عليه فنفاه إلى خراسان، فأقام مدة، وانتقل إلى حلب، ثم خرج منها بجماعة يريد الغزو، فاعترضه فرسان بني كلب، فقاتلهم وجرح ومات. (معجم الشعراء العرب1/ 1753).

(17)    محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع الهاشمي القرشي المطلبي أبو عبد الله (150 - 204 هـ / 767 - 819 م): أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة وإليه نسبة الشافعية كافة. ولد في غزة بفلسطين وحمل منها إلى مكة وهو ابن سنتين، وزار بغداد مرتين وقصد مصر سنة 199 فتوفي بها وقبره معروف في القاهرة. (معجم الشعراء العرب1/ 698).

(18)    هوأبو الحرم مكي بن ريان بن شيبة بن صالح الماكسيني-من أعمال سنجار- ثم الموصلي النحوي قدم بغداد وأخذ عن ابن الخشاب، وابن القصار، والكمال الأنباري، وقدم الشام فانتفع به خلق عظيم: منهم الشيخ علم الدين السخاوي وغيره، وكان ضريرا يتعصب لأبي العلاء المعري؛ لما بينهما من القدر المشترك في الأدب والعمى.راجع:البداية والنهاية لابن كثير16/752.

(19)    مجمع الحكم9/476 وما بعدها.

(20)    إسحاق بن حسان بن قوهي الصفدي أبو يعقوب الخريمي(166 - 212 هـ / 782 - 827 م) أبو يعقوب الصفدي أصلاً التركي جنسًا الخريمي ولاءً والصفد كورة قصبتها سمرقند وقيل: هما صفدان صفد سمرقند وصفد بخارى. شاعر مطبوع وصفه أبو حاتم السجستاني بأشعر المولدين. ولد في الجزيرة الفراتية وسكن بغداد واتصل بخريم الناعم فنسب إليه أو كان اتصاله بابنه عثمان بن خريم. ثم اتصل بمحمد بن منصور بن زياد كاتب البرامكة ومدحه ورثاه بعد موته وأدركه الجاحظ وسمع منه. وعمي قبل وفاته (معجم الشعراء العرب1/ 646).

(21)    أبو العباس المبرد، الفاضل1/96.

(22)    أبو العباس المبرد، الفاضل1/96.

(23)    أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي (ت370 هـ)، الموازنة بين أبي تمام والبحتري (ت/ السيد أحمد صقر، نشر/ دار المعارف، ط: 4)1 /360.

(24)    غرر الخصائص الواضحة1/324.

(25)    أحمد قبش نجيب، مجمع الحكم والأمثال 9/483.

(26)    عبد القادر البغدادي،خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، ت: عبد السلام محمد هارون 2/324 ط:مكتبة الخانجي، القاهرة.

(27)    غرر الخصائص الواضحة1/324.

 (28)   أبوحيان التوحيدي،الإمتاع  والمؤانسة1/294.

*  *  *

 

من معاني الحكمة في القرآن الكريم

بقلم:  أبو فائز القاسمي المباركفوري

 

 

 

     الحكمة كلمة جامعة شاملة لعدة معانٍ ومرادات، وردت في عــدة آيات من القرآن الكريم، نستعرض في هذه العجالة بعض هذه الآيات لنتعرف على معانيها المختلفة في سياقات عدة.

     1. يقول الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ &äóÓx« وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾[النساء:113]

     اختلف المفسرون في المراد بالحكمة في هذه الآية على أقوال:

     1. ﴿الحكمة﴾: هي السنة. قال القرطبي: وأنزل عليك مع (الكتاب) الحكمة، وهي ما كان في الكتاب مجملا ذكره، من حلاله وحرامه، وأمره ونهيه، وأحكامه، ووعده ووعيده(1).

     2. الحكمة: الفهم لجميع مقاصد الكتاب فتكون أفعالك وأفعال من تابعك فيه على أتم الأحوال، فتظفر بتحقيق العلم وإتقان العمل. ذكره البقاعي(2).

     3. «والحِكْمَة»: القَضَاء بالوَحْي.قاله ابن عباس(3).

     4. الحلال والحرام، قاله مقاتل(4).

     5. بيانُ ما في الكتاب، وإِلهام الصواب، وإِلقاء صحة الجواب في الرّوع، قاله أبوسليمان الدمشقي(5).

     6. القضاء والمواعظ. ذكره السمرقندي(6).

     2. يقول الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللهُ يٰعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْـمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرٰـةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة:110]

     اختلف المفسرون في المراد بها في هذه الآية على أقوال:

     1. قال الطبري: الحكمة، هي الفهم لمعاني الكتاب الذي أنزلتُه إليك(7).

     2. قال ابن عطية:هي الفهم والإدراك في أمور الشرع. وقال البقاعي: الفهم لحقائق الأشياء والعمل بما يدعو إليه العلم(8).

     3. إنها جميع ما يحتاج إليه في دينه ودنياه(9).

     4. هي الكلام المحكم الصواب، ذكره الزمخشري(10).

     5. هي عبارة عن العلوم النظرية، والعلوم العملية.ذكره الرازي(11).

     6. النبوة. ذكره ابن عجيبة(12).

     3. يقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْـمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾[النحل:125].

     اختلف المفسرون في المراد بالحكمة في هذه الآية على أقوال:

     1. أي بوحي الله الذي يوحيه إليك وكتابه الذي ينزله عليك.ذكره الطبري(13).

     2. بالنبوة. قاله الزجاج(14).

     3. بالفقه. قاله الضحاك عن ابن عباس(15).

     4. بالقرآن. قاله الكلبي، ورواه أبو صالح عن ابن عباس(16).

     5. وَقيل: الْحِكْمَة معرفَة الْأَشْيَاء على مراتبها فِي الْحسن والقبح(17). قال البقاعي: هي المعرفة بمراتب الأفعال في الحسن والقبح والصلاح والفساد، وقيل لها حكمة؛ لأنها بمنزلة المانع من الفساد وما لاينبغي أن يختار، فالحكيم هو العالم بما يمنع من الفساد- قاله الرماني، وهي في الحقيقة الحق الصريح، فمن كان أهلاً له دعا به(18).

     6.  وَقيل: الدُّعَاء بالحكمة هُوَ الرَّد عَن الْقَبِيح إِلَى الْحسن بِشَرْط الْعلم، ذكره الزمخشري(19).

     7. بالمقالة المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة(20).

     8. وهو الكلام الصواب القريب الواقع في النفس أجمل موقع(21).

     9. أي الدلائل القطعية(22).

     10. قال ابن عاشور: الحكمة: هي المعرفة المحكمة، أي الصائبة المجردة عن الخطأ، فلاتطلق الحكمة إلا على المعرفة الخالصة عن شوائب الأخطاء وبقايا الجهل في تعليم الناس وفي تهذيبهم. ولذلك عرفوا الحكمة بأنها معرفة حقائق الأشياء على ما هي عليه بحسب الطاقة البشرية؛ بحيث لا تلتبس على صاحبها الحقائق المتشابهة بعضها ببعض ولا تخطئ في العلل والأسباب. وهي اسم جامع لكل كلام أو علم يراعى فيه إصلاح حال الناس و اعتقادُهم إصلاحًا مستمرًا لا يتغير(23).

     4. يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:39].

     اختلف المفسرون في المراد بالحكمة في هذه الآية على أقوال:

     1. الحكمة: القرآن. ذكره الطبري(24).

     2. القرآن ومواعظه(25).

     3. بيان الحلال والحرام(26).

     4. كُلُّ مَا أَمَرَ اللهُ به أو نهى الله عَنْهُ فَهُوَ حِكْمَةٌ(27).

     5. مِنَ الْحِكْمَةِ، أي: من الأمور المُحْكَمة والأدب الجامع لِكُل خير(28).

     6. مِنَ الْحِكْمَةِ التي هي معرفة الحق لذاته والخير للعمل به(29).

     7. مما يحكم العقل بصحته وتصلح النفس بأسوته(30).

     8. من الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها النسخُ والفساد(31).

     9. ﴿من الحكمة﴾ التي لا يستطاع نقضها ولا الإتيان بمثلها من الدعاء إلى الخير والنهي عن الشر، ومن حكمة هذه الأشياء المشار إليها من الأوامر والنواهي أنها لم تقبل النسخ في شريعة من الشرائع؛ بل كانت هكذا في كل ملة(32).

     10. والحكمة: معرفة الحقائق على ما هي عليه دون غلط ولا اشتباه، وتطلق على الكلام الدال عليها(33).

     5. ﴿وَلَقَدْ اٰتَيْنَا لُقْمٰنَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ [لقمان:12]

     اختلف المفسرون في المراد بالحكمة في الآية على أقوال:

     1. قال مجاهد: الفقه والعقل والإصابة في القول من غير نبوّة(34).

     2. أنها الفهم والعقل، قاله السدي. وقال ابن الجوزي: هو قاله الأكثرون(35).

     3. عن مجاهد ﴿وَلَقَدْ اٰتَيْنا لُقمٰنَ الحِكْمَةَ﴾ قال: القرآن(36).

     4. عن مجاهد، قال: الحكمة: الأمانة(37).

     5. النبوة.ذكره السمرقندي وابن الجوزي، والقرطبي(38).

     6. والحكمة، في عرف العلماء: استكمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الْملَكة التامة على الأفعال الفاضلة على قدر طاقتها(39).

     6. يقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ اٰيٰتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ [الأحزاب:34]

     اختلف المفسـرون في المراد بالحكمة على أقوال:

     1. عن قتادة في قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلىٰ فِي بِيُوتِكُنَّ مِنْ اٰيٰتِ اللهِ وَالْحِكْمَةِ﴾: أي: السنة(40).

     2. وَالْحِكْمَةِ يعني: أمره ونهيه في القرآن(41).

     3. الحلال والحرام والحدود، قاله مقاتل(42).

     7. يقول الله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَاٰتَيْنٰهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ (ص:20)

     اختلف المفسرون في المراد بالحكمة على أقوال:

     1. هي الفَهْم، قاله ابن عباس، والحسن وابن زيد(43).

     2. هي الصَّواب، قاله مجاهد(44).

     3. هي السُّنَّة، قاله قتادة(45).

     4. هي النُّبُوَّة، قاله السدي(46).

     5. هي الفضل والفطنة(47).

     6. هي العدل, قاله ابن نجيح(48).

     7. هي عقائد البرهان(49).

     8. وقال أبو العالية: ﴿الْحِكْمَةَ﴾ العلم الذي لا ترده العقول(50).

     9. قال الرازي: قوله: ﴿وَاٰتَيْنٰهُ الْحِكْمَةَ﴾ واعلم أنه تعالى قال: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرًا﴾ [البقرة:269]. واعلم أن الفضائل على ثلاثة أقسام: النفسانية والبدنية والخارجية، والفضائل النفسانية محصورة في قسمين: العلم والعمل، أما العلم فهو أن تصير النفس بالتصورات الحقيقية والتصديقات النفسانية بمقتضى الطاقة البشرية، وأما العمل فهو أن يكون الإنسان آتيًا بالعمل الأصلح الأصوب بمصالح الدنيا والآخرة، فهذا هو الحكمة، وإنما سمي هذا بالحكمة؛ لأن اشتقاق الحكمة من إحكام الأمور وتقويتها وتبعيدها عن أسباب الرخاوة والضعف، والاعتقادات الصائبة الصحيحة لاتقبل النسخ والنقض فكانت في غاية الإحكام، وأما الأعمال المطابقة لمصالح الدنيا والآخرة؛ فإنها واجبة الرعاية ولاتقبل النقض والنسخ، فلهذا السبب سمينا تلك المعارف وهذه الأعمال بالحكمة(51).

     10. وقال ابن عاشور: والحكمة في الأعم: العلم بالأشياء كما هي والعمل بالأمور على ما ينبغي، وقد اشتمل كتاب «الزبور» على حكم جمة(52).

     11.  هي النبوة وكمال العلم وإتقان العمل.حكاه الآلوسي(53).

     12. وقيل: الزبور وعلم الشرائع، حكاه الآلوسي(54).

     8. يقـول الله تعالى: ﴿وَلَـمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنٰتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الزخرف:63]

     اختلف المفسرون في المراد بالحكمة في هذه الآية على أقوال:

     1. قال ابن عباس: هي علم ما يؤدي إلى الجميل ويكف عن القبيح(55).

     2. قال الطبري: قيل: عُني بالحكمة في هذا الموضع: النبوّة... وقد بيَّنت معنى الحكمة فيما مضى من كتابنا هذا بشواهده، وذكرت اختلاف المختلفين في تأويله، فأغنى ذلك عن إعادته. وعزاه ابن عطية إلى السدي وغيره و إليه ذهب عطاء(56).

     3. قال الزجاج: أي بالإنجيل وبالبينات أي الآيات التي يعجز عنها المخلوقون. وإليه ذهب مقاتل(57).

     4. قال الزمخشري: بِالْحِكْمَةِ يعنى الإنجيل والشرائع. وإليه يميل أبوالسعود وابن عجيبة(58).

     5. قال الرازي: بالحكمة وهي معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله(59).

     9. يقول الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي z`¿ÍhÏiBW{$# رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ اٰيٰتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلٰلٍ مُبِينٍ﴾ [الجمعة:2]

     اختلف المفسرون في المراد بالحكمة في هذه الآية على أقوال:

     1. قال الطبري: ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ يعني بالحكمة: السنن، وعزاه إلى قتادة، وهوقول الحسن(60).

     2. يعني: الحلال والحرام(61).

     3. الفقه في الدين وهو قول مالك بن أنس(62).

     4. الفهم والاتعاظ قاله الأعمش(63).

     5. والحكمة: هي الفرائض(64).

     6. وقيل: الكتاب الآيات نصا، والحكمة ما أودع فيها من المعاني(65).

     7. قال الرازي: ولا يبعد أن يقال: (الكتب) آيات القرآن و (الحكمة) وجه التمسك بها(66).

     10. يقول الله تعالى: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾[القمر:5].

     اختلف أهل التأويل في المراد بالحكمة في هذه الآية على أقوال:

     1. قال الطبري: يعني بالحكمة البالغة: هذا القرآن(67).

     2. قال السدي: هي الرسالة والكتاب(68).

     3. قال ابن عاشور: الحكمة: إتقان الفهم وإصابة العقل. والمراد هنا الكلام الذي تضمن الحكمة ويفيد سامعه حكمة، فوصف الكلام بالحكمة مجاز عقلي كثير الاستعمال(69).

*  *  *

الهوامش:

(1)      القرطبي 9/200؛ النسفي1/395؛ الجزائري، أيسر التفاسير1/538؛ ابن عاشور5/197.

(2)      البقاعي، نظم الدرر5/400.

(3)      ابن الجوزي 1/470؛ القرطبي 5/382؛ ابن عادل، اللباب7/14.

(4)      ابن الجوزي 1/470.

(5)      نفس المصدر.

(6)      السمرقندي، بحر العلوم 1/338.

(7)      الطبري11/215.

(8)      الزمخشري، الكشاف 2/257؛ السمرقندي 1/428؛ البغوي 2/101؛ البقاعي6/341.

(9)      الماوردي، النكت والعيون 2/80.

(10)    الزمخشري، الكشاف 1/691.

(11)    تفسير الرازي12/459.

(12)    البحر المديد2/89.

(13)    الطبري17/321.

(14)    الزجاج، معاني القرآن الكريم وإعرابه 2/223؛ الماوردي، النكت 3/220؛ الواحدي، الوجيز1/624؛ ابن الجوزي 2/593.

(15)    ابن الجوزي 2/593.

(16)    الماوردي، النكت 3/220؛ ابن الجوزي 2/593.

(17)    السمعاني3/210.

(18)    البقاعي11/279.

(19)    الكشاف 2/644.

(20)    البيضاوي 3/245؛ النسفي 2/241؛ السمعاني3/210؛ أبو السعود5/151.

(21)    ابن عطية 3/432.

(22)    الرازي20/227.

(23)    ابن عاشور 14/327.

(24)    الطبري17/452.

(25)    الواحدي، الوجيز1/635.

(26)    السمرقندي 2/312.

(27)    البغوي3/135.

(28)    ابن الجوزي3/25.

(29)    البيضاوي3/265.

(30)    النسفي2/258؛ القاسمي، محاسن التأويل6/461.

(31)    أبو السعود 5/173.

(32)    نظم الدرر 11/417.

(33)    ابن عاشور15/106.

(34)    الطبري 20/134؛ النكت والعيون4/332؛ السماني4/ 230؛ ابن عطية4/ 347؛ القرطبي 14/ 59.

(35)    النكت والعيون4/332؛ ابن الجوزي3/ 430.

(36)    الطبري 20/136.

(37)    الطبري المصدر نفسه ؛ النكت والعيون4/332.

(38)    السمرقندي3/23؛ ابن الجوزي3/430؛ القرطبي 14/ 59.

(39)    البيضاوي4/213؛ البحر المديد 4/367؛ أبو السعود7/17.

(40)    الطبري 20/268؛ النكت والعيون4/401؛ ابن عطية 4/ 385.

(41)    السمرقندي3/61.

(42)    النكت والعيون4/401.

(43)    ابن الجوزي3/564.

(44)    ابن الجوزي3/564 الماوردي ، النكت والعيون5/84.

(45)    الطبري 21/171؛ ابن الجوزي3/564.

(46)    الطبري المصدرنفسه؛ ابن الجوزي3/564؛ الماوردي، النكت والعيون5/84.

(47)    الماوردي، النكت والعيون5/84.

(48)    نفس المصدر.

(49)    ابن عطية 4/497.

(50)    نفس المصدر.

(51)    الرازي، مفاتيح الغيب 26/376.

(52)    ابن عاشور، التحرير والتنوير23/229.

(53)    الآلوسي، روح المعاني12/170.

(54)    الآلوسي12/170.

(55)    القرطبي، الجامع لأحكام القرآن16/108.

(56)    الطبري21/634؛السمرقندي، بحرالعلوم 3/263؛ابن عطية5/62؛ابن الجوزي، زاد المسير4/82؛ابن عاشور25/246؛ابن كثير، تفسير القرآن العظيم7/263.

(57)    الزجاج، معاني القرآن وإعرابه4 /417؛ وابن الجوزي، زاد المسير4/82.

(58)    الزمخشري ،الكشاف4/262؛ أبو السعود، إرشاد العقل السليم8/53؛ ابن عجيبة، البحرالمديد5/261.

(59)    الرزاي27/641.

(60)    الطبري23/372؛ الماوردي6/7؛الزمخشري4/530؛ ابن عطية5/306؛ النسفي، مدارك التنزيل3/480.

(61)    السمرقندي3/447.

(62)    الماوردي 6/7؛ القرطبي18/29؛ النسفي، مدارك التنزيل3/480.

(63)    الماوردي نفس المصدر.

(64)    الرازي30/538.

(65)    نفس المصدر.

(66)    نفس المصدر.

(67)    الطبري22/572؛ ابن أبي الزمنين4/316؛الخازن ،لباب التأويل4/218.

(68)    الماوردي5/410؛ الواحدي، الوجيزر5/410.

(69)    ابن عاشور27/175.

*  *  *

 

الورق عند العرب

وعاء العلم والمعرفة

بقلم:  صلاح عبد الستار محمد الشهاوي(*)

 

 

 

     ترك العرب المعرفة الإنسانية تراثًا لم تتركه أمة قبلهم ولا بعدهم يتمثل في أمهات الكتب والمعاجم والموسوعات التي خطتها أقلام العلماء والأدباء الذين أفنوا أعمارهم في التفكير المثمر والإنتاج الغزير نثرًا وشعرًا وعلمًا وفنًا وكانوا يطربون لصرير أقلامهم على الورق كما يطرب الموسيقار لألحان الآلة التي يعزف عليها.

     كلمة ورق جاءت أصلا من ورق الشجر، إحدى مواد الكتابة عند العرب قبل تعرّفهم على الورق المصنوع. أما كلمة ورّاق فجاءت بمعنى الدراهم ربما لكثرتهاتكون مثل ورق الشجر قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذه إِلَى الْـمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ (الكهف:١٩). والورق تعني الرجل كثير الدراهم (عرفت الدراهم عند العرب بالورق، وأطلقوا على الموسر مورقًا، وأطلقوا على الفضة اللجين، وأطلق لفظ الورق على المال كله بعد ذلك، قال الشاعر:

     يارب بيضاء من العراق

                      تأكل من كيس أمرئ ورَّاق)

     كما تعني العامل في صناعة الورق ومنها مورق الكتب أي الذي يحترف الوراقة مثل بيع الكتب ونسخها وخطها وتجليدها وتهذيبها.

* الورق في التاريخ العربي:

     كانت بدأيات الكتابة عند العرب نقوشًا على الأحجار الكبيرة؛ لذا ساد المثل «العلم في الصغر كالنقش على الحجر» وبعد ذلك أخذت الكتابة على «الصحف». كَتَب العرب على أكتاف الإبل (اللخاف) وألواح الحجارة الرقيقة (الرقاق) والعريض من جريد النخل (العُسُب) واستخدموا جلود الحيوانات كالماشية والإبل والأغنام والماعز، صحفًا للكتابة، وذلك بعد دبغها وإزالة الوبر أو الصوف أو الشعر عنها، كانت هذه الجلود تهيأ بعناية، فتكشط وتحكّ حتى ترقّ، وكانت تسمى Diphterai وهي كلمة يونانية ذات أصل فارسي قديم (دفتر) ومنها أخذ العرب التسمية نفسها. فالدفتر وجمعه دفاتر: مجموعة من الصحف تُضم إلى بعضها بعضًا، وفي طياتها محتوى لموضوع واحد، أو عدة مواضيع متشابهة. بل إننا نستطيع أن نُرجع كلمة «الجفر» وهو في الأصل رقاق من جلد الماعز إلى الكلمة نفسها. وبعد أن يُكتب على الرقاق يطلق العرب على الرقاق أسماء مختلفة:

     المُصحف - والجمع مصاحف-: مجموعة كبيرة من الصحف تتميز طياتها عن الصحيفة بأنها يُكتب على وجهها وظهرها، تُضم طياتها وتربط عند طرفها الأيمن بخيط متين يخاط من فوق نزولًا إلى أسفل، بحيث تكون الكتابة على دفتي المصحف، وعندما جُمع القرآن الكريم، جُمع على هذه الطريقة فسُمي مصحفًا، وجاءت عليه ألف ولام (الـ) التعريف للدلالة على التفرد والعظمة.

     الكتاب - والجمع كُتب-: وهو جامع الكتابة، فإما أن يكون ما كُتب عليه من المؤلف نفسه، وإما أنّ المؤلف أملاه لآخر فاستكتبه. وقد عمّ هذا الاسم فأصبح يعني كل ما هو مكتوب. سواء على الرقاق أو على غير ذلك من المواد، ثم أصبح مرادفًا للمصحف أيضًا.

     الصحيفة - وجمعها صُحُف-: وهي كل ما يكتب عليه بقطعة واحدة وعلى وجه واحد فقط.

     السّجل - والجمع سجلات-: ولا تختلف السجلات عن الصحف إلّا بمضمون المكتوب عليها، ولا تكون من اللخاف أو الرقاق أو العُسُب، لصعوبة طيها. قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ (الأنبياء:١٠٤). ﴿وَالسَّمٰوٰتُ مَطْوِيّٰتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (الزمر:٦٧). فالسجلات عبارة عن وثائق رسمية، أوحسابات تجارية، تُحفظ كمطويات بطريقة أسطوانية، ملفوفة بخيط أوفي علبة معدنية، وتوضع على أرفف خاصة وبطريقة أفقية.

     الكراسة أو الكراس- والجمع كراريس-: مثل الدفتر، إلَّا أنها أصغر في قطعها، وتضم في طياتها موضوعًا واحدًا أو جزءًا من كتاب.

     وفي الحقيقة أن نقلة كبيرة في الكتابة والورق حققها اكتشاف المصريين للبردي. ومنذ ذلك الحين بدأت تختفي الكتب الحجرية والصلصالية الثقيلة وغير العملية، وبدأت تظهر شرائح البردي الطولية، كانت توضع متعارضة، في طبقتين أو ثلاث، فوق بعضها ثم تبلل بالماء وتضغط. وكان يصنع كصفحات منفصلة، ثم تلصق هذه الصفحات الواحدة في الأخرى، وتراوح عرض شرائح البردي من ثلاث أقدام إلى 18 قدمًا. ويقول علماء الآثار: إن أطول ورقة بردي موجودة هي بردية هاريس ووصل طولها إلى 133 قدمًا وعرضها إلى 16 قدمًا.

     كان العرب يطلقون كلمة «قراطيس» على أوراق البردي، وقد وردت القراطيس في القرآن الكريم ومنها الآية التي جاءت في سورة الأنعام ترد على طلب مشركي العرب من النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يأتيهم بمعجزة: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَـٰبًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (الأنعام:٧).

     وانتقلت صناعة الورق إلى العرب والمسلمين عندما فتحت سمرقند على يد القائد قتيبة بن مسلم الباهلي في عام 93هـ/712م، وكان للعرب والمسلمين بعد ذلك فضل تعريف العالم الأوروبي بالورق، يذكر المؤرخ عبد الملك الثعالبي أن صناعة الورق في سمرقند انتقلت للعرب إثر معركة تاليس عام 143هـ/751م، فقد أسر خلالها القائد زياد بن صالح الصنّاع الصينيين، وأرسل بعضهم إلى بغداد لينشئوا هذه الصناعة فيها. وقد ورد في بعض المصادر الصينية نص تاريخي يشير إلى وجود فنانين صينيين في تلك الفترة في الكوفة. وأنهم علموا الصناع المسلمين النقش والتصوير، إضافة إلى نسج الحرائر وغيرها.

     وكانت بغداد أول مدينة تحتضن أول مصنع للورق في بلاد العرب في عهد هارون الرشيد، وقد أسس هذا المصنع الفضل بن يحيى في عام 178هـ/794م (الفضل بن يحيى والي خراسان، وابن يحيى البرمكي وزير هارون الرشيد) وبعد أن كثر الورق أمر الخليفة هارون الرشيد بترك الكتابة في الورق القديم المصنع من الجدل والبردي وغيره (يروي القلقشندي في صبح الأعشى ما يلي: «ولي الرشيد الخلافة وقد كثر الورق وفشا عمله بين الناس، فأمر ألا يكتب الناس إلا في الكاغد؛ لأن الجلود ونحوها تقبل المحو والإعادة، فتقبل التزوير، بخلاف الورق؛ فإنه متى مُحي فَسُد، وإن كُشط ظهر كشطه. وانتشر الكتابة في الورق إلى سائر الأقطار وتعاطاها من قرب وبعد، واستمر على ذلك إلى الآن). والانتقال للكتابة في الورق الصيني الذي أطلقت عليه العرب «الكاغد» حتى صارت المقولة التي يسير بها الركبان: «كواغد سمرقند عطلت قراطيس مصر».

     كان العرب يستخدمون في الكتابة ورق الشجر واللخاف حجارة بيضاء رقيقة وعسب النخل الجريد الذي لا خوص فيه كما كتبوا على الجلود وعظام الحيوانات وعلى قطع النسيج وألواح النحاس والخشب.

     وإذا كان أهل الصين هم أول من توصل إلى سر صناعة الورق واستخراجه من شرانق الحرير فإن العرب تعلموا صناعة الورق من صناع صينيين وقعوا في الأسر عندما فتح العرب سمرقند. (يمثّل وصول الاختراع الصيني لـ -الورق إلى العالم الإسلامي منعطفًا أساسيًا في انتشار صناعة الكتاب والمكتبات ودور الحكمة والعلم وازدهار محترفات النسخ والتخطيط والتدوين والتصوير والتذهيب والتجليد حتى أصبح حي الوراقين يمثل العصب الرئيسي في خطط التنظيم الحضري). ثم بدأ العرب يستبدلون شرانق الحرير بمواد أكثر توافرًا في أقاليم الدولة الإسلامية وكان الورق الصيني يسمى «الكاغد» فسماه العرب بنفس الاسم بعد أحداث التغيير الهام الذي يعتبر حادثًا هامًا في تاريخ العالم فقد قام المسلمون بتنقيته مما كان يستعمل في صناعته من ورق التوت ومن الغاب الهندي وقامت مصانع للورق في دمشق وطبرية بفلسطين وبطرابلس الشام؛ لكن ظلت سمرقند أكبر مركز لصناعة الورق مما دعا الخوارزمي لمداعبة أحد أصحابه معاتبًا لقلة الكتابة إليه قائلًا: «هل سمرقند بعدت عليه والكاغد عز عليه». ثم انتشرت صناعة الورق بعدها في كل أرجاء العالم العربي والإسلامي ودخل أوروبا عن طريق الأندلس.

     ظهرت صناعة الورق الكاغد في مكة المكرمة عام 171هـ/787م، ثم انتقلت إلى مصر عام 184هـ/800م؛ حيث يحدثنا الثعالبي في كتابه لطائف المعارف بقوله: «إن كواغد سمرقند بطلت قراطيس مصر» يقصد البردي - كما ظهرت صناعة الورق العربي في الأندلس عام 39هـ/950م. ومن الأندلس انطلقت صناعة الورق إلى أوربا حيث كانت طليطلة بوصفها من أكبر المراكز الثقافية في ذلك الوقت- أول المدن الإسبانية التي دخلت إليها مصانع الورق، ومنها انتقلت صناعة الورق إلى صقلية عام 1102م، وإلى إيطاليا عام 1154م، ثم ألمانيا عام 1228م، ولم تصل صناعة الورق إلى إنجلترا إلا في حوالي عام 1309م.

     ويعتقد أن أقدم الكتب المؤرخة الموجودة والمنسوخة باللغة العربية على الورق هي جزء من أعمال أبي عبيد القاسم بن سلام عن أحاديث الرسول –صلى الله عليه وسلم- وهذا الكتاب محفوظ في مكتبة جامعة ليون- ويعود تاريخه إلى ذي القعدة 252هـ/ نوفمبر عام 866م. وهو من الورق البني الداكن، والورق غير شفاف وصلب وقوي ومتوسط السمك ومن الواضح أنه تم تلميعه من الجانبين. ويبدو أنه كانت هناك بعض المعارضة لاستخدام تلك المادة الجديدة (أي الورق) لتدوين القرآن والذي كان يدون في العادة في ذلك الوقت، على الورق المصنوع من جلد الماعز بعد ترطيبه وتنظيفه، وفضّل الجلد لقوته وطول عمره؛ إلّا أن الجلد كان مكلفًا ويحتاج إلى جهد وعمالة لتجهيزه، فضلًا عن وجوب ذبح الماعز للحصول عليه. ومن ثم انتصر الورق في النهاية كمادة للكتابة الأكثر سلاسة. كما تغير بالإضافة إلى ذلك الشكل النمطي للكتاب من الوضع الرأسي إلى الوضع الأفقي. وأقدم النسخ الورقية الموجودة للقرآن كتبت بيد الخطاط علي بن سدان الرازي في عام 971-972م، وما تبقى من هذه المخطوطة المكونة من أربعة أجزاء مكتوبة بشكل رأسي، مقسم بين أردبيل في إيران. ومكتبة جامعة إسطنبول، ومكتبة تستربيتي في دبلن، وهناك مخطوطة ورقية أخرى من القرآن تم نسخها في أصفهان في عام 993م، وهي تحتفظ بالشكل الأفقي للمخطوطات الجلدية. وربما تكون المخطوطة الورقية الأولى للقرآن الكريم التي يرجع تاريخها إلى عام 1000-1001م هي أكثر المخطوطات شهرة، وقد نسخها علي بن هلال المعروف باسم ابن النواب والمخطوطة عبارة عن جزء صغير يحتوي على 286 صفحة، كل صفحة بها 15 خطًا من الخط اليدوي المعروف باسم النقشي وهو الخط الذي جعل ابن النواب بهذه الشهرة. وغياب الإهداء من هذه المخطوطة مع صغر حجم الخط يوحيان بأن ابن النواب نسخ تلك المخطوطة ليبيعها في السوق وليس بتكليف من أحد.

الوراقون في جزيرة العرب

     عُرفت مهنة الوراقة في مختلف أرجاء الجزيرة العربية منذ قرون قديمة؛ إلا أن منطقة نجد شهدت وجودها مع بداية القرن التاسع الهجري بسبب نشاط الحركة العلمية آنذاك خاصة في العلم الشرعي، وما صاحبها من حركة فاعلة في نسخ الكُتب التي سهلت تداول العلوم والمعارف بين طلبة العلم والعلماء، وعدّت في ذلك الوقت من أهم الروافد الملازمة لصناعة الكتب قبل ظهور الطباعة في القرن الخامس عشر الميلادي.

     وحمل العديد من الوراقين في نجد أقلامهم وأحبارهم متنقلين في مختلف مناطق نجد والجزيرة العربية؛ بحثًا عن نسخ الكتب التي تُطلب من المهتمين بالعلم، وذلك بمقابل مادي أو ابتغاءً لوجه الله تعالى للمساهمة في نشر العلم والمعرفة، وتجاوز عددهم ما بين القرن التاسع إلى القرن الثالث عشر الهجري (150وراقًا)، وفي القرن الرابع عشر بلغ عددهم (82 وراقًا).

     إن إدخال وانتشار صناعة الورق في الدولة العربية الإسلامية منذ العصر العباسي الأول القرن الرابع الهجري أحدث طفرة ثقافية وحضارية لم يسبق لها مثيل في تاريخ الإنسانية، فقد يسرّ الورق على العلماء تأليف الكتب ونسخها وازدهرت تجارة الكتب وأعمال الوراقة، وأصبح الكتاب يلعب دورًا هامًا في حياة الإنسان العربي المسلم الذي حضّه الإسلام على العلم والتعلم وجعله فريضة على كل مسلم. وهذا ما عبر الجاحظ عنه في رسالة إلى المعلمين بقوله: «ولولا الكتاب لاختلت أخبار الماضي وانقطعت آثار الغائبين ولقد رأينا عمود صلاح الدين وصلاح الدنيا إنما يعتدل في نصابه ويقوم على أساسه بالكتاب والحساب».

     يقول وول ديورانت عن صناعة الورق على يد العرب: «كان إدخال هذا الاختراع سببًا في انتشار الكتب في كل مكان».

     ويدلنا اليعقوبي (ت:278هـ/891م) أنه كان في زمانه أكثر من مئـة بائع للكتب في بغداد، وأن محلاتهم كانت مراكز للنسخ وللخطاطين والمنتديات الأدبية، وكان كثير من طلاب العلم يكسبون عيشهم عن طريق نسخ المخطوطات وبيعها للوراقين، وألحق بأغلب الجوامع مكتبات عامة، وكان يوجد في بعض المدن مكتبات تضم كتبًا قيمة، يباح الاطلاع عليهاللجميع.

     أما أجور النساخين والمدونين فقد كانت تختلف باختلاف حسن خطوطهم ودقة تدوينهم وأمانتهم في التدوين والضبط والمطابقة، وفي بعض الأحيان كان المؤلفون يجعلون النساخين والمدونين يبيتون عندهم طول الليل حتى يفرغوا من إنجاز المؤلف وعدد من النسخ منه، فقد روي عن عالم يدعى يعقوب بن شيبة السدوس أنه صنف مستندًا وكان في بيته أربعون لحافا لمن يبيتون عنده من الوراقين لتبييض المستند ونقله وقد كلفه ذلك عشرة آلاف دينار حتى خرج المستند كاملا.

رواج الكتب وانتعاش الأدب

     ونتيجة لصناعة الورق ظهرت مهنة الوراقة والنسخ، ومن ثم راجت الكتب وظهرت المكتبات حيث بدأ الخلفاء والسلاطين يقيمون المكتبات لهم في قصورهم كما أقاموا المكتبات العامة للناس وكانوا يتباهون بما يجمعون فيها من كتب مخطوطة ومنسوخة وينفقون عليها ببذخ شديد لتنميتها وتضمينها المخطوطات التي لا توجد في أي قطر سواها حتى يأتي الناس من كل صوب ومكان للقراءة والاطلاع والنسخ، فانتشرت خزائن الكتب في أقطار العالم الإسلامي من سمرقند وفارس إلى بخارى وقرطبة ومن بغداد ودمشق إلى حلب والقاهرة، وأصبح التفوق الثقافي مجالًا للتنافس بين الدول والإمارات الإسلامية بين العباسيين في بغداد والأمويين في الأندلس وبين الحمدانيين في حلب والموصل- إلى أن تكون جنة الأدباء والشعراء والفلاسفة في نفس الوقت التي قامت المقاومة الإسلامية وحدها ضد العدوان البيزنطي المتلهف لاحتلال الشام وفلسطين حتى قيل: إن ملك الروم عاير الأمير أبي فراس الحمداني بأن قومه قوم كتاب وأصحاب أقلام ولا يعرفون الحرب مما ألهب مشاعر الأمير فاندفع بقواته لتأديب ملك الروم المتبجح وأنشد الأمير الشاعر قصيدته الغراء مخاطبًا ملك الروم المجروح والمندحر والتي جاء فيها قوله:

     بأقلامنا أحجــرت أم بسيـــوفنا

وأسدُ الشرى قدنا إليك أم الكتبَا

     وقد تواصل العرب قبل غيرهم من الأمم إلى علم إدارة المكتبات وتصنيف المؤلفات تصنيفًا موسوعيًا ووظفوا بالمكتبة موظفين يرأسهم الخازن وهو أمين المكتبة والذي كان يختار من أهل العلم والمكانة، ومن أشهر خزان المكتبات في التاريخ الإسلامي سهل بن هارون وابن مسكوب وأبي يوسف الأسفراني وكان بكل مكتبة عدد من النساخين والمترجمين والمجلدين بالإضافة إلى عدد من المناولين الذين يحضرون الكتب للقراءة.

     ومن المعروف أن الحضارة العربية والإسلامية قد أقامت نهضتها على أكتاف المكتبات وأن هذه المكتبات قد أقامت نهضتها على أكتاف النساخين والوراقين الذين اضطلعوا بنسخ الآلاف المؤلفة من المخطوطات والمدونات التي شملت كافة مجالات العلوم والمعرفة الإنسانية، فقد لعب النساخون والوراقون دورًا كبيرًا في نشر الثقافة، فكانوا يلعبون دور آلات النسخ والطباعة التي نستخدمها في عصرنا الحالي؛ بل كانوا مدرسة تخرج منها العلماء، فكثير من المؤلفين بدءوا حياتهم كنساخ وكتبة ووراقين في قصور الخلفاء أو حوانيتهم التي أصبحت تشغل أحياء كاملة في كل مدينة عربية، يذكر اليعقوبي أنه كان في بغداد في القرن التاسع الميلادي أي بعد أقل من قرن من الزمان منذ أن دخل العرب صناعة الورق ما يزيد على وراق استخدمت حوانيتهم في نسخ الكتب وبيعها والاتجار فيها.

     وهناك أيضًا من كانوا من كبار علماء المسلمين وقد بدءوا حياتهم وراقين وناسخين، ثم عدلوا عن هذه المهنة، منهم: ابن الخزاز وأبي بكر القطنطري وأبوبكر الخراساني وابن عقيل الذي ذكره الباخرزي في مخطوطة الشهير دميه القصر- وكان لبعض الوراقين تأثير علمي وأدبي على أسرهم فنبغ بعض أفرادها مثل: زينب وحمدة ابنتا زيد الوراق - تاجر الكتب الذي كان يعيش في وادي الحمى بالقرب من غرناطة - فقد عرفت زينب وحمدة بسعة الاطلاع والتبحر في العلوم والأدب، بل كانتا تقفان في صف مشاهير أهل العلم.

وفي الختام:

     لم يجد الإنسان طوال تاريخه المعروف، سندًا لإثبات إنسانيته مثل الورق، منذ أن كان مجازًا في جلد وحجر وصلصال، إلى أن أصبح حقيقة تستعصي على الزوال، ظل الورق يؤكد على جدارته بلقب الذاكرة الثانية للإنسان في مقابل مخاوف النسيان وأحلام الخلود. رافق الإنسان والكتابة منذ عهد مبكر، وما زال يلوّن حياة مليارات البشر في العالم، يحفظ لهم تاريخهم، يشكل حاضرهم، ويؤثر على مستقبلهم. مثلما كان رفيقًا للكتابة كأرقى نشاط إنساني، فهو إلى الآن قرين للذهب والفضة كأغلى ممتلكات الناس، لن يكذب من قال: إن حياتنا ورق.

*  *  *

المراجع

(1)    محمد فريد وجدي، دائرة معارف القرن العشرين، المجلد العاشر الطبعة الثالثة 1971م.

(2)    أحمد أمين، ضحى الإسلام، الجزء الثاني 1952م.

(3)   د/سيد أحمد علي الناصري: الوراقون والنساخون، مجلة الدارة العدد الرابع السنة الرابعة عشر رجب 1409هـ.

(4)   سعيد عبدالفتاح عاشور، المدينة الإسلامية وأثرها في الحضارة الأوربية، دار النهضة الطبعة الأولى القاهرة 1963م.

(5)   محمد عطية الأبراشي، التربية الإسلامية وفلاسفتها، دارالفكر العربي ط 19776م.

(6)   إريك دي جرولييه، تاريخ الكتاب،ترجمة الدكتور/خليل صابات مكتبة نهضة مصر القاهرة 1965م.

(7)   عبد الملك الحمصي، إسهام العرب في نشأة الكتابة والخزانة العامة، مجلة الفيصل العدد 197.

(8)   فريق تحرير مجلة القافلة، ملف العدد الورق، العد 63 يوليو/أغسطس 2013م.

(9)   د. أشرف صالح محمد، حضارتنا المتألقة في العصور الوسطى، مجلة الوعي الإسلامي العدد 581 محرم 1435هـ نوفمبر 2013م.

(10)             شهير الشاذلي، تاريخ موجز للورق، مجلة العربي العدد 673 ديسمبر 2014م.

*  *  *

تلامذة شيخ الإسلام السيد حسين أحمد المدني – رحمه الله –

في المدينة المنورة: آثارهم وجهودهم

بقلم : أبو عاصم القاسمي المباركفوري

 

 

 

     الشيخ المجاهد السيد حسين أحمد المدني المعروف بشيخ الإسلام (1296-1377هـ/1879-1957م) أحد كبار أعلام خريجي دارالعلوم ديوبند (أكبر الجامعات الإسلامية الأهلية في شبه القارة الهندية)، و أحد كبار الشخصيات التي ساهمت مساهمة فعالة في تحرير الهند من الاستعمار البريطاني الغاشم. و قد ورث هذه العاطفة عن شيخه شيخ الهند محمود حسن الديوبندي- صاحب حركة الرسائل الحريرية (1268-1339هـ/ 1851-1920م)؛ وصحب شيخ الإسلام شيخه في سجن «مالطة»، وبارك الله تعالى في أعماله. وكان الشيخ وهب حياته للعلم وخدمة العباد والبلاد؛ فتخرج عليه أجيال أمسكوا زمام الأمور في البلاد منهم العلماء والوزراء والقضاة والمدرسون والكُتَّابُ، ومن عَمل في مختلف مجالات الحياة فأفادوا ونفعوا العباد والبلاد. وكان لشيخ الإسلام حلقة الدروس في المسجد النبوي - عليه الصلاة والسلام-، واستمرت هذه الحلقة ستة عشر عامًا، وفيما يلي نتعرف على بعض تلامذته في المسجد النبوي الشريف. ونفخ شيخ الإسلام المدني-رحمه الله- في طلابه الروح التي ورثها عن شيخه شيخ الهند محمود حسن الديوبندي: روح الاستقلال وتحرير البلاد الإسلامية من العبودية والذل والظلم والاستعمار الغاشم. ومن أبرزتلاميذه في ذلك محمد البشير الإبراهيمي، والزعيم الجزائري عبدالحميد باديس؛ فقد حضهما على العودة إلى الجزائر والعمل على تحريرها من براثن الاستعمار الفرنسي بدلًا من البقاء في المدينة المنورة كما سيأتي لاحقًا.

1- عبد الحميد باديس(1308-1359هـ/1889-1940م)

     هو عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس: من كبار علماء الجزائر ورجال التجديد والإصلاح، ولد في مدينة «قسنطينة»، في بيت معروف بالعلم والثراء والوجاهة، وتلقى مبادئ العلوم العربية والإسلامية بجامع سيدي عبد المؤمن على مشايخ أجلاء من أشهرهم العالم الجليل الشيخ حمدان الونيسي القسنطيني ابتداءً من عام 1903م، وهو من أوائل الشيوخ الذين كان لهم أثر طيب في اتجاهه الديني، ولا ينسى ابن باديس أبدًا وصية هذا الشيخ له: «اقرأ العلم للعلم لا للوظيفة»، بل أخذ عليه عهدًا ألا يقرب الوظائف الحكومية الفرنسية.

في جامع الزيتونة بتونس:

     وفي سنة (1327هـ/1908م) التحق ابن باديس بجامع الزيتونة، فأخذ عن جماعة من كبار علمائها، وفي طليعتهم زعيم النهضة الفكرية والإصلاحية في الحاضرة التونسية العلاّمة «محمد النخلي القيرواني» (المتوفى سنة1342هـ/1923م)، والشيخ محمد الطاهر بن عاشور (المتوفى سنة 1393هـ/1973م)، وغيرهما من المربين الآخرين من المشايخ الذين كان لهم تأثير في نمو استعداده. وفي هذه الفترة تيسر له الاطلاع على العلوم الحديثة وعلى ما يجري في البلدان العربية والإسلامية من إصلاحات دينية وسياسية، في مصر وفي الشام وغيرهما، ممّا كان لهذا المحيط العلمي والبيئة الاجتماعية، والملازمات المستمرّة لرجال العلم والإصلاح الأثر البالغ في تكوين شخصيته ومنهاجه في الحياة.

ابن باديس في المدينة:

     سافرابن باديس عام 1913م في رحلةٍ طويلةٍ امتدت إلى الحجاز لأداء فريضة الحج، وزيارة بعض العواصم للاتصال بعلمائها والاطلاع على ما يجري بها. وبعد أداء مناسك الحج والعمرة زار المدينة المنورة وأقام بها، وفي أثناء إقامته بها لقي أستاذه الأول الذي درس عليه في مدينة «قسنطينة» الشيخ الونيسي، الذي هاجر إلى «المدينة المنورة» وأقام بها، وتعرف على بعض علماء المدينة. واستكمل ابن باديس دراسته عليهم وفي هذه الأثناء أبدى رغبته في البقاء بالمدينة المنورة إلى جوار أستاذه الشيخ الونيسي، فرحب الأستاذ بهذه الفكرة ورغبه فيها، لما يعرف من أوضاع بلده.

     ودخل ابن باديس على شيخه حسين أحمد المدني- رحمه الله- يستشيره في هذا الأمر، وكان الشيخ يرى أن الأمة الجزائرية في حاجةٍ شديدةٍ إلى من يبعث فيها اليقظة ويأخذ بيدها، ويحمل المسؤولية في بناء المجتمع بكل تضحية وشجاعة وحماس: مجتمع أرهقه الاستعمار وأنهكه الاستعباد، وكبله بإجراءات وقيود لاقانونية تهدف وأد الإسلام في هذه البلاد؛ فلم يوافقه على بقائه في المدينة المنورة؛ بل نصحه بضرورة العودة إلى وطنه لخدمة بلاده ومحاولة إنقاذها مما هي فيه، بما توسم فيه من حزم وعزم وصلاح، قائلًا له: «ارجع إلى وطنك يا بني فهو بحاجة إليك وإلى أمثالك، فالعلماء هنا كثيرون، يغنون عنك؛ ولكنهم في وطنك وفي مستوى وطنيتك وعلمك قليلون بسبب الهمجية الفرنسية التي تحارب الدين واللغة، وخدمة الإسلام في بلادك أجدر لك وأنفع لها من بقائك هنا».

     فاقتنع الشاب ابن باديس بوجهة نظر هذا الشيخ الجليل، وقبِلَ نصيحته وقرر الرجوع إلى الوطن. وخلال الفترة التي قضاها في المدينة المنورة تعرف إلى شاب جزائري في مثل سنه، عالم وأديب، هو الشيخ الجليل محمد البشير الإبراهيمي المقيم مع والديه في المدينة المنورة، فأقام معه مدة تعارفا فيها، وتحاورا معًا في شأن الخطة الإصلاحية التي يجب أن تضبط لعلاج الأوضاع المتردية في الجزائر، واتفقا على خدمة بلادهما متى عادا إليها(1).

العودة إلى «الجزائر»:

     عاد ابن باديس إلى «الجزائر» عام 1913م، ونزل في مدينة «قسنطينة»، وشرع في العمل التربوي فبدأ بدروس للصغار ثم للكبار في بعض المساجد الذي اتخذ منه مركزًا لنشاطاته. وكان شديد الهجوم على الاستعمار الفرنسي، وحاول الاستعمار إغراءه ببعض المناصب إلا أنه أبى ورفض قبولها، وعبّر عن إصرار أمته وتحديها لمحاولات «فرنسا» بقوله: «إن الأمة الجزائرية ليست هي «فرنسا»، ولا يمكن أن تكون «فرنسا»، ولا تريد أن تصير «فرنسا»، ولا تستطيع أن تصير «فرنسا» لو أرادت؛ بل هي أمة بعيدة عن «فرنسا» كل البعد، في لغتها، وفي أخلاقها وعنصرها، وفي دينها،لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدد معين هو الوطن الجزائري»(2).

     واتجه ابن باديس إلى الصحافة، وأصدر جريدة «المنتقد» عام 1925م وكان شعارها «الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء» ثم أوقفت الجريدة بعد العدد الثامن عشر؛ فأصدر جريدة «الشهاب» الأسبوعية التي بث فيها آراءه في الإصلاح، واستمرت كجريدة حتى عام 1929م ثم أصدر جرائد أخرى أمثال: «البصائر» و«السنة» و«الشريعة» و«الصراط»، وكان شعارها مقولة الإمام مالك إمام دار الهجرة: «لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها»(3).

إنشاء الجمعية:

     احتفلت «فرنسا» بالعيد المئوي لاحتلال «الجزائر» في سنة (1349هـ/1930م) فشحذ ذلك حماس العلماء المسلمين في «الجزائر» وأثار غيرتَهم على دينهم ووطنهم، فتنادوا إلى إنشاء جمعية تناهض أهداف المستعمر الفرنسي، وجعلوا لها شعارًا يعبر عن اتجاههم ومقاصدهم هو: «الإسلام ديننا، والعربية لغتنا، والجزائر وطننا»، وانتخبوا ابن باديس رئيسًا لها. ونجحت الجمعية في توحيد الصفوف لمحاربة المستعمر الفرنسي وحشد الأمة الجزائرية ضدها، وبعث الروح الإسلامية في النفوس، ونشر العلم بين الناس. وكان إنشاء المدارس في المساجد هو أهم وسائلها في تحقيق أهدافها، بالإضافة إلى الوعّاظ الذين كانوا يجوبون المدن والقرى، لإعداد الناس ضد المستعمر، وتوعيتهم توعية دينية.

     «وكانت جمعية العلماء تنظم للمدرسين دورات تدريبية لرفع مستواهم التعليمي، ومناقشة أساليب ونظم التعليم وفي عام 1944م، ونشطت الجمعية نشاطًا بارزًا فأنشأت خلال عام واحد ثلاثًا وسبعين مدرسةً في مدن القطر وقراه. وفي عام 1948م بلغت مدارس الجمعية حوالي140 مدرسة، وفي عام 1954م ازداد العدد إلى170 مدرسة، وقد بلغ عدد تلاميذ هذه المدارس عام 1951م (36.286) تلميذًا وتلميذة منهم 16.286 يدرسون دراسة كاملة في المدارس العربية، ولا يلتحقون بالمدارس الحكومية، وبقية الطلبة سهلت لهم الجمعية أمر متابعتهم الدراسة في مدارسها بأن جعلت لهم دوامين للتعليم في الصباح والمساء. وفي عام 1947م أسست الجمعية أول معهد للتعليم الثانوي في «قسنطينة» أطلق عليه اسم «معهد عبد الحميد بن باديس»، وبدأت الجمعية تشجع خريجي هذا المعهد للالتحاق بجامعات الزيتونة في «تونس» أو «الأزهر» أو «جامعة دمشق» أو «جامعة بغداد»، وكأن الجمعية كانت تهيئ الشباب لعملية بناء الجزائر المستقلة»(4).

     وأدركت «فرنسا» خطر هذه التعبئة، وخشيت من انتشار الوعي الإسلامي؛ فعطّلت المدارس، وزجّت بالمدرسين في السجون، وصدرت عام (1352هـ/ 1933م) توجيهات فرنسية مشددة، وفرضت الحظر على اعتلاء منابر المساجد و إلقاء الخطبةإلا لمن حصل على الترخيص من السلطات الفرنسية، علمًا بأن هذه المدارس من ابتدائية ومتوسطة وعالية- كانت تشكل المنابع الفكرية الإسلامية، وتضم مئة وخمسين ألفًا أو يزيدون. كما وضعت «فرنسا» قيودًا صارمة شديدة على فتح المدارس الجديدة، وقصرتها على حفظ القرآن الكريم، بالإضافة إلى الأوامر الصارمة بضرورة التجنب عن تفسير آيات القرآن الكريم وخاصةً الآيات التي تدعو إلى التحرر ومقاومة الظلم والاستبداد؛ وبعدم دراسة تاريخ «الجزائر»، والتاريخ العربي الإسلامي، والأدب العربي، وتحريم دراسة المواد العلمية والرياضية(5).

     ولم يكن ابن باديس مصلحًا دينيًا فقط، وإنما كان كذلك- مجاهدًا سياسيًا صرح بعدم شرعية الاحتلال الفرنسي، ووصف الحكم الفرنسي بأنه حكم استبدادي غير إنساني، ودخل في معركة مع الحاكم الفرنسي سنة (1352هـ/1933م) واتهمه بالتدخل في الشؤون الدينية للجزائر على نحو مخالف للدين والقانون الفرنسي، وأفشل فكرة اندماج الجزائر في «فرنسا» التي خُدع بها كثير من الجزائريين سنة (1353هـ/ 1936م). ودعا نواب الأمة الجزائريين إلى قطع حبال الأمل في الاتفاق مع الاستعمار، وضرورة الثقة بالنفس، وخاطبهم بقوله: «حرام على عزتنا القومية وشرفنا الإسلامي أن نبقى نترامى على أبواب أمة ترى- أو ترى أكثريتها- ذلك كثيرًا علينا! ويسمعنا كثيرٌ منها في شخصيتنا الإسلامية ما يمس كرامتنا»، وأعلن رفضه مساعدة «فرنسا» في الحرب العالمية الثانية(6).

     تتناول عدة مصادر الشخصيات التي أثرت في تكوين ابن باديس وتنميته الفكرية والعلمية، دون الإشارة إلى شيخ الإسلام حسين أحمد المدني، وأرى أنه الشيخ المدني- ليس أقل تأثيرًا في تكوين شخصية ابن باديس من مشايخه الآخرين، وخاصةً فيما يخص جهوده ومساعيه التي أدت إلى استقلال الجزائر وحريته من الاستعمار الفرنسي، ولذا يصفه ابن باديس بـ«العالم الحكيم» حيث يقول: «أذكر أنني- ابن باديس- لما زرت المدينة المنورة، واتصلت فيها بشيخي الأستاذ حمدان الونيسي، وشيخي أحمد الهندي(7)، أشار علي الأول بالهجرة إلى المدينة، وقطع كل علاقة لي بالوطن، وأشار علي الثاني وكان «عالـمًا حكيمًا» بالعودة إلى الوطن، وخدمة الإسلام والعربية فيه بقدر الجهد. فحقق الله رأي الشيخ الثاني، ورجعنا إلى الوطن بقصد خدمته. فنحن لا نهاجر، نحن حراس الإسلام والعربية والقومية... في هذا الوطن»(8).

     ويصرح عدد من المصادر باستفادته من شيخ الإسلام حسين أحمد المدني فجاء في «المعجم الجامع في تراجم المعاصرين»: «وتتلمذ على الشيخ حسين أحمد الهندي الذي نصحه بالعودة إلى «الجزائر»، واستثمار علمه في الإصلاح، إذ لا خير في علم ليس بعده عمل، فعاد إلى «الجزائر»، وفي طريق العودة مرّ بـ«الشام» و«مصر»، واتصل بعلمائهما، واطّلع على الأوضاع الاجتماعية والثقافية والسياسية لهما(9).

إجازة الشيخ المدني

     «أما الشيخ حسين أحمد الفيض آبادي الهندي (ت1857م) خادم العلم بالمسجد الشريف فقد أجازه هو الآخر صدر المدرسين بدارالعلوم الديوبندية بجميع ما أجازه شيوخه العلماء ورؤساؤهم في الهند ودارالهجرة المدينة المنورة والبلد الأمين (مكة المكرمة) وفي ذلك يقول: «فإن أخانا في الله الفتى اللبيب الفاضل الأريب الفقيه العلامة سيدي عبد الحميد بن محمد مصطفى بن باديس المغربي القسنطيني قد اجتمعت به عام 1332هـ /1914م بالمدينة المنورةحين قدومه من الحج لزيارة سيد المرسلين -عليه الصلاة والسلام- فاستجازني بالصحاح الستة مما تجوز لي روايته من كتب المعقول والمنقول فأجزته بجميع ذلك... حسب ما أجازني مشايخي الكرام بالشروط المعتبرة المعروفة عند العلماء العظماء، وإني أروي العلوم والكتب عن مشايخ كثيرين من رؤوس علماء الهند ودارالهجرة والبلد الأمين جلهم من العلماء العاملين..إمام الفقهاء المحدثين.. مولانا أبو الميمون محمود حسن الحنفي العثماني النقشبندي صدر المدرسين بدارالعلوم الديوبندية»(10).

آثارابن باديس

     ولابن باديس آثار قيمة منها: «مجالس التذكير»-في التفسير- و «العقائد الإسلامية»، و«جواب سؤال عن سوء مقال»، في الرد على أحمد بن عليوه الصوفي، كما نشر الدكتور عمار الطالبي كتاب «آثار ابن باديس» في 4مجلدات(11).

2- البشير الإبراهيمي (1306-1385 هـ/ 1889-1965 م)

     هو محمد بن بشير بن عمر الإبراهيمي، ولد في قرية «سيدي عبد الله» قرب «سطيف» غرب مدينة «قسنطينة» في بيت من أعرق بيوت الجزائر، وهو من أعلام الفكر والأدب في العالم العربي ومن العلماء العاملين في الجزائر، شارك عبد الحميد ابن باديس في قيادة الحركة الإصلاحية الجزائرية، وناب عنه وخلفه في رئاسة الجمعية، وهوكاتبٌ سعى سعيه في تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي، وتحرير العقول من الجهل والخرافات السائدة آنذاك بكتاباته القيمة. 

دراسته:

     تلقى تعليمه الأوَل على يد والده وعمه؛ فحفظ القرآن ودرس بعض المتون في الفقه واللغة برأس الوادي. ثم غادر «الجزائر» إلى «الحجاز» وهو في العشرين من عمره سنةَ 1330هـ/1911م ليلحق بأبيه الذي كان قد سبقه إليها قبل ذلك بنحو أربعة أعوام.

     وواصل «البشير» تعليمه في «المدينة المنورة»، واتصل حبله بحبال عالمين عظيمن كان لهما أثركبير في توجيهه وتكوين فكره، وهما الشيخ «عبد العزيز الوزير التونسي» - الذي درس عليه الفقه المالكي وأخذ عنه «موطأ مالك»-، وشيخ الإسلام «حسين أحمد المدني» رحمه الله - الذي أخذ عنه «صحيح مسلم». وعُرف «البشير» بشغفه بالعلم، وصرف معظم وقته بين المكتبات الشهيرة بـ«المدينة»، يقتبس من نورها وكنوزها، ويروي ظمأه العلمي من منهلها العذب.

علاقته بشيخ الإسلام حسين أحمد المدني وثناؤه عليه:

     وكان البشير يثني كثيرًا على شيخ الإسلام حسين أحمد المدني- رحمه الله- ويعتبره عالمًا محققًا فيقول: «خرجت من «القاهرة» قاصدًا «المدينة المنوّرة»، فركبت البحر من «بور سعيد» إلى «حيفا»، ومنها ركبت القطار إلى «المدينة»، وكان وصولي إليها في أواخر سنة 1911م، واجتمعت بوالدي- رحمه الله- وطفت بحلق العلم في الحرم النبوي مختبرًا، فلم يرق لي شيء منها، وإنما غثاء يلقيه رهط ليس له من العلم والتحقيق شيء، ولم أجد علمًا صحيحًا إلا عند رجلين هما شيخاي: الشيخ عبد العزيز الوزير التونسي، والشيخ حسين أحمد الفيض أبادي الهندي، فهما- والحق يقال- عالمان محققان واسعَا أفق الإدراك في علوم الحديث وفقه السنة، ولم أكن راغبًا إلا في الاستزادة من علم الحديث روايةً ودرايةً، ومن علم التفسير، فلازمتهما ملازمة الظلّ، وأخذت عن الأول الموطأ درايةً، ثم أدهشني تحقيقه في بقية العلوم الإسلامية، فلازمت درسه في فقه مالك، ودرسه في التوضيح لابن هشام، ولازمت الثاني في درسه لصحيح «مسلم»، وأشهد أني لم أَرَ لهذين الشيخين نظيرًا من علماء الإسلام إلى الآن، وقد علا سني، واستحكمت التجربة، وتكاملت الملكة في بعض العلوم، ولقيت من المشايخ ما شاء الله أن ألقى، ولكنني لم أَرَ مثل الشيخين في فصاحة التعبير ودقة الملاحظة والغوص عن المعاني واستنارة الفكر، والتوضيح للغوامض، والتقريب للمعاني القصية. ولقد كنت لكثرة مطالعاتي لكتب التراجم والطبقات قد كوّنت صورة للعالم المبرز في العلوم الإسلامية، منتزعة مما يصف به كتاب التراجم بعض مترجميهم، وكنت أعتقد أن تلك الصورة الذهنية لم تتحقق في الوجود الخارجي منذ أزمان، ولكنني وجدتها محقّقة في هذين العالمين الجليلين، وقد مات الشيخ الوزير بالمدينة في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أما الشيخ حسين أحمد فقد سلّمه الشريف حسين بن علي إلى الإنجليز في أواخر ثورته المشؤومة، فنفوه إلى «مالطة»، ثم أرجعوه إلى وطنه الأصلي (الهند) وعاش بها سنين، وانتهت إليه رئاسة العلماء بمدينة العلم (ديوبند)، ولما زرت «باكستان» للمرّة الأولى سنة 1952م كاتبته فاستدعاني بإلحاح إلى زيارة «الهند» ولم يقدّر لي ذلك، وفي هذه العهود الأخيرة بلغتني وفاته بالهند»(12).

علاقته بابن باديس

     وفي أثناء نزوله في المدينة تعرف على الشيخ «عبد الحميد بن باديس» عندما قدم لأداء فريضة الحج عام (1331 هـ/1913م). ويقول عن لقائه بعبدالحميد بن باديس في «المدينة»: «وكنانؤدي فريضة العشاء الأخيرة كل ليلة في المسجد النبوي، ونخرج إلى منزلي، فأسمر مع الشيخ ابن باديس منفردين إلى آخر الليل، حين يفتح المسجد، فندخل مع أول داخل لصلاة الصبح، ثم نفترق إلى الليلة الثانية إلى نهاية الأشهر الثلاثة التي أقامها الشيخ في المدينة المنورة، وكانت هذه الأسمار المتواصلة كلها، تدبيرًا للوسائل التي تنهض بها «الجزائر»، ووضع البرامج المفصلة لتلك النهضات الشاملة التي كانت كلها صورًا ذهنية تتراءى في مخيلتنا وصحبها من حسن النية وتوفيق الله ما حققها في الخارج بعد بضع عشرة سنة، وأشهد الله على أن تلك الليالي من سنة 1913م، هي التي وضعت فيها الأسس الأولى لجمعية علماء «الجزائر»، التي لم تبرز للوجود إلا في سنة 1931م»(13).

     وعاد «ابن باديس» إلى «الجزائر» ليبدأ بها برنامجه الإصلاحي، بينما ظلَّ «البشير» في المدينة حتى غادرها إلى «دمشق» سنة 1335هـ/1916م حيث اشتغل بالتدريس، وشارك في تأسيس «المجمع العلمي»، وبها التقى بالعديد من علماء دمشق وأدبائها الذين ذكرهم بعد ثلاثين سنةً من عودته إلى «الجزائر»، ومن ذلك ما كتب: «ولقد أقمت بين أولئك الصحب الكرام أربع سنين إلا قليلًا، فأشهد صادقًا أنها هي الواحة الخضراء في حياتي المجدبة، وأنها هي الجزء العامر في عمري الغامر، ولا أكذب الله، فأنا قرير العين بأعمالي العلمية بهذا الوطن (الجزائر)؛ ولكن... مَن لي فيه بصدر رحب، وصحب كأولئك الصحب؛ ويا رعى الله عهد دمشق الفيحاء وجادتها الهوامع وسقت، وأفرغت فيها مـا وسقت، فكم كانت لنا فيها من مجالس نتناقل فيها الأدب، ونتجاذب أطراف الأحاديث العلمية...»

تأسيس جمعية العلماء

     وفي عام (1338هـ/1920م غادر «البشير» دمشق إلى «الجزائر»، وبدأ بدعوته إلى الإصلاح ونشر العلم، وإلقاء الدروس الدينية والمحاضرات العلمية على طلاب العلم من أبناء بلده،ولقيت دروسه إقبالًا كبيرًا من الطلاب، الأمر الذي شجعه على إنشاء مدرسة لتدريب الشباب على الخطابة وفنون اللغة والأدب. وكان على صلة بصاحبه في المدينة المنورة عبد الحميد بن باديس، وكانا يتبادلان الزيارات.

     وفي عام 1342 هـ/1924م زاره «ابن باديس» وعرض عليه فكرة إقامة «جمعية العلماء»، فلاقت الفكرة قبولا في نفس «البشير»، فأخذا يدرسانها ويضعان لها الأطر والأهداف التي تقوم عليها تلك الجمعية، وقد استغرق ذلك زمنًا طويلًا حتى خرجت إلى حيز الوجود، وعقد المؤتمر التأسيسي لها في 17من ذي الحجة 1349هـ/5 من مايو1931م، وذلك في أعقاب احتفال «فرنسا» بالعيد المئوي لاحتلال «الجزائر»، وبعد تأسيس الجمعية اختِير «ابن باديس» رئيسًا لها، واختير «الإبراهيمي» نائبًا لرئيسها(14).

     في عام 1939 كتب مقالًا في جريدة «الإصلاح» قامت «فرنسا» بنفيه إلى بلدة «آفلو» الصحراوية، وبعد ما توفي- رئيس الجمعية- انتخب رئيسًا لها وهو لا يزال في المنفى، ولم يُفرج عنه إلا عام 1943م، ثم اعتقل مرة ثانية عام 1945م، وأفرج عنه بعد سنة. وفى عام 1947م عادت مجلة «البصائر» للصدور، وكانت مقالات الإبراهيمي فيها على قدر من البلاغة ومن الصراحة والنقد القاسي «فرنسا» وما يسميهم عملاء «فرنسا». يقول عن زعماء الأحزاب السياسية:

     «ومن خصومها- الجمعية- رجال الأحزاب السياسية من قومنا من أفراد وأحزاب يضادّونها كلما جروا مع الأهواء فلم توافقهم، وكلما أرادوا احتكار الزعامة في الأمة فلم تسمح لهم، وكلما طالبوا تأييد الجمعية لهم في الصغائر-كالانتخابات- فلم تستجب لهم، وكلما أرادوا تضليل الأمة، وابتزاز أموالها فعارضتهم». وكان البشير من المدافعين عن اللغة العربية فيقول في «البصائر»: «اللغة العربية في القطر الجزائري ليست غريبة، ولا دخيلة؛ بل هي في دارها وبين حماتها وأنصارها، وهي ممتدة الجذورمع الماضي مشتدة الأواصر مع الحاضر، طويلة الأفنان في المستقبل».

     وقرت عينُ البشير باستقلال الجزائر عن الاستعمار الفرنسي فأم المصلين في مسجد «كتشاوة»، الذي كان قد حُوّل إلى كنيسة؛ ولكنه لم يكن راضيًا عن الاتجاه الذي بدأت تتجه إليه الدولة بعد الاستقلال؛ فأصدر عام 1964م بيانًا ذكر فيه: «إن الأسس النظرية التي يقيمون عليها أعمالهم يجب أن تنبعث من صميم جذورنا العربية الإسلامية لا من مذاهب أجنبية»(15).

     وكان «البشير» واسع المعرفة، متنوع الثقافة، متعدد الاهتمامات، ألف في الأدب واللغة، كما صنف في الفقه والمعاملات، ونظم الشعر وكتب العديد من المقالات، وترك تراثًا علميًّا وأدبيًّا كبيرًا لا يزال بعضه حبيسًا حتى الآن، ومن أهم تلك الأعمال: «أسرار الضمائر العربية»، و «الاطراد والشذوذ في العربية»، و «التسمية بالمصدر و«حكمة مشروعية الزكاة»، و «رواية كاهنة أو راس»، و «شعب الإيمان» - في الفضائل والأخلاق الإسلامية-، و «الصفات التي جاءت على وزن فُعَل»، و «الملحة الرجزية في التاريخ»، و«رسالة الضب»، وثلاثة شروح على «الشفا» أكبرها في مجلدين، سماها «الغنية»(16).

     توفي البشير وهو رهن الإقامة الجبرية في منزله، يوم الخميس20/مايو1965م، وقد قام نجله الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي بجمع وتقديم جميع آثاره في خمسة أجزاء تحت عنوان: «آثار الإمام محمد البشير الإبراهيمي»(17).

3- البساطي (1300- 1369هـ/ 1182-1949م)

     هو أحمد بن مصطفى بن محمد بن عمر بساطي الحنفي المدني، ولد في «المدينة المنورة» في دار والده الشيخ مصطفى بباب السلام بالقرب من المسجد النبوي الشريف. ونشأ وترعرع في أسرة اشتهرت بالعلم والفضل فقد ورث العلم كابرًا عن كابر. وكان رحمه الله-دمث الأخلاق، هادئ الحديث، طيب النفس، متواضعًا، معروفًا بالعفة والنزاهة والصدق، دائم الوعظ والإرشاد، أحبه وتودد إليه كل من خالطه، يدعو إلى الزهد والخشونة.

تعليمـه

     حفظ القرآن الكريم على يد الشيخ العلامة المقرئ إبراهيم المطرودي كما حفظ بعض المتون ثم انصرف إلى حلقات المسجد النبوي الذي كان يكتظ بأفاضل العلماء وفطاحلهم. وبدأ بدراسة العلوم الأدبية والشرعية على يد والده أولًا ثم أخذ يدرس الفقه الحنفي والنحو في الأجرومية والألفية وغير ذلك من كتب القواعد على يد الشيخ الفقيه ملا سفر بن محمد الكولابي المحدث المشهور المتوفى سنة 1335هـ.

صلته بشيخ الإسلام حسين أحمد المدني:

     وأيام دراسته في حلقات التدريس في المسجد النبوي الشريف كان البساطي يتردد إلى حلقة شيخ الإسلام حسين أحمد المدني، ويدرس عليه الأدب العربي والمنطق والبلاغة ثم يدرس عليه بعد صلاة الظهر الحديث بروايتي البخاري ومسلم ثم يدرس عليه في حلقته التي بعد صلاة العصر الفرائض ثم درس بعد ذلك على يد الشيخ محمد العائش القرشي المتوفى سنة 1364هـ علومًا شتى كالفقه والتفسير والسنة الشريفة وأخذ شيئًا من الحديث عليه.

دروسه العلمية

     عندما استكمل البساطي العلم تصدر للتدريس بالمسجد النبوي الشريف وكان أحد علمائه المعروفين، واسع الصيت، يشار إليه بالبنان في العلم والمعرفة فقصد طلبة العلم حلقته التي كانت من أكبر الحلقات بالمسجد النبوي الشريف، وكان موعدها بعد صلاة المغرب من كل يوم، وموقعها بجوار الحجرة الشريفة من جهة الروضة قريبة من خوخة سيدنا أبي بكرالصديق رضي الله عنه فدرس وأفاد ونفع العباد.

     وكان البساطي متمكنًا من الفقه الحنفي؛ فكان أهم دروسه في هذا الفقه،وربما درس الفرائض لخواص طلابه. وتنقل مدرسًا في كثير من المدارس الموجودة في المدينة في تلك الحقبة من الزمن. وولي التدريس بالقسم العالي في مدرسة العلوم الشرعية وهي أكبر مدرسة في المدينة المنورة والتي أسسها الشيخ أحمد الفيض آبادي عام 1340هـ.

أعماله في الدولة

     عمل الشيخ البساطي في كثير من المجالات العلمية؛ فعمل في المحكمة وتقلب في عدة مناصب.ففي عام 1348هـ تولى كتابة العدل بـ«المدينة المنورة» ومكث بها عدة سنوات.وبعد ذلك عين قاضيًا بالمحكمة الشرعية وبالأخص في المحكمة المستعجلة ثم تعين نائبًا لقاضي المحكمة الشرعية بـ«المدينة المنورة» في عهد القاضي الشيخ زكي أحمد برزنجي- رحمه الله- حتى عام 1355هـ حيث أحيل إلى التقاعد.

     وظل البساطي وهو على منصب القضاء -يتحلى بالنزاهة التامة والسيطرة على المواقف، يحل المشاكل بروح العقل الزكية المؤمنة بما رضي الله، وكان عالـمًا متبحرًا وقاضيًا عادلًا.

دروسه الخاصة في منزله

     عرف البساطي بين تلاميذه بطيب القلب، فكانت داره تزدحم بطلاب العلم بعد صلاة العصرمن كل يوم، يأتي إليها الطلاب من كل مكان يريدون أن يتزودوا على يده، إضافة إلى حلقته في المسجد النبوي التي كانت تعقد بعد المغرب. وكان الشيخ بعد الانتهاء من صلاة العشاء يظل جالسًا ومعه خواص طلابه يشرح لهم بعض الأمور المتعسرة عليهم.

     وكان البساطي يحب المدينة المنورة حبًا جمًا ويفضل البقاء بها، ولا يرضى التحول عنها إلا أن يكون حاجًا أو معتمرًا.

تلاميذ البساطي

     درّس الشيخ البساطي في القسم العالي في «مدرسة العلوم الشرعية» بالمدينة المنورة، وكان يقصده كثير من كبار طلبة العلم، لما كان يمتاز به في دروسه من التأثير في نفوس طلابه، وكان كثير الرفق بهم سواء كان في حلقات دروسه في المسجد الحرام أو في مدرسة العلوم الشرعية أو في بيته، فكثر الآخذون عنه كثرة لا يحصون عدا، من أبرزهم: السيد صالح المصوغي، والشيخ محمد سالم الحجيلي، والشيخ عبد الله أركوبي، والشيخ حسن ملا، وغيرهم من أولي الفضل والعلم.

     كان البساطي شغوفًا بالقراءة مولعًا بها، ويستمر في القراءة إلى وقت متأخر من الليل في حجرته على فانوس صغير، واقتنع كتبًا دينية كثيرة. وكانت مكتبته تحتوي على 1050 كتابًا بين مطبوع ومخطوط. وإن لم يصنف البساطي كتابًا إلا أنه ترك سيرة حسنة لن ينساها التاريخ، وفي آخرحياته عكف في بيته على نسخ الكتب وتجليدها.

     واشتد عليه المرض، وآذنت حياته بالانتهاء، فوافته المنية في المدينة النبوية كما أراد هو قريبًا من أهله وأحبابه، وكانت وفاته في يوم الثلاثاء 11/شعبان بعد حياة حافلة بالخدمات العلمية والقضائية والتدرسية(18).

4- الكردي (1311- 1370هـ/1893- 1950م)

     هو عبد الحفيظ بن عبد المحسن الكوراني الكردي، وُلِدَ في «المدينة المنوَّرة»، وأخذ العلم عن عِدَّة مشايخ، منهم الشَّيْخ عمر حمدان، وشيخ الإسلام حسين أحمد المدني، والشَّيْخ ألفا هاشم، والشَّيْخ أحمد برزنجي والشَّيْخ مأمون بري، وعُيّنَ قاضيًا في المحكمة المستعجلة في المدينة المنوَّرة في عهد الأشراف، وعُيّنَ مُساعِدًا لرئيس المحكمة الشَّيْخ أحمد الكماخي، ثُمَّ عُيّنَ قاضيًا في محكمة «جدة» في 2/3/1347هـ، وبقي فيها ثلاث سنوات، ثُمَّ عاد إلى المدينةالمنوَّرة فعُيّنَ مساعدًا لرئيس محكمة المدينة المنوَّرة: الشَّيْخ زكي برزنجي سنة 1355هـ، ثُمَّ مساعدًا للشيخ محمَّد نوركتبي، ثُمَّ جاء الشَّيْخ عبد الله بن عبد الوهَّاب بن زاحم سنة 1364هـ، وهو مساعد للشيخ محمَّد نور، وتوفي - رحمة الله عليه- وهو في القضاء، وخلَّف ابنًا واحدًا هو عبد المحسن الكردي سكرتيرالمحكمة(19).

*  *  *

الهوامش:

(1)      وكيبيديا بتصرف.

(2)      المعجم الجامع في تراجم المعاصرين 1/148 http://www.ahlalhdeeth.com .

(3)      وكيبيديا بتصرف.

(4)      مصطفى محمد حميداتو، عبد الحميد بن باديس وجهوده التربوية ص 164.

(5)      المعجم الجامع في تراجم المعاصرين1/148 http://www.ahlalhdeeth.com بتصرف.

(6)      المعجم الجامع في تراجم المعاصرين1/148 http://www.ahlalhdeeth.com بتصرف.

(7)      يقصد شيخ الإسلام حسين أحمد المدني رحمه الله.

(8)      تمهيد «تفسير ابن باديس» 1/12.

(9)      المعجم الجامع في تراجم المعاصرين1/148 http://www.ahlalhdeeth.com

(10)    راجع: فيلالي، الدكتور عبد العزيز، وثائق جديدة عن جوانب خفية من حياة الإمام عبد الحميد بن باديس الدراسية، ص 31؛ وأورد الدكتورفيلالي صورة من إجازة شيخ  الإسلام حسين أحمد المدني رحمه الله- لابن باديس فارجع إليه.

(11)    للاستزادة من ترجمته راجع: عادل نويهض، معجم أعلام الجزائر ص 28،ط: مؤسسة نويهض الثقافية، بيروت؛ عمار الطالبي، ابن باديس حياته وآثاره، ط: الجزائر: الشركة الجزائرية؛ محمود قاسم، الإمام ابن باديس: الزعيم الروحي لحرب التحرير الجزائرية، ط:القاهرة: دارالمعارف 1979م؛ مقبل، د. فهمي توفيق محمد، عبدالحميد بن باديس رائد الإصلاح والنهضة في تاريخ الجزائر الحديث على الشبكة؛ الزركلي، الأعلام3/289؛ عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين5/105؛ مجاهد، زكي محمد، الأعلام الشرقية  3/1039ترجمة[1211].

(12)    آثار البشير5/276.

(13)    العقيل، المستشار عبد الله، من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة ص807، ط:دارالبشير.

(14)    المعجم الجامع في تراجم المعاصرين 1/268.

(15)    ويكيبيديا.

(16)    نويهض، عادل، معجم أعلام الجزائر، ص13، بيروت: مؤسسة نويهض الثقافية.

(17)    للاستزادة من ترجمته راجع: أبوزيد، بكر بن عبد الله، طبقات النسابين، الرياض: دار الرشد؛ المعجم الجامع في تراجم العلماء وطلبة العلم المعاصرين http://www.ahlalhdeeth.com؛ العقيل، المستشار عبد الله، أعلام الدعوة والحركات الإسلامية ص802.

(18)    مصادر ترجمته: قضاة المدينة المنورة ص 56، موقع منتديات طيبة نت.

(19)    مصادر ترجمته: منتديات طريق الحقيقة؛ زاحم، عبد الله بن محمد،قضاة المدينة المنورة ص79.

 

الله أكبر، كم في هذا الموقف من عجب!

بقلم: الكاتب الإسلامي الشهيرالشيخ /أسرار الحق القاسمي(*)

ترجمة: أبو عائض القاسمي المبارك فوري

 

 

 

     ينظر العالم كله إلى ما شهدته تركيا من الانقلاب العسكري الفاشل يوم الجمعة وما تبعه من الأحداث نظرةً ملؤها الحيرة والاستعجاب، وهو حقا يثير الاستغراب. فبعد مضي نهار الجمعة وفي الساعة السابعة مساء سمع الناس صوت المدافع والدبابات العسكرية على شوارع مدينة «أنقرة» وأزيز الطائرات العسكرية في سمائها، وتبع ذلك اقتحامُ مجموعة من الجنود البغاة محطة التلفاز الرسمي، و مكاتب حكومية أخرى واستيلاؤها عليها، وهم يرفعون هتافات مناوئة للحكومة، وكاد أن يتكرر على حكومة تركيا الجريئة ما تعرضت له حكومة الدكتور محمد مرسي المنتخبة جمهوريًا في مصر عام 2013م، حيث قامت القوات العسكرية المصرية بقيادة الجنرال عبد الفتاح السيسي بإعلان الخروج على الرئيس المصري بتشيجع من عدة دول عربية وغربية ومساعدات مالية من قبلها. و صمد الشعب المصري عدة أيام ضد هذا الوضع، إلا أنه تم قلب الحكومة المنتخبة جمهوريا؛ بل حدث ما هو أفظع وأشنع؛ حيث زُجَّ بالرئيس المصري وأنصاره في السجن، ولايخفى على العالم ما حدث في أعقاب ذلك. و ربما كانت تسول نفوس القوات العسكرية الخارجة على الدولة في تركيا أنهم ينجحون في قلب الحكومة المدنية وفرض  الطوارئ على البلاد، إلا أن أمنيتهم هذه لم يحالفها النجاح؛ بل عادت هذه المحاولة الفاشلة وبالا عليهم. فما إن بلغ الحكومة التركية أنباء الانقلاب العسكري في البلاد حتى سارعت إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة بحكمة ولباقة، فلجأ الرئيس التركي طيب أردوغان إلى الشبكة العنكبوتية، و استخدم «اسكائب» (skyp) واتصل بالشعب التركي وأهاب بهم إلى النزول إلى الشوارع والساحات احتجاجًا على الانقلاب العسكري ومحاولةً لإفشاله، وحفاظًا على الجمهورية في البلاد، فلم يصل هذا الاتصال إلى مكان من الأمكنة إلا خرج الناس عن بكرة أبيهم تلبيةً لنداء رئيسهم وقائدهم إلى الشوارع والساحات، كما نشط الشباب والشابات لا في تركيا وحدها؛ وإنما في العالم كله على موقع التواصل الاجتماعي في الدفاع عن الحكومة التركية والذود عنها، فلم يمض إلا ساعات حتى دوى هذا النداء في أنحاء تركيا كلها، وخرج مئات الآلاف من الأتراك من بيوتهم وتجمعوا على الشوارع، و لم يتخلفوا عن التضحية بنفوسهم و الإعراب عن ثقتهم بالحكومة حفاظًا على الجمهورية في تركيا، فقد شاهد العالمُ الشعبَ كله رجالا ونساء- يتصدى للقوات الباغية. كما أن الأحزاب المعارضة السياسية في تركيا آثرت المصالح القومية على مصالحها الخاصة، و لم تستغل الوضع الآني، وإنما قدمت الحفاظ على الجمهورية والقانون في البلاد على كل شيء،  فهي كذلك تستحق التقدير والثناء. مما يدل على أن الرئيس التركي المنتخب السيد «طيب إردوغان» ينزل من قلوب شعبه منزلا عاليا رغم الدعايات المكثفة التي يقوم بها الإعلام العالمي ضده، وأن ما قام به من خطوات نحو الرقي والإنماء والأعمال المجيدة هي حقائق وعلى أرض الواقع، وينظر إليها الشعب التركي نظرةً ملؤها التقدير والإعجاب. وفي الوقت الذي نرى فيه الشعب في معظم البلاد غضبان على الحكومات الراهنة فيها، وترغب في الاستبدال بها حكومات جديدة خلال سنة أو سنتين. وإن استمرار حكم حزبٍ واحدٍ ورئيسٍ واحدٍ في تركيا لمدة خمسة عشر عاما، ثم خروج مئات الآلاف من الشعب إلى الشوارع و الساحات بنداء واحدٍ من رئيسه لدحض البغاة والطاغين يشكل خطوةً غيرَ عادية في الواقع. ويتطلب ذلك الاعتراف بأن السيد «طيب إردوغان» قائد فذ منقطع النظير على المستوى العالمي، و أن شعبه يثق به ويعتمد عليه كل الاعتماد، وقد يكون ثمة خلافات داخلية حزبية إلا أن الشعب على إيمان كامل لايتزعزع بأن «طيب إردوغان» يمثل لاشعبه وحده وإنما المسلمين في العالم كله في المحافل الدولية وبقوة فائقة. فإذا كان «طيب إردوغان» نجح في رفع المستوى التعليمي والاقتصادي في تركيا إلى الذروة في جانب؛ فإنه في جانب آخر لم يدخر جهدًا في إيواء ومساعدة المسلمين المضطهدين المشردين المغلوبين على أمرهم في فلسطين وبورما والشام والعراق وغيرهما من المناطق في العالم، الأمر الذي لايسع حتى أعداءه في السياسية رفضه وإنكاره، وهو ما دفع الإعلام العالمي إلى مواصلة نسج المؤامرات وخلق الجو المناوئ له، والتاكيدات المستمرة على أن «إردوغان» يرغب في فرض الدكتاتورية في تركيا.

     وعلى كل فإن الانقلاب العسكري في تركيا قد باء بالفشل الذريع، وبدأت الإجراءت ضد السلطات العسكرية والمسؤولين في مختلف المناصب العسكرية ممن كانت لهم يد في هذا الانقلاب العسكري الفاشل تأخذ سبيلها، حيث تم اعتقال ثلاثة آلاف موظف عسكري، و إعفاء 2800 من القضاة الضالعين في هذا الانقلاب، وصدر الأمر بالقبض على 140 قاضيًا من قضاة المحكمة العليا.وقال ابن علي يلدرم رئيس الوزراء التركي- عقب فشل الانقلاب في حديثه إلى الصحف: «لن يتم التأجيل في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد القوات الضالعة في الانقلاب. وأعلنت الحكومة التركية تغلبَها على الوضع، وعودة كافة النشاطات إلى مجاريها.

     وفيما يخص الوقوف وراء هذا الانقلاب العسكري فقد صرح «إردوغان» بأن حريفه السياسي فتح الله غولن له ولأنصاره في الجيش يد في هذا الانقلاب العسكري. و تجدر الإشارة إلى أن فتح الله غولن نازل في ولاية «بنسلونيا» من الولايات المتحدة الأمريكية منذ سنوات عدة ماضية، ويخضع- في فكره ونظرته لسعيد النورسي الصوفي التركي المعروف- و له منظمة تسمى بـ«خدمت»، ناشطة في أكثر من 160 دولة في العالم، ومعروفة بخدمات تعليمية واجتماعية. وبما أن فتح الله غولن نازل في أمريكا، فاتَّهَمَ أحدُ وزراء السيد «إردوغان» -بصورة غيرمباشرة- أمريكا بأنها ضالعة في الانقلاب العسكري ، وتفيد الأنباء الواردة بأن تركيا قطعت الكهرباء من إحدى قواعدها العسكرية التي سمحت لأوربا باستخدامها، و فرضت الحظر على تحليق الطائرات العسكرية في حدودها الجوية. وفي جانب آخر رفض «جون كيري»- وزير الخارجية الأمريكي- ضلوع أمريكا في محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا، واعتبر اتهامات تركيا منقوضة الأساس، غير أن السيد إردوغان صرح بأن لديه ما يؤكد ضلوع فتح الله غولن وأنصاره في الجيش- في الانقلاب العسكري، فلننظر ما مدى هذه الإثباتات و البراهين على ذلك.

     وهذا الحادث الذي شهدته تركيا كان غير عادي بالقدر الذي كان مفاجئا، فنشط المتخصصون والصحف على المستوى العالمي في دراسة أسبابه وعواقبه وخبايا زواياه، ويحتل تقرير الصحيفة الأمريكية المعروفة (wall street general) أهمية خاصة للغاية، فقد سلطت الصحيفة وهي تقارن بين الانقلاب العسكري الذي شهدته مصر عام 2013م ومحاولة إعادته في تركيا الضوءَ على نجاحه في مصر وفشله في تركيا، وهو ماتع للغاية. تقول الصحيفة: «حين نفخت القوات المصرية في صور الانقلاب العسكري في مصر بقيادة السيسي تجمعت الحشود الشعبية حولها، كما خرجت الطبقات الحرة و بعض الجماعات الدينية إلى الشوارع تأييدا له  مما استغله السيسي، على العكس من تركيا التي عارض الشعب فيها حظر التجول المزعوم الذي فرضته حفنةٌ من الجيش التركي، كما وقفت الأحزاب السياسية المعارضة  وقبائل الكرد والطبقات الحرة وقفةَ رجلٍ واحدٍ- بجانب الحكومة المنتخبة، وعارضت الانقلاب العسكري بصورة مكشوفة.

     وتقول الصحيفة: «لقد لعب موقع التواصل الاجتماعي دورًا هامًا في إفشال محاولات الانقلاب العسكري في تركيا،كما أن إشعار إردوغان شعبه في حينه وتأكيده المستمر على أن تركيا إذا ما نحج الانقلاب العسكري فيها - ستتعرض لاضطهادات الجيش وأعماله الهجمية الوحشية شأن ما حدث في مصر مما كان له تأثير بالغ في نفوس الشعب التركي. ولا أدل على ذلك من أن الشعب التركي حين خرج إلى الشوارع والساحات بنداء رئيسه السيد طيب «إردوغان» كان - بجانب رفع الهتافات المختلفة- يشير إلى رمز «رابعة»، الذي أصبح معلما واضحا على الاحتجاج ضد حكومة السيسي في مصر.

     وتعترف الصحيفة أيضا بأن إردوغان قد خَطَاَ بتركيا خطوات حثيثة بعيدة إلى الرقي والازدهار خلال خمسة عشر عاما مضى، مما أكسبه شعبيةً واسعةً في تركيا، وخلق جوا ملؤه الثقة بالرئيس التركي، وهو الأمر الذي دفعهم إلى الوقوف بجانبه.

     وتقول الصحيفة: إن من أهم أسباب ذلك أن «إردوغان» حدَّد صلاحيات الجيش بعد تولي الحكم في البلاد، و أما محمد مرسي فلم تتيسر له الفرصة الكافية لهذا العمل. ثم إن أبرز ما عمل وراء فشل الانقلاب العسكري في تركيا ونحاجه في مصر أن الجيش المصري برمته قام بجانب السيسي في الانقلاب العسكري ضد الحكومة المنتخبة، وأما في تركيا فلم يساهم في محاولات الانقلاب إلا حفنة من الجيش، وبقي سائر الجيش مواليا للحكومة فلم يصعب التغلب على القوات الباغية، بعد ما أوشكت الحكومة الجمهورية في تركيا على الانهيار والسقوط.

لِلتُّرِك سَاعَاتُ صَبْرٍ يَوْمَ نَكْبَتِهِمْ

كُتِبْنَ فِي صُحُفِ الأخْلاَقِ بِالذَّهَب

 

 

 

السبب في معاداة قريش لرسول الله --

وهجرته -- من مكة إلى المدينة

بقلم:  الأستاذ أسامة  نور/ القاسمي (*)

 

 

 

     بماأنّ الرُّسُلَ الكرام يجيئون بدعوات ورسالات تُغَيِّر النُّظُمَ القائمة المألوفة، وتقلب رأسًا على عقب الأوضاعَ التي يعتادها الناس، يكون من الطبيعيّ أن يعارضوهم الرُّسُلَ ويقفوا في سبيلهم؛ بل ويحاربوهـم؛ لأنّ دعـواتهم تكون ثورات على المناهج الجاهلية، والتقاليد الوثنيّة، والعادات الشيطانيّة بأوسع معانيها، فلا يكون مُسْتَغْرَبًا أن يلقى الرسلُ معارضةً قوية عنيفة شاملة من قِبَل أنصارها وأبنائها الذين يكونون قد أُشْرِبُوها في قلوبهم.

     ولذلك لم يكن غريبًا ما لاقاه الرسولُ –صلى الله عليه وسلم- من قبل قومه قريش وغيرهم من تكذيب وتعذيب إلى محاربة وملاحقة؛ ولذلك طَمْأَنَ اللهُ تَعَالَىٰ نبيَّه الأعظم محمدًا –صلى الله عليه وسلم- أنه ليس وحده الذي يلاقي ما يلاقي من لدن محاربي الدعوة الإسلامية، وإنما ظل ذلك طريق أبناء الباطل مع دعاة الحق في كل زمان ومكان. وقد قُوبِلَ الرُّسُلُ والأنبياءُ بذلك قبلك أيها النبيُّ، فقال تعالى:

     ﴿bÎ)ur šqç/Éjs3ムôs)sù ôMt/Éjä. ×@ßâ `ÏiB y7Î=ö7s% 4 n<Î)ur «!$# ßìy_öè? âqãBW{$#﴾(فاطر:4).

     وقال:

     ﴿ôs)s9ur ôMt/Éjä. ×@ßâ `ÏiB y7Î=ö7s% (#rçŽy9|Ásù 4n?tã $tB (#qç/Éjä. (#rèŒré&ur #Ó¨Lym öNßg9s?r& $tRçŽóÇtR 4 Ÿwur tAÏdt7ãB ÏM»yJÎ=s3Ï9 «!$# 4 ôs)s9ur x8uä!%y` `ÏB &Î*t6¯R šúüÎ=yößJø9$#﴾ (الأنعام:34).

     وقال في شأن قريش مقارنًا بهم الكَفَرَةَ والمشركين من قبلهم الذين صنعوا مع أنبياء الله صنيعَ قريش، فاستحقّوا وعيدَ الله ومؤاخذته الشديدة التي فاقت التصورَ:

     ﴿ôMt/¤x. óOßgn=ö7s% ãPöqs% 8yqçR Ü=»ptõ¾r&ur Äb¨§9$# ߊqßJrOur ÇÊËÈ ×Š%tæur ãböqtãöÏùur ãbºuq÷zÎ)ur 7Þqä9 ÇÊÌÈ Ü=»ptõ¾r&ur Ïps3÷ƒF{$# ãPöqs%ur 8ì¬7è? 4 @@ä. z>¤x. Ÿ@ߍ9$# ¨,ptmú ÏÏãur﴾(ق:12-14).

     وقال له –صلى الله عليه وسلم- حكيمُ قريشٍ الثاقبُ النظرِ والخبير البعيد التفكير «وَرَقَةُ بنُ نَوْفِلٍ»: ما جاء أحد قطُّ بمثل ما جئتَ به إلا عُودِيَ (صحيح البخاري:6982). فتَنَبَّأَ بما لقيه النبي –صلى الله عليه وسلم- من المعاداة وصنوف الأذى من مشركي مكة في حياته النبوية المكية والمدنية.

     وكان –صلى الله عليه وسلم- يثــق بنصر لله الثقةَ كلَّها، ويؤمن بأنــه تعالى سيُظْهِره على أعـداء دينه؛ لكنه عزّ وتبارك وجده في حاجة إلى أن يُلَقِّنه الصبرَ والتحملَ حتى يسهل عليه الصبر والتحمل وحتى يقوى إيمان المؤمنين به –صلى الله عليه وسلم- ويشتدّ أزرهم ويتأهلوا للاستهانة بالأذى والآلام في سبيل الله، فقال تعالى:

     ﴿÷ŽÉ9ô¹$$sù $yJx. uŽy9|¹ (#qä9'ré& ÏQ÷yèø9$# z`ÏB È@ߍ9$# Ÿwur @Éf÷ètGó¡n@ öNçl°;﴾(الأحقاف:35).

     وتسهيلًا عليه الصبرَ والاحتمالَ قصّ اللهُ عزّ وجلّ في كتابه بعض مواقف الرسل والأنبياء قبله الذين ضربوا المثلَ الأعلى في الصبر والاحتمال تجاه ما لا قوه من أقوامهم الجاحدين المحاربين لدين الله والـمُتَصَدِّين لدعوتهم إلى الله؛ ليكون ذلك أيضًا درسًا يُنير السبيلَ أمام جميع من يَنْصِبُون أنفسَهم دعاةً إلى الله ليوم القيامة. إن حياة الرسول –صلى الله عليه وسلم- وجميع إخوانه الأنبياء والمرسلين تزخر بمواقف الصبر على المكاره والاحتمال للأذى، فهم يُشَكِّلُون أسوة لجميع الدعاة إلى الخير والقائمين بالإصلاح وتغيير الأحوال الفاسدة. إنّ حياة النبي –صلى الله عليه وسلم- وحياتهم جميعًا تنطق بأن أصحاب الرسالات لابد أنهم يُقَابَلُون دائمًا بما قُوبِلَ به هو –صلى الله عليه وسلم- والأنبياء والمرسلون الذين جاؤوا قبله من المحن والتجارب القاسية.

     ومن أشدّ ما عاناه –صلى الله عليه وسلم- من قومه من المصاعب والمحن هو محنة الهجرة، أي أنهم أرغموه على مفارقة الوطن الذين وُلِدَ وشبّ فيه وأحب كل شيء فيه، رغمَ أنه لاَيَنَهم طويلاً، و صَابَرَهم سنوات طويلة، وبذل كلَّ ما كان بوسعه من جهد و وقت وحكمة وإمكانيات ليُخَلِّصَهم من الضلال والشرك الذي كانوا مُصِرِّين عليه وعاضّين عليه بالنواجذ.

     لكنهم لم يَرْضَوْا أن يُبْصِروا الحقَّ، ويُذْعِنُوا له، وإنما عاندوه وحاربوه بكل ما كان عندهم من سلاح وحيلة وتدبير، ولم يُوَفَّقُوا أن يَتَحَاكَمُوا إلى نداء العقل والمنطق والضمير. أما النبي –صلى الله عليه وسلم- فظلّ يُلاَطِفُهـم ويُلاَيِنهُـم ومع ذلك يجاهـدهم ويُحَاوِل أن يُقْنِعهم بالخضوع للحـق؛ ولكنهم اشتـدتْ معاداتهم لدعوته ومحاربتهم لها ولشخصه –صلى الله عليه وسلم- حتى انقضّوا عليـه ليقتلـوه قتلـة رجل واحد فأَذِنَ له ربُّـه بالهجـرة من مكـة إلى «يثـرب» ففـارقها وهو محبٌّ لها، كارهٌ لفراقها، ولاأَدَلُّ على ذلك من قوله -صلى الله عليه وسلم-: «والله لأنتِ أحب بقاع الأرض إِليّ، ولولا أن قومكِ أخرجوني، ماخرجتُ» (شرف المصطفى: 4/324).

     هاجر –صلى الله عليه وسلم- من مكة بصحبة أبي بكر رضي الله عنه فلاحقته قريشٌ ليعودوا به إلى مكة حيًّا أو ميتًا، ويمنعوه من الوصول إلى مأمنه بالمدينة، ورصدوا جوائز غالية لمن يُعِيدُه –صلى الله عليه وسلم- إليهم، و وجد بالمدينة إخوانًا مخلصين، وأنصارًا وأعوانًا يفدونه بأنفسهم وأموالهم، ويُقَدِّمون كل تضحية في سبيل نشر دعوته وترويج رسالته.

     والهجرة ذكراها تتجدد كل عام لتوحي إلى المسلمين كافة بأنه يجب عليهم أن يستهينوا بالأذى والآلام والمصاعب والشدائد في سبيل العقيدة والمبدإ؛ وأنه يجب عليهم أن يؤثروا الحقَّ على الأهل والوطن والمال وجميع ملذات الحياة ومغريات المادة والمعدة؛ فمن المعلوم أن قريشًا عرضت عليه –صلى الله عليه وسلم- كلَّ ما ترغب فيه نفس المرء من مال وجاه ورياسة وتزويج أحسن الحسناوات في مكة ليترك الدعوة إلى الله الواحد الأحد الصمد؛ ولكنه –صلى الله عليه وسلم- أبى إباءً لا إباءَ بعده أن يقبل أيًّا من معروضات قريش المرغوب فيها لدى النفس البشرية قائلاً:

     «والله لو وضعوا الشمسَ في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمرَ، ماتركتُه حتى يُظْهِره اللهُ أو أقضي دونه» (سيرة ابن هشام:1/266).

     وأنه يجب عليهم أن يظلّوا مستعدَّين للتضحية بالنفس والمال وكل ما يعزّ عليهم في سبيل مناصرة الحق والمبدإ، فها هو ذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه يُعَرِّض نفسَه للقتل مناصرةً للحق ودفاعًا عن صاحبه –صلى الله عليه وسلم- حيث ينام مكان الرسول –صلى الله عليه وسلم- ليلة الهجرة وهو يعلم أنه قد يُقْتَل؛ لأنه ينام مكان المطلوب قتلُه، المحاصر بيتُه بشبان جُلَدَاء ممسكين بالسيوف البتارة الماضية ليضربوه بها ضربةَ رجل واحد.

     وأنه يجب عليهم أن يلاحظوا أنّ التعاون على البر والتقوى والحق هو سبيل المؤمنين المخلصين، فها هم أولاء أنصار المدينة يعاونون إخوانَهم المهاجرين، ويُؤَاخونهم أخوةً لم يعرف التاريخ لها مثيلاً، ويقاسمونهم كلَّ ما لديهم من المال والممتلكات والعقارات حتى الأزواج اللَّاتي طلقوا بَعْضَهن ليتسنى للمهاجرين أن يتزوّجوا معهن، وقد صدق اللهُ إذ قال:

     ﴿tûïÏ%©!$#ur (#rur#uä (#ÿrçŽ|ÇtR¨r y7Í´¯»s9'ré& öNåkÝÕ÷èt/ âä!$uÏ9÷rr& <Ù÷èt/ ﴾(الأنفال: 72).

     وقال:

     ﴿tûïÉ©9$#ur (#rur#uä (#ÿrçŽ|ÇtR¨r šÍ´¯»s9'ré& ãNèd tbqãZÏB÷sßJø9$# $y)ym﴾(الأنفال: 74).

     وأنه يجب عليهم أن يضعوا في الاعتبار دائمًا أن تَسَابُقَهم إلى الإيمان ومناصرتهم لدين الله وداعيه الأوّل الأعظم محمد –صلى الله عليه وسلم- كان بفضل الله ورحمته بهم ومنّته عليهم؛ فقد حرم اللهُ قريشًا هذا الخيرَ من أجل عنادهم للحق ومكابرتهم فيه فلم يسعدوا بهداية الله، واستحقوا سخطَ الله.

*  *  *

 

يوم وليلة في مدينة الحياض والترع: بهوبال

بقلم:  مساعد التحرير

 

 

 

     رنَّ جرس هاتفي الجوال وأنا عائد من دهلي في الليلة المتخللة 7 و8 من ديسمبر عام 2015م فإذا المتصل المفتي أبو الكلام القاسمي حفظه الله المفتي الشرعي بولاية بهوبال(1)- حيث طلب مني بعد التحية والتسليم أن أقوم برحلة دعوية لمدينة الحياض والترع مدينة بهوبال حيث يشغل الشيخ منصب المفتي الشرعي الرسمي، علما بأن ولاية «مدهيه برديش» هي الولاية الهندية الوحيدة التي تعترف الحكومة المركزية الهندية بالمناصب الشرعية الإسلامية بها من الإفتاء والقضاء. وكنت قرأت وسمعت كثيرًا عن ولاية «بهوبال» الإسلامية السابقة وعن رجالاتها ونشاطاتها الدينية ومآثر أمرائها الإسلامية. وكان صوت الجوال متقطعا فلم أستطع استيعاب الموضوع جيدًا فأجلت المكالمة إلى صباح الغد، وبالتالي أعاد الشيخ مكالمته، وأصر على زيارة «بهوبال» إصرارًا لامزيد عليه، فقبلت دعوته حين علمت أن بعض مشايخ جامعتنا هو الآخر قد استدعاه المفتي أبو الكلام بهذه المناسبة وهو الشيخ منير الدين- أستاذ الجامعة و ناظر عام شؤون السكن الطلابي بها-. وفي اليوم نفسه قطع المفتي أبوالكلام تذكرتين ذهابًا وعودة، بالقطار السريع من ديوبند إلى دهلي والعكس وبالطائرة من دهلي إلى بهوبال والعكس.

     وفي اليوم الموعود غادرنا دارالعلوم/ديوبند الساعة الرابعة مساء ووصلنا إلى محطة السكة الحديدية في ديوبند، قبل موعد القطار بوقت كافٍ، وجاء القطار على الموعد الساعة الخامسة إلا الربع- يتهادى ونحن على الرصيف رقم واحد، فركبناه وأخذنا مقاعدنا فيه، وسار القطار بطيئا ثم اشتد سيره، وتوقف القطار على بعض المحطات بين ديوبند ودهلي حتى وقف على محطة نظام الدين/ دهلي، وأخذنا أغراضنا البيسطة ونزلنا من القطار وتوجهنا إلى مكتب سيارات الأجرة المسبوقة الدفع خارج المحطة، و ركبنا «الركشا الآلية» التي سارت بنا في طرق دهلي الواسعة حتى وصلنا إلى المنطقة التي كنا نريدها و الوقت الساعة العاشرة والنصف ليلا، فَضَلّ السائق الطريق ونحن أضل منه طريقا إلى المدرسة التي كنا قررنا النزول بها، وأجرينا الاتصال مع مديرها الفاضل الشيخ قاسم القاسمي(2) الذي رحب بقدومنا إليها-، فاتصلنا عليه ليرشدنا إلى المدرسة التي كنا حواليها، فلم نتلق ردا منه؛ لأنه كان يحضر بعض البرامج الدعوية في المدينة، وفي نهاية المطاف دلنا على موقع المدرسة بعض المارة حتى وصلنا إليها بسلام آمنين، والشيخ قاسم لم يزل في مشواره فنزّلنا نجله البارع في دارالضيافة المريحة، وقدّم لنا الفطور الخفيف ثم العشاء فتناولناهما وأوينا إلى فراشنا، وقد وضعنا المنبهة على الساعة الثالثة فجرًا، وكان الشيخ قاسم قد كلف أحد أبنائه أن يوصلنا إلى المطارفي الساعة الرابعة بالضبط بسيارته الخاصة مما كان له وقع طيب كبير في نفوسنا؛ فقد علمنا مسبقا صعوبة الحصول على سيارات الأجرة إلى المطار في مثل هذا الوقت المتأخر من الليل. فحمدنا الله تعالى على هذا التيسير وشكرنا الشيخ قاسم على حسن صنيعه بنا، فجزاه الله خيرا. دخلنا صالة المطار والناس صفوف طويلة هائجين مائجين أمام مكتب الخطوط الجوية الهندية التي تم حجز مقاعدنا عليها، وتحدثنا إلى بعض الموظفين بالمكتب ولكن دون جدوى؛ فقد أشار علينا كلهم بلزوم الوقوف في الطابور الطويل، وخشينا أن تفوتنا الرحلة ثم جاءنا بعضهم، وشرحنا لهم المشكلة فأخذوا بنا إلى بعض المكاتب الفارغة في الصالة و استكملنا إجراءات السفر خلال نصف ساعة ثم اتجهنا إلى بوابة الرحلة رقم 435 على الخطوط الجوية الهندية. وقضينا ما تبقى من وقت ركوب الطائرة و إقلاعها على الساعة السادسة تماما أمام البوابة، حتى أعلن المذيع الاستعداد لركوب الطائرة فركبناها و أخذنا مقاعدنا فيها، وتحركت الطائرة على الوقت المحدد وسارت قليلا على المدرج ثم ارتفعت شيئا فشيئا في كبد السماء حتى استوت في سيرها فقدموا فطورا خفيفا، فما إن فرغنا من الفطور حتى أعلن المذيع قرب نزول الطائرة على مطار «راجا بهوج» بـ«بهوبال». وكنا ننظر إلى الترع والحياض التي تتخلل هذه المدينة وكأنها جزر في المحيط، والمطار متواضع لا تتردد إليها ليلا ونهارا إلا بعض الرحلات التي تعد على أصابع اليد، وقفت الطائرة وفتح بابها فنزلنا من الطائرة، وخرجنا من المطار، فإذا نحن بالمفتي أبي الكلام الذي أزوره أول مرة في حياته، رجل متوسط القامة، يزين وجهه لحية كثة واشتعل رأسه شيبا، ويعلوه عمامة تزيده مهابة وجلالا. فأخذ بنا بسيارة خاصة إلى المدينة العريقة، وهو يحدثنا عن المدينة و حكومتها الإسلامية السابقة وأمجادها ونشاطاتها.وقد وهب الله تعالى المدينة حسنا طبيعيا ساحرا، وكنا نمشي على الطريق المعوج وعلى يسارنا جبال وعلى اليمين ترعة من الترعات المنتشرة في هذه المدينة التي تزيدها بهاء وحسنا وخلابة. فلاتنقضي ترعة إلا ويتلوها ترعة أخرى حتى وصلنا إلى فندق في وسط المدينة أخبرونا بأنه كان ينزل فيه كبار علماء ديوبند لدى زيارتهم لهذه المدينة. تركنا الشيخ أبو الكلام  في الفندق لنأخذ قسطا من الراحة بعد سفر أرهقنا، فأوينا إلى الفراش ونمنا بعض النوم الذي أذهب عنا بعض عناء السفر. حتى عاد إلينا المفتي أبوالكلام ونجلاه ليأخذونا إلى بيته على مقربة من الفندق، فصحبناهم و وصلنا إلى البيت، وهو عبارة عن طابقين، يستخدم الطابق الأرضي لمدرسة صغيرة حديثة الإنشاء، يتلقى فيها شباب المدينة العلوم الدينية، فاجتمعنا بهم وبمجموعة من أقارب الشيخ وأهل المدينة، وتحدث زميلنا الشيخ منير الدين إلى الطلبة وأتحفهم بنصائح غالية، ثم صعدنا إلى الدور الأول حيث يقيم الشيخ و عائلته، ودخلنا قاعة الاجتماع التي يتخذها الشيخ لأعماله الروتينة والاجتماعات مع الوافدين والقادمين، وتناولنا الفطور وتبادلنا أطراف الحديث مع الحضور من أهل المدينة وبعض الطلبة الدارسين في الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند، ثم اتجه بنا الشيخ إلى بعض المساجد، الذي أقيم فيه ورشة عمل لتربية الشباب على مواجهة الأفكار المنحرفة عن جادة أهل السنة والجماعة، ويعد الشيخ أبو الكلام واحدًا من أكفئهم وأكثرهم تأثيرًا في نفوس العامة. وتحدث إلى الحضور فضيلة الشيخ أبو الكلام، وخلفه كاتب هذه السطور، وأخيرًا ألقى الشيخ منير الدين كلمة قيمةً حول الموضوع المطروح. ثم أقيمت صلاة الظهر و تناولنا الغداء مع الحضور، وعُدنا إلى الفندق ورجع الشيخ إلى بيته، وفي الساعة الخامسة عاد إلينا ليأخذنا إلى بعض الأماكن التاريخية في المدينة فمر بنا بجامعها المعروف بـ«تاج المساجد»، وهو مسجد واسع بعيد الأطراف موسع الأكناف، ولازالت معالم التاريخ الإسلامي وعناية الحكومة المسلمة بالمساجد و إنشائها مسطورة على جبينه، ثم توجهنا إلى مصلاها الذي يعد من أوسع مصليات العيد في الهند وفعلًا استغربنا سعته، ودرنا حوله، والإعجاب يأخذ منا كل مأخذ، وأبوابه مغلقة، سأل الشيخ عن بوابه فقيل: إنه خرج لبعض حاجته، ودخلنا المسجد المجاور للمصلى، فعرفه بعض من كان بداخله فحف إلى لقائه، وعرَّفَه الشيخ بنا، وأعرب عن رغبتنا في دخول المصلى، فأرشدنا إلى باب جانبي يدخل بنا إلى المصلى من داخل المسجد فدخلنا منه إلى المصلى، وأمضينا بعض الوقت نتجول في أنحائه، ويحدثنا الشيخ أبو الكلام عن بعض الأحداث الطريفة حوله. ثم عدنا إلى الفندق وأعجلنا قرب موعد صلاة المغرب عن زيارة ضريح العلامة صديق حسن القنوجي المعروف بكثرة تصانيفه وتنوعها، فقد قيل لنا : إنه بني على مثواه ضريح شامخ.

     وتعشينا عند بعض معارف الشيخ أبي الكلام ، الذي تكلف كثيرا في صنع الطعام وإعداده لنا، ثم توجهنا إلى ساحة «العلامة إقبال» حيث أقيمت الحفلة، وهي ساحة بعيدة الأرجاء مترامية الأطراف، و وصلنا والساحة مملوءة شبابًا ورجالًا وأطفالًا ونساءً على فرش مبسطوطة، وكراسي مصفوفة  بترتيب وتنسيق فائقين، جاؤوا يستمعون لكلمات الضيوف. واستمعنا إلى تلاوة عطرة للقرآن الكريم تشرف بها بعض القراء المجيدين، وإلى مدائح للنبي صلى الله عليه وسلم، أثارت الحماس الديني في قلوب الحضور. وأعطيت الكلمةُ لكاتب هذه السطور فتحدث عن التسامح الديني في الإسلام والأخلاق النبوية السامية ومعاملته مع ألدّ أعدائه و حاجة المسلمين إلى التمسك بهذا الهدي النبوي في العصر الحاضر. ثم تحدث الشيخ/ منير الدين عما كان عليه علماء ديوبند من حب النبي صلى الله عليه وسلم، وعظيم احترامهم له، وضرب أمثلة حية على ذلك. وكان لكلمته وقع عظيم في قلوب الحضور،  فوجدتهم يلهجون بالثناء عليه. وانتهت الحفلة في الساعة الواحدة و رجعنا إلى الفندق، وأوينا إلى الفراش، وأخذنا بعض النوم، واستقيظنا صباحًا مبكرًا لنتوجه إلى المطار حيث كان موعد الرحلة الساعة السادسة صباحا، و ودعنا الشيخ أبو الكلام وأنجاله وأقاربه من الفندق و شيعنا بعض أقاربه إلى المطار، دخلنا المطار ففوجئنا بتأخر الطائرة عن موعده لنحو ثلاث ساعات، فاتخذنا من بعض مقاعدها المستطيلة سريرًا، وغفونا بعض الغفوة، وأطلعنا الشيخ أبا الكلام على الوضع، فسارع إلى المطار مع وجبة الفطور، فما إن دخل قاعة الانتظارحتى عرفه بعض سلطات المطار فخف إليه. فأخذنا إلى صالة كبار الشخصيات المريحة، وجلسنا فيها، وأحضروا لنا الشاي، وأخذنا قسطًا من الراحة. فلما أعلن استعداد الطائرة للرحيل توجهنا إلى صالة الانتظار العامة ثم ركبنا الطائرة، ووصلنا إلى مطار دهلي، وتوجهنا منه بقطار «ميترو» إلى محطة القطارات الجديدة، حيث كنا حجزنا مقاعدنا في قطار «جن شتابدي»، وتأخر القطار قليلًا عن موعده المحدد الساعة الثالثة و الثلث، وبلغنا ديوبند الساعة السادسة مساء، حاملين رصيدًا عطرًا من ذكريات الحكومات الإسلامية الماضية في الهند وآثارها و أمجادها. وحمدنا الله على السلامة.

*  *  *

الهوامش:

( 1 )    الشيخ أبو الكلام بن إسماعيل القاسمي من مواليد مدينة «بهوبال» عام1964م ، تلقى مبادئ العلوم في مدرسة «ترجمه والي مسجد». وتخرج في الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند عام 1983م وقرأ الحديث على كل من الشيخ السيد عابد علي وجدي الحسيني، والشيخ نصير أحمد خان شيخ الحديث بالجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند، وأخذ الإفتاء في الجامعة نفسها، وعمل مدرسا في بهوبال، و رأس تحرير مجلة «دين مبين». ويشغل حاليا منصب المفتي العام بولاية بهوبال بجانب الإمامة والخطابة في الجامع بها، ومن أجل أعماله تأسيس «مدرسة أبي طلحة» في بهوبال. ورياسة تحرير مجلة «نداء خديجة» الشهرية.

( 2 )    والشيخ قاسم القاسمي في الخمسينات من عمره أحد خريجي الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند، على صلة قوية بأساتذتها وعلمائها، كثير الإكرام لهم والترحيب بهم، يدير مدرسة في بعض المساجد المطلة على شارع المطار بالقرب منه في مدينة دهلي العاصمة، والمدرسة تتضمن الصفوف العربية الأولى بجانب قسم تحفيظ القرآن الكريم، لايلقى القادمَ إلا هشًا بشًا.

*  *  *



(*)             باحث في التراث العربي والإسلامي عضو اتحاد كتاب مصر.

(*)       عضو مجلس الشعب الهندي، ورئيس المؤسسة التعليمية الوطنية لعموم الهند.

(*)       المتخرج من الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند والحامل لشهادة الماجستير في الفلسفة في اللغة العربية وآدابها من جامعة دهلي.