ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، المحرم – صفر  1438 هـ = أكتوبر – نو فمبر 2016م ، العدد : 1-2 ، السنة : 41

 

دراسات إسلامية

 

من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند

(الحلقة 43)

بقلم: الأستاذ/ سيد محبوب الرضوي الديوبندي -رحمه اللّه-

(المتوفى 1399هـ / 1979م)

ترجمة وتعليق: محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري(*)

 

 

 

رحلة رئيس دارالعلوم إلى بورما:

     من أهم أحداث هذا العام أيضا رحلة رئيس دارالعلوم إلى بورما، وكان وراء هذه الرحلة إليها أحد فاعلي الخير في «رنكون» وهو الحاج إسماعيل محمد باكيا، أصله من سورت، ونزل «رنكون» منذ مدة طويلة لأغراض تجارية. و جاءت رحلة رئيس دارالعلوم هذه ما بين 15/جمادى الأولى حتى 28/رجب. وقام بزيارة مختلف مدن بورما بدعوة من فاعلي الخير بها. وعملت هذه الرحلة إلى بورما على تعريف دارالعلوم على عامة الناس بعد ما تعرف عليها خاصتهم، وشهد نطاق نفوذها توسعا غير عاديٍ، وتأثر الشعب والحكومة بشخصية رئيس دارالعلوم. وساهم السيد عبد اللطيف- وزير العدل في بورما- والسيد عبد الرشيد وزير المعادن- بالإضافة إلى «أونو» - رئيس الوزراء البورمي- مساهمةً كبيرةً في إنجاح هذه الرحلة، وعلى وجه الخصوص صحب السيد عبد اللطيف رئيسَ دارالعلوم في معظم رحلات بورما.وتمثلت غاية تفاعل الشعب مع دارالعلوم  في تقديم التبرع البالغ قدره أكثر من مئتي ألف روبية لصالح دارالعلوم، وتكرمت الحكومة بنقل هذه المبالغ إلى الهند برحابة صدرها. وأنفقت هذه المبالغ على بناء صالة واسعة لمكتبة دارالعلوم، تشكل ذكريات مسلمي بورما في دارالعلوم/ديوبند.

     من أهم ما يميز هذه التبرعات أن ألفين منها مما تبرع به سيادة «أونو» -رئيس الوزراء-، وضرب سيادته رغم أنه من الهندوس- أروع مثال على السخاء العلمي والتسامح الديني. وقام المجلس الاستشاري بدارالعلوم بتقديم الشكر الجزيل إلى أهل بورما وخاصة رئيس الوزراء على هذا الولاء العلمي. ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن أهل بورما وخاصة سكان مدينة «رنكون» وإن كانوا يساهمون في مد يد العون والمساعدة إلى دارالعلوم بصورة مستمرة إلا أنهم تبرعوا أول مرة - بهذه المبالغ الباهظة. وتم نشر تفاصيل هذه الرحلة في كتاب اسمه «الرحلة إلى بورما».

عام 1377هـ ، ووفاة الشيخ المدني:

     وأعظم الأحداث الفاجعة في هذا العام مما يشكل كارثة لا لدار العلوم وحدها، وإنما للعالم الإسلامي كله، هي كارثة وفاة شيخ الإسلام السيد حسين أحمد المدني رحمه الله رئيس هيئة التدريس بدارالعلوم/ديوبند-، الأليمة المفجعة؛ حيث لبّى الشيخ المدني نداء ربه بعد مرض طويل الأمد في 12/جمادى الأولى عام 1377هـ (الموافق 5/ديسمبر عام 1957م). ولم يكن الشيخ المدني رئيس هيئة التدريس بدار العلوم فحسب، وإنما كان كذلك مشرفًا عليها ومربيًا لها. وكان أساتذة دارالعلوم و أعضاؤها وطلابها يستفيدون من نفحاته الظاهرة والباطنة؛ فقد خدم بصفته شيخًا للحديث - الحديثَ الشريفَ ونظامَ دار العلوم التعليمي خدمةً منقطعة النظير مدةَ واحد وثلاثين عاما، واستقى الآلاف من عطاشى العلوم من بحر علمه ومعرفته، وأكمل أربعة آلاف وأربع مئة وثلاثة وثمانون طالبًا دراسة الحديث الشريف عليه، وكان يشكل شخصية فذة في الأوساط العلمية والدينية والاجتماعية والسياسية بالنظر إلى علمه وفضله وزهده وتقواه وخلقه وشيمه ونبوغه وكماله، وبالنظر إلى خدماته العلمية والسياسية و الاجتماعية. واستشعر العالم الإسلامي كله بهذه الحادثة الفاجعة، وثوي جثمانه بجوار شيخه شيخ الهند محمود حسن الديوبندي -قُدس سره- (1268 -1339هـ/1851-1920م) في المقبرة القاسمية.

مقدم ملك أفغانستان إلى دارالعلوم:

     من أهم أحداث هذا العام مقدم السيد محمد ظاهر شاه (1332-1428هـ/1914- 2007) ملك أفغانستان السعيد إلى دارالعلوم/ديوبند، مما يشكل ذكرى خالدة في تاريخها، ويمثل ذلك بابا من أبواب تاريخ دارالعلوم لايصدق بماضي دارالعلوم المجيد فحسب؛ وإنما يؤشر إلى مستقبله النير كذلك. و تكرم ملك أفغانستان انطلاقا من عنايته العلمية بتلبية دعوة دارالعلوم/ديوبند. وقدم إليها في5/شعبان عام1377هـ (الموافق 25/فبراير 1958م) بسيارة، وقامت دارالعلوم باستقباله استقبالا حارا.

العلاقة الثنائية بين دارالعلوم وأفغانستان:

     ويجدر بالذكر هنا أن دارالعلوم ظلت على علاقة مخلصة مع أفغانستان على مر العصور، يعمرها مشاعر الصداقة والإخاء من الجانبين(1).

     وتشكل بوابة «ظاهر» في رحاب دارالعلوم ذكرى خالدة للعلاقات الثنائية الوطيدة بين دارالعلوم وأفغانستان، تلفت انتباه كل وارد وصادر منها تلقائيا إلى «المملكة الإلهية» في أفغانستان.

     والعلاقة الهندية الأفغانية الجغرافية والتاريخية قديمة بالقدرالذي يجب أن تكون بصفة طبيعيّة بين دولتين مجاورتين. ولاتربط بينهما العلاقة الثقافيةُ فحسب؛ بل هما على مقربة بعضهما من بعض بالنظر إلى اللغة كذلك؛ فقدحكمت لغة أفغانستان الفارسية الهند قرابة ست مئة عام، وما أكثر من يفهمها ويقرأها من الشعب الهندي اليوم. ومن الصعوبة بمكان أن تخلو لغة هندية من كلمات فارسية في قليل أو كثير.

     وأنشئت دارالعلوم عام 1283هـ/1866م فكانت «أفغانستان» في طليعة الدول الأجنبية التي  رحبت بدارالعلوم، وبعثت بطلابها ليتربوا في أحضانها، في حين لم تكن تسهيلات السفر موفورة، ولم تكن قد نصبت سكة الحديد الشمالية الغربية في شمال الهند يومذاك، التي شكلت أعظم أسباب التنقل بين الهند وأفغانستان. وذلك مما يدل على الشعبية الواسعة التي كانت دارالعلوم تحظى بها منذ أول يوم أسست بالإضافة إلى أنه دليل على ما يحمله الشعب الأفغاني من المشاعر الدينية غير العادية والعناية الفائقة بالعلم. ولم يخل عهد في تاريخ دارالعلوم منذ ذلك الحين حتى عام 1947م من أن تزدان دارالعلوم بنشاطات الطلاب الأفغان. كما أن الوظائف الهامة في الحكومة الأفغانية ظل بابها مفتوحا على خريجي دارالعلوم.

     وحين وضع شيخ الهند محمود حسن الديوبندي خطة الحكومة الموقتة للهند في العقد الثاني من القرن العشرين اتخذ من كابول- عاصمة أفغانستان- مركزا لها، وبعث بكل من الشيخ عبيد الله السندي (1289-1363هـ/1872- 1944م) والشيخ محمد ميان الأنبيثوي المعروف بالشيخ منصور الأنصاري (ت1365هـ/ 1945م) بصفة خاصة لتحقيق هذا الهدف إلى أفغانستان. وكانا من الأعضاء الناشطين في حركة شيخ الهند الثورية. وتحتل نشاطاتهم وجهودهم في كابول مكانة تاريخية في إحكام العلاقات الثنائية المخلصة بين دارالعلوم/ديوبند وأفغانستان.

     والحاصل أن الهند وخاصة ديوبند ظلت تربطهما بأفغانستان أنواع من العلاقات والأواصر في كل عصر، و قد تجلت هذه العلاقات القديمة بصفة خاصة لدى زيارة الشيخ المقرئ محمد طيب -رحمه الله- لأفغانستان، مما سبق بعض تفاصيله، وجاء بناء بوابة «ظاهر» في دارالعلوم نتيجة لهذه الرحلة.

     ولحضورحفلة التحية والترحيب بجلالة الملك والوفد المرافق له ارتقى جلالته برفقة كل من رئيس دارالعلوم والشيخ/حفظ الرحمن بالسلم الشمالي من سلالم دائرة المولسري إلى مكتب رئيس دارالعلوم مرورا بمكتب مجلة دارالعلوم الشهرية الأردية الصادرة في دارالعلوم، و زين المكتب بتواجده فيه، ثم اطلع جلالته على قسم الوثائق بدارالعلوم ، وأعرب عن إعجابه بقوله بالفارسية ما معناه: ما أروعه !!. ثم تحول إلى مكتبة دارالعلوم وقد نضدت نوادر المخطوطات، ونسخ القرآن الكريم الخطية التي ترجع إلى مختلف العهود، والكتب المهداة إلى دارالعلوم من قبل المملكة العربية السعودية وتركيا ومصر وإيران ونظام الدكن بنظم وترتيب فائقين، وتم إبراز  الكتب التي أهدتها حكومة أفغانستان إلى دارالعلوم على وجه أخص، بما فيها نسخة ترجمة معاني القرآن الكريم لصاحبها شيخ الهند -رحمه الله- مع تعليقات الشيخ شبير أحمد العثماني، التي تم نقلها من الأردية إلى الفارسية برعاية سردار محمد هاشم خان رحمه الله رئيس الوزراء الأفغاني سابقًا- على مستوى الحكومة. وقام رئيس دارالعلوم/ديوبند بإهدائه طبعتها الأردية إلى جلالة ملك أفغانستان. وكان قد تم بداية نقلها إلى الفارسية منذ ذلك الحين. وكانوا وضعوا على كل كتاب بطاقة تعريفية جميلة. واطلع عليها جلالة الملك بمنتهى العناية والإعجاب.

     بعد ما فرغ جلالة الملك من مشاهدة أقسام دارالعلوم ومكتبتها مرَّ بشرفة دارالحديث الشرقية واطلع على مكتب شؤون التعليم وانتهى إلى الفناء الشمالي للدارة الجديدة، فاستقبله هنا بوابة «ظاهر»، ثم توجه إلى قاعة الاجتماع.

     وتم إعداد سرادق واسع في الفناء الجنوبي من الدارة الجديدة تحت ظلال بوابة «ظاهر»، وهذا السرادق الواسع الذي كان يشكل منظرا بهيجا من الحسن والسذاجة والأبهة كان متوزعا على أقسام عدة. وتم تخصيص الجانب الأيمن من المنصة لمقاعد أساتذة دارالعلوم، ومدراء الأقسام والشعب، و غيرهم من الموظفين، ومندوبي الصحف وإذاعة عموم الهند، بينما خصص الجانب الأيسر منها لجلوس أعضاء الوفد المرافق لجلالة الملك، والسلطات المحلية، ووجوه المدينة، وتم توزيع الجانب الأمامي على جزأين ، الأول منه لطلاب دارالعلوم، ويليه الجزء الخاص بعامة الناس. وشهد الاجتماع قرابة عشرين ألف نسمة.

     وتم تعليق لافتات جميلة مكتوب فيها نص «دارالعلوم تدوم» أمام المنصة، وفي الجانب الأيسر تم تعليق لافتات جميلة تحمل نصوص: «المملكة الإلهية أفغانستان» و «الجمهورية الهندية».

     وألقى الشيخ حفظ الرحمن عضو المجلس الاستشاري بدارالعلوم- الكلمة الافتتاحية باللغة الفارسية، تضمت الشكر من دارالعلوم لجلالة الملك على مقدمه السعيد إليها، بالإضافة إلى تسليط الضوء على المكانة العلمية والمعرفية التي تحتلها دارالعلوم، وقال فضيلته في كلمته:

     «جلالة الملك، نرحب بمقدمكم السعيد إلى دارالعلوم ترحيبا مخلصا، ونرفع الآلاف من عواطف الشكر والامتنان إليكم. ونعتبر مقدمكم السعيد مفخرةً لنا بفضل الله تعالى ومنه وكرمه.

     حضرة جلالة الملك، إن هذا المكان الذي شرفتموه يُعَدُّ مركزًا للدين الحنيف ومحورًا للمذهب الحق، و ليس مدرسةً أوجامعة فحسب، وإنما هو عماد الدين والإيمان، وأسطوانة الطريقة والشريعة، ويحتضن خزائن المعرفة الإلهية، ويشكل منارة الحق والصدق المنيرة، والشمعة اللامعة في نادي الحق في مثل هذا العهد الذي ينفق فيه سوق المادية والإلحاد.

     صاحب الجلالة، إنكم لاشك تزورون بمناسبة مقدمكم السعيد إلى الهند كثيرا من الأبنية الأثرية والأماكن التاريخية، وتُعجبون بلقاء الشخصيات البارزة في البلاد، إلا أنها كلها مظاهرالرقي المادي والدنيوي.

     وأما دارالعلوم/ ديوبند هذه فإنها تحتل مكانة رفيعة وسامية في العالم الإسلامي كله بالنظر إلى عظمتها الروحانية والأخلاقية، ولانغلو لو قلنا: إن هذه المؤسسة شمس الرشد والهدى، ومظهر من مظاهر الصراط المستقيم والدين القويم، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.

     صاحب الجلالة، رغم أن هذه المؤسسة تفقد الأبهة الدنيوية وجلال المدنية إلا أن كل ذرة من ذراتها يتجلى فيها رواء الحق والصدق، وبريق العلم والمعرفة. ويشهد تاريخ هذه المؤسسة الماضي والحالي بأن عظماءها من أهل العلم ظلوا حملة لواء العلم والمعرفة، ولم يعد لهم في شيء أسوة إلا في رسول الله ﷺ».

     وقدم رئيس دارالعلوم في حفلة الترحيب بجلالة الملك كلمة التحية و في الأخيرقام جلالة الملك لإلقاء الكلمة وسط هتافات عالية حماسية بـ«الله أكبر». وألقى كلمته في اللغة الفارسية، وتطرقت كلمته إلى الاعتراف بخدمات دارالعلوم العلمية والمعرفية، وأعرب عن فرحه بمالقي من الاستقبال الحار. وقال جلالة الملك في كلمته الفارسية ما معناه في العربية:

     «يسرني كثيرًا أن أتشرف بزيارة دارالعلوم/ ديوبند، وإن لدارالعلوم هذه صيتًا وصوتًا عاليًا في أفغانستان عامة و الأوساط الدينية خاصةً. وإن علماء أفغانستان ينظرون إلى بناة هذه الجامعة وعلمائها نظرة إعجاب وتقدير كبيرين، ويثنون كثيرًا على ما تتمتع به هذه الجامعة من المكانة المرموقة في المجال العلمي والروحاني، معترفين بفضلها. وإن معرفة الأفغانيين لهذه الجامعة، وشهرتها الواسعة بين شعبها و علمائها لايرجع إلى مجرد أنها معهد علمي شهير، وإنما ذلك من معطيات ونتائج العلاقات الوطيدة القائمة بين الطلبة الأفغان وهذه الجامعة التي دامت سنوات وأعواما. وكم من عالم أفغاني استقى من منهلها الفياض، فعاد إلى بلده لينشرالعلم والدين، ويخدم العباد والبلاد. وإن هذا الاستقبال الأخوي السار الذي لقيته بهذه المناسبة قد ملك علي قلبي ومشاعري، وأشكر لكم شكرًا نابعًا من أعماق القلوب، وأدعو الله تعالى أن يكتب لهذا المعهد الديني والمنتمين إليه مزيدًا من القبول والازدهاروالرقي».

------------

(1)       للاستزادة منه راجع: ملك أفغانستان في رحاب دارالعلوم،ترتيب: السيد محبوب الرضوي، ص33، الناشر:دارالعلوم/ديوبند.

*  *  *

 



(*)      أستاذ التفسير واللغة العربية وآدابها بالجامعة.