مجلة الداعي، مجلة الداعي، ذو الحجة 1440هـ ، أغسطس 2019م ، العدد: 12، السنة: 43

 

 

الدَّاعِيْ

مجلة عربية إسلامية شهرية

تصدر عن الجامعة الإسلامية : دارالعلوم

ديوبند ، يوبي ، الهند

 

 

ISSN 2347-8950

العـــــــــــــــــــــدد : 12 ،                  السنـــــــــــــــــــــة : 43

ذو الحجة 1440هـ ، أغسطس 2019م

تحت إشراف

فضيلة الشيخ أبوالقاسم النعماني

رئيس الجامعة

رئيس التحرير

نـور عـالــم خليـل الأمينـي

أستاذ الأدب العربي بالجامعة

الاشتراكات

·      ثمن النسخة:30 روبية هندية

 

قيمة الاشتراك السنوي

 

·      في الهند : 300 روبية هندية

·      وفي خارج الهند للأفراد : 60 دولاراً

·     وللمؤسسات الحكومية : 80 دولاراً

المـراسـلات

رئيس تحرير مجلة الداعي

دارالعلوم ، ديوبند ، يوبي ( الهند )

الرمز البريدي 247554

 

Chief Editor, AL – DAIE

Arabic Islamic Monthly

Darul – Uloom, Deoband – 247554

(U.P.) INDIA

 

الهاتف والفاكس

Ph. : (00-91-1336) 222429,         Fax : (00-91-1336) 222768

 

المواد التي تنشرها المجلة تعبر عن وجهة نظر كاتبيها و لا تعبّر – بالضرورة – عن رأي المجلة

 

 

 

المحتويات

 

كلمة المحرر

 

·        لقد كان في قصصهم عبرة

التحرير

·        كلمة العدد

 

·        السعادة شيءٌ وراءَ هذا وذاك

نور عالم خليل الأميني

الفكــر الإسلامي

 

·        من ظلال التفسير

العلامة الشيخ شبير أحمد العثماني الديوبندي رحمه الله

دراسات إسلامية

 

·        في بيان حكمة الحج

الأستاذ عزالدين المفلح

·        من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند

الأستاذ سيد محبوب الرضوي الديوبندي رحمه الله

·        كعبة المشرّفة.. مهوى الأفئدة العامرة بالإيمان

الأستاذ إبراهيم نويري

·        حرمة مكة المكرمة

الأستاذ صلاح أحمد الطنوبي

·        تجديد الحياة .. في عشر ذي الحجة

الأستاذ محمد سعد الشعير

·        ضوء خاطف على رحلة الذنب المغفور

الأستاذ عبد الرزاق القاسمي الأمروهي

·        فَلْنَقْدِرِ الْوَقْت!

الأستاذ محمد شاهنواز القاسمي

·        شيوع الأخلاق النفعية في العصر الحديث

الأستاذ محمد الناصر

محليــــــــــــــــات

 

·   سجين مسلم في السجن المركزي يتعرّض لاعتداء شنيع و عمل غير إنساني في جسده و وشم كلمة ذات دلالة مناوئة...

 

أبو عاصم القاسمي المباركفوري

أنباء الجامعـــة

 

·        حاكم مقاطعة «سهارن فور» يزور الجامعة على رأس وفدٍ

أبو فائز القاسمي المباركفوري

إشـــراقــــــــــة

 

·        هذه الصفة جِماعُ الصفات

أبو أسامة نور

 

*   *   *

إلى المحتويات

 

كلمــة المحــرر

لقد كان في قصصهم عبرة

 

     حكى الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم قصص كثير من الأنبياء عليهم السلام، وفيها كثير من العبر والدروس، ومن هذه القصص قصة إبراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام. لقد عاش إبراهيم حياته كلّها ابتلاءً وامتحانًا من الله تعالى، وكان التوفيق الإلهي حليفه في كل ذلك؛ فقد ابتلاه الله تعالى بأمره بذبح ولده الأعز الذي رزقه في سنٍ متأخرٍ، وعلى شوقٍ كبيرٍ، وانتظارٍ طويلٍ، وبعد أن دعا الله تعالى أن يهبه ولدًا صالحًا يؤنسه في غربته، ويعينه على طاعة ربه و الخضوع له، والدعوة إليه؛ وذلك عوضًا عما لاقاه في قومه من المعاناة والأذى الكثير الذي يستنفد الصبر. فلما كبر إسماعيل وترعرع، وأخذ يذهب مع أبيه، ويمشي معه، أمرَ الله تعالى إبراهيم بذبحه، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات/ 102].

     إنه لمشهد يتمـــزّق لــــــــه الكبد و يتشقّق، وتخــــور لـــه القوى وتنهار، وتتّطحم له العزيمة، ويقف له القلب عن الخفقان؛ فمن اليسير على المرء أن يقدِّم ما يملكه من غالٍ ونفيس؛ بل ونفسه التي بين جنبيه، وأما أن يترك فلذة كبــــــده فريســــــــــــةً للمكــــــروه فمـا أعسره وأصعبه! إنه لايبالي بالقتال دونه مادام فيه عرقٌ ينبض، وبين جنبيه قلبٌ يخفق.

     إن هذه القصة تعلِّمنا أنّ الإيمان يتطّلب التضحية: تضحية أغلى شيء يملكه الإنسان، وأن محبة الله وطاعته والاستسلام والانقياد له تفوق المال والنفس والولد، ونِعَمَ الدنيا كلها، وإلى هذا المعنى يشير النبي بقوله: «فوالذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده وولده». [صحيح البخاري:14]، ومارواه عبد الله بن هشام رضي الله عنه، قال: كنا مع النبي -- وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب، فقال له عمر: يا رسول الله، لأنت أحب إليّ من كل شيءٍ إلا من نفسي. فقال النبي : «لا، والذي نفسي بيده، حتى أكون أحبّ إليك من نفسك». فقال له عمر: فإنه الآن، والله، لأنت أحب إلي من نفسي. فقال النبي : «الآن يا عمر». [صحيح البخاري:6632].

     لِنَنْظُرْ كَمْ مِنَّا مَن يَضرب بأوامر الله تعالى وتوجيهات رسوله الكريم -- عُرضَ الحائط لعَرض الدنيا وحطامها وشهواتها وأهوائها، فيمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، ويصبح مؤمنًا ويمسي كافرًا أعاذنا الله تعالى منه.                                                   [التحرير]

(تحريرًا في الساعة الثانية من ظهر يوم الاثنين: 20/شوال1440هـ= 24/يونيو2019م)

*   *   *

إلى المحتويات

 

كلمــــة العــــــدد

السعادة شيءٌ وراءَ هذا و ذاك

     مُعْظَمُ الناس يظنون أن وفور وسائل الحياة هو الكفيل بجلب السعادة وتحقيق الراحة وتوفير طمأنينة القلب التي يركض وراءَها الإنسانُ منذ تَكَوُّن وعيه، ونضوج رشده، و وضعه خطاه على طريق الحياة. ولو رُحْتَ لتُؤَكِّد لهم أن السعادة لا تتحقق بمجرد الوسائل الماديّة والإمكانيات الوفيرة، ولايمكن شراؤها بها؛ لأن الأمر لو كان كذلك لكان أثرى الناس هو أسعد الناس، وأفقرهم هو أشقاهم لا مَحَالَةَ، وليس الأمر كذلك؛ لأن أفقر الناس في الوسائل الماديّة قد يكون أسعدهم، و أغناهم فيها قد يكون أشقاهم، مما يُؤَكِّد بوضوح أن السعادة شيء وراء الغنى والفقر.

     فقد جَرَّبْنَا أناسًا لديهم جميع أنواع وسائل الحياة التي لم تَزِدْهم إلّا شقاءً وضياعًا وتمزقًا وتحطّمًا من الداخل؛ فهذا رجل لديه من الأرصدة في المصارف ما لا يَنْفَد على مَرِّ السنين، ويكفي أحفادَه وأخلافَهم مهما توقفت تجارته الواسعة ونشاطاته الماليّة وأعماله الاستثماريّة، وعنده من القصور الشامخة، والسيَّارات الفارهة، والأثاث والرياش، ما تَتَحلَّب له الأفواهُ وتَتَلَمَّظ له الشفاهُ، ويطمع فيه الطامعون، ويتنافس فيه المتنافسون، تَجمَّعَ لديه من وسائل الدنيا الحديثة ما يَحْلُم به كثيرٌ من الناس سنين طويلةً فلا يتحقق له وإنما يبقى حلمًا وخيالًا أبعد عن الوجود، فهو رجل عصري متحضّر حَظِيَ بمستوى معيشيّ متطور بكل مقاييس العصر الحديث، وتمتع بطراز من عيش الحياة، ونمط من تنعيمها وتحسينها لا يُتَصَوَّر أرقى منه، ينظر إليه الجيرانُ فلسانُ حالِهم يقول: يا ليت لنا مثل ما أوتي فلان، إنه لذوحظّ عظيم!.

     لكنه مصاب بداء عُضَال لايقبل علاجًا ولا ينفع فيه دواءٌ وعييت فيه حيلة كل طبيب حاذق، فلا يهنأ له طعام، ولا يسوغ له شرابٌ، ولا يقدر على إمرار لقمة من حلقه، ويودّ أن يصطلح الأطباء النِّطَاسِيُّون لكي يوجدوا له تدبيرًا يجعله يُسِيْغُ جُرْعَةَ ماء أو وَجْبَةَ دواء، وقد رَصَدَ لهم قدرًا كبيرًا من المال الوفير الذي أغدقه الله عليه، لم يَتَصَوَّر الأطباء مثلَه -الداء العضال- في حياتهم العلاجية ومشوارهم الطبّي.

     ولذلك يعيش اضطرابًا نفسيًّا وقلقًا فكريًّا؛ لأن الحياة أصبحت وبالًا عليه، لا تهنأ له هذه الدنيا العريضة التي ارْتَمَتْ إلى حضنه، وهذه الثروة الفائضة، والتجارة الواسعة، والحقول والأراضي الزراعية المترامية التي لم تقدر بمجموعها أن توفر له راحةَ ثوانٍ وسكينةَ دقيقةٍ وطمأنينةَ ساعةٍ.

     و وجدتُ آخر يشكو إلى كل من يقابله فراغًا في القلب لا يُمْلَأُ بنحو ما، ولا يكاد يجد له تفسيرًا واضحًا أو تعليلًا يعتمد عليه عقلُه، قد يصحو من النوم فجأةً كأن هناك شبحًا مخيفًا يطارده، أو غولًا مهيبًا يكاد يبتلعه، وقد يَسْأَمُ من رتابة الحياة، وقد تُحَدِّثُه نفسُه بأن يقفز من فوق الطَّابَقِ السابع والعشرين من القصر الشامخ الذي يسكنه، وقد يتفاقم ضَجَرُه من الحياة التي ضاقت عليه بما رَحُبَتْ، فيريد إرادة قوية أن يتخلص منها بالانتحار؛ لأنه يشكو خِوَاءً روحيًّا لم يعالحه الثراء المادّي والرَّخَاءُ المالي و وفرةُ الوسائل بأنواعها والإمكانيات بتراكمها الهائل. إن هذا الخواء سَبَّبَه له هذه الكثرةُ الكاثرةُ من الوسائل المادية التي كان قد ظَنَّهَا تَجْلُبُ له السعادةَ الروحية والعافية القلبية والطمأنينة النفسية، والتي قد تَسَبَّبَتْ في اشتداد الفراغ القلبي والنفسي، الذي أصبح داءَ العصر، ومفسدةَ الزمان، وسوءةَ الإنسان المتحضر المتمدن المتنوّر المتقدم، الذي نالَ كلَّ شيء على حساب سكينة الروح والقلب، وباع راحة نفسه بدراهم بخس معدودة من مُنَعِّمَات الحياة التي ظنّها كلَّ شيء فوجدها عن تجربة أنها ليست بشيء.

     لقيتُه ذاتَ مرة وهو يخرج من بَوَّابَة قصره المُزَخْرَفَة، فقال في بساطة بسيطة فيها الصدقُ وجمالُه، والصراحةُ ورُوَاؤها لديَّ يا أخي! كل ما يَحْلُمُ به الإنسانُ المعاصرُ الطَّمُوحُ في حياته بكل ما فيها من ملاذّ ومطايب، وعندي منها كل نوع ولون، إلّا الشيء الوحيد الذي هو بالتحديد طمأنينة القلب بتعبير إيجابي، والفراغ في القلب بتعبير سلبيّ.

     ولستُ أنا الوحيد الذي يشقى بالحياة رغم جميع الأسباب التي يظنها الناس أنها تُسْعِد الحياةَ؛ لكن يشاركني في ذلك ملايينُ من الناس، الذين يَشْقَوْن شقائي. وذلك ما يوحي إليّ ببعض السعادة، حيث أجد كثيرين يشاطرونني الشقاءَ.

     إنّها قصّة ملايين من البشر، تَعَبَّسَ وجهُ الحياة في شأنهم، وأَظْلَمَتْ سبل الحياة، فعادوا لا يَتَبَيَّنُون الطريقَ، وفقدت الحياة لديهم كل ما يكون فيها لذة وطيب. بينما لاحظتُ أناسًا آخرين تعلو وجوهَهم بسمةٌ عريضة، ممن فقدوا كلّ ما يتمتع به القِطَاعُ الأوّل من نعيم الدنيا وخيراتها، فيعشون مُقَتَّـرًا عليهم في الرزق، لايجدون بُلْغَــــةً من العيش؛ ولكنهم يشعرون بسعادة غامرة ويجدون أغلى ما في الوجود من طمأنينة النفس وراحة الضمير وهدوء البال.

     وجدتُ بعضَ الكادحين من العمال في سوق «كهاري باؤلي» في شمال الجامع الفتحبوري بدهلي القديمة يجرّون عربات اليد بأيديهم القوية ومآزرهم الفولاذيّة طوالَ النهار والدُّلْجَة من الليل، وفي المساء يوقفون عرباتهم، فتتكون منها أكواخٌ لهم على جوانب الشارع، فيطبخون في داخل هذه الأكواخ أخبزةً لهم ثخينة، يكون لكل منهم أربعة أخبزة يأكلها بإدام متمثل في البطاطس المهروس الذي يمزجه بالملح والفلفل الأحمر والأخضر وبعض التوابل التي تجعله حِرِّيفًا لذيذًا طيبًا سائغًا، ويهرقون في حلوقهم إثر تناول هذه الأخبزة الأربعة الثخينة إبريقًا كبيرًا من الماء البارد الطبيعي المُيَسَّر لهم من بعض المِضَخَّات القريبة، فيجرف هذا القدرُ من الماء هذه الكومة من الأخبزة إلى قعر معدتهم، وفي الصباح الباكر يتخلون عن «الروث» المُتَوَلِّد منها، فيَتَنَظَّفُ بطونهم من جميع اللوثات التي قد تؤدي إلى الأمراض، وفي الصباح الباكر يعيدون عملية إعداد الخبز وتناوله وإهراق الإبريق في الحلقوم، ثم يتحركون بعرباتهم اليدوية في السوق ويقومون بنقل البضائع بين المحلّات طَوَالَ النهار، وفي الليل يترامون على الأرصفة بعد تناول الوجبة المذكورة، فيغطون في نوم عميق لذيذ لم يعرفه ثري ثراء مُطْغِيًا إلّا في طفولته، فلا يوقظهم إلّا إشراقةُ الشمس في أول طلعتها.

     إنهم يعيشون حياةً كلها سعادة، فلا يُزْعِجُهم همٌّ، ولا يُقْلِقُهُمْ مرضٌ، ولا يسترعي انتباهَهم قضايا الحياة التي يعيشون مُسْتَغْنِيْن عنها، إنهم يعيشون في غنى عن كل مُنَغِّصات الحياة، إن السعادةَ قد تغبطهم وتستفتيهم معنى الهدوء والسكينة وراحة الضمير، لكي تُسَجِّله في سجل الخلود؛ لأنهم لم يعرفوا الشقاءَ رغم معاناتهم في الحياة، وكدحهم في العيش، وعرق جبينهم المتقطر باستمرار في طريق الأيام، ولم يكونوا قط مدينين للوسائل الماديّة لتَبِضَّ بشيء من معنى السعادة التي يتسكّع في سبيل الظفر بها المترامون على الثراء، الحريصون على اقتناء الوسائل والإمكانيات التي ظَنُّوها وسيلةً وحيدةً حتميةً للسعادة والهناء. إن هؤلاء العمال الكادحين هم في الواقع فلاسفة الحياة، ومهندسو السعادة، ومُخَطِّطُو السبيل إلى راحة الضمير التي يفقـــدها الأغنياءُ والتجارُ المُتْرَفُون في قصورهم المنيفة، وبين حشمهم وخدمهم.

     فالسعادةُ حقيقةٌ غنية عن كل من الثراء والفقر، والإفلاس في الوسائل وتوافرها بأنواعها، إن المادة بجميع أشكالها وبكل ما تحمله من سحر وجاذبية لا تملك أهلية متمثلة في إتحاف الإنسان بهدوء القلب وراحة الضمير، اللذين بدونهما تتحول الحياة جحيمًا لا تُطَاق؛ فتلكم هي حياة الغرب التي أتحف فيها العلمُ وتجربة الاكتشاف والدراسة الإنسانَ المعاصر، المتقدم الراقي، المتحضر المثقف، المتنور المتطوّر وأَضِفْ ما شِئتَ من الصفات بكل ما يحتاج إليه وما لا يحتاج إليه أيضًا، وسَيْطَرَ أبناءُ الغرب على كثير من ذخائر الطبيعة، وصنعوا منها كل لون من وسائل الحياة، التي سَهَّلَتِ الحياةَ، ولَيَّنَتْهَا وزَيَّنَتْهَا، وجعلوا أسواقَ الشرق يَطْفَحُ بها، وتركوا أبناءَ الشرق يُؤْخَذُون بها، وينهمكون فيها، ويَتَبَارَوْن في اقتنائها، حتى «يتقدموا» كما تقدم إخوانُهم في الغرب، و«يَتَحَضَّرُوا» كما تحضروا.

     هل سَعِدَ أبناء الغرب «المنتجون» أولًا حتى يسعد بهذه الوسائل المستحدثة أبناء الشرق «المستهلكون» أما جعلتهم هذه الوسائل يدورون في حلقة من الحياة مفرغة، ويطوفون بلا نهاية ودونما غاية، كثور الطاحون، أما جعلتهم يسأمون الحياةَ، وكأنهم يريدون أن ينسلخوا من جلودهم أو جلودها حتى يتجددوا أو تتجدد هي الحياة فكثر فيهم الانتحار، الذي يلجأون إليه وصولًا إلى الهدوء والسعادة، اللذين لم تستطع هذه الوسائل أن تحققهما لهم.

     وهذه الخنفسة أو الهيبية التي كانت قد ظهرت في الماضي القريب كموجة جارفة اكتسحت القطاع العريض من شباب الغرب، وصارت مع الأيّام مُوضَةً حاكاها كثير من شباب الشرق حينًا من الدهر بحثًا عن «التحضر» و«التقدم» و«التحدّث». إنّ هذه الخنفسة التي كانت قد فشت كوباء دفعت كثيرًا من أبناء الغرب إلى أقطار الشرق يتجوّلون في ربوعها بحثًا عن الهدوء والسكينة التي فقدوها في زحمة الحياة المادية المُتْخَمَة بوسائل العيش، فكانوا يجلسون إلى النُسَّاك الهندوس، يتعلمون منهم «اليوغا» وعندنا كثير من النسّاك الذين كان يزورهم الشباب الغربي، ويتعلمون منهم تعاطي المخدرات والمسكرات بأنواعها، ويتعلمون منهم ما يكسبهم فيما كانوا يزعمون الهدوء والطمأنينة، وكانوا يرتادون الدولة الملاصقة للهند دولة «النيبال» ويتعاطون هناك العقاقير والمشروبات الروحية حرصًا على الهدوء والسعادة التي كانت قد صارت لهم عنقاء مغرب. وكان ذلك كله دليلًا على ضياعهم رغم غرقهم في الوسائل المادية الحديثة إلى الآذان بل ذُرَى الرؤوس.

     هناك سؤال يُلِحُّ على البروز على السطح؛ لأنه لم يجد حتى الآن جوابًا مقنعًا علميًّا يضع النقاط على الحروف، ويُحَدِّد مكمن الداء وموضع البلاء، وهو: هل المادة تُحْدِث في الإنسان فراغًا عجيبًا يدعه حيران تائهًا، ويُسَبِّب له الاضطراب النفسي والتوتر الفكري؟، وبكلمة أخرى: هل وسائل الحياة المادية التي هي من نعم الله تؤدي إلى الداء العضال المتمثل في التشتت الفكري والتحطّم النفسي؟. إذا كان الأمر كذلك فلماذا لم يُقَبِّحْهَا الشرع الإسلامي الحكيم؟!.

     بالطبع لا، فإن المادة بذاتها أو وسائل الحياة المجردة لم يخلقها الله لتُسَبِّبَ الشقاءَ للإنسان، ولذلك لم يُشَنِّع عليها الإسلامُ، وإنما الذي يُؤَدِّي الإنسانَ إلى الضياع والشقاء هو الاتكال الزائد على الوسائل، والانهماك البالغ فيها، والإخلاد الشديد إليها، والتنافس في الظفر بأكبر قدر منها، وجعلها نُصْبَ الحياة، والاعتقاد فيها عن شعور أو غير شعور، أنها القادرة بدورها على حلّ جميع مشاكل الحياة، مما يؤدى المرءَ بشكل تدريجي إلى الانشغال عن غاية الغايات وهي الاهتمام بجانب الآخرة، وتصحيح الصلة بالله، وتوطيد العلاقة به، والإنابة إليه، وجعل ذلك أكبر همّه، وغاية رغبته. ومثل هذا الإنسان المتشاغل عن الله وآخرته يعود شيئًا فشيئًا ناسيًا غايتَه وربَّه وخالقَه، تلك هي النقطة العظيمة التي رَكَّزَ عليها القرآن الكريم قائلًا:

     ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (المنافقون:9).

     ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (الأنفال:28).

     من هنا لم يكن الحرمان في شأن حطام الدنيا و وسائل الحياة خطرًا يعادل خطرَ الفوز بها، فقد قال النبي -- «ما الفقر أخشى عليكم؛ ولكن أخشى أن تُبْسَطَ عليكم الدنيا، كما بُسِطَتْ على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، فتُهْلِكَكم كما أَهْلَكَتْهُمْ» (البخاري: 4015؛ ومسلم: 2961).

     الإنسان المعاصر، داؤه الخطير الذي أَدَّاه إلى مشكلات مُعَقَّدَة وأمراض وأسقام، هو العنايةُ القصوى بالمادّة والمعدة والشهوات بأنواعها التي لاتُحْصَىٰ، والتنافس فيها بحيث تبدو كأنها قد رَكِبَتْه، ونَشَبَتْ به مخالبَها تُمْلِي عليه إرادتَها، وهو يُتَرْجِمُها إلى الواقع الحيّ في خضوع واستسلام. إن هذا الداء في صورته البَشِعَة تَوَلَّدَ في أوربّا نتيجة صراع كنسي دموي شديد يعرف الجميع قصتَه بفصولها وأدوارها، وكان طبيعيًّا أن ينتقل هذا الداءُ إلى الشرق، وكان المرجوّ أن يَتَحَرَّزَ منه أبناء الشرق، ولاسيّما أبناء الإسلام؛ لكن من سوء الحظّ لم يتحقق هذا الرجاء النبيل، وإنما تحقق عكسُ ذلك، وأقبل عليه الشرقُ يُصِيب به نفسَه، كأنه دواء يشفي جميعَ الأمراض، وقُدِّرَ لنا نحن أبناءَ الإسلام أن نعيش هذه التعاسةَ، وهذا الفراغَ الهائلَ، أو الامتلاءَ القاتلَ بكل ما يُنْسِي اللهَ، ويُبْعِد عن الربّ، ويُلْهِي عن الآخرة، ويشغل عن العاقبة الوخيمة بكل ما فيها من دمار وضياع لما يحافظ عليه الكَيِّسُ بكل غال ورخيص، وبتضحية بكل أثمن وأغلى في هذا الكون.

     لنتأكّد أن الإسلام لا ولن يسمح بالاهتمام بجانب الدنيا على حساب الاهتمام بجانب الآخرة، ولا يُقِرُّ أبدًا بالاعتناء بالمادّة والمعدة اعتناءً يُنْسِي الآخرة، وينصرف بالإنسان: أحسن وأقوم صنائع الله في الكون عن خالقه ورازقه. وإنما يدعو أبناءَه إلى الجمع بين حسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة، والأخذ بنصيب مُتَّزِن من كل من الجسم والروح، والاستجابة لمُقْتَضَيَات كل من العقل والقلب في توازن واعتدال وتكامل وانسجام؛ من هنا كان الإسلام دينَ توازن واعتدال، دينًا يُسَايِرُ دواعي المادة والروح في وقت واحد، ولا يدع المادّة تَطْغَىٰ على الروح، ولا يسمح للروح أن تتغافل عن متطلبات المادة كليًّا. وهنا تتحقق السعادة، وتترتب الغاية.

نور عالم خليل الأميني

nooralamamini@gmail.com

          (تحريرًا في الساعة الخامسة مساءً قبيل أذان العصر من يوم الخميس: 2/شوال 1440هـ الموافق 6/يونيو 2019م).

 

*   *   *

إلى المحتويات

 

الفـكر الإســــــــلامي

من ظلال التفسير

 

بقلم: العلامة الشيخ شبير أحمد العثماني رحمه الله

 (1305-1369هـ/1887-1949م)

تعريب: أبو عائض القاسمي المباركفوري

 

     إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)

فائدة:

     اسم زوجة عمران: حنة بنت فاقوذا نذرت على خلاف عادة عصرها، وقالت: اللهم، أجعل ما في بطني محرّرا أي حرّرته باسمك. وتعني ذلك أنه يبتعد عن مشاغل الدنيا والنكاح وغيره إلى عبادة الله تعالى وخدمة الكنيسة. أللهم فاقبل نذري بفضلك. فإنك تسمع دعائي، وتعلم نيتي وإخلاصي. وكأنها طلبت بأسلوب لطيف أن يرزقها الله تعالى ولدًا ؛ لأنهم كانوا لايقبلون البنات لهذه الخدمة.

     فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)

فائدة1:

     قالت ذلك متحسرةً؛ لأنه جاء على خلاف ما توقعتـــــه. ولم تكن العادة جارية بقبول البنت في ذلك.

فائدة 2:

     هـــــذه جملــــة معترضـــــــة مــن كلام الله تعــالى، أي لم تكن تعلم ما وضعته. ولايعلم قدر هذه البنت ومكانتها إلا الله تعالى، وأنى يصل الولد الذي تمنته إلى مكانة هذه البنت؟! فهذه البنت مباركة وسعيدة بذاتها، وينطوي وجودها على ولد مبارك وسعيد عظيم.

فائدة 3:

     استجاب الله تعالى هذا الدعاء. ورد في الحديث: «ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من مسّ الشيطان، غير مريم وابنها»(1). وبضم أحاديث أخرى في هذا المعنى يتبين أن الولد يولد على الفطرة، التي تظهر بعد كبره حين يعقل ويميز.

     ولكن ما يحيط به من الأوضاع والتأثيرات الخارجية قد تكبس هذه الفطرة التي فطر عليها، و هو ما عبَّر عنه الحديث النبوي الشريف بـ«فأبواه يهوّدانه وينصّرانه»، فكما أن بذرة الإيمان والطاعة تلقى في فطرته الجوهرية بصورة غير مرئية، في حين أنه لايدرك الأشياء العريضة الملموسة فضلا عن الإيمان.

     كذلك التأثير الخارجي قد ابتدأ منذ ولادته بنوع من المس الشيطاني بصورة غير ملموسة. وليس من اللازم أن يتفاعل كل أحد مع هذا المس الشيطاني، أو يقبل ثم يستمر عليه لاحقًا. وبما أن الله تعالى تكفل عصمة الأنبياء -عليهم السلام- كلهم، فهب أنهم تعرضوا لمثل هذه الحالة في مبدإ الولادة، ولم يتم استثناؤهم استثناء مريم وابنها، فإنه رغم ذلك لاتتطرق شبهة إلى أن مس الشيطان هذا لايجلب ضررًا على هؤلاء العباد ذوي القداسة والعصمة على الإطلاق. وإنما تفترق مريم وابنها عمن سواهما بأن يتعرضا لمثل هذه الحالة أصلا، لمصلحة من المصالح، وأما غيرهما فربما تعرضوا لها ولكنها لم تؤثر فيهم.

     وأمثال هذه الجزئيات لاتوجب فضلًا كليًّا. روي أن جاريتين كانتا تنشدان بعض الأبيات، فأعرض النبي -- عنهما، ودخل أبوبكر، وهما تنشدان، ثم دخل عمر -رضي الله عنه-، فهربن. فقال رسول الله : «فوالله، إن لقيك الشيطان بفج قط إلا أخذ فجًّا غير فجِّك»(2). فهل يقول عاقل في ضوء هذا الحديث أن الرسول -- فضَّلَ عمر على نفسه؟

فائدة:

     أما تفسير الآية بحديث أبي هريرة في مس الشيطان فلاينطق عليه ظاهرًا، اللهم إلا أن نقول: إن الواو في قوله  ﴿وَإِني أُعِيْذُهَابِكَ﴾ ليس للترتيب، أو إن الاستثناء في الحديث يراد به ولادة المسيح من مريم عليه السلام، ولم يرد به كل واحد من مريم والمسيح لوحدهما. فقد ورد حديث رواه البخاري بالاكتفاء بذكر عيسى عليه السلام.

     فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)

فائدة1:

     أي رغم أنها كانت بنتًا، إلا أن الله تعالى أضفى عليها القبول أكثر من الولد، وألقى في قلوب سدنة بيت المقدس أن يقبلوا البنت على خلاف العادة. ثم إنه تعالى منحها جمال الصورة، وكفلها عبده زكريا، وتقبلها عنده قبولًا حسنًا. وزادها بسطةً في كل شيء  من الجسم والروحانية والعلم والأخلاق بصورة غير عادية. واختلف السدنة فيمن يتولى تربيتها، فخرجت القرعة في حق زكريا -عليه السلام- بأمر الله تعالى، لتتربى البنت في حضن خالتها، وتستفيد من علم زكريا ودينه. فقام زكريا -عليه السلام- بمراعاتها حق الرعاية. فلما كبرت مريم اختص لها حجرة بجوار المسجد. فكانت تشتغل فيها سحابة النهار في العبادة ونحوها، وتقضي ليلها عند خالتها.

فائدة 2:

     ذهب معظم السلف إلى الرزق هو الرزق الظاهر. يقال: كانت تأتيها الثمرات في غير أوانها، فثمرة الصيف في الشتاء، وثمرة الشتاء في الصيف، وروي عن مجاهد: المراد به الصحف العلمية، التي يمكننا أن نصفها بالغذاء الروحاني. وعلى كل بدأت بركات مريم وكراماتها والآيات غير العادية تظهر منها، وشاهدها زكريا غير مرة فلم يملك نفسه فسألها عجبًا من ذلك: يا مريم، من أين لك هذه الأشياء؟

فائدة 3:

     أي إنه من قدرة الله تعالى، يرزقني من حيث لايُحتسب.

     هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)

فائدة:

     كان زكريا قد أسنَّ، وكانت امرأته عاقرًا، وفقدوا كل أمل ظاهر في الولد، ونظر إلى صلاح مريم وبركتها ورزقها غير العادي، فجاش في قلبه فجأةً الرغبةَ في الدعاء بالولد، فلعلّه ينال الثمرة في غير أوانها، أي الولد في الكبر.

     فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)

فائدة1:

     استجيب دعاؤه، وبُشِّر بولدٍ، سماه يحيى.

فائدة 2:

     والمراد بـ«كلمة» هنا عيسى -عليه السلام-، الذي ولد من غير أب. وكان يحيى يخبر الناس مسبقًا بأنه سيولد المسيح.

فائدة 3:

     أي كثير الحصر عن الملذّات والشهوات، ويبلغ من الاشتغال بعبادة الله تعالى مبلغًا لايتركه يلتفت إلى النساء، وهذه صفة خاصة بيحيى عليه السلام، وليس قانونًا عامًّا يعم الأمة المحمدية. ومن أبرز ميزات نبينا -- أنه جمع إلى كمال العشرةِ كمالَ العبادة.

فائدة 4:

     أي يبلغ ذروة الصلاح والرشد، التي توصف بالنبوة، أو المراد به صلاح الحال، أي يكون على غاية من صلاح الحال.

     قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40)

فائدة:

     أي أن مشيئته وقدرته غير خاضعة للأسباب، وإن جرت عادته في هذا العالم أن يخلق المسببات بالأسباب العادية؛ ولكن من عادته الخاصة أيضًا أن يخلق بعض الأشياء على خلاف الأسباب العادية بصورة غير عادية. والأصل فيه أن إتيان الرزق إلى مريم الصديقة بصورة غير عادية، وحصول أحداث بصورة غير عادية لها، مما دفع  زكريا إلى الدعاء في غرفتها، ثم رزقُه ورزق امرأته العقيم ولدًا في الكبر بصورة غير عادية، لنقل: إن هذه الآيات كلها تمهيد من الله تعالى القادر للآيات الإلهية العظيمة التي كان من المتوقع أن تظهر في المستقبل القريب من مريم بدون قربان الزوج منها، فكأن قوله تعالى: ﴿کَذٰلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَايَشَآء﴾ بعد ولادة يحيىٰ بصورة غير عادية،كان تمهيدًا لقوله: ﴿کَذٰلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَايَشَآءُ﴾، الآتي قريبا في مولد المسيح عليه السلام بصورة غير عادية.

     قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)

فائدة 1:

     فيعلم منه العلوق، ليستجد له السرور برؤية قرب آثار الولادة. ويشتغل بالشكر لله تعالى أكثر فأكثر.

فائدة:

     أي: فإذا رأيت أنك لاتتكلم الناس إلا بالإشارة، وانصرف لسانك إلى ذكر الله تعالى، فاعلم أن امرأتك قد حملت. سبحان الله! وضع علامة، تكون علامة على العلامة، ويحصل الغرض- وهو شكر النعمة على أكمل وجه حين يبلغه ذلك. فإنه لايقدر على غير ذكر الله تعالى وشكره وإن إراد ذلك.

فائدة 2:

     أي أكثر من ذكر الله تعالى حينئذ، واشتغل بالتسبيح والتهليل بكرةً وعشيًّا، يؤخذ منه أن  عجزه عن كلام الناس وإن كان اضطراريًّا، يهدف إلى ضرورة تفريغ نفسه لذكر الله تعالى وشكره في هذه الأيام. وأما الاشتغال بالذكر فلم يكن اضطراريًّا، وعليه أُمِرَ به.

     وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)

فائدة:

     قصة زكريا ويحيى -عليهما السلام التي تخلل الكلامَ لمناسبات عرضية، والتي تؤكد اصطفاء آل عمران، وتشكل تمهيدًا لقصة عيسى -عليه السلام قد أنهاها هنا، ثم أعاد الكلام على قصص مريم وعيسى عليهما السلام. فقدَّم فضلَ أم المسيح وشرفَها على فضله وشرفه هو، أي قالت الملائكة لمريم: قد اصطفاكِ الله منذ اليوم الأول، حيث تقبَّلكِ في نذره رغم كونك بنتًا. وأضفى عليكِ أنواعًا من الأحوال الرفيعة والكرامات السنية، فمنحكِ خلقًا صافيًا، وطبيعةً نزيهةً، وطهارةً ظاهرةً و باطنةً ثم جعلك مؤهلةً لخدم مسجده. وفضَّلك على نساء العالمين من بعض الوجوه، منها: أنه أورثك قدرةً على إنجاب المسيح- ذلك الرسول ذي العزم- من غير أن يمسك بشر. وهذا ما لم يؤته أحدًا من نساء العالمين.

     يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

فائدة 1:

     أي: حيث آتاكِ الله تعالى هذا العز، ورفعكِ إلى هذه المنزلة السينة، فما عليك إلا أن تركعي لربك مخلصةً ومتذللةً له دائما، وتبدي نشاطًا أكثر فأكثر  في القيام بوظائف العبودية، ليظهر الأمر العظيم الذي قدَّر الله تعالى تحقيقه بك.

فائدة 2:

     فاركعي كما أن الراكعين يركعون لله تعالى، أو المعنى: صلّي مع الجماعة، ولعله عبَّر عن الصلاة بالركوع؛ لأن الذي يلحق الإمام في الركوع على أقل تقدير يُعتبر مدركا لتلك الركعة. كما يفهم من كلام ابن تيمية في فتاواه.

تنبيه:

     ربما أبيح حضور النساء الجماعة يومئذ بصفةٍ عامةٍ أو عند الأمن من الفتنة بصفةٍ خاصةٍ، أو كان من خصائص مريم، أو كانت مريم تصلي مع غيرها من النسوة وراء الإمام؛ يحتمل ذلك كله. والله أعلم.

     ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)

فائدة 1:

     أي كان أميًّا بالنظر إلى الظاهر، ولم يسبق له القدرُ المعتد به من مجالسة أهل الكتاب حتى يتحقق من القصص الماضية لهذا الحد، وما يغنيه هذه المجالسة لو سبقت له؟ فإنهم كانوا يتيهون في ضلالات من الأوهام والخرافات، فمنهم من أوغل في العداوة، ومنهم غلا في الحب، فمسخ القصص الصحيحة وحرَّفها عن وجهها، وهل يرجى حصول النور من عين الأعمى؟ وفي أثناء ذلك  ذكر صلى الله عليه وسلم القصصَ بالحق وبهذا البسط والتفصيل، مما يشخص أبصار كبار أدعياء علم الكتاب، ويُعجزهم عن إنكارها فهو دليل واضح على أنه -- أوتي علمها بالوحي؛ فإنه لم يشاهد هذه الأوضاع بأم عينيه، ولا كان يملك سببًا خارجًا للعلم سواه.

فائدة 2:

     لما قُبِلَ نذرُ مريم تنازع سدنة المسجد أيّهم يكفلها، واضطروا إلى الاقتراع، فألقوا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة، في الماء الجاري، وكان القراع على أن كل من جرى قلمه على عكس جري الماء كان الحق له، فلما فعلوا ذلك كان قلم زكريا كذلك، ووصل الحق لصاحبه.

================

(1)    الحديث رواه البخاري [3431] عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(2)    صلى الله عليه وسلم: «فوالله إن لقيك...» رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة [326]

 

*   *   *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (1)

في بيان حكمة الحج

بقلم:  الأستاذ عز الدين المفلح

 

     في أعماق قلب كل مؤمن، حنين قديم متدفق، وشوق حار ملتهب، وحبّ أبديّ خالد، ولهفة شديدة، وتطلع لرؤية بيت الله الحرام، وزيارة مثوى النور الإلهي، ومهبط الوحي الرباني، فهو مثابة الناس (أي المرجع والمآب الذي يثوبون إليه من كل جانب) وفيه الأمن والسكينة النفسية والاجتماعية، وفي جنباته وأفيائه وآفاقه آيات بينات، والناس قاطبة مدعوون لتدبرها، والإمعان في احتواء معانيها، والافادة من معالمها وشعائرها.

     ضم هذا البيت الحرام معلم التوحيد الأبديّ لله -عزّ وجلّ-، وأقام قاعدة العبادة الخالصة بصلابة ومتانة لله سبحانه، ومن غير أن يشربها شائبة، أو يعكرها الهوى وحظوظ النفس الدنية. ويحتاج كل مسلم إلى معرفة بناء البيت الحرام (الكعبة المشرّفة) وبناء المسجد الحرام، ودور فريضة الحج في ترسيخ العقيدة، ومغزى هذه الشعيرة، وسر ارتباط الأمن باتخاذ مقام إبراهيم مصلى، وفعاليات الحج ومدى تأثيره في إقامة ثوابت الوحدة الإسلامية، وقضية تحرير المكان والزمان والإنسان في تلك البقاع المقدسة، ودور الحج في تربية الإنسان، والمحاور التي يقوم عليها الحج في تكوين شخصية الحاج، وتزوده بالتقوى، وتخصيص الزاد النافع بأولي الألباب.

     أما بناء البيت الحرام: فكان كما ذكر السهيلي في الروض الأنف في الدهر- خمس مرات:

     الأولى: حين بناه شيث بن آدم عليهما السلام.

     والثانية: حين بناه إبراهيم عليه السلام على القواعد الأولى.

     والثالثة: حين بنته قريش قبل الإسلام بخمسة أعوام.

     والرابعة: حين احترقت الكعبة في عهد عبد الله بن الزبير رضي الله عنه بشرارة طارت من أبي قبيس. فوقعت في أستارها، فاحترقت، فأعاد ابن الزبير البناء على القواعد الأصلية، وألصق بابها بالأرض، وعمل لها بابًا أخر من رائها، وأدخل الحجْر (حجْر إسماعيل) فيها، لحديث خالته عائشة رضي الله عنهما عن رسول الله -- أنه قال: «ألم تري قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا على قواعد إبراهيم حين عازت (قصرت) بهم النفقة»، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «لولا حدثان (قرب عهدهم بالكفر والدخول في الإسلام) قومك بالجاهلية، لهدمتها، وبنيتها على قواعد إبراهيم» فبناها ابن الزبير على مقتضى حديث عائشة.

     والخامسة: عبد الملك بن مروان، هدم ما بناه ابن الزبير، وبناها على ما كانت عليه في عهد رسول الله --، وذلك بعد أن ذهبت جدرانها لما نصب عليها المنجنيقَ الحصينُ بن نمير (قائد جيش يزيد، لقتال ابن الزبير بمكة حين أبي أن يبايع يزيدًا بالخلافة) بتوجيه الحجاج بن يوسف الثقفي، واستمر هذا البناء إلى الآن.

     وقال العلماء: ولا يغير هذا البناء، وكان أول من صدع بهذه الفتوى الإمام مالك حين أراد أبو جعفر المنصور هدم الكعبة، وردها إلى بناء ابن الزبير، فناشده مالك في ذلك، وقال: «لئلا يبقى عادة الملوك» فتركه. وردد مالك هذا المقال لهارون الرشيد، حين أراد أن يرد الكعبة إلى ما بناه ابن الزبير، فقال له مالك: «نشدتك الله يا أمير المؤمنين ألّا تجعل هذا البيت ملعبة للملوك، لا يشاء أحد إلا نقض البيت، وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس».

     وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من بنى المسجد الحرام، بعد أن اشترى الدور المجاورة والداخلة في فناء المسجد من أهلها، وهدمها، وبنى المسجد المحيط بها، واتخذ له جدارًا. ثم لما استخلف عثمان رضي الله عنه اشترى دورًا أخرى، ووسعه أيضًا، بعد أن كثر الناس، وبنى المسجد والأورقة، وكان عثمان أول من اتخذ الأورقة، فلما كان الزبير زاد في إتقانه، لا في سعته، وجعل فيه عمدًا من الرخام، وزاد في أبوابه وحسّنها.

     وكان بناء إبراهيم وابنه إسماعيل للكعبة أرسخ بناء وأقومه من الناحيتين المادية والمعنوية، والروحانية الإيمانية، ليكون مقرًا لدعوة الناس قاطبة إلى توحيد الله تعالى، حتى وصل نور التوحيد إلى حصن الإسلام، واستمرت دعوة التوحيد متلازمة وقوية عالية بين إبراهيم ومحمد -عليهما الصلاة والسلام-، وسيظلّ صرح التوحيد في هذه الدعوة شامخًا صلبًا إلى يوم القيامة. قال الله تعالى مشيدًا ببناء إبراهيم وابنه ووصله بمحمد --: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرٰهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمٰعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ ءايٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتٰبَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (البقرة: 127-129).

     وكان من أهم اختصاص الكعبة المشرّفة أنها مقصد الزوار والحجاج والنساك والقانتين والعاكفين والركع السجود، والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، فلا ينقطع الطواف حولها مدى العمر والدهر ليلًا ونهارًا، وتعلو كلمة التوحيد فوق هاماتها وجنباتها، وتفيض القلوب بالخشية لله والإيمان المتجذر بعظمته، ويمعن المؤمنون بالتأمل فيها، لأن النظر إليها عبادة، وتغص ساحات الحرم بتلاوة القرآن، ومجالس العلم وحلقاته، والوعظ والإرشاد والتذكير بفضائل الحج وشعائر الله ومناسكه، وإحياء مجد الإسلام وعزّته وقوته، والتفقه بكتاب الله وسنّة نبيه، ومعرفة أحكام الحلال والحرام... وكل هذا استجابة لأمر الله لإبراهيم وإسماعيل -عليهما السلام- في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمٰعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعٰـكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (البقرة:125).

     وللحج، بالإضافة لفوائده ومنافعه الشخصية والجماعية، تأثير في تقوية أصول الإيمان وأركانه في النفس المؤمنة، فمن فوائده الشخصية الخاصة: أن الحج يكفر الذنوب، ويطهر النفس من شوائب المعاصي. ومن فوائده الجماعية: تحقيق التعارف والتعاون بين أبناء الأمة الإسلامية، على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأوطانهم، وتمكينهم من تبادل المنافع الاقتصادية، والمذاكرة في شؤون المسلمين العامة، وتحقيق الخطوات الأولى وترسيخ الفعاليات الكبرى لإقامة الوحدة الإسلامية، وتعاون المسلمين صفًا واحدًا أمام الأعداء، وغير ذلك مما يدخل في عموم قول الله تعالى في بيان حكمة الحج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (الحج:28).

     أما دور الحج في ترسيخ العقيدة، فإنه يقوّي الإيمان، ويعين على تجديد العهد مع الله، ويساعد على التوبة الخالصة الصدوق، ويهذب النفس، ويهيج العواطف الإسلامية، حيث يعيش الحجاج أيامًا معلومات مع عبق الوحي الإلهي، وتنزيل القرآن المجيد في بطاح مكة، وتقدير جهود السلف الصالح ومن خلفهم من أولى الأمر الكرماء وتضحياتهم الكبرى في نشر الإسلام، وترسيخ قواعده، وتطبيقه تطبيقًا واعيًا، وفاعلًا ومنفعلًا، وواقعيًا ومبدئيًا، وتقعيدًا ثابتًا إلى الأبد.

     والحج يحل مشكلة البشر الروحية عندما يسيطر الخواء الروحي في بلاد هجرت معاني الإيمان والدين، ويؤجج في النفس معنى تقديس الذات العلية حين تنطلق حناجر الملايين بالأذكار والتلبية والدعاء الخاشع الخالص لله. وما أجمل التلبية: «لبّيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك. إنّ الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك..».

     وبالحلّ مع الإيمان الصحيح الثابت تنحلّ المشكلة الاقتصادية، ويتبدد شبح الفقر والجهل وكابوسهما، بما ينمي في المسلم روح التعاون، وتأكيد عرى التضامن، وتجاوز الفقر بما يقدمه الحجاج من قرابين الذبائح إلى الله تعالى، فيتمكن الفقراء من التمون باللحوم مدى العام، في الماضي بطريق القديد (اللحم المجفف بالشمس)، وفي الحاضر بطريق «الثلّاجات»، والجهود المباركة الواعية لخادم الحرمين الشريفين وحكومته الرشيدة التي ترعى هذه المأثرة الكريمة، وكذلك جهود بنك التنمية الإسلامية الذي ينشر وكلاءه بين الحجيج، لأخذ الأثمان، والتوكل بالذبح، وتوزيع الذبائح في البلاد الإسلامية، بدلًا من تركها تفسد وتعفن، وتنشر الروائح الكريهة. وعدم التمكن من الافادة منها.

     والسر في ارتباط الأمن باتخاذ مقام إبراهيم مصلى في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرٰهِيمَ مُصَلًّى﴾ (البقرة:125): هو أن مقام إبراهيم، أي مكان قيامه قرب مكان بناء البيت، كان قاعدة الانطلاق إلى البناء، ففيه الحجر الذي ارتفع عليه إبراهيم -عليه السلام-، حين ضعف من رفع الحجارة التي كان ولده إسماعيل يناوله إياها في بناء البيت، وهذا المقام الذي فيه الحجر الآن كان بيت إبراهيم عليه السلام وكان ينقل هذا الحجر بعد الفراغ من العمل إليه. والأمر بالصلاة في مقام إبراهيم وإن كان للاستحباب، إلا أنه يؤكد الارتباط القائم الذي جعل البيت الحرام مثابة للناس وأمنًا وبين اتخاذ مقام إبراهيم مصلى، لنتذكر جهود إبراهيم في البناء، وتعظيم البيت، واتخاذه مكانًا للإثابة والأمن والاستقرار فيه، والبعد عن الإيذاء والعصيان في هذا المكان لذا جعلت السيئة فيه بمئة ألف سيئة، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (الحج:25).

     والحج إلى البيت الحرام فيه تحرير المكان والزمان والإنسان، فقد جعل النبي مكة كلها والبيت الحرام والمسجد الحرام مكانًا محايدًا، محرمًا فيه العدوان والاعتداء، وأشهر الحج (شوال وذوالقعدة وذوالحجة) كذلك هي من الأشهر الحرم، والمسلم محرر العبودية لأحد من جنسه، وموجَّه العبادة لله الخالق الواحد الأحد، وهذه المعاني تتجلّى في الحج بنحوٍ واضح، إذ يذكر الحجاج و العمار هذا الارتباط بين هذه العناصر ليتم التقديس والتعظيم بين الإنسان والبيئة والحالة التي هو فيها.

     ويؤكد موسم الحج وحدة المسلمين، ويدعوهم إلى تقوية بناء الوحدة الإسلامية؛ لأنه مؤتمر سنوي أكبر لاستلهام الدورس والعبر. وللحج تأثير واضح في تربية المسلم، ويتمثل ذلك بصقل إحساسه وفيض عواطفه نحو ربه وحده، وتهذيب مشاعره، وشحنها بكل المعاني الكريمة والقيم الخيرة الرحيمة، ودفعه إلى البذل والسخاء والعطاء والمبادرة إلى فعل الخير، والقيام بواجبه في تبليغ دعوة الله بالكلمة الطيبة وبالقدوة الحسنة، وحمل نفسه على عفة اللسان، وصون السمع والبصر والفؤاد من مختلف المؤذيات والمضار التي تخدش العرض وتمس الكرامة وترفع جلباب الحياء، لذا قال تعالى مذكرًا الحجاج بالقيم التربوية العالية التي يفترض وجودها في موسم الحج: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الألْبَابِ﴾ (البقرة:197).

     وإذا حقق الحاج فوائد الحج على النحو الصحيح، كان عنصر خير، ومشعل هداية، وطريق عزة وبناء لمجد أمته وخير المسلمين عامة، وتعميم نفعه للبشرية كافة. وهذا ما يراد من كلّ ما شرعه الإسلام من عبادات، فإن القصد منها تهذيب الإنسان، وجعله أداة صلاح وإسعاد، ونفع ورشاد، وبناء وعطاء.

     ووسائل تحقيق هذه الفوائد تكون بإدراك الارتباط القوي والفاعل بين المحاور الثلاثة التي اشملت عليها الآية السابقة من سورة البقرة: 197:

     المحور الأول: تكوين أخلاق الحاج وسلوكه واستغلال إقباله الخالص على الله تعالى، وربط ذلك بأماكن النسك حيث البيت الحرام، والزمان الحرام في أشهر الحج، وهذا مدعاة لصهر طباع الحاج وإعداده إعدادًا إلهيا متينًا، يؤدي به إلى أن يكون أداة خير وفلاح، وذا مهمة فعالة في الحياة، ووسيلة إيجاد جيل قوي مؤمن بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبالقرآن منهجًا ودستورًا، وللحق عاملًا، ولإعلاء كلمة الله، كلمة التوحيد والعدل والحرية والمساواة، مجاهدًا. وكل ذلك في رقابة وعلم من الله بكل ما يصدر عن الحاج، فالناس جميعًا أحرار متساوون في صعيد واحد، لا فرق بين غني وفقير وحاكم محكوم.

     والمحور الثاني: التزود بالأعمال الصالحة النافعة، واتخاذ التقوى زادا للمعاد؛ فإن خير الزاد اتقاء المنهيات، والتزام المأمورات، وكل ذلك في جو يتجرد فيه الحجاج من مظاهر الدنيا ومفاخرها ونعمائها، فيخلو الانسان مع ربه، دون أن يشده شيء نحو زخارف الحياة ومباهج الدنيا، فيصفو القلب، وتتقد الهمة، وتتوثب المشاعر، وتنطلق العزائم نحو كل عمل طيب.

     والمحور الثالث: تخصيص ما ينبغي أن يكون عليه الحجاج والعمار من التزود بالتقوى والتحلّي بأجمل الأخلاق والفضائل، بمن يعي الوسيلة والهدف، ويدرك قدسية الغرض، وشرف المقصد ونيل الغايــــــة، وهم أولــــو الألباب، فإن الله تعالى ختم الآية المــــذكورة بالــــدعـــوة العامـــة الإجمــــــاليــــــة التي مفادها: أخلصوا يا أهل العقول السوية أعمالكم، بأداء ما أوجبته عليكم من الفرائض، واجتناب ما حرّمتــــــــه عليكم، فإن فعلتم ذلك نجوتم من العقاب، وأدركتم الفوز بالرضا والطمأنينة، وسابغ الرحمة الإلهية، وفيض رضوان الله عزّوجلّ.

 

*   *   *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (2)

من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند

(الحلقة 72)

 

بقلم: الأستاذ/ سيد محبوب الرضوي الديوبندي -رحمه اللّه-

 (المتوفى 1399هـ / 1979م)

ترجمة وتعليق: محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري(*)

 

كشف شبهة:

     بالنظر إلى المنهج الدراسي المتبع في دارالعلوم قد يتساءل المرء: إن العهد الذي شهد وضع هذا المنهج الدراسي كانت العلوم الجديدة قد وصلت فيه إلى الهند وغزتها، فما بالهم لم يضموها إلى المنهج الدراسي الوليد؟ كان الإمام محمدقاسم النانوتوي يرى في ذلك أن المدارس الرسمية تتناثر في  مختلف مناطق الهند بكثرة، وهي بدورها تقوم بتدريس هذه العلوم العصرية وبإمكان المرء- أيًّا كان- الاستفادة منها. وأما العلوم القديمة فتعيش وضعًا مشحونًا بالإعراض والتغاضي عنها، ولا تنال حظًّا ولو قليلًا- من العناية والتركيز عليها، ثم إن هذا المنهج الدراسي الوليد يراعي خلق قدرات وكفاءات في الطالب من شأنها تمكينه من الاستفادة من العلوم الأخرى بالمطالعة والدراسة. وقد أثير هذا السؤال نفسه في الأيام الأولى من نشأة دارالعلوم/ديوبند فسلط الإمام محمد قاسم النانوتوي الضوء بالتفصيل على هذا السؤال وكشف هذه الشبهة بمناسة إصدار الشهادات للمتخرجين عام 1290هـ، فقال:

     «إن هذه المدرسة ومدرسة مظاهر علوم/ سهارن فور خير سبب لتدريس كافة العلوم العقلية والنقلية والتمكين منها، وما أيسر على طلابها بإذن الله تعالى- أن يحصلوا على سائر العلوم القديمة والجديدة في وقت أقل نظرًا إلى القدرات والكفاءات التي يحملونها، شريطة أن يستكملوا مناهجها الدراسية. ويرجع ذلك إلى أن الهدف الأساسي الأكبر لهذه المدارس علاوةً على تدريس العلوم الدينية- يتمثل في خلق القوة والكفاءة في الطلاب، فلم تقتصر هذه المدارس ومناهجها الدراسية على تدريس العلوم الدينية، وإنما تطرقت إلى فنون الحكمة واستكمالها، حسب القواعد والضوابط السابقة. فكان من ثمارها الطبيعية التي تجلت في الأيام الخوالي أن خرج منها كبار العلماء ذوو الكفاءات العالية والقوية في الإسلام بكثرة كاثرة. وعليه نجزم بأن طلاب هذه المدارس وإن لم يفوزوا ببعض العلوم والفنون الجديدة إلا أن الكفاءة التي يحملونها تشكل لهم معلمًا في الطريق ومرشدًا لهم يغنيهم عما سواه، ورغم أن طلاب المدارس العصرية بحكم إكثارهم من دراسة هذه العلوم مما لايتسنّى لطلاب المدراس العربية إلا أن المنصفين من الناس سيرون طلاب المدراس العربية يفوقون طلاب المدارس العصرية بالمعنى في هذه العلوم العصرية أيضا لما يحملون من الكفاءة والقدرة.

     ونظرًا إلى ذلك لو سلمنا أن بعض النقص قد يتطرق إلى طلاب المدارس العربية فيما يخص بعض العلوم الجديدة لعدم الدربة والمران عليها لكان طلاب المدراس العصرية أقلَّ شأنًا بمراحل من طلاب المدارس العربية لحرمانهم- طلاب المدراس العصرية- قوة الاستعداد  العلمي ولجهلهم العلومَ الدينية.

     وهنا نشير إشارةً تكشف اللثام عن سبب اتباع هذه المدارس الطريقة السائدة في تحصيل العلوم هذه، وعدم ضم العلوم الجديدة إلى مناهجها الدراسية. وأعظم الأسباب وراء ذلك يتمثل في أن التربية عامةً كانت أو خاصةً- يجب أن تنظر إلى الناحية التي تؤتى منها، والتي ينفذ منها الخلل إلى الكمال. فلايخفى على أولي الألباب أن العلوم الجديدة تشهدا تطورًا وتخطو إلى الرقي والازدهار خطوات حثيثة بحكم الكثرة الكاثرة من المدارس العصرية الرسمية المعنية بذلك، وأما العلوم القديمة فقد مُنيت بتدهور ربما لم يسبق له مثيل. وإذًا توجيه الناس إلى مدارس العلوم الجديدة يبدو غير مجدٍ، ولايجلب لهم نفعًا، فاستلزم ذلك قصر العناية والتركيز على العلوم النقلية، وكذا على العلوم التي تورث حتمًا- التمكنَ من العلوم السائدة بجانب التضلع من العلوم الجديدة.

     هذا، وتحصيل العلوم الكثيرة في زمن واحد مما يضرّ العلوم كلها، وأما بعد تلقي الطالب فنون الحكمة التي اقترحت لخلق القدرة الكفاءة فيه بصفة خاصة، إذا ما استفاد الطالب العلوم والفنون الجديدة الأخرى، فإن زمن التحصيل يتساوى قدره، ويتحقق الغرض بهذا التقديم والتأخير، على أحسن وجه، فيتمكن من العلوم كلها. وعليه ضموا العلوم النقلية إلى المنهج الدراسي متزامنًا مع علوم الحكمة. فإذا توجه الطلاب بعد ذلك إلى المدارس العصرية لتحصيل العلوم الجديدة فإنه يكون أعون لهم على الاتصاف بالكمال والفضل»(1).

     وقال الشيخ النانوتوي ذات يوم وهو يرد على إشكالية عدم ضم العلوم الجديدة إلى المقررات الدراسية المتبعة في دارالعلوم/ديوبند:

     «فإن قيل: إن المدارس العربية لا تُعنى كثيرًا بالعلوم الجديدة؟ قلنا: أولا: إن المرء يعنيه معالجة المرض الذي ألم به، وأما الداء الذي هو بمنجاة منه فيستغني عن معالجته، كما أنه يجب سد الثغرة في الجدار، وسد الهوة الناشئة حيث يطبخ الآجر. وأما اللبنة التي لازالت قائمة ثابتة في مكانها، فمن العبث القلق عليها أو إعادة رصها وتثبيتها، فهذه المدراس الرسمية إذا كانت لاتدرس العلوم العصرية فماذا عسى أن تدرسها ياترى؟»(2).

منهج التدريس في دارالعلوم:

     بإمكاننا توزيع منهج التدريس في دارالعلوم على ثلاث مراحل، هي:

     المرحلة الابتدائية، والمرحلة المتوسطة، والمرحلة العليا.

     فأساتذة المرحلة الابتدائية يجعلون نصب أعينهم تأهيل الطلاب لاستيعاب معاني الكتاب المقرر، فيركزون على جعل الطالب يستوعب الكتاب ويعيه أكثر فأكثر.

     وأساتذة المرحلة المتوسطة يتطرقون إلى جانب التركيز على استيعاب الكتاب وفهمه- إلى مباحث الفن التي تتطلبها توسعة مدارك الطلاب، والرقي بمستواهم العقلي.

     وأما المرحلة العليا فتركز على تدريس الفن المطلوب ودراسته وتقريبه إلى الذهن وتفهيمه، ولايعني ذلك الإعراض عن استيعاب الكتاب.

     والطريقة المتبعة في دارالعلوم عند التدريس أن الطالب يبدأ بقراءة نص الكتاب المقرر، وعلى الأستاذ أن يشرح النص المقروء شرحًا فنيًّا جامعًا، يسلط الضوء بالتفصيل على نواحي النص المقروء والمسائل والأحكام التي يتحدث عنها، ويحاول الأستاذ أن يأتي على كافة المواد والمعلومات الخاصة بالموضوع، ثم يطبق شرحه وحديثه على نص الكتاب المقروء، حتى يطمئن الطالب له وينشرح له صدره. ويتمتع الطلاب بحرية قصوى في الدرس، ويحق لهم ألا يدعوا الأستاذ يتجاوز النص المقروء حتى يستوعبوه استيعابًا كاملًا، ويطمئنوا إلى الأجوبة عن كل ما يخطر ببالهم من الاعتراضات والإشكاليات، بلسان الأستاذ المختص. وبالتالي يحضر الطلاب الدروس بجد وقوة، وفي جانب آخر يجد الأستاذ نفسه مضطرةً إلى التدريس بجد وقوة، وإعداد تام مسبق.

     ويركز الأساتذة في عموم الأحوال في دروس الكتب المقررة عنايتهم على  خلق قدرة استيعاب الكتاب والمواد الدراسية، ليتوصلوا إلى ما يعينهم على فهم مرادات المؤلف.

     وكانت الكتب الدراسية المقررة في علم الحديث تتضمن علاوة على مشكاة المصابيح- صحيح البخاري، وصحيح مسلم، وجامع الترمذي، وسنن أبي داود، وسنن النسائي، وسنن ابن ماجه، والموطأ برواية الليثي والموطأ برواية محمد بن الحسن الشيباني، وشرح معاني الآثار للطحاوي وشمائل الترمذي.

     ويستوعبون الكتب الأربعة الأول من هذه الكتب بالتدريس والدراسة، وأما سائر الكتب المقررة فلايستوعبونها بالتدريس، وإنما يدرسون أجزاء منها تدريسًا يعينهم على فهم مقاصد المؤلف. وبما أن الكتابين الأول والثاني يشتركان في سرد معظم الأحاديث، فيستغنون عن الكلام على الأحاديث حديثًا حديثًا.

     وفي دروس الحديث الشريف يتكلمون عن الجرح والتعديل كلامًا مختصرًا وبقدر الحاجة إليه، وإنما يركزون على فن الحديث أكثر، حتى تنشأ في الطالب قوة استنباط المسائل والأحكام ويستوعب وجوه استنباط الأحكام أكثر فأكثر، ويطلع على وجوه الاستنباط التي سلكها أئمة الفقه. وأما إذا دعت الحاجة إلى العناية الخاصة بإسناد من الأسانيد أو راوٍ من الرواة فإنه يستوجب دراسته استيفاء الكلام حوله.

     ويقربون إلى أذهان الطلاب أدلة الأئمة الأربعة الفقهاء، ويغرسون في قلوبهم مبادئ استخراج المسائل، بجانب أجــوبــــة السادة الحنفيـة عما يستدل بــــــه الأئمـــة الثلاثة الفقهاء عليهم بأسلوب جاد علمي رصين بمنجاة عن النيل من أحدهم أو الانتقاص من قدرهم، وزعزعة ثقتهم بهم.

     ولايجدون في أنفسهم حرجًا من شرح أدلة الأئمة الثلاثة وغيرهم وبراهينهم وما تمسكوا به وعرضها على الطلاب عرضًا دقيقًا أمينًا و بأسلوب يشع عن مدى احترامهم  وتقديرهم لهم. وبما أن معظم الكتب المقررة الدراسية وفق المنهج الدراسي المتبع في دارالعلوم/ديوبند مؤلفوها من السادة الشوافع أو المالكية فمن الطبيعي أن يطلع الطالب على أدلتهم ومتمسكاتهم، فكان من واجب المدرسين أن يذكروا مذهب الأحناف وآراءهم في ضوء الأدلة والشواهد في ترجيحهم لمذهبهم-الأحناف-. وذلك إبقاء على المكانة العلمية الاجتهادية التي كان عليها الأئمة الثلاثة الفقهاء في قلوب الطلاب، من غير تفريق بين أحد منهم.

     وجريًا وراء المتقدمين من أهل العلم يرى الطلاب الأكفاء في المراحل العليا من واجبهم تقييد أمالي أساتذتهم، فـ«أمالي» كل من الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي، وشيخ الهند محمود حسن الديوبندي على جامع الترمذي المعروفة بـ«نفع الشذي»، و «الورد الشذي»، وأمالي الشيخ العلامة سيد أنور شاه الكشميري على صحيح البخاري المعروف بـ«العرف الشذي» و«فيض الباري» في أربعة مجلدات؛ كل ذلك من ثمار هذا المذاق العلمي في الإملاء. وهذه بعض الأمالي التي شهدت النور، وأما التي لازالت حبيسة في رفوف المكتبات الخاصة والعامة تستشرف إلى من يقوم بإخراج هذه اللآلي المنثورة منها فيصعب إحصاؤها وعدها. وهذه اليواقيت والجواهر العلمية لازالت مصونة عند كثير من خريجي هذه الجامعة وبحوزتهم.

     ويلقي الأستاذ درسه باللغة الأردية، التي تُنطق وتُفهم على مستوى الهند، وأما الطلاب غير الناطقين باللغة الأردية فيحاول تفهيمهم بلغات أخرى، حتى يتمكنوا من فهم اللغة الأردية والنطق بها.

     والمكانة التي تحتلها عملية تعليم العلوم والفنون بلغة الطالب الأم لم يدرك أهميتها المنهج التعليمي المعاصر إلا بعد مدة طويلة. ومن الحقائق التي لاتحجد أن فهم المسائل العلمية وإدراكها بلغة الأم يتأتى بصورة أيسر، وأدعى لحفظها واستيعابها من تعليميها بلغة أخرى مهما كانت. ولكن سيطرة الاستعمارالبريطاني على البلاد أثرت في عقول القوم وتغلبت عليها تغلبا جعلها غافلة عن هذه الحقيقة الناصعة مدةً من الزمان. وأول الجامعات العصرية الهندية التي تفطنت لأهمية التعليم باللغة الأم هما الجامعة العثمانية حيدرآباد، والجامعة الملية بدهلي، ونفذتا هذه الطريقة في التعليم والتدريس، وتحقق النجاح الباهر فيهما. وقدمت الجامعتنان مثالا تحتذي به الجامعات الأخرى التي لازالت تقدم رجلا وتؤخر أخرى في هذا الصدد. وأصبحنا اليوم نسمع الجامعات الهندية تعترف بملء فمها بمطالبة التعليم باللغة الأم.

     وعلى كل، يرجع الفضل في ذلك إلى دارالعلوم /ديوبند، فما أدركته دارالعلوم وتفطنت له قبل مئة عام لم يتوصل خبراء التعليم في القرن العشرين إلا إليه في نهاية المطاف وعلى مضض(3).

*  *  *

الهوامش:

(1)   التقارير الدورية لعام 1290هـ، ص 15،16.

(2)   التقارير الدورية لعام 1290هـ، ص 13.

(3)   هذا ما يشكل الناحية التعليمية لهذه القضية، ولها ناحية أخرى لسانية، تمثل في أن اعتبار دارالعلوم/ديوبند اللغة الأردية لغة التعليم والتدريس تمخص عن فائدة جمة للغة الأردية وإن لم تنظر إليها الأوساط القائمة على تطوير اللغة الأردية ونشرها، إلا أن ثمارها وفوائدها مما لايسع إنكارها ورفضها. وذلك أن دار العلوم/ديوبند تشكل مدرسة مركزية ومرجعية تعليمية، ويتوجه إليها طلاب من مختلف البلاد العالمية فضلا عن مختلف ولايات  الهند، فهؤلاء الطلاب يتعلمون من الأردية قدرا لابأس به خلال تواجدهم في رحاب دارالعلوم. وغير بعيد ما حكاه قبل سنوات معدودة مَن قام بزيارة لهذه الدول العالمية، خلال زيارته لدارالعلوم قائلا:

        «وصلت إلى بخاري، وهي منطقة شهيرة في وسط آسيا، فلقيت بها رجلا،ظنني هنديا فكلمني بلطف وبأسلوب يشع عن التعاطف معي باللغة الأردية، فقضيت عجبي من إتقانه اللغة الأردية الفصحى وهو منطقة نائية قاصية من الهند، وكيف أنه تمكن من ذلك؟ فسألته عنه فقال: «هذا من بركة الدارسة في دارالعلوم/ديوبند». وأفاد أنه ليس وحده من يتكلم بالأردية؛ بل الأوساط العلمية هنا كلها يتكلم بالأردية ويفهمها في عموم الأحوال.وضيَّفني الرجل عنده انطلاقا من أريحيته وسمو أخلاقه وحبه الجم رغم أني هندوسي. وأعد مأدبة فخمة على شرفي، ولا أنسى - ما حييت- من خصائص هذه المأدبة أنه لم يقم أحد خطيبا فيها إلا تحدث باللغة الأردية مراعاة لخاطري».

        والحاصل أن دارالعلوم /ديوبند وسع نطاق اللغة الأردية إلى دول آسيا كلها تقريبا على أيدي خريجيها وطلابها.

        وحدثت قصة مماثلة لرئيس الوزراء الهندي سابقا الباندت جواهر لال نهرو، لدى زيارته لروسيا. فقد قدم له أهالي «تاشقند» على المحطة الفضائية بها كلمة التحية والترحيب به باللغة الأردية، تلاها عليها واحد من الأزبكيين، وقام الرئيس بالرد على كلمة التحية والترحيب باللغة الأردية نفسها، وأفادت الصحف أن الحضور فهموها وصفقوا له خلال إلقائه كلمته الجوابية مرات. (راجع:صحيفة الجمعية، 18/يونيو عام 1955م، ص 1. وللاستزادة منه راجع: الأستاذ همايون كبير في رحاب دارالعلوم/ديوبند، من إعداد السيد محبوب الرضوي).

        أضف إلى ذلك أن ديوبند تحتضن أكثر من ستين مكتبة تقوم بنشر الكتب الأردية بأعداد لاتحصى ولا تعد.

 

*   *   *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (3)

الكعبة المشرّفة.. مهوى الأفئدة العامرة بالإيمان

 

 

                                                               بقلم:  الأستاذ إبراهيم نويري(*)

 

     مكة المكرمة زادها الله تشريفًا وتعظيمًا، هي منزل الوحي الخاتم، ومهوى أفئدة أهل الإيمان والإسلام في كلّ مكان وزمان، تتّجه لها جباه الساجدين في كلّ حين وآن، وقد ورد ذكرها. لمكانتها الشريفة. في عدة مواضع من كتاب الله تعالى.. حيث جاء ذكرها بأسماء عديدة متنوعة أبرزها: بكة، مكة، أم القرى، البيت، البلدة، البلد، الحرم الآمن، البلد الأمين، الكعبة، البيت الحرام.

     أما أقلام علماء المسلمين فلم يجف حبرها في أيّ مرحلة من مراحل التاريخ، وهي تكتب عنها وعن مكانتها ومآثرها الخالدة، فالكتب التي ألفت عنها لا يُعرف لها عدُّ وثيق أو إحصاء دقيق، من أشهرها ذكرًا في المكتبة الإسلامية: كتاب مكة وأخبارها في الجاهلية والإسلام للفاكهي، وكتاب جبال وأودية مكة وأسماؤها لأبي الأشعث بن خراق، وكتاب قصة الكعبة لأبي عبيدة، وكتاب أخبار مكة للواقدي، وكتاب بناء الكعبة للمدائني، وكتاب فضائل مكة على سائر البقاع لأبي زيد البلخي، وكتاب مكة وحفر زمزم لأبي إسحاق العطار، وكتاب التاريخ القويم لمكة والبيت الكريم لمحمد طاهر الكردي المكي... الخ.

أراء مشهورة

     أما عن اللحظة الزمنية التي وُضع فيها الحجر الأساس الأول لبدء بناء وتأسيس الكعبة المشرّفة، التي هي أصل ظهور مكة المكرمة، فقد اختلف أهل العلم والدين والتاريخ في ذلك على ثلاثة أقوال:

     القول الأول: أن الوضع تم قبل خلق آدم عليه السلام، وأن الله -عزّ وجلّ- وضعه بقدرته التي أقامت الكون كله، أي أن الوضع الأول للكعبة لا يد فيه لأحد من البشر... قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: «وكانت الكعبة خشفة على الماء وعليها ملكان يسبحان الله تعالى، الليل والنهار وذلك قبل خلق الأرض بألفي عام (والخشفة الأكمة الحمراء).

     وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: لما كان عرش الرحمن على الماء قبل أن يخلق السموات والأرض بعث الله ريحًا فصفقت الماء فأبرزت عن خشفة في موضع البيت كأنها قبة، فدحا الأرض من تحتها. كما قال الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات:30].

     وقال مجاهد: لقد خلق الله -عزّ وجلّ- موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئًا من الأرض بألفي عام، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى. وقال كعب الأحبار: كانت الكعبة غشاء على الماء قبل أن يخلق الله الأرض والسماوات بأربعين سنة. وقد روى ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي أنه قال: كان قبل هبوط آدم -عليه السلام- ياقوته حمراء من يواقيت الجنة فلما هبط آدم إلى الأرض أنزل الله عليه الحجر الأسود فأخذه فضمه إليه استئناسًا به (وكأنه استوحش من طبيعة الحياة الطينية الجديدة) ... ثم حجَّ آدم -عليه السلام- فقالت له الملائكة: لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. فقال آدم: ربّ اجعل له عُمّارا من ذريتي. فأوحى الله تعالى إليه: إني معمّره ببناء نبي من ذريتك اسمه إبراهيم.

     القول الثاني: أن الملائكة هي التي بنته: قال أبو جعفر الباقر: لما خاطبت الملائكة ربها -عزّ وجلّ-، وقالت: «أتجعلُ فيها مَنْ يُفْسِد فيها» غضب الربّ -عزّ وجلّ- عليهم فلاذوا بالعرش مستجيرين يطوفون حوله، يسترضون رب العالمين فرضي سبحانه وتعالى عنهم فقال لهم الله -عزّ وجلّ-: ابنوا لي بيتًا في الأرض يعوذ به كل من سخطتُ عليه كما فعلتم أنتم بعرشي.

     القول الثالث: أن آدم لما أُهبط من الجنة إلى الأرض أوحى الله إليه أن ابن لي بيتًا واصنعْ حوله كما صنعتْ الملائكة حول عرشي، وافعل كما رأيتم يفعلون، فبناه عليه السلام.

     روى أبو صالح عن ابن عباس، وروى عطية عنه أيضًا، قال: بنى آدم البيت في خمسة أجبل: طور سينا وطور زيتا ولبان والجردى وحراء. وقال وهب بن منبه: لما مات آدم بناه بنوه بالطين والحجارة فنسفه الغرق. قال مجاهد: وكان موضعه بعد الغرق أكمة حمراء لا تعلوها السيول، وكان يأتيها المظلوم ويدعو عندها المكروب والمغموم.

     أما قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ [البقرة:127]؛ فحسب رأي وفهم سراج الدين بن الوردي صاحب كتاب (خريدة العجائب وفريدة الغرائب) لهذه الآية الكريمة؛ فإنّ إبراهيم وإسماعيل هما أول من بنى البيت بعد الطوفان، لكن على القواعد الأزلية الأولى، كما تدلّ كلمة (وإذْ يرفعُ)، وبذلك نُسب بناء البيت إلى إبراهيم الخليل وإسماعيل عليهما السلام-، لكن هذه النسبة تنطبق على تجديد البيت بعد حادث الطوفان الذي أتى على أركانه القديمة.

     غير أن ابن الوردي استدرك على رأيه بعبارة (والله سبحانه وتعالى أعلم).. مما يشي بأنه مجرد رأي قد يكون رَجَحَ عنده، أو فهم مال إليه، من جملة الآراء والتأويلات الواردة في الموضوع. ومن الكلام الذي له اعتبار في هذا السياق قول الشيخ وصي الله عباس: «لا توجد في إثبات بناء الكعبة الشريفة رواية مرفوعة ولا موقوفة صحيحة، وما وجد فهو من أقوال بعض التابعين، أو أتباع التابعين» (المسجد الحرام تاريخه وأحكامه، ص:190).

أطهر مكان على ظهر الثرى

     لكن أيًّا ما كان الأمر... المهم؛ بل الأهم أن هذا المكان أطهر مكان على وجه المعمورة، وأن منزلته في أفئدة المسلمين أثيرة، فهو منزل الوحي الكريم، الذي ختم الله تعالى به صلة الأرض بالسماء، وفيه من الأسرار ما لا يعلمه إلا الله تعالى.. وصدق الرحالة المسلم ابن بطوطة الذي وصل مكة المكرمة في الأيام الأولى من شهر شوال سنة 726هـ، وبعد أن بهره سحر المكان، واستولى على لبّه ألق الإيمان، كتب عليه شآبيب الرحمة يقول: «ومن عجائب صنع الله تعالى أنه طبع القلوب على النزوع إلى هذه المشاهد المنيفة، والشوق إلى المثول بمعاهدها الشريفة، وجعل حبّها متمكنًا في القلوب، فلا يحلها أحدٌ إلّا أخذت بمجاميع قلبه، ولا يفارقها إلّا أسفًا لفراقها، متولهًا لبعاده عنها، شديد الحنين إليها، ناويًا لتكرار الوفادة عليها. فأرضها المباركة نُصب الأعين، ومحبتها حشو القلوب، حكمة من الله بالغة؛ والشوق يحضرها وهي نائية، ويمثلها وهي غائبة، ويهون على قاصدها ما يلقى من المشاق ويعانيه من العناء. فكم من ضعيف يرى الموت عيانًا دونها، ويشاهد التلف في طريقها، فإذا جمع الله بها شمله تلقاها مسرورًا مستبشرًا، كأنه لم يذق مرارة ولا كابد محنة ولا نصبًا.. إنه لأمر إلهي وصنع رباني، ودلالة لا يشوبها لبس ولا تغشاها شبهة ولا يطرقها تمويه، تعزّ في بصيرة المستبصرين، وتبدو في فكرة المتفكرين. ومن رزقه الله تعالى الحلول بتلك الأرجاء والمثول بذلك الفناء، فقد أنعم عليه النعمة الكبرى، وخوّله خير الدارين: الدنيا والآخرة، فحقّ عليه أن يكثر الشكر على ما خوّله، ويديم الحمد على ما أولاه، جعلنا الله تعالى ممن قبلت زيارته، وربحت في قصدها تجارته، وكتبت في سبيل الله أثاره،ومحيت بالقبول أوزاره...».

     رحم الله تعالى الرحالة المسلم ابن بطوطة الذي شُغف حبًا بمكة المكرمة والكعبة الشريفة، فأخذ يحبب المسلمين ويرغّبهم عبر صفحات رحلته الشهيرة في شدّ الرحال إلى بيت الله العتيق، وأداء فريضة الحج، وتحمّل المشاق التي كانت في ذلك الزمان في سبيل الاستمتاع الروحي والاطمئنان النفسي الذي يستشعره كل من يوفقه الله تعالى لزيارة بيته العتيق الآمن وتقبيل الحجر الأسود، والصلاة في جوار الكعبة الشريفة، وعلى ثرى أطهر مكان في الأرض.

     إن هذا المعنى عميق أصيل في نفسية وروحية وفكرية كل مسلم.. ولله درّ الشاعر الذي صوّر هذه العاطفة إزاء الكعبة باعتبارها رمزًا لعزة المسلمين ووحدتهم فقال:

قدسية الكعبة في جمعها
أمّتنا في كل أقطارها
وأنها محور أمجادها
وأنها مصدر أنوارها

     أما الشاعر العالم المفكر محمد المجذوب رحمه الله، فقد طفحت مشاعره فلم يستطع كبح جماحها، وهو يقف في رحاب الكعبة الطهور بين آلاف الحجاج.. حيث تدفقت تلك الحالة التي استولت على كلّ جوانح القلب والنفس.. فقال:

بحرٌ من الخلق لا يُحصى له عددُ
فيه من الأبحر الأمواج والزبدُ
يطوف بالبيت سيلًا لا نفاد له
إذا مضى مددٌ منه أتى مددُ
تسري ضراعته في الأفق لاهبة
فكل شيء به نشوان يرتعدُ
تكاد في غمرها الأجساد من لَهَفِ
يحيلها الشوق أنوارا فتتقدُ
والدمع من لذعها هام فلا خجل
يكفّ جريته الحرّى ولا جلدُ
فيالها جلوات من فيوض هدى
تعيا بلمح سناها الأعين الرمدُ

 

*   *   *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (4)

حرمــــة مكّــة المكرّمـــــة

 

بقلم:  الأستاذ صلاح أحمد الطنوبي

 

     قال رب العزّة والجلال: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإبْرَٰهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (1).

     * بيت الله الحرام للتوحيد أقيم منذ أول لحظة، عرَّف الله تعالى مكانه لإبراهيم عليه السلام ، وأنشئ البيت العتيق للطائفين والقائمين والركع السجود.. وعشرات الألوف من الناس.. من فجاج الأرض البعيدة يلبّون داعي الله بالحج.. الدعوة الإلهية التي أذّن بها إبراهيم عليه السلام منذ آلاف الأعوام..

     وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾(2).

     ولا تزال أفئدة الناس تهوي إلى بيت الله الحرام، وترف إلى رؤيته والطواف به.. الغني القادر الذي يجد الظهر بركبه ووسائل الركوب المختلفة تنقله.. والفقير المعدم الذي لايجد إلا قدميه.. إنه موسم عبادة تصفو فيه الأرواح، حيث الحج وفيه استشعار القرب من الله تعالى في بيته الحرام..

     * ولمكة المكرمة حرمة.. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾(3).

     وقال : «أللهم إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة...»(4).

     * حرمة مكة المكرمة في نفوس العرب.. ولما جاءت حادثة الفيل التي تحدث عنها القرآن الكريم ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَٰبِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾(5).. عظمت مكة المكرمة أكثر في نفوس العرب، وازدادت مكانتها رفعةً، خاصة بعدما علموا سبب هذه الحملة الشرسة.. كما عظمت مكانة أهل مكة..

     ولما جاء الإسلام، وجاء جيش المسلمين ليفتح مكة، سمع أبو سفيان مقالـــــــة سعـــد بن عبادة رضي الله عنهما -: (اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة).. فلما مر رسول الله بأبي سفيان قال: ألم تعلم ما قال سعد بن عبادة؟ قال كذا وكذا، فقال: «كذب سعد. ولكن هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة»(6)، وبهذا لم تتغير حرمتها ولم تُبَحْ للنبي -- سوى تلك الساعة، وهي ساعة الفتح، ليزول الشرك منها إلى غير رجعة، ولتصبح بلدًا إسلاميًا.. فعظمت حرمتها بعد الإسلام، وارتبعت مكانتها..

     قال تعالى: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ* وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ (7).

     * ولحرمة مكة المكرمة يتم تحريم الصيد والاصطياد فيها.. وكذا تنفير الصيد أيضًا.. فالطير آمن.. عن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما- أن رسول الله -- قال: «إن الله حرم مكة، فلم تحل لأحدٍ قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار، لا يُختلى خلاها، ولا يعضد شجرها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمُعرِّف...»(8).

     وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال النبي --: إن إبراهيم حرّم مكة وإني حرّمت المدينة ما بين لابتيها، لا يقطع عضاها، ولا يصاد صيدها»(9).

     * ولحرمة مكة المكرمة يتم تحريم قطع الشجر وقلعه.. فالشجر آمن، قال : «إن إبراهيم حرّم مكة وإني حرّمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاها ولايصاد صيدها». والعضاة: كل شجر فيه شوك، واحدتها عضاهة وعُضيهة..

     ولما حرّم الشارع الكريم الاصطياد، وتنفير الصيد، وقطع الشجر وحشه.. جعل عقوبةً على فاعل ذلك.. جعل عقوبة الصائد وقاطع الشجر والكلأ في الحرم المكي أن يفدي مثل ما صاده مثليًا، وإن لم يكن مثليًا (وهو ما لا يشبه شيئًا من النعم) يجب فيه القيمة.. وأما الشجر، فإن كانت الشجرة كبيرةً ففيها بقرة أو بدنة، وإن كانت صغيرة ضمنها بشاة، وإن كانت دون ذلك فالقيمة.

     قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَ اللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾(10).

     * ومن عظم مكة المكرمة وحرمتها تحريم حمل السلاح لقتال فيها، وتحريم سفك الدماء أيضًا.. وفي هذا أمان للإنسان المقيم فيها.. وكيف لا يكون كذلك؟ وقد أمّن الطير والحيوان فلا يُصادان، والنبات والشجر فلا يقلعان أو يقطعان!!

     عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي -- قال: «لا يحلّ لأحدكم أن يحمل السلاح بمكة»(11).

     وقال رسول الله --: «إن مكة حرّمها الله، ولم يحرّمها الناس، فلا يحلّ لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك فيها دمًا، ولا يعضد فيها شجرة، فإنّ أحد ترخص لقتال رسول الله -- فيها، فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعةً من نهار، ثم عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، ليبلغ الشاهد الغائب»(12).

     * ومن عظم حرمة مكة المكرمة، أن الله تعالى جعلها مكان مولد النبي محمد ومنشئه، ومبعثه، فقد ولد في بيت والده بجوار الصفا.. ونشأ في كنف والدته «آمنة بنت وهب» ثم في كنف جده عبد المطلب، ثم في كنف عمه أبي طالب.. حتى بلغ وتزوج بـ«خديجة بنت خويلد».. وبلغ الأربعين من عمره حيث بعثه الله تعالى..

     عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أنزل على رسوله -- وهو ابن أربعين فمكث بمكة ثلاث عشرة سنةً، ثم أمر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، ثم توفي (13).

*  *  *

الهوامش:

(1)      الآيات 26/29 سورة الحج.

(2)      الآية 37 – إبراهيم.

(3)      الآية 91 – النمل.

(4)      متفق عليه.

(5)      الآيات 1/5 سورة الفيل.

(6)      رواه البخاري.

(7)      الآيتان 125، 126 البقرة.

(8)      رواه الشيخان.

(9)      رواه مسلم.

(10) الآية 95 – المائدة.

(11) رواه مسلم.

(12) متفق عليه.

(13) رواه البخاري ومسلم.

 

 

*   *   *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (5)

تجديد الحياة .. في عشر ذي الحجة

 

بقلم:  الأستاذ محمد سعد الشعير

 

     تحتاج حياتنا بين الحين والحين إلى تجديد يعيد لها قوة الإيمان، ويحيي فيها نبض العقيدة، ويُنمّي فيها إحساس العبودية لله -تعالى-، ويدفع بها نحو ربّها -عزّ وجلّ- وهي نادمة على معصيته، مجتهدة في طاعته. تجديد يعيد إلى القلب رقته، فيخشع لآيات القرآن الكريم، ويتدبر في معانيها، وينقاد لحديث رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، ويهتدي بسنّته. تجديد ينتقل بالنفس من رتابة الأداء في العبادة إلى حضور القلب فيها، والإحساس بجمالها ومبانيها، ويقف بها عن المعاصي والمحرمات، ويبعث فيها الأمل بسعة الرحمة، وقبول التوبة، وغفران الذنوب ومحو السيئات. تجديد يتحول بحياتنا لتكون أكثر قربًا من الله -تعالى-، في فكرنا وأعمالنا ومعاملاتنا وعلاقاتنا.

     وأعظم فرصة لتجديد الحياة، وزيادة الإيمان، هي أفضل الأزمنة وأشرف الأوقات، حين يدنو الله -تعالى- من عباده، ويفتح لهم أبواب المغفرة، ويجزل لهم العطاء، ويكون العمل أرجى للقبول، والدعاء أقرب للإجابة. والنفس بحاجة في كثير من الأحيان إلى ما يحفز فيها النشاط، ويشوّقها إلى التغيير، وها هي ذي أيام العشر الأول من ذي الحجة، وما يتبعها من أيام التشريق، جاءت بما أودع الله -تعالى- فيها من فضائل، لتوقظ الهمم، وتُنشط النفوس، فليس هناك أيام جمعت من خصائص الفضل، وأسباب السعادة، كهذه الأيام، وتأمّل كم جمعت من ميزات، وحازت من فضائل:

     فهي أيام عظيمة الحرمة لكونها في ذي الحجة، وهو من الأشهر الحرم، التي جعل الله -تعالى- تحريمها من الدين المستقيم، حيث قال سبحانه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَٰوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾[التوبة:36]، وتذكير النفس بذلك يكبح جماح شهواتها، ويذكرها بأن الذنب يعْظم كلما كانت حرمة الزمن أعظم، ولهذا حذّر الله -تعالى- عباده من تعدي الحدود فيها، فقال بعد بيان حرمتها : ﴿فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ﴾، وذكّر الرسول -عليه الصلاة والسلام- الناس بذلك في شهر ذي الحجة، فعن ابن عباس-رضي الله عنهما-: «أن رسول الله -- خطب الناس يوم النحر فقال: (يا أيها الناس أي يوم هذا) قالوا: يوم حرام. قال: (فأي بلد هذا) قالوا: بلد حرام، قال: (فأي شهر هذا) قالوا: شهر حرام. قال: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام؛ كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا) فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه، فقال : (اللهم هل بلّغت، اللهم هل بلّغت) قال ابن عباس -رضي الله عنهما: «فوالذي نفسي بيده، إنها لوصيته إلى أمته» فليبلّغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض(1).

     وهي أيام عظيمة؛ لأنها نالت شرف قيام ركن الإسلام الخامس في زمانها، حين يأتي الناس أفواجًا من كل فج عميق، ليبدؤوا فيها مناسكهم وشعائر حجهم، والتي تمضي بنا، لو تأمّلت، في ذكريات زمان عميق، لتحكي لنا مواقف مهيبة، وعبرًا عديدة، من تاريخ بيت الله العتيق، سطّرها لنا بإيمانهم وصبرهم إبراهيم وآله -عليهم السلام-، فكان انقيادهم لأمر الله -تعالى- معالم هداية، ومواطن قدوة، في الإيمان بالله -تعالى- وتوحيده، والتوكل عليه وعبادته، يستن بها الموحِّدون في حجهم في كل زمان.

     ويا لها من عبرةٍ تُحيي القلوب، وتشرح الصدور، وتشوّقها للإقبال على الله -عزّ وجلّ-، حين ترى خير الناس من الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، يأتون الحج وهم يلبون، يجأرون إلى الله ويستغيثون، مع ما في زمنهم من صعوبة في السفر، ووعورة في الطريق، قال عليه الصلاة والسلام: «صلى في مسجد الخيف سبعون نبيًا، منهم موسى عليه السلام، كأني أنظر إليه وعليه عباءتان قطوانيتان وهو مُحْرم، على بعير من إبل شنوءة مخطوم بخطام ليف، له ضفيرتان»(2)، وعن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: كنّا مع النبي -- بين مكة والمدينة فمررنا بواد، فقال: «أي واد هذا؟» قالوا: وادي الأزرق. قال: «كأني أنظر إلى موسى عليه السلام-... واضعًا إصبعه في أذنه له جؤار إلى الله بالتلبية [الجؤار: رَفْع الصَّوت والاسْتِغاثة]، مارًّا بهذا الوادي». قال: ثم سرنا حتى أتينا على ثنية فقال: «أي ثنية هذه؟» قالوا: ثنية هَرْشى أو لَفت. قال: «كأني أنظر إلى يونس عليه السلام- على ناقة حمراء عليه جبة صوف، وخطام [حبل] ناقته خُلبة [ليف]، مارًّا بهذا الوادي ملبيًا»(3).

     حازت هذه الأيام العشر خير يومين في العام، وهما يوم عرفة ويوم النحر، ففي يوم عرفة يدنو الله -عزّ وجلّ- ثم يباهي ملائكة السماء بأهل الموقف، فما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار من يوم عرفة(4)، وجعل الله -تعالى- لغير الحجيج فيه نصيبًا، فمنحهم على صومه تكفير الذنوب لسنتين، سنة ماضية وسنة قابلة(5)، وهو اليوم الذي أكمل الله -تعالى- فيه الدين، فأتم النعمة على المسلمين، ونزل فيه قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾. [المائدة:3]

     وهو يوم الميثاق، فعن ابن عباس رضي الله عنه-، أن رسول الله -- قال: «إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم -عليه السلام- بنعمان يوم عرفة، فخرج من صلبه كل ذرية ذرأها، فنشرها بين يديه، ثم كلّمهم قبلًا، قال : ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا﴾ [الأعراف:172] إلى قوله: ﴿أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾[الأعراف:173](6).

     وهو اليوم المشهود الذي أقسم الله -تعالى- به في سورة البروج، ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾[البروج: 3]، قال رسول الله --: «اليوم الموعود يوم القيامة، واليوم المشهود يوم عرفة، والشاهد يوم الجمعة»(7). وهو خير أوقات الدعاء، لقوله عليه الصلاة والسلام: «خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»(8).

     ويوم النحر من أيام العشر، وهو يوم الحج الأكبر، كما قال فريق من العلماء، قال ابن القيم -رحمه الله تعالى-: «والصوابُ أن يومَ الحج الأكبر هو يومُ النَّحر؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾ [التوبة:3]، وثبت في الصحيحين أن أبا بكر وعليًا -رضي اللّه عنهما- أَذَّنَا بِذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ لاَ يَومَ عَرَفَةَ. وفي سنن أبي داود بأصح إسناد أن رسول اللّه قال: «يوم الْحَجِّ الأكْبَرِ يَوْمُ النَّحْر...» ويومُ عرفة مقدِّمة ليوم النَّحر بين يديه، فإن فيه يكونُ الوقوفُ، والتضرعُ، والتوبةُ، والابتهالُ، والاستقالةُ، ثم يومَ النَّحر تكون الوفادةُ والزيارة، ولهذا سُمّي طوافُه طوافَ الزيارة؛ لأنهم قد طهروا من ذنوبهم يوم عرفة، ثم أذن لهم ربُّهم يوم النَّحر في زيارته، والدخولِ عليه إلى بيته، ولهذا كان فيه ذبحُ القرابين، وحلقُ الرؤوس، ورميُ الجمار، ومعظمُ أفعال الحج. وعملُ يوم عرفة كالطهور والاغتسال بين يدي هذا اليوم»(9).

     وهو يوم التقرب إلى الله -تعالى- وتوحيده بالنسك العظيم، في أكبر مشهد لتوحيد الله -تعالى- بهذه العبادة، التي ضل فيها كثير من الناس فقدموها لغيره -سبحانه- من الأصنام والأوثان والقبور، ومن ثم جاء التنبيه على توحيد الله -تعالى- فيها في آيات عديدة، كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر﴾ [الكوثر:2]، أي: وانحر لربك ذبيحتك له وعلى اسمه وحده، وأمر عزّ وجلّ بذكر اسم الله -تعالى- وحده لا شريك له على الهدايا والأضاحي، فقال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَاءِسَ الْفَقِير﴾[الحج:28]، ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ [الحج:34]، ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج:36] .

     عشر ذي الحجة «هي الأيامُ العشر التي أقسم اللّه بها في كتابه بقوله: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْر﴾ [الفجر:1-2](10)، بل ورد أنها هي العشر التي أتمها الله -تعالى- لموسى -عليه السلام-، والتي جاء ذكرها في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف:142]، قال في تفسير الجلالين:(«وواعدنا») بألِف ودونها «موسى ثلاثين ليلةً» نكلّمه عند انتهائها بأن يصومها، وهي ذو القعدة، فصامها، فلما تمت أنكر خلوف فمه [رائحة فمه من الصوم] فاستاك، فأمره الله بعشرة أخرى ليكلّمه بخلوف فمه، كما قال تعالى: «وَأَتمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ» من ذي الحجة (11)، وقال ابن كثير: «وقد اختلف المفسرون في هذه العشر ما هي؟ فالأكثرون على أن الثلاثين هي ذو القعدة والعشر عشر ذي الحجة... فعلى هذا يكون قد كمل الميقات يوم النحر، وحصل فيه التكليم لموسى -عليه السلام-، وفيه أكمل الله الدين لمحمد كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾(12).

     ولكثرة ما في هذه الأيام وفي غيرها من فضائل، تنوّعت أقوال العلماء، واختلفت آراؤهم في الموازنة بينها، أيّ الأيام أفضل عند الله: أيام عشر ذي الحجة لقوله عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة»(13)، أم الليالي العشر الأخيرة من رمضان؟ يوم عرفة أم يوم النحر؟ قال في تحفة الأحوذي: «اختلف العلماء في هذه العشر، والعشر الأخير من رمضان، فقال بعضهم: هذه العشر أفضل لهذا الحديث، وقال بعضهم: عشر رمضان أفضل للصوم والقدر، والمختار أن أيام هذه العشر أفضل ليوم عرفة وليالي عشر رمضان أفضل لليلة القدر؛ لأن يوم عرفة أفضل أيام السنة، وليلة القدر أفضل ليالي السنة، ولذا قال: «ما من أيام» ولم يقل من ليال)(14)، وفي الاختيارات الفقهية لشيخ الإسلام ابن تيمية: «وعشر ذي الحجة أفضل من غيره لياليه وأيامه، وقد يقال: ليالي العشر الأخير من رمضان أفضل وأيام تلك أفضل. قال أبو العباس: والأول أظهر»(15).

     أما يوم عرفة ويوم النحر، فقد ذهب كثير من العلماء إلى أن يوم النحر أفضل أيام السنة على الإطلاق، حتى من يوم عرفة، قال ابن القيم: «خير الأيام عند اللّه يومُ النحر، وهو يومُ الحج الأكبر، كما في السنن عنه رضي الله عنه- أنه قال: «أَفْضَلُ الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القر»(16) وقيل: يومُ عرفة أفضلُ منه... والصواب القول الأول»(17).

     لقد لاحت للمحبين في هذه الأيام الفاضلة من الله -تعالى- آية، وأقيمت لهم علامة، ليثبت من أراد حقيقة محبته لله -عزّ وجلّ-، فهذه الأيام العشر هي أحب أوقات العمل عند الله -سبحانه-، والمحب الصادق هو الذي يبحث عن أوقات رضا من يحب ليسرع إليه بما يدل على صدق محبته، ويقبل عليه بما يرضيه، قال عليه الصلاة والسلام: «ما العمل الصالح في أيام أفضل من هذه العشر»، قالوا: ولا الجهاد؟ قال: «ولا الجهاد، إلا رجل خرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء»(18)، جاء في اختيارات شيخ الإسلام ابن تيمية: «واستيعاب عشر ذي الحجة بالعبادة ليلًا ونهارًا أفضل من جهاد لم يذهب فيه نفسه وماله، والعبادة في غيره تعدل الجهاد؛ للأخبار الصحيحة المشهورة، وقد رواها أحمد وغيره»(19).

     ومن رحمة الله -تعالى- بعباده أنه لم يحرم أحدًا فضل هذه الأيام، فلم يقصر ثوابها وأجرها على عبادة معينة واحدة، قد لا يستطيع القيام بها إلا بعض الناس؛ بل فضلها وثوابها شامل لكل بر وخير، ما دام مصحوبًا بنية وإخلاص، من صلاة وقيام وصوم(20) وحج وتضحية وذكر، ولا سيما التهليل والتكبير والتحميد، حتى تبسمك في وجه أخيك، وإماطة الأذى عن الطريق، والإصلاح بين المتخاصمين، والتفريج عن المكروبين، ومساعدة المحتاجين، قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وسبعون شعبة، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأعلاها قول: لا إله إلا الله، والحياء شعبة من الإيمان». وجاء في رواية لحديث عشر ذي الحجة، لفظ (خير) بدلًا من (العمل الصالح)، ففي رواية القاسم بن أبي أيوب: «ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر الأضحى»(21) مما يدل على سعة معنى العمل الصالح، قال أبو شامة : «ومن الأزمان ما جعله الشرع مفضّلًا فيه جميع أعمال البر؛ كعشر ذي الحجة... فمثل ذلك يكون أي عمل من أعمال البر حصل فيها كان له الفضل على نظيره في زمن آخر»(22).

     فأسرع بتوبة صادقة، تراجع فيها ماضيك، وتصلح حاضرك، وتخطط لمستقبلك، وذكّر نفسك بهذا الفضل العظيم، والأجر كبير، ليكون معينًا لك لتنطلق نحو تجديد الحياة، وزيادة الإيمان، والإقبال على الله -تعالى- بالعبادة والطاعة والعمل، «كان سعيد بن جبير -رحمه الله- إذا دخلت العشر اجتهد اجتهادًا حتى ما يكاد يقدر عليه»(23).

*  *  *

الهوامش:

(1) صحيح البخاري، رقم 1652.

(2) رواه الطبراني في الأوسط وإسناده حسن. صحيح الترغيب والترهيب، ج 2 ، 1127 (حسن لغيره) . القَطَوانِيَّة: عَباءةٌ بيضاءُ قصيرة الخَمْل ، خِطَام البعير: حَبْل من ليف أو شَعر أو كَتَّان. انظر: النهاية في غريب الحديث، لابن الاثير، (قطا) ، (خطم).

(3) صحيح سنن ابن ماجه، رقم 2891. الخُلْب: اللِّيف، انظر: النهاية في غريب الحديث، لابن الاثير، (خلب).

(4) رواه مسلم، رقم 1348 .

(5) في الحديث: "صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والتي بعده " صحيح سنن ابن ماجه، رقم 1730.

(6) رواه أحمد والنسائي وغيرهما، انظر صحيح الجامع، ج 1، رقم 1701، وشرح العقيدة الطحاوية.

(7) صحيح سنن الترمذي، كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة البروج، (حسن).

(8) صحيح سنن الترمذي، كتاب الدعوات، باب في دعاء يوم عرفة. قال الألباني: (حسن).

(9) زاد المعاد، لابن القيم، ج 1، المقدمة.

(10) زاد المعاد، لابن القيم، ج 1، المقدمة.

(11) تفسير الجلالين، سورة الأعراف، آية 142.

(12) تفسير ابن كثير، سورة الأعراف، آية 142.

(13) فتح الباري، كتاب العيدين، باب العمل في أيام التشريق.

(14) تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي، أبواب الصوم، باب في العمل في أيام العشر، ح 506.

(15) الأخبار العلمية في اختيارات الشيخ تقي الدين ابن تيمية، لأبي الحسن البعلي، ص 112.

(16) صحيح سنن أبي داود، كتاب المناسك، قال الألباني: (صحيح)، رقم 1765.

(17) زاد المعاد، لابن القيم، ج 1، المقدمة. ويوم القر هو يوم الاستقرار بمنى وهو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة.

(18) رواه البخاري وغيره، ((يخاطر) أي يقصد قهر عدوه ولو أدى ذلك إلى قتل نفسه)... (فلم يرجع بشيء) أي فيكون أفضل من العامل في أيام العشر أو مساويًا له) انظر فتح الباري، كتاب العيدين، باب العمل في أيام التشريق.

(19) الأخبار العلمية في اختيارات الشيخ تقي الدين ابن تيمية، لأبي الحسن البعلي، ص 62.

(20) الصوم في الأيام التسعة الأولى من عشر ذي الحجة مستحب، لا سيما يوم عرفة لخصوص ما ورد فيه، كما قرره كثير من العلماء، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: (واستُدل به [أي حديث ما من أيام ...] على فضل صيام عشر ذي الحجة لاندراج الصوم في العمل) فتح الباري، كتاب العيدين، باب العمل أيام التشريق.

(21) فتح الباري، كتاب العيدين، باب العمل في أيام التشريق.

(22) الباعث على إنكار البدع والحوادث، ص 34.

 

*   *   *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (6)

ضوء خاطف على رحلة الذنب المغفور

 

 

بقلم:  الأستاذ عبد الرزاق القاسمي الأمروهي(*)

 

     شرع الله -سبحانه وتعالى- العبادات، وكلَّف بها عباده المسلمين، ورتَّب على أدائها بحقِّها ثوابًا حسنًا وأجرًا كريمًا، ورتَّب على التَّقصير أو التَّفريط فيها جزاءً موافقًا لذلك، وتنوَّعت أشكال العبادات وتعدَّدت أنواعها، فمنها ما شرعه الله تعالى على سبيل الفرض؛ أي لازمةً على كلِّ مسلمٍ مكلَّف، ومنها ما شرعه الله تعالى على سبيل التطوع، فيثاب بالأجر العظيم من فعلها ولا يؤثم من تركها، وقد كان لأصنافٍ مخصوصةٍ من العبادات مكانة ومنزلة أجلُّ وأعظم؛ إذ جعلها الله تعالى من أركان الإسلام التي يُبنى عليها ويقوم، وهي واجبةٌ على كلِّ مسلمٍ مكلفٍ، ولا يجوز لمسلمٍ إنكارها أو تركها بلا عذر، وهذه الأركان هي: شهادة التوحيد، والصَّلاة، وصيام رمضان، والزَّكاة، وحجُّ البيت لمن استطاع إليه سبيلًا، كما جاء في حديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النَّبي -عليه الصَّلاة والسَّلام- أنَّه قال: «بُنِي الإسلامُ على خمسٍ: شَهادةِ أن لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللهِ، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، والحجِّ، وصومِ رمضانَ». (رواه البخاري، في صحيحه، الرقم:8)

     وفيما يلي حديثٌ موجَزٌ عن واحدٍ من هذه الأركان الخمسة وهو الحجُّ، وبيانٌ لتعريفه وحكمه، وتوضيحٌ لمناسكه وأركانه، وتفصيلٌ لواجباته ومستحباته ومحظوراته.

تعريف الحجِّ

     الحجُّ لغةً: القصدُ، وحجَّ فلانٌ إلى آخر أي قَدِمَ إليه، وحججْتُ إلى فلان أي قصدته واعتمدته، ولذا كان التَّعارف على استعمال لفظة الحج؛ للدلالة على القصد إلى مكة لأداء النُّسك؛ لأنَّ الحج فيه قصدٌ وتوجُّه إلى بيت الله الحرام. (لسان العرب، بيروت، صفحة 226، جزء2. بتصرّف)

     الحجُّ اصطلاحًا: هو عبادةٌ قائمةٌ على قصد بيت الله الحرام في أشهرٍ مخصوصةٍ؛ للقيام بأعمالٍ مخصوصةٍ وفق شروطٍ معيَّنةٍ ومحدَّدةٍ شرعًا، وهذه الأعمال تتمثّل بالوقوف بعرفة، والطَّواف بالبيت الحرام، والسَّعي بين الصفا والمروة. (الموسوعة الفقهية الكويتية، صفحة 23-26، جزء 17. بتصرّف).

مواقيت الحج

     يبدأ الحجُّ بقيام الحاجّ بالإحرام من مواقيت الحجّ كما حدّدها النبيّ -عليه الصلاة والسلام-، وذلك بواسطة الاغتسال ولبس لباس الإحرام، و«المواقيت» في اللغة: جمع ميقات، ولفظ ميقات مصدر ميمي، وهو يطلق على الزمان والمكان، فالميقات والموقوت بمعنى واحد، وهو الشيء المحدود زمانًا أو مكانًا، والمقصود به هنا ما حددته أحكام الشرع للإحرام بالحج مِن زمان أو مكان يتعلق بهما صحته، وهي نوعان:

     أ- المواقيت الزمانية: وهي أشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وهي التي يصح فيها انعقاد الحج ويقع فيها التمتع بالعمرة إلى الحج. ( الهداية 2/220، ورد المحتار 2/206، 207)

     ب- المواقيت المكانية: وهي الأمكنة التي عيَّنها النبيُّ لأهل كل جهة ليحرم منها مَنْ أراد الحج أو العمرة منهم أو ممن كانوا وراءهم، وهي خمسة أماكن:

     1- ميقات أهل المدينة ومَن يمر عليها «ذوالحليفة»، وهو موضع بينه وبين مكة ‏450 كيلو مترًا، ويعرف بـ«أبيار علي».

     2- ميقات أهل الشام ومَن في طريقهم «الجحفة»، وهي فى الشمال الغربي من مكة، بينه وبينها ‏187 كيلو مترا، وهى قريبة من «رابغ» بينها وبين مكة ‏204 كيلو مترًا،‏ وقد صارت ميقات أهل مصر والشام ومن يمر عليها بعد ذهاب معالم الجحفة.‏

     3- ميقات أهل نجد «قرن المنازل» وهو جبل شرقي مكة يطل على عرفات، بينه وبين مكة ‏94 كيلو مترًا.‏

     4- ميقات أهل اليمن «يلملم» وهو جبل جنوبي مكة بينه وبينها ‏54 كيلو مترًا.‏

     5- ميقات أهل العراق «ذات عرق» وهي موضع في الشمال الشرقي لمكة بينه وبينها ‏94 كيلو مترًا.‏

     هذه هي المواقيت التي عيَّنها الرسولُ وقال فيها: «هُنَّ لَهُنَّ، وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ، فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ» (أخرجه مسلم في الحج، باب مواقيت الحج والعمرة، رقم:1181) أي أن هذه المواقيت هي لأهل هذه البلاد ولمن مرَّ بها، ومن كان أقرب إلى مكة المكرمة من هذه المواقيت فميقاته محل سكنه، وكذلك أهل مكة يحرمون بالحج من مكة، ومن كان طريقه يمينًا أو شمالًا من هذه المواقيت؛ فإنه يحرم حين يحاذي أقربها إليه، وهي أيضا مواقيت لمن يريد العمرة ، إلا أهل مكة فميقاتهم أدنى الحل، يخرج من مكة ويحرم من هناك، وأقربه هو «التنعيم» أو مسجد السيدة عائشة.

     ومَنْ تجاوز الميقات دون إحرام وجب عليه أن يعود ليحرم منه وإلَّا وجب عليه دم، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله.

الإحرام وأنواعه

     الإحرام هو نية الدخول في نسك الحج أو العمرة أو هما الاثنين مع التلبية، فإذا وصل مَنْ يريد الحج أو العمرة الميقات المكاني المحدَّد للجهة القادم منها فيستحب له قبل إحرامه: الاغتسال، وتنظيف شعره وأظافره، والتطيّب، ثم لبس ثياب الإحرام، وإن كان الوقت ليس وقت نهي صلى ركعتين، وبالإحرام، ويمتنع على المحرم ما كان مباحًا له قبله من محظورات الحج أو العمرة، وللشخص الـمُحرِم في فترة أشهر الحج - شوال وذو القعدة وذو الحجة - أن يختار بين ثلاثة أنواع من النسك؛ لينوي أحدها عند إحرامه، وهي:

     1- الإفراد: وهو أن يحرم الشخص بالحج وحده فيقول: لبيك حجًّا، فإذا وصل مكة طاف للقدوم ثم سعى للحج، ويبقى على إحرامه حتى يتحلل منه بعد رمي جمرة العقبة والحلق يوم العيد، وليس عليه هديٌ.

     2- التمتع: وهو أن يحرم الشخص بالعمرة وحدها فيقول عند إحرامه: لبيك عمرة، ويؤخر الإحرام بالحج إلى يوم التروية وحتى غروب الشمس يوم عرفة، ويجب عليه أن ينحر هديًا، أما مَنْ أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج فإنه يسمى معتمرًا لا متمتعًا.

     3- القِران: وهو أن يحرم الشخص بالعمرة والحج جميعًا فيقول: لبيك عمرةً وحجًّا، أو يحرم بالعمرة أولا ثم يدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها. وعمل القارن كعمل المفرد إلا أن القارن يُلبي بالعمرة والحج معًا، ويجب على القارن هديٌ يذبحه أيامَ النحر، لقوله تعالى: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾،ولأنه إذا وجب على المتمتع - لأنه جمع بين نسكين في وقت أحدهما - فلأن يجب على القارن، وقد جمع بينهما في الإحرام أولى، وأدنى ما يجزئ فيه شاة، والبقرة أفضل، والبدنة أفضل منهما، وموجِب هذا الهدي: هو دم شكرٍ، وجب شكرًا لله لما وفقه إليه من أداء النسكين في سفرٍ واحدٍ، فيأكل منه ويطعم من شاء ولو غنيا، ويتصدق. (فتح القدير2/322)

منزلة الحج وفضائله

     الحج من أفضل الأعمال، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «سُئل رسول الله : أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور». (أخرجه البخاري في كتاب الحج باب فضل الحج المبرور برقم (1447). وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «قلت: يا رسول الله: نرى الجهاد أفضل العمل أفلا نجاهد؟ قال: لكن أفضل من الجهاد حج مبرور». (أخرجه البخاري في كتاب الحج باب فضل الحج المبرور برقم (1448). ولقد بيَّن النبي -- أن الحج المبرور ليس له جزاء إلَّا الجنة، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله : «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة». (أخرجه البخاري في كتاب أبواب العمرة باب وجوب العمرة وفضلها برقم (1683). إن الحاجَّ إذا حج ولم يرفث ولم يفسق تطهَّر من ذنوبه وآثامه فيرجع كيوم ولدته أمه، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -- يقول: «مَن حجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه». أخرجه البخاري كتاب الحج باب فضل الحج المبرور برقم(1449).

     فهنيئًا للحجاج مغفرة الذنوب، إنهم وفد الله -عزّ وجلّ، فعن ابن عمر عن النبي -- قال: «الغازي في سبيل الله والحاج والمعتمر وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم». (أخرجه ابن ماجه في سننه كتاب المناسك باب فضل دعاء الحاج برقم (2893).

شروطه:

 

يشترط لفرضية الحج:

     أولًا: الإسلام، فغير المسلم لا يجب عليه الحج؛ بل ولا يصح منه لو حج؛ بل ولا يجوز له دخوله مكة لقوله تعالى: ﴿يٰـأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (سورة التوبة:28). فلا يحل لمن كان كافرًا - بأي سبب كان كفره - دخول مكة، ولكن يحاسب الكافر على ترك الحج وغيره من فروع الإسلام على القول الراجح من أقوال أهل العلم لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَصْحٰبَ الْيَمِينِ* فِي جَنّٰتٍ يَتَسَاءلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ* قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ (سورة المدثر: 39-45).

     ثانيًا: العقل، فالمجنون لا يجب عليه الحج، فلو كان الإنسان مجنونًا من قبل أن يبلغ حتى مات؛ فإنه لا يجب عليه الحج ولو كان غنيًا.

     ثالثًا: البلوغ: فمن كان دون البلوغ؛ فإنه لا يجب عليه، لكن لو حج فإن حجه صحيح، ولكن لا يُجزئه عن حجة الإسلام لقول النبي -- للمرأة التي رفعت إليه صبيًا وقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم ولك أجر». (رواه مسلم، كتاب الحج باب صحة حج الصبي وأجرمن حج به برقم (1336). لكنه لا يُجزئه عن حجة الإسلام، لأنه لم يُوجَّه إليه الأمر بها. حتى يجزئه عنها، ولا يتوجه الأمر إليه إلا بعد البلوغ.

     رابعًا: الحرية: فالرقيق المملوك لا يجب عليه الحج؛ لأنه مملوك مشغول بسيده، فهو معذور بترك الحج لا يستطيع السبيلَ إليه.

     خامسًا: القدرة على الحج بالمال والبدن: فإن كان الإنسان قادرًا بماله دون بدنه، فإنه يُنيب مَن يحج عنه؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الفضل رديف رسول الله فجاءت امرأة من خثعم، فقالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال:نعم، وذلك في حجة الوداع. (رواه البخاري كتاب الحج، باب وجوب الحج وفضله برقم (1442). ففي قولها: أدركته فريضة الله على عباده في الحج، وإقرار النبي إياها على ذلك، دليلٌ على أن مَن كان قادرًا بماله دون بدنه، فإنه يجب عليه أن يُقيم مَن يحج عنه. أما مَن كان قادرًا ببدنه دون ماله، ولا يستطيع الوصول إلى مكة ببدنه، فإن الحج لا يجب عليه.

     وهنا شروط زائدة خاصة بالنساء:

     أحدهما: أن يكون معها زوجها أو محرم لها، فإن لم يُوجد أحدهما لم يجب عليها الحج.

     الثاني: ألا تكون معتدة عن طلاق أو وفاة؛ لأن الله تعالى نهى المعتدات عن الخروج بقوله: ﴿لَاتُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ (سورة الطلاق).

أركانه:

     أركان الحج فيما اتجه إليه جمهور الفقهاء أربعة: الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، والسعي بين الصفا والمروة، وأما عند الحنفية فركنان: الوقوف بعرفة، وطواف الزيارة، وما سواهما فمن الواجبات، وعند الشافعية سنة: الأربع المذكورة عند الجمهور والحلق أو التقصير، والترتيب بين معظم الأركان.

     1- الإحرام: هو أول ركن من أركان الحج وهو واجب عند الحنفية - وهو بمثابة النية للدخول في النسك، والحج يحتاج إلى نية ليكون صحيحًا، ويجب أن تكون خالصة لوجه الله تعالى، يقوم الحاج بالإحرام من المواقيت التي حدّدها الرسول للقادمين إلى مكة، مرتدين اللباس الخاص بالرجال؛ وهو منشفة غير مخيطة، وللنساء لباس ساتر لكل جسمها عدا الكفّين والوجه.

     2- الوقوف بعرفة: لقول النبي عليه السلام: «الْحَجُّ عَرَفَة، مَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» (أخرجه أبو داود، كتاب المناسك «الحج»: باب من لم يدرك عرفة، حديث:1949). يبدأ وقت عرفة من طلوع شمس اليوم التاسع من ذي الحجة وحتى زوال شمس يوم عرفة، فيقوم جميع الحجاج بالوقوف هناك في اليوم التاسع من ذي الحجة من طلوع الشمس حتى غروبها، ويحلّ له الوقوف بعرفة كلها وليس على جبل عرفة فقط، يُستحبّ عند الوقوف على عرفة الإكثار من الدعاء، وخاصة ما حثّ عليه الرسول --، وهو: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير.

     3- طواف الإفاضة: لقوله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج:29]. بعد أن ينزل الحاج عند جبل عرفة ويبيت بمزدلفة، يتوجه إلى بيت الله الحرام لتأدية ركن الطواف؛ وهو عبارةٌ عن سبعة أشواط يُشترط فيها النية عند البداية، والطهارة من الحدث، وستر العورة، وتكون الكعبة على يساره، ويُردّد: «بسم اللّه واللّه أكبر، اللهم إيمانًا بك وتصديقًا بكتابك، ووفاءً بعهدك واتباعًا لسنة نبيك »، ويكون هذا عند بدء الشوط الأول.

     4- السعي بين الصفا والمروة: لقول الرسول عليه السلام: «اسْعَوْا، فَإِنَّ اللهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ». (مسند أحمد مخرجًا 45/363، رقم: 27367)، بعد أن يُنهي الحاج الطواف يتوجّه إلى السعي بين الصفا والمروة حتى يُتمّم أركان الحج جميعًا، وصفة السعي أن يبدأ بالصفا، إذ وقف عليه عليه السلام حتى رأى البيت، فوحَّد اللهَ وكبَّره، وقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلْك وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، لا إله إلا الله وحده، أَنْجَز وعدَه، ونصر عبدَه، وهَزَم الأحزاب وحدَه»، ثم دعا بين ذلك، فقال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل إلى المروة، حتى انصبَّت قدماه في بطن الوادي.

واجباته:

     1- التلبية، وصيغتها: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك»، ووقتها يبدأ من الإحرام بالحج للقارن والمفرد إلى أن يرمي جمرة العقبة.

     2- طواف القدوم عند المالكية، أما عند الجمهور فسنة.

     3- طواف الوداع عند الجمهور وعند المالكية سنة، وقد رُخِّص فيه للحائض والنفساء وأهل مكة، وليس على الحاج طواف سوى هذه الثلاثة طواف القدوم، وطواف الزيارة، وطواف الوداع - إلَّا أن يتنفل. لقوله عليه السلام: «لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ، إلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْحَائِضِ» (أخرجه مسلم كتاب الحج: باب وجوب طواف الوداع، حديث: 1327).

     4- المبيت ليلة النحر بمزدلفة إلى ما بعد منتصف الليل، فهو واجب عند أكثر أهل العلم، ويجوز للضعفاء من النساء وغيرها من المرضى الذين يخشون زحام الناس أن يقوموا بالتوجّه لرمي الجمرات ليلتها، إذ أرسل الرسول -عليه السلام- أمَّ سلمة والصبيان بليلة النحر قبل الفجر.

     5- رمي الجمار بالترتيب، وجملة ما يرميه الحاجُّ سبعون حصاة، منها في يوم النَّحْر جمرة العقبة بسبعٍ، وإن رَمَى هذه الجمرة من حيث تيسَّر من العقبة من أسفلها أو من أعلاها أو من وسطها كل ذلك واسع، والموضع المختار منها بطن الوادي لما جاء في حديث ابن مسعود أنه اسْتَبْطَنَ الوادي، ثم قال: من هاهُنا رأيتُ الذي أُنزلت عليه سورة البقرة يرمي. (أخرجه البخاري، رقم: 1747). ثم يرمي في كل يوم من أيام التشريق ثلاثَ جِمار بواحدةٍ وعشرين حصاة، كلَّ جمرة منها بسبعٍ، وأنه يجوز أن يرمي منها يومين وينفِر في الثالث؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203]. وقَدْرُها: أن يكون في مثل حصى الخذف؛ لما رُوي من حديث جابر وابن عباس، وغيرهم أن النبي -عليه الصلاة والسلام- رَمَى الجمار بمثل حصى الخذف. ( أخرجه البخاري، رقم: 1543). والسُّنة في رمي الجمرات كل يوم من أيام التشريق أن يرمي الجمرة الأولى فيقف عندها ويدعو، وكذلك الثانية، ويطيل المقام، ثم يرمي الثالثة ولا يقف، لما روي في ذلك عند رسول الله -- أنه كان يفعل ذلك في رميه، والتكبير عندهم عن رمي كل جمرة حَسَنٌ؛ لأنه يُروى عنه عليه الصلاة السلام. (أخرجه البخاري:1751 و1753).

     6- المبيت في مِنى أيام التشريق عند الجمهور، وأما عند الحنفية فسنة فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ، والتأخير أفضل من التقديم لأهل مكة ولغيرهم، ومن تعجل فليخرج قبل الغروب وإلا وجب عليه التأخير.

     7- صلاة ركعتيْ الطواف خلف المقام أو في أي مكان من الحرم.

     8- الحلق أو التقصير: حيث أمر الرسول -عليه السلام- بالحلق أو التقصير، فقال: «فليقصرأو فليحلل»، ودعا للمحلقين ثلاثًا، وللمقصّرين مرة واحدة. ولا تحلق النساء.

     ومن ترك واجبًا من هذه الواجبات فعليه فدية - ذبح شاة ونحوها-، لا يأكل منها ولا يهدي ولكن يتصدق بها.

مستحباته:

     1- أن يحرم الرجل في إزار ورداء أبيضين، أما المرأة فلها أن تحرم في أي لونٍ شاءت.

     2- أن يغتسل لإحرامه ولو كانت المرأة حائضًا أو نفساءَ.

     3- أن يحــــــــــــــــرم عقب صــــــــلاة مكتــــــوبــــــــــــــة، فإن لم يتمكن أحرم عقب ركعتين.

     4- أن يغتسل لدخول مكة المكرمة وكذلك ليوم عرفة.

     5- في الطواف يستلم الركنين: الحَجَر الأسود، والركن اليماني إن تمكن، وإلَّا أشار إليهما.

     6- يقول عند بداية كل شوط: «بسم الله والله أكبر».

     7- يدعو بين الركنين بـ«اللهم ربّنا آتِنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار».

     8- أفضل الحج الثَّجُّ وهو كثرة الذبح للهدي، والعَجُّ وهو رفع الصوت بالتلبية للرجال.

     9- الإكثار من الذكر وتلاوة القرآن والتصدّق.

     10- أن يتضلّع من ماء زمزم.

     11- أن يلتقط الجمار لجمرة العقبة من مزدلفة.

     12- أن يكثر من الذكر والدعاء وقول لا إله إلا الله يوم عرفة.

     13- أن يدعو طويلا بعد رمي الجمرة الصغرى والوسطى أيام التشريق.

محظوراته:

     يحظر على الحاج بمجرد عقده نية الإحرام أن يأتي ما يلي:

     1- إزالة شعر الرأس وسائر الجسم بحلقه أو نتفه وكذلك تقليم الأظافر وقصها.

     2- استعمال الطيب في كل ما يتعلق بالحاج.

     3- الجماع وتلحق به المباشرة الجسدية لشهوة، وكذلك عقد النكاح أو خطبة النساء.

     4- قتل الصيد، وأما قطع الشجر فليس بحرام على المحرم إلا ما كان منه داخل حدود الحرم.

     5- من المحظورات الخاصة بالرجال لبس المخيط من الثياب المفصل على هيئة البدن أو جزء منه.

     6- من المحظورات الخاصة بالرجال تغطية الرأس بملاصق له كالطاقية ونحوها.

     7- ومن المحظورات الخاصة بالمرأة البرقع والنقاب الذي يغطي الوجه، ويباح لها من المخيط ما سوى ذلك.

     ومَنْ فعل شيئًا من هذه المحظورات ناسيًا أو جاهلًا أو مضطرًا فلا إثم عليه وعليه الفدية، ومَنْ ارتكبها متعمدًا بلا عذر فعليه الإثم والفدية معًا، إلَّا الجماع فإن تعمده يفسد به الحج إذا كان قبل التحلل الأول.

*   *   *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (7)

فَلْنَقْدِرِ الْوَقْت!

 

 

بقلم:  الأستاذ محمد شاهنواز القاسمي(*)

 

     يقولون: الوقت كالسيف، إن لم تقطعه قطعك. وهذه الحكمة المشهورة تدل دلالةً واضحةً على أهمّيّة الوقت في حياة الإنسان؛ لأن الوقت عنصرٌ أساسيٌّ وجوهرٌ عظيمٌ فيها. وحياتنا على وجه الأرض محكومةٌ بالزمان، ومحدّدةٌ بوقت معين. وكل يوم جديد تشرق فيه الشمسُ يعتبر فرصةً جديدةً. من هنا اكتسب الوقت أهميةً كبرى عند الإنسان بشكل عام؛ فهو يُمَثِّل ذهبًا على الأرض؛ لأن الوقت الذي يمضي لا يعود نهائيًّا.

     الوقت إحدى أهمّ نعم الله تعالى على الإنسان، فهو رأس ماله؛ لأن حياة الإنسان عبارة عن أيام ودقائق معدودات، تمضي الواحدة منها دون عودة أو رجوع. والإنسان يُقَدَّرُ عمره بما يمضي منه من أوقات، فإضاعة الوقت تعني إضاعةَ العمر، وقد اعتنى الإسلام بمسألة الوقت اعتناء كبيرًا. ويظهر هذا الاعتناء في العديد من النصوص الشرعيّة في الكتاب والسنة التي تحث على اغتنام الوقت والتحذير من إضاعته.

     ومما يُجَلِّي مكانةَ الوقت في القرآن المجيد أن الله تبارك وتعالى قد أقسم في فواتح السور ببعض الأوقات. وهي الليل والنهار، والفجر والضحى والعصر. ومن المعلوم أن الله تعالى إذا أقسم بشيء فإن ذلك يدل على عظمته ومكانته السامية.

     والوقت هو عمر الإنسان ورأس ماله في هذه الحياة الدنيا، ذلك أن كل يوم يمضي على الإنسان يأخذ من عمره ويقربه إلى أجله. والعجيب في ذلك فرحُ الكثير منهم بمرور هذه الأيام والسنين، وقد علموا أنها تُقَرِّبُهم إلى آجالهم، وتُبْعِدُهم عن دنياهم!

     وقد أرشدنا اللهُ تعالى في كتابه الكريم، وعلى لسان نبيه العظيم إلى أهمّيّة الوقت والتوقيت في حياتنا وأعمالنا، فرَسَمَ لنا الأحكامَ الشرعيّةَ، وحَدّد لنا أوقاتها ومواعيد أدائها، وحذَّرنا من التساهل والتجاوز بها عن توقيتها، وفي ذلك منه سبحانه تعليمٌ وتربيةٌ لنا على تنظيم الأعمال والقيامِ بها في مواعيدها المُحَدَّدَة. قال عزّ وجلّ: ﴿إنَّ الصَّلَوٰةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِيْنَ كِتٰـــــبًا مَّوْقُوُتًا﴾(1).

     وعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألتُ رسولَ الله : أيُّ الأعمال أحَبُّ إلى الله؟ قال: «الصلاةُ على وقتها». رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي(2).

     والصلاة تَتَكَرَّرُ من المسلم والمسلمة في اليوم والليلة خمسَ مراتٍ، فإذا أداها المسلمُ في أول وقتها كما طُلِبَتْ منه، غَرَسَتْ في سلوكه خلقَ الحفاظِ على الوقت، والدقةِ في المواعيد، والانتباهِ لتوقيت كل عمل بوقته المناسب له، الْمُوصلِ إلى الغاية منه على الوجه الأتم الأكمل.

     وقد رَسَمَ الشرعُ الحنيفُ التوقيتَ في تكاليف كثيرة، غير الصلاة، فَوَقَّتَ في أحكام الحج، والزكاة، والصوم، وزكاة الفطر، والأضحية، والسفر، والتيمم، والمسح على الخفين، والرضاع، والطلاق، والعدة، والرجعة، والنفقة، والدين، والرهن، والضيافة، والعقيقة، والحيض، والنفاس وغيرها، وما ذلك إلا لمعنى هامٍّ رتَّبَ الشرعُ التوقيتَ عليه ولَحَظَ المصلحةَ والنفعَ به.

     فإذا أدرك المسلمُ قيمةَ وقته، كان أكثرَ حرصًا على حفظه واغتنامه في الطاعات والعبادات، فيسارع إلى استغلال الفراغ قبل الشغل، والصحة قبل السقم. كما جاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن رسول الله قال: «نِعْمَـــتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ»(3). رواه البخاري.

     مغبون فيهما كثير من الناس: أي ذو خسران فيهما كثير من الناس. قال بعض العلماء: النعمة ما يتنعّم به الإنسان ويستلذّه. والغبن أن يشتري بأضعاف الثمن، أو يبيع بدون ثمن المثل، فمن صح بدنُه، وتفرَّغ من الأشغال العائقة، ولم يَسْعَ لصلاح آخرته، فهو كالمغبون في البيع. والمقصود أن غالب الناس لا ينتفعون بالصحة والفراغ؛ بل يصرفونهما في غير محالهما، فيصير كل واحد منهما في حقهم وبالًا؛ ولو أنهم صرفوا كلّ واحد منهما في محله لكان خيرًا أيّ خير.

     قال الإمام ابن الجوزي: قد يكون الإنسانُ صحيحًا ولا يكون متفرغًا؛ لشَغْلِهِ بالمعاش، وقد يكون مستغنيًا ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعا فغلب عليه الكسلُ عن الطاعة فهو المغبون. وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة الآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحُها في الآخرة، فمن استعمل فراغَه وصحتَه في طاعة الله -عزّ وجلّ- فهو المغبوط. ومن استعملهما في معصية الله فهو المغبون؛ لأن الفراغ يعقبـــــــــه الشغلُ، والصحة يعقبها السقمُ، ولو لم يكن إلا الهرمَ لكفى.

     قال المحقق الطيبي: ضرب النبيُّ للمكلَّف مثلًا بالتاجر الذي له رأسُ مالٍ، فهو يبتغي الربحَ مع سلامة رأس المال، فطريقُه في ذلك أن يتحرّى فيمن يعامله، ويلزمَ الصِّدقَ والحِذْقَ لِئَلّايُغبنَ؛ فالصحة والفراغ رأس المال. فالساعات أغلى من أن تُنفَقَ في أحاديثَ لاغيةٍ وأقوال فارغة جوفاء، أو مجالس غيبة ونميمة، وكذب وافتراء لا يتحرّى فيها المسلمُ الصدقَ والبرّ ولا يأمر فيها بالمعروف والطاعة.

     الزمن نعمة جُلّى ومِنحةٌ كبرى، لا يدريها ويستفيد منها كلَّ الفائدة إلا الموفَّقون الأفذاذُ، كما أشار إلى ذلك لفظُ الحديث الشريف فقال: «مغبون فيهما كثير من الناس»: فأفاد أن المستفيدين من ذلك قلةٌ، وأنَّ الكثيرَ مُفَرِّطٌ مغبونٌ.

     وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -- لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابَك قبل هرمك، وصحتَك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغَك قبل شغلك وحياتَك قبل موتك». أخرجه الحاكم في المستدرك(4).

     يقول الشاعرالأردي المعروف «حالي» ما معناه: الصحة مغنمٌ قبل حصول العِلَّة، والفراغُ سعادةٌ قبل تزاحُمِ الأشغال وتتابُعِ الأعمال، والشبابُ نعمةٌ عظيمةٌ قبل كبر السن إلى تساقطِ القُوى، واختلالِ العقل وتَشَوُّه المنظر، والثراءُ منحةٌ ربانيّةٌ قبل العَيلة والفاقة، فافعلوا من الخير ما شئتم عاجلًا؛ لأن الوقت قليل، وانقضاؤه غير بعيد.

     ولِنَنْظُرْ في هذه المَواقِفِ المشرِّفةِ المُشْرِقَةِ التي تُبَيِّن لنا مدى حرص سلفنا الصالحِ على اغتنامِ الوقت واستغلالِ ثروةِ الزمانِ؛ فإنَّ معرفةَ أحوالهم وقراءةَ سِيَرِهم أكبرُ عَوْنٍ للمسلم على الاستفادة من وقته، فهم خَيْرُ من أدركَ قيمةَ الوقت، كما ضربوا أروعَ الأمثلةِ في اغتنامِ دقائقِ العمرِ واستغلالِ أنفاسه في طاعةِ الله عزَّ وجلّ.

     قال يحي بنُ معاذ: إضاعة الوقت أشدُّ من الموت؛ لأن إضاعةَ الوقت انقطاعٌ عن الحق، والموتُ انقطاعٌ عن الخلق.

     ذات مرةٍ سأل الفضيلُ بنُ عياض - رحمه الله - رجلًا، فقال له: كم عمرك؟ فقال الرجل: ستون سنةً، فقال الفضيل،فأنت منذ ستين سنةً تسير إلى ربك، تُوْشِكُ أن تصل، فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال الفضيل: من عرف أنه عبدٌ لله، وأنه راجعٌ إليه فليعلم أنه موقوفٌ ومسؤولٌ، فَلْيُعِدَّ للسؤال جوابًا، فقال الرجل: ما الحيلة؟ فقال الفضيل: يسيرةٌ، تُحْسِنُ فيما بقي يَغفرُ لك ما مضى، فإنك إن أسأتَ فيما بقي، أُخِذْتَ بما مضى وما بقي.

     و يمتاز أستاذُنا الغالي الحبيبُ، وشيخُ العربية الأديب الأريب نور عالم خليل الأميني - حفظه الله و رعاه و مَتَّعَه بطول العمر معافًى سالِمًا - بالجِدّ الشديد والحرصِ البالغ على الوقت فلا يَثْنِيْه عن محاضرته وإلقاءِ دروسه شدةُ القَيظ ولا يُؤَخِّرُها بردُ الشتاء القارص، وكثيرًا ما تعرَّض تلاميذُه من الكسالى والْمُثْقَلِيْن إلى النقدِ والتعنيفِ. أذكر أنَّنِيْ انقطعتُ عن حضور درسه دون أن أحيطه علمًا بالموضوع، وكان بي مرضٌ شديدٌ، فلما شَخَصْتُ في اليوم التالي إلى الدرس لَامَنِيْ لومًا عنيفًا، وقال: لا خير فيمن عَاقَهُ المرضُ.

     وإنَّ أهمَّ ما يُساعِدُ على اغتنام الوقت، تنظيمُ الأعمالِ، والانحياز عن المجالسِ الفارغةِ الخاويةِ، وتركُ الفضول في كل شيء، ومصاحبةُ الْمُجِدِّين النبهاءِ الأذكياءِ الْمُتَيَقِّظِين للوقتِ والدقائقِ، وقراءةُ أخبار العلماءِ الأفذاذِ أصحابِ التراجمِ الحافزةِ والتذاذُ المرءِ بِحَلاوةِ كسبِ الوقت في الإنتاج العلميِّ، والانغمارُ في مُتْعَة المطالعةِ والاستزادة من المعرفة والاطلاع وتنقيحِ المعلوماتِ.

     ومنذ عُرِفَتِ التطبيقات الإلكترونيّة المختلفة في ذاكرة الهواتف الذكيّة، يتصدرها الفيسبك وتويتر والواتساب ودونها، التي ساهمت في صلة العالم بأطرافه بين سكان القارات العديدة؛ ترى الناس ذكورًا وإناثًا، فتيانًا وفتيات، يرتادون مواقعَ التواصل الاجتماعي حول العالم فيقضون أوقاتهم الغوالي في متعة نشر الكثير من الصور والفيديوهات، والرسائل النصية والوسائط السخيفة والمكررة والمواد الهابطة وروابط الانحلال الخلقي بين الأصدقاء والصديقات؛ فصار إدمانُ الإنترنت ظاهرةً غريبةً لديهم يُضِيْعُ العزيزَ من عمـــــــــرهـــــــــم والطيِّبَ من وقتهــــم شعـــــــــــــروا بذلك أم لم يشعروا، ويصعب التغلبُ عليها في الوقت الراهن إلا بالوعي السليم والتثقيف الجاد المستقيم ومراقبة الله -عزّ و جلّ- في الخلوة والجلوة.

     وبعض الكسالى والبطالين يصابون بتكرار النظر إلى الساعات خلال أوقات العمل والدراسة، فتجد طلابًا في الفصول الدراسيّة والحلقات التعليميّة يشخصون بأبصارهم نحو ماكينة الوقت مرارًا كأنهم يحسبونه عبئًا ثقيلًا ينوءبكواهلهم. ولو أنهم انصرفوا إلى كسب الوقت مُكِبِّيْنَ على عملهم الدراسيّ، لنالوا خيرًا كثيرًا وعلمًا عظيمًا. الوقت هو الحياة، فلا تضيعه بالنظر إلى الساعات والجوالات مرة بعد أخرى.

     و كان محمدُ بن الحسن الشيبانيّ الكوفيّ تلميذ الإمام أبي حنيفة - رحمهما الله  - لا يَنامُ الليل، و كان يضع عنده دفاتِرَ يعني كتبًا، فإذا مَلَّ من نوعٍ نَظَرَ في آخَرَ. وكان يُزِيْلُ نومَه بالماء، ويقول: إنَّ النومَ من الحرارة.

     وقال أبو المظفر سِبْطُ ابن الجوزي: سمعتُ جدي يقول على المنبر في آخر عمره، كتبتُ بأصبعي هاتَيْنِ ألفَيْ مُجَلَّد.

     ونقل القمي في الكنى والألقاب أن بُرَايَةَ أقلام ابن الجوزيّ التي كتب بها الحديثَ، جُمِعَتْ فحصل منها شيءٌ كثيرٌ، وأوصى أن يُسَخَّنَ بها الماءُ الذي يُغَسَّلُ به بعد موته، فَفُعِل ذلك، فَكَفَتْ وفَضُلَ منها.

     قال الإمام ابن تيمية - رحمه الله - في الأجوبة المصريّة: كان الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي - رحمه الله- كثيرَ التصنيفِ والتأليفِ، و له مُصَنَّفاتٌ في أمورٍ كثيرةٍ، حتى عَدَدْتُها فرأيتُها أكثرَ من ألفِ مُصَنَّفٍ، و رأيتُ بعدَ ذلك ما لَمْ أَرَهُ.

     ورأى الإمامَ المحدثَ الجهبذَ الناقدَ الخبيرَ، الأصـــــــوليَّ النظارَ المكينَ محمد أنور شاه الكشميري -رحمه الله- بعضُ عُوّاده يُطالِعُ في الكتاب و يَدْرُسُه - و هو على سريرِ النَّفَسِ الأخير من الحياة - في مسألةٍ شرعيّةٍ، رجاءَ النفع بها لمستفيدٍ أو مفيدٍ، و لا يُخْلِي اللحظةَ الأخيرةَ من لحَظاتِ حياته مِنْ كَسْبِها في بحثِ علمٍ و إفادةٍ و استفادةٍ.

     و هذا الإمام عبد الحي اللكنويّ الهنديّ - رحمه الله - قد زادتْ مؤلفاتُه على مئةٍ و عشرةِ كتبٍ، ما بينَ كتابٍ في عدةِ مجلداتٍ كبارٍ ورسالةٍ في صفحاتٍ. وكُلُّ كتبه في المَباحِثِ المفيدةِ والمشكلاتِ العَصِيْبَةِ. ولم يُؤْتَ من حياته إلا 39 عامًا. وذلك فضل الله يُؤْتِيْه مَن يَشاء. وكل ذلك بحفظ الوقت.

     وإنما يَعْرِفُ قيمةَ الوقتِ والزمنِ النوادرُ المُوَفَّقُوْن، فيأتون في أعمارهم القصيرةِ بالأعدادِ الهائلةِ من التآليفِ الكثيرةِ.

     و قد أرْبَتْ مؤلفاتُ الشيخ الجليل المعروف بحكيم الأمة في الديار الهنديَّة مولانا أشرف علي التهانوي- رحمه الله - على ألف مؤلَّف.

     فإذا علمَ الإنسانُ المسلمُ - وإنْ بَالَغَ في الجِدِّ - أنَّ الموتَ يَقطعُه عن العمل؛ عَمِلَ في حياته ما يدُوْمُ له أجرُه بعد موته. فإنْ كان له شيءٌ من الدنيا، وَقَفَ وقْفًا، وغَرَسَ غَرسًا، ويَسْعَى في تحصيلِ ذريَّةٍ تذكرُ اللهَ بعده، فيكون له الأجرُ، أو أن يُصَنِّف كتابًا في العلم، فإنَّ تصنيفَ العالم ولدُه المُخَلَّدُ، وأن يكون عاملًا بالخير عالِمًا فيه، فيَنْقُلُ من فِعْلِه ما يقتدي به غيره، فذلك الذي لم يَمُتْ. قد ماتَ قومٌ وهُمْ في الناس أحياءٌ.

     فَيَجِبُ على المسلمِ أن ينتبه إلى الوقت في حياته، وإلى تنفيذِ كل عملٍ من أعماله في توقيتهِ المناسبِ، فالوقتُ مِن حيثُ هو معيارٌ زمنيٌّ من أغلى ما وَهَبَ اللهُ تعالى للإنسان؛ فلا يسُوغُ للعاقل أن يُضِيْعَه سُدًى، ويَعِيْشَ فيه هَمَلًا سَبَهْلَلًا.

*  *  *

الهوامش:

(1) سورة النساء، الآية:( 103 )..

(2) راجع صحيح البخاري برقم: (527/ 5370)، وصحيح مسلم برقم: (139)، وسنن النسائي برقم: (610)، وجامع الترمذي برقم: (173).

(3) راجع صحيح البخاري برقم: (6412).

(4) راجع المستدرك برقم: (7846)، وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيح عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وسكت عنه الذهبي. ورواه النسائي برقم: (11832).

 

*   *   *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (8)

شيوع الأخلاق النفعية في العصر الحديث

 

بقلم:  الأستاذ/ محمد الناصر

 

     إن ظاهرة الأخلاق النفعية أضحت أمرًا مقلقًا ولافتًا للنظر في هذا العصر .. وقد أدت إلى نتائج خطيرة في التعامل بين الأفراد والجماعات.. بل أصبح المرء يصاب بإحباط شديد وخيبة مريرة لما يجده من ازدواجية عند صنف من الناس، وتزداد الغرابة عندما نلمس ذلك عند بعض مَنْ يتخذون ظاهرة التورع والتدين وسيلة لمآربهم الخاصة.

     وبعد أن يضمحل أثر الإيمان في النفوس، يستمد الناس قيمهم في التعامل من الهوى والمصلحة الشخصية؛ بل تصبح هذه المصلحة هي الشاغل الأول لأمثال هؤلاء، ومن هنا فلا يرجى من أعمالهم خير مهما تلبسوا بالصلاح؛ لأن الإخلاص والتجرد لله من أعظم خصائص هذا الدين، قال تعالى: ﴿ومَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة:5]. ويقول --: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» متفق عليه.

     ويقول ابن تيمية -رحمه الله- في هذا المجال: «والأعمال الظاهرة لا تكون صالحة مقبولة إلا بتوسط عمل القلب، فإن القلب ملك و الأعضاء جنوده ... ولهذا قال --:» ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؟ ألا وهي القلب»(1).

     فالإخلاص يبعث في نفس المؤمن كريم البواعث، فيعمل جاهدًا على إشاعة الخير والتعاون والعدل بين الناس. إلا أن هذه النزعة، نزعة الأنانية والنفعية غزت مجتمعاتنا بعد أن سادت أخلاق الغربيين من خلال غزوهم الفكري لبلادنا.

سيادة الأخلاق النفعية في ديار الغرب:

     لقد غزت فلسفة الغربيين مجتمعاتنا المسلمة، ويرى أصحاب هذه الفلسفة (النفعية) أن السعادة الحقة هي التي يشعر بها الإنسان نتيجة لإشباع دوافعه الطبيعية وغرائزه الحسية دون التقيد بدين أو خلق قويم.

     «وأصبحت الأخلاق الحديثة تُستمد من القيم المادية النفعية تحدوها ميكافيلية صريحة، وأضحى التعامل الاجتماعي قائمًا على رابطة المصلحة وحدها، على الأخلاق التجارية. لقد كفرت أوربا بالدين والأخلاق، ونبذ المجتمع كل مقوماته المستمدة من هذين الاتجاهين»(2).

     تطور هذا الاتجاه النفعي في أوربا وأمريكا، وأخذ صورًا مختلفة، يمكن إيجازها في ثلاثة مذاهب(3). لعل ذلك يوضح لنا ما نحن في صدده، وأثر هذه الأخلاق في سياسة القوم.

     المذهب الأول: مذهب المنفعة الشخصية، وله صورتان:

     صورة دعا إليها أحد تلامذة سقراط «أرستبوس» وقد فسر السعادة لدى أستاذه باللذات العاجلة بدلا من الآجلة، وأن إشباع الدوافع في حينها أمر ضروري؛ لأن تأخيرها يؤدي إلى الشعور بالحرمان والكآبة، فلا حياء ولا خجل في طلب اللذات في أية صورة كانت، ويعتبرون أن السلوك الذي يحقق هذه السعادة سلوك أخلاقي.

     والصورة الأخرى: تتمثل في الفردية التي دعا إليها «هوبز» ومن سلك مسلكه، فقد ادعى أن الطبيعة الإنسانية طبيعة أنانية تعمل لمصلحة الذات، وقد اخترع الإنسان المبادئ الأخلاقية ليتخذها وسيلة يحقق فيها منفعته الشخصية.

     ومن هنا يرى أن الأخلاق ما هي إلا وسيلة لتحقيق المنفعة وليست طبيعة في الإنسان.

     المذهب الثاني: مذهب المنفعة العامة.

     قال أصحابه:على الإنسان أن ينشد منفعة البشر عامة حتى الحيوانات، واعتبروا أن إقرار المنفعة غاية للأفعال الإنسانية، ومعيار للأخلاق، وتقاس أخلاقية الفعل بنتائجها لاببواعثها.

     المذهب الثالث: مذهب النفعية العملية «المذهب البراغماتي»، ويمثله جون ديوي، ويهتم البراغماتي عادة بماله من قيمة معنوية. والخطورة في هذا المذهب أن ديوي أرجع المثل الأخلاقية إلى نتائج الظروف الواقعية للإنسان، فهي ليست مبادئ مطلقة ثابتة يضعها الفلاسفة، كما أنها ليست من وضع المجتمع، ولا من وضع السماء. ثم أنكر أن تكون للأخلاق غاية عليا سامية وثابتة، وأن لها مبادئ مطلقة لا تقبل التغير، ذلك لأن الحياة متطورة(4).

     لقد سيطرت هذه الفلسفة بمذاهبها المختلفة على أخلاق الناس والحكومات في أوربا بقسميها وفي أمريكا، فاهتزت الأخلاق واضطربت الموازين، وسيطرت المنفعة والأنانية، وتحول الناس إلى ذئاب بشرية، ومن ثم طغت الروح الرومانية والفلسفة الإغريقية على أوربا من جديد.

     وصارت بعض القيم، كالصدق والأمانة والاستقامة مثلًا لا تطبق إلا في حدود القومية ومصلحة البلاد على أساس ما تجلبه من النفع لحاملها، وتبطل إذا بطلت المنفعة القريبة أو البعيدة.

     وهاهي المواثيق تعقد وتوثق، وفي لحظة غادرة تنقض وتصبح حبرًا على ورق مجرد أن تلوح المصلحة القومية في نقض الميثاق.

     ويمر الناس بهذا الأمر غير مبالين؛ لأن النظرية شيء والتطبيق شيء آخر بموجب فلسفة الجاهلية اليونانية(5).

     وقد عانت أمتنا من هذه الأخلاق الأمرّين خلال الاستعمار القديم وأثناء التعامل المعاصر من ازدواجية مريرة في قرارات الأمم وما يسمى بمجلس أمنها. إن السياسة لا تتفق مع الأخلاق في شيء، والحاكم المقيد بالأخلاق ليس بسياسي بارع، وهو لذلك غير راسخ على عرشه(6).

     هذا ما ينصح به أشرار اليهود في خططهم. وهذا ما يفسر لنا سياسة المستعمرين. كان الاستعمار يتوسل بكل سفالات الأرض ليوطد سلطانه، ويمتص دماء الناس، ولا يرى في ذلك انحرافا فالغاية تبرر الوسيلة، ولا يهم عندهم أن تكون الغاية ذاتها نظيفة(7).

     وهذا ما أشار إليه الشاعر العربي إذ يقول:

قتل امرئ في غابة جريمة لا تغتفر

وقتل شعب آمن مسألة فيها نظر

     ورغم ذلك كله فقد فتن بعض المسلمين في القرن الحالي بحضارة أوربا وظنوا أنها ذات ركائز تصلح لأن يُقتدى بها، ونسي كثير منهم أن يميزوا بين التقدم المادي والتخلف العقدي والأخلاقي، فتنوا ببعض ما يبدو من صدق وأمانة حينًا، لأنها عند القوم تؤمن لهم ثقة ووقتا، إلا أن أخلاقهم هذه ستتغير إذا لاحت منفعة أشد، ومصلحة أقوى.

     فالأخلاق النفعية سمة بارزة من سمات الجاهلية المعاصرة، بينما كان للعرب في جاهليتهم بعض الترفع والإيثار كإغاثة الملهوف ونجدة الصريخ والذب عن حرمات الجيران.

الغاية لا تبرر الوسيلة:

     هذا مبدأ إسلامي أصيل، إذ لا بد أن تكون الوسائل الأخلاقية سامية كالغايات تماما، ولابد أن يكون العمل خالصًا وصوابًا حتى يتقبل، ولهذا قال الأصوليون: الغاية لا تبرر الوسيلة، واتخذوا ذلك قاعدة تشريعية مستدلين بقوله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ وجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة:35] فالآية ترسم طريق الفلاح بأن يتقي المسلم ريه بترك المحرمات وأن يتقرب إليه تعالى بأداء الواجبات والتمسك بالقيم الأخلاقية، ولا يمكن التقرب إليه بالمحرمات(8).

نتائج وملاحظات:

     1- المعروف أن المجتمعات الإسلامية تتميز بالمحبة والتآخي و الإخلاص، ومقاومة الأهواء. وأن الإيثار والتضحية والشهامة من أخص أخلاق العرب في جاهليتهم وإسلامهم.. وأن الأنانية والنفعية أخلاق وافدة على أمتنا قد غزتها بعد أن ضعف وازع العقيدة ودواعي الإخلاص.

     2- النفعية أخلاق غربية بنيت على مذاهب فلسفية تنسجم مع تطلعات أصحابها ومعتقداتهم وتصوراتهم عن الحياة والإنسان، وهي أخلاق دخيلة غريبة على أمتنا.

     3- لابد للمربين والدعاة إلى الله أن يهتموا بمعالجة هذه الظاهرة من خلال التربية والتوجيه؛ بإبراز النماذج الرائدة عند سلف هذه الأمة، وأن يضرب الدعاة والمربون من واقع حياتهم أمثلة صادقة بالمعايشة والقدوة الحسنة.

     4- إن النفعيين والانتهازيين خطرهم جسيم، في المؤسسات التجارية و العلمية والدعوية؛ لأنهم سيتجاوزون كل القيم في سبيل مطامعهم و طموحاتهم، ومن تمعن في أحداث التاريخ أسعفته الشواهد، والعاقل من اتعظ بغيره، والحذر يجنب صاحبه المزالق والندم قبل فوات الأوان.

     5- لابد أن يتميز الداعية إلى الله، والمربي الجاد بصفات الإيثار و التضحية وكرم النفس بعيدًا عن الجشع والمراوغة والاحتيال، عسى أن يساهم في البناء العقدي والأخلاقي المتماسك لهذه الأمة بإذنه تعالى.

*  *  *

الهوامش:

(1) الفتاوى 11/381.

(2) العلمانية د سفر الحوالي ص 410.

(3) انظر: الاتجاه النفعي: من كتاب الاتجاه الأخلاق في الإسلام د مقداد يالجن ص 27-39.

(4) تجديد الفلسفة: جون ديوي ص 273 نقلًا عن الاتجاه الأخلاقي في الإسلام مقداد يالجن.

(5) جاهلية القرن العشرين: الأستاذ محمد قطب ص 159-162.

(6) بروتوكولات حكماء صهيون: البروتوكول الأول ص 32 ط 2.

(7) جاهلية القرن العشرين ص 153.

(8)   الاتجاه الأخلاقي في الإسلام: مقداد يالجن 296.

 

 

*   *   *

إلى المحتويات

 

محليــــــــــــــــــــــات

سجين مسلم في السجن المركزي يتعرّض لاعتداء شنيع  وعمل غير إنساني في جسده

وشم كلمة ذات دلالة مناوئة لعقيدته على ظهره

 

بقلم: أبو عاصم القاسمي المباركفوري

 

دهلي الجديدة

     تعرّض سجين مسلم يدعى «نبير شبير» في أكثر سجون البلاد أمنًا وصيانة سجن «تهار»- لاعتداء شنيع في جسده، حيث عاقبوه بوشم كلمة ذات دلالة مناوئة لعقيدته على ظهره بعد أن اشتكى إلى مسؤولي السجن خللا في موقد الغاز يستوجب إصلاحه. وتركوه يومين جائعًا، وقالوا له: لقد أصبحت هندوسيًّا، والهندوس لايذوقون الطعام في هذه الليالي فيجب أن تشاركهم في الجوع والعطش.

     قال محامي السجين: القصة ترجع إلى 12/أبريل حيث اشتكى مؤكله المدعو/نبير شبير إلى مسؤولي السجن خللا في موقد الغاز، ولكن لم يحرك ذلك ساكنًا فيهم، فعاد إليهم يشكو ذلك مما أثار حفيظة مسؤول السجن رقم:4، فما كان منه إلا أن أمر بعض أصحابه بإمساك السجين نبير شبير، وأشار إلى بعض آخرين بضربه والاعتداء عليه، ثم أمرهم أن يقوموا بوشم كلمة ذات دلالة مناوئة لعقيدة السجين على ظهره.

     أطلع السجين محاميه على ذلك، فزاره في السجن، وفي اليوم التالي حيث كان على السجين المثول أمام القاضي في المحكمة، أطلع المحامي- المحكمة على هذا السلوك اللاإنساني، وسجل بلاغًا ضد الضالعين فيه.

     وأصدرت المحكمة إشعارًا إلى مسؤولي السجن لتقديم تقــــــريـــــــــــر عن ذلك في الجلســــــــــة التـــاليــــــــــة إلا أنهم لم يقوموا بشيء.

     (صحيفة «انقلاب» الأردية اليومية، دهلي الجديدة/ميروت، ص13، السنة:7، العدد:77، السبت: 14/شعبان 1440هـ الموافق20/أبريل 2019م).

*  *  *

تطالب طبيبة هندوسية إخصائية الأمراض النسائية في تغريدة لها بضرورة التطهير العرقي للمسلمين في الهند

مطالبات من شرطة دبي باتخاذ إجراءات ضدها

 

دهلي الجديدة(الوكالات)

     طالبت طبيبة ذات صلة وثيقة ببعض الأحزاب السياسية في الهند وإخصائية الأمراض النسائية والتي تمارس مهنتها في دبي/ الإمارات العربية المتحدة منذ خمس وعشرين سنة في تغريدة لها على مواقع التواصل الاجتماعي بضرورة التطهير العرقي للمسلمين في الهند. فقد أصدرت الطبيبة المدعوة/نشي سينغ في تغريدتها في 12/أبريل عام 2019م بيانا متنازعًا عليه، جاء ذلك ردًّا على تغريدة على مواقع التواصل الاجتماعي أعربت عن مخاوفها من قيام الحكومة الحالية في الهندية بتطهير المسلمين العرقي، في إشارة إلى ما قاله بعض كبار قيادات الحزب الحاكم من أن حزبه فيما لو تمكنت من تشكيل الحكومة بعد الانتخابات البرلمانية الحالية سيقوم بتنفيذ خطة (N.R.C).

     (صحيفة «خبرين» الأردية اليومية، دهلي الجديدة، ص1، السنة:8، العدد:272، الاثنين: 9/شعبان1440هـ الموافق 15/أبريل 2019م).

*  *  *

زوجان مسلمان يتعرّضان للضرب على أيدي قوات أمن الحدود بتهمة حيازن لحم البقر

الغضب يسود المنطقة، وتمَّ اتهام الشرطة بعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد الضالعين في الجريمة

وتسجيل بلاغ في مركز الشرطة ضد عناصر قوات أمن الحدود

كالكوته(يوإين آئي)

     يسود مقاطعة «24/برغنه المتاخمة للحدود البنغلاديشية  قلق وغضب شديدان عقب تعرّض زوجين مسلمين للضرب على أيدي قوات أمن الحدود، مع أن لحوم البقرة غير محظورة في «بنغال الغربية الهندية».

     تفيد التفاصيل أن المدعو/غازي كان توجه مع نساء بيته إلى سوق «هيثاري» لبيع الخضراوات، ولدى عودته منها اشترى كيلو من اللحم للبيت، وأوقفه قوات أمن الحدود في منطقة «أتر بارا» حيث يعيش غازي، وسألته عما في حقيبته، فأفاد بأنه لحم.فلم تلبث قوات الأمن أن بدأت ضربه والاعتداء عليه، ونظرًا للوضع المتدهور تقدمت زوجته وأخواته ونساء أخريات لحماية «غازي» من الضرب والاعتداء إلا أن عناصر قوات الأمن تناولتهن بالضرب والاعتداء في انتهاك صارخ لكافة المواثيق المحلية والدولية الخاصة بحقوق الإنسان.

     (صحيفة «انقلاب» الأردية اليومية، دهلي الجديدة/ميروت، ص13، السنة:7، العدد:65، الاثنين، 2/شعبان 1440هـ الموافق 18/أبريل 2019م).

*  *  *

 

مُسنٌّ مسلم يتعرّض للضرب على أيدي جموع مسعورة بتهمة بيع لحوم البقر

اعتقال خمسة من المشتبه بهم

في الضلوع في الجريمة

 

وشواناث (الوكالة)

     تعرّض مسنٌ مسلم للضرب على أيدي جموع مسعورة بتهمة بيع لحوم البقرة في مقاطعة «وشواناث» من ولاية آسام الهندية الشرقية. يلوح في الفيديو مسن مسلم جاثٍ على ركبتيه، وهو يتضرّع إلى الجموع المسعورة، ويطلب منهم العفو. وقامت الشرطة باعتقال خمسة نفر بعد ظهور الفيدو. وتفيد المصادر أن المدعو/ شوكت علي (68عاما) تعرض للضرب المبرح، وقامت الجموع المسعورة بحمله على تناول لحوم الخنزير، ويتلقى المجني عليه العلاج في المستشفى.

     هذا، وأفادت الشرطة بأنه تم تسجيل بلاغين منفردين: أحدهما من قبِل شقيق المجني عليه. وبدأت الشرطة التحقيق في القضية. ويتبلور في الفيدو شخص يسأل شوكت علي عما إذا كان يملك رخصة بيع اللحوم؟ وهل هو من سكان بنغلاديش؟ وهل تضم قائمة السكان (N.R.C) اسمه؟

     ونفت الشرطة بدورها أن تكون الظاهرة ناتجة عن التوتر الطائفي،فقد اعتدت المجموعة على أفراد من شريحة اجتماعية أخرى حسب إفادة الشرطة.

     (صحيفة «انقلاب» الأردية اليومية، دهلي الجديدة/ميروت، ص1، السنة:7، العدد:67، الأربعاء: 4/ شعبان1440هـ الموافق10/ أبريل 2019م).

 

*   *   *

إلى المحتويات

 

أنباء الجامعــــــــــــة

حاكم مقاطعة «سهارن فور» يزور الجامعة على رأس وفدٍ

 

 

بقلم:  أبو فائز القاسمي المباركفوري

 

     يوم الأربعاء: 4/شعبان1440هـ الموافق 10/أبريل عام 2019م زار حاكم مقاطعة «سهارن فور» المستر/فون كومار الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند على رأس وفد مكون من أربعة نفر، و اجتمع الوفد برئيس الجامعة فضيلة الشيخ المفتي/ أبو القاسم النعماني وغيره من مسؤوليها، واستعرض النشاطات التعليمية والتربوية الجارية في الجامعة، وتجول الوفد في مرافق الجامعة ومبانيها القديمة والحديثة والمكتبة القديمة ومكتبة شيخ الهند قيد وضع اللمسة الأخيرة عليها. وقام رئيس الجامعة الشيخ النعماني بدوره بشرح أهداف نشأة الجامعة ونشاطاتها وخدماتها على مرّ العصور، وأشار فضيلته إلى أن خرّيجي هذه الدار يتفرقون في مشارق الأرض ومغاربها حاملين لواء العلم والنور. ويلعبون دورًا مشكورًا في محو الأمية والقضاء على الجهل، ونشر ثقافة التعايش السلمي بين مختلف أطياف المجتمعات الإنسانية في مختلف البلاد.

     واستطرد فضيلته قائلا: «إن الجامعة تقوم على التبرعات الشعبية، ولاتقبل مساعداتٍ حكوميةً على الإطلاق.

     وأعرب المستر/فون كومار عن فرحته الغامرة بزيارة الجامعة، وقال: لبثت في مختلف مدن الهند، وكنت أسمع كثيرًا عن دارالعلوم/ديوبند ونشاطاتها وخدماتها، مما رغبني في زيارتها بعد ما توليت المنصب في هذه المقاطعة.

     وأضاف قائلا: «نؤمن بأن دارالعلوم مؤسسة تعليمية إسلامية راقية شهيرة في أكناف العالم، و لاتعدلها مؤسسة تعليمية إسلامية أخرى في شبه القارة الهندية. لقد سررت جدًّا بزيارتها والاجتماع بمسؤوليها.

*  *  *

مراقبون للدوائر الانتخابية يزورون الجامعة

     في 26/ رجب عام 1440هـ الموافق 3/أبريل 2019م زار مراقبون للدوائر الانتخابية البرلمانية في كل من «سهارن فور»، و«كيرانه» الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند، واجتمعوا بوكيلي الجامعة: فضيلة الشيخ عبد الخالق المدارسي، وفضيلة الشيخ عبد الخالق السنبهلي، واطلعوا على نشاطات الجامعة وخدماتها ونظامها التعليمي والتربوي، مما ترك لهم وقعًا طيبًا كبيرًا في قلوبهم، وبلغ منهم العجب كل مبلغ حىن علموا أن الجامعة توفر لطلابها السكن والطعام بجانب المقررات الدراسية والتسهيلات المعيشية الأخرى.

     وتجولوا خلال تواجدهم القصير في الجامعة في مختلف مرافقها وجامعها العملاق ومكتبة شيخ الهند قيد وضع اللمسة الأخيرة عليها.

     وقال المستر/فنود كومار- أحد أعضاء الوفد- وهو يعرب عن انطباعاته عن الجامعة: «إن دارالعلوم/ديوبند تعلّم الإنسانية والأخلاق لا في الهند فحسب؛ بل في العالم كله، ويستفيد العالم بأسره من نور علمها ومعرفتها».

     وتجول الوفد في مختلف مرافق الجامعة، وانتهى بهم المطاف إلى المكتبة العامرة بنوادر المخطوطات والمصادر، وصحائف مختلف الفرق والأديان في مكان واحد، مما لفت انتباهه كثيرًا، وراعه جدًّا، فقال: «لقد شاهدت في دارالعلوم/ديوبند غير ما كنت أسمعه من الافتراءات والمفاهيم المغلوطة. وإن جوّ دارالعلوم /ديوبند ليس جوّ علميًّا فحسب، وإنما يغمره الروحانية والطمانينة التي يكاد يلمسها الزائر بيده.

 

*   *   *

إلى المحتويات

 

إشـــــراقــــــــــــة

هذه الصفة جِماعُ الصفات

 

     الضجرُ والسآمةُ، والتضايق النفسيّ، وسرعةُ الغضب، والاستجابةُ لليأس والإحباط، واللجوءُ في كلِّ موقف إلى الذَّعْر، والتشاؤُمِ أكثرَ من التفاؤل: كلُّ ذلك يَبْعَثُ الإنسانَ على التَّشَكِّي من الله والخلق، وقد يُؤَدِّيه إلى إساءةِ الظنِّ بالله وإِساءةِ الاعتقاد فيه، فيَخْسَر الآخرةَ، ويُشْقِي عاجلتَه، ويَفْقِد حقيقةَ السعادة في دنياه وآخرته.

     فالحلمُ المُتَجَذِّر المُتَثَبِّت، المُسْتَعْصِي على النَّفَاد، المُتَأَبِّي على جميع مُحَاوَلَات الإزالةِ والاستِئْصَال، والصبرُ إلى حدِّ عتبة الموت، واللَّامُبَالَاةُ النبيلةُ الواعيةُ بكل مضايقات الحياة التي تعترض مَحَطَّاتها لا مَحَالَةَ، لحدٍّما لا يُخِلّ بالوظائف والفرائض المُكَلَّف إيَّاها الإنسانُ، صفاتٌ جليلة فيمن يَتَحَلَّىٰ بها، حيث يَتَغَلَّب بها بسهولة على مشكلات الحياة في جانب، وفي جانب آخر يُبْقِي بها على إحسان الظن بالله وبالحياة، وعلى الثقة بالنفس وبالإنسان وبإيجابيّات الحياة، فيَتَرَفَّع عن الاستسلام لسلبيّاتها كلِّها.

     المستجيبُ بسرعة للتضايق النفسيّ والانزعاج الفكري، ومواقف الضجر والسخط، إنسانٌ لا يَصْبِر على تَعَب، ولا يتحمل صعوبةً، ولا يصمد لدى مصيبة، ولا يثبت أمام فَزَّاعَة (Scarechow) فينهار عاجلًا لدى التعرض للمُحْبِطَات والمُثَبِّطَات، ويفقد صوابَه إذا واجهه موقف شديد يَقتضي الاحتمالَ والتَّجَلُّدَ، والهدوءَ والتَّصَبُّر، ويتطلّب التَّروِىَّ وضبطَ النفس وتمالك الأعصاب.

     الرجل المعتدل، الهادئُ البال، الهَنِيءُ الحال في كل حال من الشدة واللين، والسَّرَّاء والضَّرَّاء، والعسر واليسر، والغِنَى والعُدْم، هو الرجل الناجح في معارك الحياة، وهو الكاسب لكل جولة، وهو المُحْرِز لقصب السبق في كل حُلْبَة، وهو العارف البصير بالتعامل مع أوضاع الرَّخَاء والشدة، وهو المُعْطِي القوسَ باريَها مهما كانت الحال.

     مثلُ هذا الرجل لا يَفْقِد صوابَه مهما كانت المُلَابَسَاتُ نابيةً به، مُنَاوِئَةً له، شديدةً عليه؛ لأنه بطبيعته الصابرة، وشيمته الليِّنة، وهدوئه المعجونةِ به طِينَتُه، يُحْسِن التصرفَ مع شؤون الحياة، ويَتَخَلَّص من حَرِّها وقَرِّها، بسهولة لا يعرفها سريعُ التَّسَخُّط والتَّشَكِّي، فاقدُ الصبر والتحمّل، سَلِيبُ الحلم والأناة.

     قد يكون الإنسان حاملًا لكثير من الصفات الجميلة التي من شأنها أن تُطَيِّب له الحياةَ، وتُسَهِّل عليه شؤونَها، وتجعلَ له الدنيا جنّةً ونعيمًا، وتُطَرِّز له حَوَاشِيَها بالأزهار والرياحين الزاهية الألوان، الزاكية الروائح؛ ولكنه قد لاينجح في مواقف الحياة النجاحَ المُتَصَوَّرَ؛ لأنه يكون قد جُبِلَ على سرعة الغضب، والاستجابة السريعة للتضايق النفسي، والضجر والسآمة من كل موقف لا يواتيه، أو لا يُتَاح له أن يَتَكَيَّف معه، ويعالجه بشكل إيجابي يضمن له النجاحَ في مظانّ الإخفاق، فهذه الصفةُ السلبيّةُ أو نقطةُ الضعف هذه تجعله يُحْرَم كسبَ النجاح في مُعْتَرَكِ الحياة رغم الشيء الكثير من صفاته الإيجابية التي كانت كفيلةً له بالنجاح إذا لم تَشُبْها الصفةُ السلبيةُ المشار إليها.

     صفةُ الحلم والاحتمال وطول الهدوء والابتعاد عن سرعة الضجر والسآمة، صفةٌ قَيِّمةٌ جدًّا تنفع مع كثير من المساوئ ونِقَاطِ الضعف التي لا يخلو منها إنسان مهما كان كبيرًا بمُؤَهِّلَاته، عظيمًا بإنجازاته، محبوبًا بعاداته النبيلة. إن الإنسان لا يكبر ولا يعظم ولا يَجِلّ لجانب إيجابي واحد، فقد يجوز أن يكون حائزًا لجوانب سلبية عديدة؛ ولكنه رغم ذلك يَعْظُمُ في عيون الناس؛ لأنه يحمل جانبًا آخر أو جوانب أخرى إيجابية قد يكون الإنسانُ أَحْوَجَ ما يكون إليه لكسب انتصارات غير متناهية في الحياة لولاها لما نَجَحَ في معارك الحياة النجاحَ الباهرَ الذي كان نصيبَه بفضل هذه الجوانب الإيجابية التي مَيَّزَتْ شخصيتَه عن كثير من الأقران.

     الصفاتُ الإيجابية النافعة الدافعة للمضارّ كلها، تقتضي الاحترامَ والتحبيذَ والتشجيعَ؛ ولكن بعضها تكون أكثر إيجابية، وأوفر نفعًا، وأقدر على أن تكون ضمانَ النجاح في معارك الحياة الحاسمة الفاصلة المصيريّة التي إذا أسفرت عن أي إخفاق وهزيمة، تعود الحياة غير مُحْتَمَلَة، لأنها تعود جحيمًا لا تُطَاق.

     إن صفة الحلم والهدوء، والنزاهة من سرعة الاستجابة للضجر والملل والسآمة، والتسارع إلى السخط والشكوى، من تلك الصفات السامية التي يجب أن لا يُحْرَمَ إيَّاها إنسانٌ في المجتمع البشري؛ لأنها تقوم مقام صفات عظيمة لا تُحْصَىٰ، إذا فقدها امرءٌ، فقد لا ينجح في معترك الحياة رغم الشيء الكثير من الصفات العظيمة الجليلة؛ لأن هذه الصفة كالملح في الطعام، أو كالمفتاح الذكي لأقفال الحياة العصيّة على الفتح، أو كالعين في جسم الإنسان.

     فإذا حزتَ أيّها القارئ! هذه الصفةَ بالولادة حيث رُكِّبَتْ معها طِينتُك، فنعم هي، وإن حُرِمْتَهَا بالولادة، فحَاوِلْ أن تَكْتَسِبَها في مِشْوَارِ حياتك الطويل، بكل جهد تبذله في سبيلها، وكل حيلة تقدر أن تُحْسِنَ استخدامَها، وبكل سبيل يمكنك أن تسلكه إليها؛ لأنها ستكون لك بمثابة يدك اليمنى، وساعدك الأيمن، وعضدك المثالية، وخليلك الذي لايخون، ورِجلك التي تمشي بها، وعينك التي تبصر بها في دياجير الحياة.

     عَهِدْتُ كثيرين ضاعوا رغم علمهم الغزير، وعملهم الكثير، وأهليتهم الجبّارة، وكفاءتهم الكافية؛ لأنهم فقدوا هذه الصفة الإيجابية العظيمة الإنجاز، الكبيرة المفعول. وقد عجب الناسُ من هزائمهم وإخفاقاتهم في مواقف الحياة رغم أهليتهم اللائقة التي كانت رمزًا على شخصياتهم؛ لأنهم لم يدركوا الناس أنهم كانوا يفقدون هذه الصفةَ الإيجابيةَ التي هي كأنها صفةُ الصفات، ومفتاح السعادات، والصخرة الصمّاء أو صخرة الوادي دون الهزائم والإخفاقات.

     ما أَكْرَمَ وأَسْعَدَ من يَجْمَعُ بين هذه وغيرها من الصفات الإيجابية الأخرى؛ ولكن من حُرِمَ غيرها فلا بأس إذا حاز هذه الصفة القليلة القامة، الكبيرة القيمة التي ينبغي أن لا يفقدها فرد من البشر، ولاسيّما المسلم الذي كُلِّفَ أداءَ دور في الحياة لم يُكَلَّفْه غيره من أفراد الجنس البشري. وهذا الدورُ لايمكن إتقان أدائه بدون هذه الصفة العظيمة.

     إن الإنسان لايمكنه أن يُحْسِنَ إحسانَ الظنّ بالله تعالى في غياب هذه الصفة، وهو مأمور بإحسان الظنّ به تعالى؛ لأنه ركيزة مهمة من ركائز الإيمان، وأصل عظيم من أصول عقيدة الإسلام؛ حيث من حازه حاز سعادةَ الدنيا والآخرة، ومن فقده كان من أهل الخسارة في الدنيا والآخرة؛ لأنه أمر أوجبه الله على المسلمين، فقال رسول الله --: «لايَمُوتَنَّ أحدُكم إلَا وهو يُحْسِن الظنَّ بالله» (مسلم: 2877) وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله --: لا يَمُوتَنَّ أحدُكم إلَّا وهو يُحْسِن الظنَّ بالله عز وجل؛ فإن قومًا قد أرداهم سوءُ ظنهم بالله، فقال لهم: «وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ»  (مسند أحمد:15197)

        (تحريرًا في الساعة الواحدة من ظهر يوم الأربعاء: غرة شوال يوم عيد الفطر المبارك 1440هـ، الموافق 5/يونيو 2019م).



(*)   أستاذ التفسير واللغة العربية وآدابها بالجامعة.

(*)   أستاذ قسم اللغة العربية جامعة تبسة، الجزائر.

(*)   أستاذ للحديث بالجامعة الإسلامية العربية/ بجامع أمروها، بالهند.

(*)   أستاذ مادة التربية الإسلامية، دولة الكويت