ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، ذوالحجة  1437 هـ = سبتمبر 2016م ، العدد : 12 ، السنة : 40

 

دراسات إسلامية

 

عالمية الإسلام .. بين وحدة الدين وتعدد الثقافات

بقلم:  الأستاذ عبد الحكيم خلفي(*)

 

 

 

     لقد اختار الله تعالى مكان نزول رسالة الإسلام الخاتمة واللسان الذي نزل به القرآن الكريم بأن جعلهما عربيين، قال سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [يوسف:2]، واصطفى من كل الأجناس جنس العرب ليكون نبي آخر الزمان منهم، قال تعالى: ﴿وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم:4]، وجعل من خصائص هذه الرسالة أن تكون شاملة لكل الأزمنة والأمكنة، بخلاف الأنبياء السابقين الذين أُمروا بتبليغ أقوامهم في زمن بعثتهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَايَعْلَمُونَ [سبأ:28]، كما خصّ الله شريعة الإسلام بأن تكون مهيمنة على باقي الشرائع السابقة وناسخة لها.

     إن هذه الرسالة العالمية التي جاءت لكل البشر، عربيهم وأعجميهم، أبيضهم وأسودهم، تجعلنا نتساءل: كيف لشريعة واحدة تكون صالحة لكل البشر باختلافاتهم العرقية واللسانية، وتوجهاتهم الفكرية، وعاداتهم وتقاليدهم المتباينة؟ ألا يكون الإسلام بهذا يقضي على هذه الألوان الثقافية، ويمحو هويّات هذه المجتمعات؟ وهل جاء الإسلام لمحو الثقافات المتعددة وتوحيدها في ثقافة واحدة؟ أم أنه لا تعارض بين وحدة الإسلام وتعدد الثقافات؟

لماذا اختلاف الشرائع؟

     أرسل الله الأنبياء والرسل إلى أقوام وأجناس مختلفة، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ [فاطر:24]، ولو شاء الله لكانت كل الشرائع متشابهة وواحدة، لكن من حكمته تعالى أن جعل لكل رسول شرعة ومنهاجا وطريقة توافق هويّة القرى وعاداتها وتقاليدها، فكانت الحدود والقوانين بل وحتى طريقة أداء الشعائر الدينية التي جاءت بها كل شريعة مختلفة باختلاف هذه الهويات والثقافات، ومناسبة لها، وصالحة لزمانها ومكانها وجنسها، قال سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا [المائدة:48]، فشرع الله لها من العبادات والمعاملات ما يتوافق مع خصائصها، وكانت هذه الشريعة تتغير بتغير خصائص هذه الأمم، أما الثابت في كل الرسالات التي جاء بها الرسل فهو توحيد الله تعالى، قال القرطبي في معنى الآية: «جعل التوراة لأهلها، والإنجيل لأهله، والقرآن لأهله، وهذا في الشرائع والعبادات، والأصل التوحيد لا اختلاف فيه»(1). ويخبر الله تعالى عن قدرته على أن يجعل الناس على شريعة واحدة، لا ينسخ منها شيء، ولا تتغير عبر العصور، فقال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِيمَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ [المائدة:48]، غير أنه سبحانه جعل لكل رسول شريعة على حدةٍ، لتُنسخ بالرسول الذي بعده، حتى نسخ جميعها بما بعث به رسول الله صلى الله عليه وسلم(2) الذي جاء برسالة عامة وشاملة وكاملة.

حفظ الإسلام لهويات البلدان المفتوحة:

     جاءت شريعة الإسلام خاتمة ومهيمنة على باقي الشرائع الأخرى وناسخة لها، قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة:48] والمقصود بالهيمنة كما ذكر الطبري: الحفظ والارتقاب والشهادة(3)، فكل ما أخبرت به هذه الكتب السماوية من أخبار فإنها تُعرض على القرآن ليشهد ويرقب صحتها من كذبها.

     إن من مميّزات الشريعة الإسلامية وخصائصها أنها شاملة، وهذا الشمول يطال الزمان والمكان والأجناس، فهي صالحة في القرن الأول والثاني والثالث، صلاحَها في القرن الواحد والعشرين، وهي صالحة لأهل مكة وشعابها، صلاحها لأهل المشرق والمغرب وأمصارها، وهي صالحة للعرب صلاحها للعجم، فالمرونة التي يتميز بها ديننا الحنيف هي التي مكنته من هذه الشمولية المعجزة، فلا نجد دستورًا يمر عليه عقد من الزمن إلا غُيرت فصوله وعُدّلت قوانينه، إلا دستور شريعتنا.

     إن الإسلام لم يأت للقضاء على هويّات المجتمعات، ولا لمحو لغاتها وثقافاتها وعاداتها واستبدالها بلسان واحد وثقافة واحدة، فلكل مجتمع هويّة خاصة به، يتميز بها عن غيره من المجتمعات، ونجد أن الإسلام قد أقرّ كل مجتمع على خصوصيات ثقافته وهويته، ما دامت لا تتعارض هذه الخصوصيات مع أحكام الشرع، فإن تعارضت تدخّل لتقويمها وتصويبها، فكان هدف رسالة الإسلام هو إعادة هذه المجتمعات والأمم إلى الهويّة الثابتة التي لا تتغير ولا تتبدل بمرور القرون والأزمان رغم ما يعتريها من انحرافات، ألا وهي هوية الفطرة، هوية لا إله إلا الله، ولا معبود بحق سواه، قال صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه..»(4) إضافة إلى ما شرعه الله من العبادات والمعاملات التي تتناسب مع هويّات المجتمعات وثقافاتها المختلفة.

     لقد حافظ الإسلام على انتماءات الشعوب التي فتحها، ولم يأمر أحدا أن يغيّر لغته، ولا أن يتنكر لعاداته وثقافته، ولا أن يغير جلده وينتسب إلى غير هويته، بل إننا نجد عكس ذلك تماما، إذ نهى الشرع عن الانتساب إلى غيرنا زورًا وأن نتنكر لهويتنا الأصلية، بل وأغلظ الوعيد لمن يفعل ذلك، فعن أبي ذر - رضي الله عنه- أنه سمع النبي –صلى الله عليه وسلم- يقول: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى قوما ليس له فيهم فليتبوأ مقعده من النار»(5) وقال صلى الله عليه وسلم: «...ومن ادعى إلى غير أبيه أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لايقبل الله منه يوم القيامة صرفًا ولاعدلًا»(6)، وقال عليه الصلاة والسلام: «المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلاَبِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ»(7).

     إن هذه الأحاديث وغيرها- تدعو الإنسان المسلم إلى أن يتمسك بهويته الأصلية، وهذا بالحفاظ على مكونات هذه الهوية من لغة وتاريخ وتراث وثقافة وعادات وتقاليد، وأن لا ينسلخ عنها بأن يلبس لباس زور كما وصفه صلى الله عليه وسلم، بل وتوعّد من فعل ذلك بالنار واللعنة، وقد جاء في حديث حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لاتكونوا إمّعة تقولون: إن أحسن الناس أحسنَّا و إن ظلموا ظلمنا ولكن وطنوا أنفسكم إن أحسن الناس أن تحسنوا وإن أساءوا فلا تظلموا»(8)، فلكل هويته، ولكل ثقافته، فهي دعوة إلى التميز عن الغير، ونهي عن التبعية للآخر، وهذا كله تحت راية واحدة، هي راية الإسلام الجامعة لكل الأجناس،  بتنوع ألوانهم وثقافاتهم وعاداتهم وتقاليدهم.

*  *  *

الهوامش:

(1)      الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبدالله محمد بن أحمد القرطبي، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، دارالكتب المصرية–القاهرة، الطبعة: الثانية، 1384هـ - 1964 م، 6/211.

(2)      انظر: مختصرتفسير ابن كثير، اختصار وتحقيق: محمد علي الصابوني، دارالقرآن الكريم، بيروت– لبنان، الطبعةالسابعة، 1402 هـ - 1981 م، 1/524.

(3)      انظر: جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، الطبعةالأولى، 1420هـ - 2000 م، 10/377.

(4)      صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دارطوق النجاة، الطبعة : الأولى 1422هـ، كتاب الجنائز، باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام، رقم الحديث: 1358.

(5)      صحيح البخاري، ح: 3508، كتاب المناقب، باب، 4/180. / وانظر: مسلم، كتاب الإيمان، باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم، ح: 61، مج 1، ج: 2/42.

(6)      صحيح مسلم، لأبي الحسن مسلم بن الحجاج النيسابوري، دارالجيل بيروتو دارالأفاق الجديدة، بيروت، كتاب الحج، باب فضل المدينة..، رقم الحديث: 3393.

(7)      صحيح البخاري، ح: 5219، كتاب النكاح، باب المتشبع بما لم ينل وما ينهى من افتخار الضرة، 7/35.

(8)      سنن الترمذي، لمحمد بن عيسى أبوعيسى الترمذي السلمي، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض، الطبعة الأولى، ح: 2007، كتاب البر والصلة، باب ما جاء في الإحسان والعفو، ص: 454.

*  *  *



(*)          أستاذ مادة التربية الإسلامية، وباحث في الدراسات الإسلامية والتراث العربي الإسلامي. المغرب

             البريد الإلكتروني: abdelhakimkhalafi@gmail.com

             الهاتف: 671027129+212