ISSN: 2348 – 9472 (Online)

 

مجلة الداعي الشهرية الصادرة عن دار العلوم ديوبند ، ذوالحجة  1437 هـ = سبتمبر 2016م ، العدد : 12 ، السنة : 40

 

الفكر الإسلامي

 

بين رحلة الحج ورحلة الموت

بقلم:  الأستاذ/ نورالدين محمود

 

 

 

        حج البيت أمل لكل مؤمن وغاية المحبين.. فحج البيت عنوان الإخلاص وإعلان الخلاص من الذنوب والخطايا.. وإعلان التجرد لله من كل شيء  متعلق بدنيا الناس.. يتخلص الحاج من كل علائقه باختياره إذعانًا لأمر الله وتلبية لنداء خليل الرحمن (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْـحَجِّ) [الحج:27]

     هذه الرحلة المباركة تشبه كثيرًا رحلة الإنسان إلى الموت.. وفي العرض التالي نبين أوجه التقارب ونقاط التماسّ بين رحلة الحج الاختيارية ورحلة الموت الإجبارية.

كل رحلة تحتاج إلى زاد:

     فزاد الحاج طعام وشراب وراحلة .... أما زاد الآخرة فهو الإيمان واليقين والاحتساب.. وراحلة الآخرة هي الصدق والإخلاص والانقياد لأمر الله  .... وللروح في كليهما زاد .. وهو كثرة الذكر وقصر الأمل فالروح لا تقوى إلا بالذكر ولا تسير إلا بقصر الأمل.

     وكما أن كل خطوة تخطوها تقربك من بلوغ المراد في الحج برؤية بيت الله العتيق وأداء المناسك .. فإن كل يوم يمر من حياتك يقربك من الآخرة التي أول منازلها القبر.

فساد النهاية من فساد البداية:

     عند ارتداء ملابس الإحرام نتذكر الكفن .. ثوب أبيض لا جيوب له .. فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليه.

الحج والموت تسليم مطلق لمراد الله تعالى:

     فالحج شعاره .. لبيك اللهم لبيك .. لبيك لا شريك لك لبيك.

     والمناسك من التشريع أي بأمر الله تعالى قال  صلى الله عليه وسلم: (خذوا عني مناسككم).

     والموت تسليم لأمر الله تعالى فهو القائل ﴿فَلَوْلا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ [الواقعة: 83-85]

الميقات:

     هو فاصل مكاني بين الأرض التي أنت فيها حلال غير متلبّس بنسك والأرض التي تصبح فيها حرامًا متلبسًا بالنسك والعبادة.

     والميقات العبادي هو فاصل بين ما أحلّ الله وما حرّم وبين ما شرع وما ترك، فنأتي المأمور ونترك المحظور، والميقات الكوني هو فاصل بين الدنيا وما فيها من نصب وتعب ومحظور ومحرّم وبين الجنة وما فيها مما أعده الله لعباده المتقين لا تعب ولا نصب ولا محظور ولا محرّم .. فكل شيء في الجنة مباح.

المقام:

     الحاج في مقام إبراهيم يقف ليصلي ركعتين ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى [البقرة:١٢٥] .. وفي الآخرة المقام بين يدي الله تعالى يعدّد عليك أعمالك ويحصي عليك أفعالك ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ [الصافات:24].

     وبالجملة قيل: إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما الله أقامك ...

     هل أقامك على الذكر والتبتل؟

     أم أقامك على  قضاء مصالح الخلق؟

     أم أقامك على برّ الوالدين وصلة الأرحام؟

     أم أقامك على تبيلغ شرع الله والدفاع عن سنة النبي والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

     أم أقامك على قول كلمة الحق في وجوه الظالمين ولا تخشى إلا الله رب العالمين؟

     فمقامك يومئذ في الآخرة على منابر النور في الجنة بين أصحاب المنابر الرفيعة والمقامات العالية المحمودة أم أنه أقامك في مقامات الغيبة والنميمة .. أو مقام الوقيعة بين الخلائق .. أو مقامات المعصية وفعل المحرّمات .. واتباع خطوات الشيطان .. ومناصرة الظلم والظالمين.

     فيكون المقام في الآخرة على منابر من النار مع مردة الجن والشياطين وعصاة البشر وسافكي الدماء والصادّين عن شرع الله وقاتلي الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس.

السعي والطواف:

     فإنك حين تعرف أن الله ينظر إليك .. قلبك مرأى وعملك مشهود وسعيك معدود وطوافك مرقوب .. حينئذ فقط سوف تقصر خطاك فى مسعاك وطوافك عن الحرام .. كل الحرام بما فيه مناصرة أهل الباطل.

يوم عرفة:

     حين يزحف الحجاج للوقوف بعرفات الله تذكر يوم البعث والنشور والكل يساق إلى أرض المحشر لبدء الحساب بين يدي الله تعالى.    

     وفي باقي النسك من حلق ونحر وطواف إفاضة آيات للمتفكرين والمتأملين في رحلة الحج ورحلة الموت .... علينا أن نحدد أهدافنا ونستوضح طريقنا ونجدد عزمنا ونيّاتنا أن نصطلح مع الله وأن نسير في طريق الله وأن ننصر أولياء الله ونعادي أعداء الله ونبذل الغالي والنفيس في نصرة الدين حتى إذا عاد الحاج مغفور الذنوب كيوم ولدته أمه ... نفوز نحن  يوم القيامة  بالجنة ورضا الرحمن .... نستظل في ظله ونشرب من حوض نبيه ونستقبل من الملائكة الكرام والغلمان المخلّدين والحور العين .. و المزيد يوم الكرامة يوم النظر إلى وجه الله الكريم.

     والله أسأل أن ينصر الإسلام ويعز المسلمين ويحفظ المجاهدين ويظهر الحق على رؤوس العالمين.

*  *  *