ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، ذوالحجة  1437 هـ = سبتمبر 2016م ، العدد : 12 ، السنة : 40

 

دراسات إسلامية

 

اللغة العربية وتحديات العصر الحاضر في ظل العولمة

(2/2)

إعداد وتقديم:  محمد جسيم الدين القاسمي (*)

 

 

 

اللغة العربية في عصرنا:

     تعد العولمة أخطر تحدٍّ تواجهه اللغة العربية، فالعولمة ترمي في مضمونها إلى تشكيل العالم اقتصاديًا واجتماعيًا وفق المنظومة الأمريكية، وتضع الخطط والبرامج لتحقيق هذا الهدف، بدءًا من غزو بوش للعراق والسيطرة والتدخل في عدد من الأنظمة العربية، إلى التفكير بتغير القرآن الكريم، مثلما أمر الرئيس الأميريكي السابق بوش بحذف بعض الآيات التي وصفها بالإرهابية، وقد شق مشروع العولمة الثقافية طريقه إلى التنفيذ من خلال التدخل في المناهج التربوية والتعليمية، كما في سلطنة عمان، ففيها كل الجامعات تدرس باللغة الإنجليزية.

     يسعى الغزو الثقافي إلى قلب المفاهيم وتشويه الحقائق بما يخدم مشروع الهيمنة، فالاستشهادي يصبح انتحاريًا، و المناضل يصبح إرهابيًا، المؤمن هو المتطرف، والخانع الذليل هو المعتدل. للأسف هذه المصطلحات تتغلغل في لغتنا العربية وخاصة في لغة الإعلام والإعلان مما يرسخها في الأذهان، وخاصة أذهان الأجيال المقبلة، كالعبارات التي وصف بها القذافي الثوار الليبيين من جرذان ومهلوسين وإرهابيين وجماعة بن لادن.

     ظهرت العديد من الأصوات التي تشكو صعوبة اللغة العربية الفصحى، ودعت إلى استخدام العامية في الإعلام وقاعات الدراسة، وهذا خطر كبير، فالفصحى هي لغة العلم، ويجب أن نحافظ عليها في مناهجنا و كتبنا.

     ومن الأخطار التي تواجهها اللغة أيضًا انتشار المكتبات الإليكترونية و الآلاف من الكتب على الإنترنت التي تخضع لتجارة السوق دون معرفة من دقق هذه الكتب ومن وثقها ومدى مصداقيتها.

     ومن هنا تظهر ضرورة تعزيز السياسة اللغوية على الصعيد القومي العربي، وتنشيط المراصد اللغوية وتفعيل القوانين الداعمة للّغة، وللمثال نذكر أنه في سورية يشترط على أصحاب المحلات التجارية كتابة أسمائها بالعربية وتعريب الأسماء الأجنبية منها، مع عقوبة إغلاق المحل المخالف، كما أن هناك إجراءات مشابهة تتعلق بالإعلان واللوحات الإعلانية.

     ولعل من أهمّ القضايا التي تهمّ الأمة العربية هي قضية التعريب؛ فقد انشغل بها العرب منذ القدم. وعندما أسّس هارون الرشيد «دار الحكمة» كان أحد أهدافها متابعة الكتب الصادرة بمختلف اللغات وترجمتها للغة العربية وقد حرص على أن تترجم الكتب المهمّة في ذلك الوقت ككتب الفلسفة والطب والعلوم الإنسانية والأدب.

     واستطاع العرب في القرون الثاني والثالث والرابع الهجرية استيعاب مصطلحات العلوم المختلفة الواردة من اللغات اليونانية والسريانية والفارسية والرومانية.

     ولاشك أن اللغة العربية اليوم قادرة على القيام بنفس الدور على أن تتوفر الرغبة والإرادة لدى اللغويين والمهتمين والناطقين بها وذلك بالتنسيق مع العلماء في شتى فروع المعرفة تفاديًا من تكرار الجهود وضياع الوقت.

     ويرى الدكتور سعد هاني القحطاني في كتابه «التعريب ونظرية التخطيط اللغوي» أن التعريب بمفهومه الواسع يهدف إلى جعل اللغة العربية لغة التدريس في جميع التخصصات العملية والطبية والتقنية ذلك المفهوم الذي يتضمن رؤية أكثر تحديدًا لعملية التعريب، وهو وضع مقابل عربي للمصطلحات الأجنبية فلكي يتم تدريس أي حقل عملي باللغة العربية لابد أولا من تعريب مصطلحات ذلك الحقل. ولعل من المفيد القول بأن التمسك بالتعريب هو سبيل إلى حياة اللغة ونموها، أما التخلي عنه فإنه يؤول بها إلى الاندثار والتقلص، وبالتالي موتها وإن كنا نشك في ذلك؛ لأن اللغة العربية لن تموت لتكفل القرآن بحفظها مؤكدًا أن ذلك لن يعفينا من المسؤولية؛ وإنما يحملنا -تكليفا بالعمل- على خدمتها وإنمائها. ذلك أن العلم وهو ما يجعل اللغة في اختيار صعب مضيفا أن هناك مئات الكلمات التي تدخل العربية في وقت وجيز.

     وتهدف إستراتيجية التعريب في السعودية إلى المحافظة على اللغة العربية في الإعلام والتعليم ويدخل في هذا الإطار تطوير واتخاذ السبل المتاحة التي من شأنها جعل اللغة قادرة على التعبير عن المصطلحات العلمية الحديثة وكذلك الحد من انتشار المفردات الأجنبية في اللغة العربية سواء كانت علمية أو تقنية أو طبية.

     ويجدر الإشارة هنا إلى أن اهتمام المملكة بالتعريب قديم حيث كانت أول محاولة لتوحيد المصطلحات الطبية المعربة عام 1940م حينما كتبت العربية إلى نقابة الأطباء المصرية في هذا الخصوص وقد سعت إلى وضع منهجية للتعريب في الوطن العربي منذ ذلك الحين الأمر الذي يعكس مدى اهتمام الحكومة السعودية بهذه القضية.

     وقد توالت الجهود بعد ذلك حيث عقدت المؤتمرات وأنشئت مراكز تعنى بالتعريب وتوالت التعليمات بضرورة تطبيق التوصيات التي تصدر من المجامع اللغوية مثل مجمع اللغة العربية في القاهرة.

     وهناك توصيات أصدرها مجمع اللغة العربية بالقاهرة وحرصت المملكة على تعميمها، ومنها توصيات مؤتمر عام 1992م حيث أوصى بأهمية أن يحفظ التلاميذ في المراحل الأولية ثلاثة أجزاء من القرآن الكريم لتقوية المهارات اللغوية لديهم وأن تكون اللغة العربية، لغة تدريس في الجامعات وترجمة الكتب العلمية والطبية والتقنية والدوريات العلمية والموسوعات إلى العربية والتأكيد على استخدام اللغة العربية الفصحى في وسائل الإعلام.

     ومن جهة أخرى فقد عممت وزارة التعليم العالي هذه التوصيات على الجامعات لكنها افتقدت لوجود آلية أو خطة عمل للتنفيذ.

     أما بالنسبة للتعريب في وسائل الإعلام فإن سياسة الإعلام في المملكة تقوم في هذه الاتجاه على التنبيه على عدة نقاط أهمها التنبيه على كتاب البرامج والمحررين بضرورة اتباع قواعد اللغة العربية الفصحىٰ والالتزام بأساليبها البلاغية وتوجيه المذيعين ومقدّمي البرامج بالتحدث باللغة العربية وتجنب كل النصوص التي تحطّ من قدرها والتقليص من البرامج التي تقدّم باللهجة العامية.

     وأخيرا تبقى اللغة العربية مادة للبحث والتطوير فهي كائن حيّ يحتاج إلى ضخ المزيد من الحياة إلى شريانه. اللغة ليست مادة جامدة نعلق عليها عقدنا وأخطاءنا بأننا حراس وأمناء في المحافظة عليها فليس من الإنصاف جعلها منكفئة على نفسها غير قادرة على مواجهة الحياة بكل تلوناتها وتموجاتها وأخطارها.

اللغة العربية قادرة على مواجهة التحديات سواء

     تحديات العولمة أو التكنولوجيا أو اللغة بشروط أن نعتقها من أوهامنا. وإذا أردنا لها أن تساير الحدث فما علينا سوى أن نهتم بأنفسنا أولا كأمناء عليها وكباحثين وكمهتمين وعلماء، ونزيل الغشاوة التي وضعناها على عيوننا معتقدين أنها في خطر!

     ولاشك أن التعليم يتحمل جزءًا كبيرًا من المسؤولية، فطرق تدريس اللغة العربية وآدابها في المدارس ونوعية النصوص الأدبية التي تختار، وعشوائية تدريس مادة التعبير، وعدم التزام المعلمين والمعلمات بالفصحى الصحيحة بما فيهم فئة من معلمي ومعلمات اللغة العربية، وتساهلهم في تصويب الأخطاء التي يرتكبها الطلاب والطالبات، وقلة التشجيع على التحدث بالفصحى، كل ذلك لعب دورًا مهمًا على مدى السنين في الضعف اللغوي الذي نعانيه.

     ومن الطبيعي أن الضعف اللغوي يؤدي إلى الضعف الفكري والثقافي، فاللغة مرتبطة بالفكر؛ لأن الألفاظ أوعية المعاني والأفكار والمشاعر، والفقر الفكري والثقافي يؤدي إلى المزيد من الفقر اللغوي، وهكذا تستمر الدائرة. إن فكرة ارتباط قوة اللغة بقوة الأمة مسألة تنبه إليها الكثير، وكان جبران خليل جبران يقول: «إنما اللغة مظهر من مظاهر الابتكار في مجموع الأمة، أو ذاتها العامة، فإذا هجعت قوة الابتكار توقفت اللغة عن مسيرها، وفي الوقوف التقهقر، وفي التقهقر الموت والاندثار».

     لقد كان اللحن والخطأ في اللغة شيئًا معيبًا ومهينًا يحط من قدر الإنسان في العصور الإسلامية الأولى وكان الخلفاء والأمراء البلغاء يحرصون على لغتهم، والقصص التي تروى عن استهجانهم الخطأ اللغوي وتصديهم له كثيرة، فقد رد عبدالملك بن مروان على من علّق على سرعة وصول الشيب إلى رأسه قائلا: «شيّبني ارتقاء المنابر ومخافة اللحن» وكان يقول: «إن الرجل يسألني الحاجة فتستجيب نفسي له بها، فإذا لحن انصرفت نفسي عنها».

مستقبل اللغة العربية في ظل تحديات العولمة:

     إن القضايا التي تواجهها اللغة العربية في العصر الحديث هي قضايا طارئة تفرضها متطلّبات العصر من ناحية، وقرون التراجع الحضاري التي مرت بها أمتنا في مسارها التاريخي من ناحية أخرى، وليست قضايا لغة تواجه استيعاب ماوصلت إليه المعارف الإنسانية في أول تجربة لها. فقد اجتازت العربية هذه التجربة في تاريخها الطويل عندما كانت اللغة الأولى للعلم والفكر في العالم كله.

     ومن المعلوم أن الأمم تواجه قضايا لغاتها؛ فإن اللغة العربية تواجه أيضا قضاياها، وليست متفردة بذلك من دون اللغات؛ بل ربما كانت قضاياها أقل عسرًا للمعالجة إذا ماصدقت النوايا وتوافرت الإرادة في سبيل خدمة اللغة العربية وإنماء الاعتزاز بها، والإيمان بقدراتها، ووضع لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف،  في مكانة الشرف والاحترام الذي تستحقه(3).

     وتواجه اللغة العربية قضايا مهمة في هذا العصر الذي يتصف بفجر المعرفة في جميع مجالاتها، ويتميز بهذا التسارع الضخم في تطور العلوم على الأرض، وفي الفضاء الخارجي، وإن هذه القضايا تتعلق بتيسير تعليم العربية ولاتمس إطلاقا إعرابها وصرفها ونظم تراكيبها؛ لأن هذه من الثوابت التي بدونها تفقد اللغة مقومتها الأصلية، فالعربية ثابتة من حيث نطقها ونحوها وصرفها، ونامية من حيث أساليبها ومفرداتها ودلالات ألفاظها. وهذه هي الخصائص التي تمتاز بها العربية من بين جميع اللغات الموجودة في العالم(4).

     يقول عبد الله الطيب: «لابد من العمل على إعادة اللغة العربية إلى بعض ماكان لها من مكانة في حفظ الثقافة والعزة القومية والمعارف الإسلامية، من إعادة النظر في أمر تعليمها تعليمًا صحيحًا بغرض التفهيم لابغرض تجاوز العزائم إلى الرخص، والرخص إلى اللحن، واللحن إلى العجمة وشبه العجمة. ولايكون التعريب الحق باستخدام ألفاظ عجمية وجمل عجمية، ونصوص عجمية حروفها وبعض نطقها وتركيبها كأنه عربي، إنما يكون التعريب الحق بأداء عربي الروح عربي الأسلوب مبين»(5).

     وبذلك ترتقي اللغة العربية إلى المستوى الذي تتمكن فيه من التعامل الإيجابي مع تحديات العولمة في الحاضر والمستقبل.

     وقد حان الوقت أن تصبح اللغة العربية جزءًا من حياتنا اليومية في المدرسة والبيت والمصنع، وأن تغدو الثقافة العلمية جزءًا من ثقافة الصانع والطالب والمعلم والصحافي والأديب وصاحب الاختصاص الفني(6).

     لاريب أن مستقبل اللغة العربية يرتبط باستخدامها المتزايد والجاد في شبكات المعلومات العالمية، وهذ الأمر يتطلب جهودًا كثيرة على المستوى اللغوي، وعلى مستوى تقانات المعلومات حتى نجد المؤسسات العربية تتعامل باللغة العربية. وهذا أحد تحديات المستقبل القريب لتكون اللغة العربية مع اللغات العالمية الكبرى بوصفها وسيلة لنقل المعلومات بالتقانات المتقدمة(7).

     وهذا يتطلّب أن تصبح اللغة العربية لغة منتجة للعلم، لتتبوأ المكانة الرفيعة بين لغات العالم. وتأهيل اللغة العربية لمواكبة تحديات العولمة يجب أن يقوم على التعامل مع اللغة على أساس أنها كائن حي قابل للتطور وفق ما يقرره أبناء اللغة، وإحكام العلاقة بين عملية تطوير اللغة وإصلاحها، وتحسينها وتجديدها وبين المتغيرات التي تعيشها المجتمعات العربية بحيث تكون عملية التطوير استجابة لتطور المجتمع.

     كما يجب الاهتمام بالانفتاح على المستجدات في العالم خاصة في مجالات العلوم والتقانة وعلم اللغة الحديث والسعي إلى الاقتباس والنقل والاستفادة الواسعة من نتائج هذه العلوم جميعا في إغناء اللغة العربية وربطها بحركة الفكر الإنساني، فاللغة هي أهم الروابط المعنوية التي تربط الفرد بغيره؛ لأنها وسيلة التفاهم بين الناس وآلة التفكير عند الفرد، وواسطة نقل الأفكار من الآباء إلى الأبناء، ومن الأسلاف إلى الأخلاف. وللحفاظ على اللغة العربية وجعلها مطوانة مرنة في التعامل والتكيف مع التطور العلمي والمعرفي. الحاصل يجب علينا إدخالها لمنظومتنا التربوية وإعطائها دورًا مركزيًا في الخطاب اليومي في البيوت والمساجد والشوارع والمؤسسات العامة والخاصة.

*  *  *

المصادر والمراجع:

1-      رشدي أحد طعيمة «الأسس المعجمية والثقافية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها»، جامعة أم القرى،مكة المكرمة: 1982م.

2-      محمد محمد حسين  «الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر»، دارالمعارف، مصر، الطبعة السادسة: 1995م.

3-      عبد الله الطيب «مشكلة الأداء في اللغة العربية»،  مكتبة غريب، القاهرة، ط: 1957م.

4-      كمال بشر «اللغة العربية بين العوربة والعولمة» مقالة مقدمة في مؤتمر مجمع اللغة سنة 2002م.

5-      حمزة الكتاني «الحرف العربي والتكنولوجيا» مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 1988م.

6-      حمزة الكتاني «منهجية بناء المصطلحات»  مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية، الرباط، 1988م.

7-      جلال أمين  «مجلة المستقبل العربي» العدد: 228، فبراير1998م.

8-      نبيه إبراهيم إسماعيل «الأسس النفسية لتعليم اللغة العربية للناطقين بغيرها» مكتبة الأنجلو المصرية.

9-      شوقي جلال «أزمة ترجمة المصطلح» مجلة المستقبل العربي، العدد:244، بيروت يونيو1999م.

10-    شوقي ضيف «تاريخ الأدب العربي» (العصر العباسي)، دارالمعارف، بمصر،ط: 1975م .

11-    محمود فهمي حجازي «اللغة العربية في القرن الحادي والعشرين» مجمع اللغة العربية بدمشق، 1998م.

12-    صالح بلعيد «اللغة العربية في مجتمع المعرفة» المجلس الأعلى للغة العربية،2009م.

13-    علاء الدين ناطورية «العولمة وأثرها في العالم الثالث التحدي والاستجابة» دار زهران للنشر، عمان الأردن.

14-    نبيل علي «الثقافة العربية وعصر المعلومات» سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت 2001م.

الهوامش:

(3)      العربية لغة البحث العلمي والتعليم الجامعي على مدرج القرن الواحد والعشرين ضمن كتاب «قضايا استعمال اللغة العربية في المغرب» ص: 363.

(4)      نفس المصدر، ص:264.

(5)      مشكلة الأداء في اللغة العربية: عبد الله الطيب، (مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق) المجلد: 73، ص: 537، يوليو1998م .

(6)      منهجية بناء المصطلحات مجلة «لسان العربي»، العدد: 52، الجزء:3، ص: 537، الرباط، يوليو1998م.

(7)      الحروف العربي والتكنولوجيا: حمزة الكتاني، ص: 94.

*  *  *



(*)          باحث الدكتوراه في قـسم الـلغــة العــربـيـة جـامعــة دلهـي، دلهـي 110007.

             رقم الجوال: 9711484126

             Email: jasimqasmi@gmail.com