مجلة الداعي، مجلة الداعي، ذو القعدة 1440هـ ، يوليو 2019م ، العدد: 11، السنة: 43

 

 

الدَّاعِيْ

مجلة عربية إسلامية شهرية

تصدر عن الجامعة الإسلامية : دارالعلوم

ديوبند ، يوبي ، الهند

 

 

ISSN 2347-8950

العـــــــــــــــــــــدد : 11 ،                  السنـــــــــــــــــــــة : 43

ذوالقعدة 1440هـ ، يونيو 2019م

تحت إشراف

فضيلة الشيخ أبوالقاسم النعماني

رئيس الجامعة

رئيس التحرير

نـور عـالــم خليـل الأمينـي

أستاذ الأدب العربي بالجامعة

الاشتراكات

·      ثمن النسخة:30 روبية هندية

 

قيمة الاشتراك السنوي

 

·      في الهند : 300 روبية هندية

·      وفي خارج الهند للأفراد : 60 دولاراً

·     وللمؤسسات الحكومية : 80 دولاراً

المـراسـلات

رئيس تحرير مجلة الداعي

دارالعلوم ، ديوبند ، يوبي ( الهند )

الرمز البريدي 247554

 

Chief Editor, AL – DAIE

Arabic Islamic Monthly

Darul – Uloom, Deoband – 247554

(U.P.) INDIA

 

الهاتف والفاكس

Ph. : (00-91-1336) 222429,        Fax : (00-91-1336) 222768

 

المواد التي تنشرها المجلة تعبر عن وجهة نظر كاتبيها و لا تعبّر – بالضرورة – عن رأي المجلة

 

 

 

المحتويات

 

كلمة المحرر

 

·               قراءة في الانتخابات الهندية البرلمانية عام 2019م

التحرير

كلمة العدد

 

·               ما أَحْوَجَ الإنسانَ اليومَ إلى تَبَنِّي هذا المبدإ الإسلامي النبيل

نور عالم خليل الأميني

الفكــر الإسلامي

 

·               من ظلال التفسير

العلامة الشيخ شبير أحمد العثماني الديوبندي رحمه الله

دراسات إسلامية

 

·            الإعجاز العلمي في القرآن.. تصويب الاتجاه

الأستاذ غازي التوبة

·            من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند

الأستاذ سيد محبوب الرضوي الديوبندي رحمه الله

·            حركة الشعر الحرفي الأدب العربي الحديث

الأستاذ ظهور أحمد شاه القاسمي

·            ملامح من المنهج النبوي في التعامل مع أهل الكتاب

الدكتور محمد الدَّرْداري

·            أدب الموعظة

الأستاذ محمد بن إبراهيم الحمد

·            أدب الأطفال من منظور إسلامي

الأستاذ محمد شمشاد عالم القاسمي

محليــــــــــــــــات

 

·     اعتداء وحشي على عائلة مسلمة في «غروغرام» المتاخمة للعاصمة الهندية: دهلي

أبو عاصم القاسمي المباركفوري

أنباء الجامعـــة

 

·            عالم أفغاني يزور الجامعة

أبو فائز القاسمي المباركفوري

إشـــراقــــــــــة

 

·            الحبُ والبُغْضُ حقيقتان لا تثبتان بمُجَرَّد القول بمثلما تثبتان بالفعل

أبو أسامة نور

 

كلمــة المحــرر

قراءة في الانتخابات الهندية البرلمانية عام 2019م

 

     تخوض الهند في هذه الأيام انتخابات برلمانية لعام 2019م، وتقوم الحملات الانتخابية في أنحاء البلاد وفي الدوائر الانتخابية المختلفة على قدمٍ وساقٍ، وتتبادل الأحزاب السياسية الرئيسة والإقليمية المختلفة الخائضة فيها الاتهامات بعضها بعضًا بصورةٍ لم يسبق لها مثيلٌ في الانتخابات السابقة، رغم التحذير الشديد من اللجنة الانتخابية العليا من ذلك من حين لآخر.

     وفي خضم ذلك غابت القضايا الأساسية التي تهم الشعب الكادح، وتُقِضُّ مضاجعه من تحقيق العدالة الاجتماعية، وإنعاش الاقتصاد المصاب بالركود، والقضاء على الفساد ومظاهر الرشوة، والبطالة التي قفز معدلها إلى أرفع المستويات خلال 45 عامًا، وغيرها من المشاكل التي تجثم على صدر البلاد وتتسرب إلى شرايينها.

     وعلى الصعيد الداخلي الهندي شهدت البلاد في السنوات الأخيرة تناميًا ملحوظًا شنيعًا للتوتراتِ الدينية ومظاهر التمييز على أساس طبقي طائفي، وارتفعت حدة الهجمات التي استهدف بها الهندوس المتطرفون المنبوذين والأقليات عامةً، والمسلمين بصفةٍ خاصةٍ في طول البلاد و عرضها، بِتُهَمٍ مزورةِ وبلا تهمةٍ في كثير من الأحيان، في إيذان بمرحلةٍ جديدةٍ يقودها التطرف والحقد والكراهية على أساس الوازع الديني.

     هذا، ولم يتورع كثيرٌ من قيادات الحزب الحاكم عن إبداء الحقد الدفين في قلوبها ضد المسلمين،في تصريحاتٍ علنيةٍ حينًا، وفي الوقوف بجانب المُدَانِين في قضايا الهجموم على الأقلية المسلمة، ومباركتهم وشد أزرهم حينًا آخر، رغم تصريح رئيس الوزراء بضرورة التحرز من مثل هذه الأعمال البشعة.

     ولم يتورع الحزب الحاكم عن ترشيح راهبةٍ هندوسيةٍ معروفةٍ بتصريحاتها الاستفزازية النارية ضد المسلمين، ومتهمةٍ بضلوعها في انفجارات استهدفت بعض المساجد في البلاد، و تم توقيفها على ذمة القضية سنواتٍ، ولم يتم الإفراج عنها بضمان إلا بعد صعود الحزب إلى السلطة في أعقاب فوزه الكاسح المدوِّي في الانتخابات البرلمانية السابقة عام 2014م. وما إن جاء ترشيح الراهبة من دائرة انتخابية في ولاية «مدهيابراديش» حتى عادت- الراهبة- إلى ما جُبِلَت عليه من الإثارة والتفريق والتزمت، وإثارة النعرات الدينية بغيةَ كسب أكبر عددٍ من أصوات الناخبين، واستمالة شرائح أوسع من المجتمع الهندوسي تضمن للحزب الوصولَ إلى سدة الحكم مرةً أخرى، ولو على حساب الأملاك والأرواح والقيم والمثل.

     وفي مثل هذه الأوضاع الحالكة الظلام لايملك المرء إلا أن يقول: إن للمسلمين ربًّا يتولى حفظهم وكلاءتهم، ولا يُعْجِزه شيء في الأرض ولا في السماء.

[التحرير]

(تحريرًا في الساعة العاشرة من صباح يوم الأحد: 6/رمضان المبارك1440هـ = 12/مايو 2019م)

*   *   *

إلى المحتويات

 

كلمة العدد

ماأَحْوَجَ الإنسانَ اليومَ إلى تَبَنِّي هذا المبدإ الإسلامي النبيل

 

     من الوسائل والأُسُس التي وَضَعَها الإسلام لإسعاد البشرية، التكافلُ الاجتماعيّ؛ فهو الذي سَبَقَ إلى إرساء ثقافته التي إنما تعني الشعورَ بآلام الآخرين، والوقوف بجانبهم، والسعي لإزالة كُرَبِهم وتحقيق حاجاتهم، بغض النظر عن اللون واللغة، والعرق والجنسية، والدين والعقيدة. ويُقْصِد الإسلامُ بالتكافل الاجتماعيّ أن يكون أفرادُ المجتمع مشاركين في رعاية المصالح العامة والخاصّة ومكافحة المفاسد الماديّة والمعنويّة، بحيث يشعر كلُّ فرد فيه أن عليه واجبات للآخرين كما أن له حقوقًا كفلها الشريعة، ولاسيّما للذين لايستطيعون لسبب أو آخر تحقيق حاجاتهم بأنفسهم. وذلك الغرض الأسمىَ يتحقق بإيصال المنافع إليهم ودفع الأضرار عنهم.

     في هذه الدنيا التي أصبح فيها الإنسان مُغْرِضًا، مُسْتَعْبَدًا بيد الأنانية والمصالح الشخصية، وعاد لا تُهِمُّه المصالح العامّة، ولا يستقطب اهتمامَه حاجات الآخرين مهما اشتدّت وتَطَلَّبَتِ التسديدَ دونما تأجيل، ما أَحْوَجَه الإنسانَ إلى تبني هذا المبدإ الإسلامي النبيل المبني على الشعور اللطيف بالمواساة الحقيقيّة والرأفة العامة بالإنسان.

     والتكافل الاجتماعيّ في الإسلام لا يقتصر على المسلمين، وإنما يشمل كما أسلفنا على جميع أفراد بني البشر داخل المجتمع مهما كان لونهم وجنسهم ودينهم، فقال تعالى:

     ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (الممتحنة:8).

     فهو يَشْمُلُ المؤمنَ والكافرَ؛ لأن أساسَه في الإسلام هو كرامة الإنسان لقوله تعالى:

     ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (الإسراء:70).

     وهو يشمل الفرد وذاته، وأسرته، ومحيطَه الاجتماعي، ومحيط المجتمعات المختلفة؛ فالإنسان مسؤول عن ذاته أولًا، فيجب عليه تزكيتها وإصلاحها، ودفعها إلى الخير، ومنعها عن الشرّ وحفظها من كل ما يُفْسِدها ويُمْرِضها، ويجب عليه اجتناب ما يُضْعِفها أو يُتْلِفها، فنُهِيَ عن الانتحار، فقال رسول الله --: «من تَرَدَّىٰ من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنّم يَتَرَدَّىٰ فيها خالدًا مُخَلَّدًا فيها أبدًا، ومن تَحَسَّىٰ سُمًّا فقتل نفسه فسمُّه في يده يَتَحَسَّاه في نار جهنم خالدًا مُخَلَّدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدتُه في يده يَجَأُ بها في بطنه في نار جهنم خالدًا مُخَلَّدًا فيها» (البخاري:5778؛ ومسلم:9).

     والتكافُل داخل الأسرة، ضَغَطَ عليه الإسلامُ كثيرًا واتَّخَذَ الوسائل الكفيلة لها من الضياع والتفكك، ويشمل التكافل الأسري كلًّا من الزوجين والأولاد والأبوين ومن إليهما. وسَنَّ الإسلام لذلك شرائع وقوانين تضمن التكافلية في المحيط الأسريّ.

     والتكافلُ داخل الجماعة، جعله الإسلام مزدوجًا بين الفرد والجماعة، وعادل بين المصالح الفرديّة والجماعيّة، حيث جعل تحقق المصلحة الخاصة مؤدّيًا ومكملًا للمصلحة العامة، وجعل تحقيق المصلحة العامة شاملًا لتحقيق المصلحة الخاصّة، فقال تعالى:

     ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:71).

     وقال رسول الله --: «المؤمن للمؤمن كالبُنْيَان يَشُدُّ بعضُه بعضًا» (البخاري: 481؛ ومسلم: 2585).

     وقد صَوَّرَ النبيُّ -- حال أعضاء المجتمع الإسلامي في تعاطفهم وتآسيهم وتكافلهم تصويرًا حيًّا بليغًا رائعًا، فقال: «مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشْتَكَىٰ منه عضو تَدَاعَىٰ له سائر الجسد بالسَّهَر والحُمَّىٰ» (مسلم:2586).

     كما أن الجماعة بدورها مُكَلَّفَة حفظَ حقوق الفرد وكفالته، وقد أبان النبي -- هذه الحالة التعاونية التكافلية بصورة تمثيلية شاخصة، فقال:

     «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم اسْتَهَمُوا على سفينة، فأصاب بعضُهم أعلاها، وبعضُهم أسفلَها؛ فكان الذين في أسفلها إذا اسْتَقَوْا من الماء مَرُّا على من فوقهم، فقالوا: لو أنّا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نُؤْذِ مَنْ فوقَنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نَجَوْا ونَجَوْا جميعًا» (البخاري:2493).

     ومن ملاحظة الخطوط العريضة العامة لهذا التكافل الاجتماعي نجد جليًّا أن الإسلامَ يهتمّ بنحو أكثر بالفئات الاجتماعية الضعيفة الأكثر تضرّرًا، فيضمن كفالة كبار السنّ، فقال تعالى:

     ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (الإسراء:23-24).

     وقال رسول الله --: «ليس منّا من لم يرحم صغيرَنا ويُوَقِّرْ كبيرَنا». (الترمذي:1919).

     كما يُؤَمِّن الإسلامُ كفالةَ الأيتام والصغار، فيهتمّ بالطفولة، ويُكَلِّف الآباءَ رعايةَ الأولاد وتربيتَهم حتى يبلغوا سنّ الرشد ويقدروا على تحمل المسؤولية. أما اليتم فأولاه الإسلامُ رعاية خاصّة، فقال تعالى:

     ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ (الضحى:9).

     وهناك آيات كثيرة تحضّ على العناية بالأيتام والمساكين وأبناء السبيل أو الأقربين ومن إليهم.

     وأَكَّدَ الإسلامُ فيما أَكَّدَ كثيرًا وبقوة على كفالة الفقراء والمساكين ومشاركتهم همومَهم وأحزانهم وآلامَهم وتقديم كل عون لهم مادّيّ ومعنويّ، كما رَعَى الإسلامُ حقَّ الجار، فقال النبي --: «والله لا يُؤْمِن، والله لا يُؤْمِن، والله لا يُؤْمِن». قيل: ومن يا رسول الله؟!. قال: «الذي لا يأمن جارُه بوائقَه». (البخاري:6016؛ ومسلم:46). وقال --: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جارَه». (البخاري:6019؛ ومسلم:47).

     كما حَرَّضَ الإسلام على إكرام الضيف ورعاية الغريب، فقال رسول الله --: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفَه» (البخاري:6018؛ ومسلم:47).

     وفيما يتعلق برعاية الغريب وهو ابن السبيل، قال تعالى:

     ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:60).

     واتَّخَذَ الإسلامُ في الوقت نفسه الوسائلَ التي تُحَقِّق هدفَ التكافل الاجتماعيّ بنحو أكيد، ومن هذه الوسائل ما هو موكول إلى الأفراد، ومنها ما هو مسؤولة عنه الدولة. والوسائل التي كُلِّفَ إيَّاها الأفراد، منهاما هو إلزاميّ، ومنها ما هو مندوب، فالوسائل الإلزاميّةُ هي:

     فريضة الزكاة التي جعل للدولة حقَّ أخذها من الأفراد إجباريًّا في حالة امتناعهم عن أدائها.

     والكفّارات وهي مافرضه الإسلام على الأفراد المسلمين في حالة ارتكابهم لبعض المحظورات أو تركه لبعض الواجبات، مثل كفارة اليمين، حيث إذا حلف المسلم بالله وحَنِثَ في يمينه، ومثل كفارة الفطر عمدًا دونما عذر يقبله الشرع في نهار رمضان. ومن الكفارات ما من مصارفه إطعام عدد من المساكين الطعامَ، فكان وسيلة من وسائل تحقيق التكافل. قال الله عزّ وجلّ:

     ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (المائدة:89).

     وصدقة الفطر التي يجب إخراجها يوم عيد الفطر، وهي واجبة على كل مسلم رجل وامرأة، صغير وكبير.

     ومساعذة المحتاجين من الجيران، فقال رسول الله --: «ما آمَنَ بي مَن بات شَبْعَانًا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به». (الطبراني في المعجم الكبير:751).

     والوسائل الفردية غير الإلزاميّة التي فتح بها الإسلام باب التطوع لكل فرد، هي:

     الوقف، الذي جعله الإسلام من أفضل الأعمال؛ حيث قال رسول الله --: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلّا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم يُنْتَفَعُ به، أو ولد صالح يدعوله». (مسلم:1631).

     والوصية، وهي أن يوصي شخص لدى موته بقدر معلوم من ماله لشخص معين أو لجهة من ذات الخير أو الجماعة بعينها.

     وقد حَرَّضَ الإسلام على الوصية، فقال تعالى:

     ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:180).

     وقال النبي --: «إنّ الله تَصَدَّقَ عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادةً لكم في أعمالكم». (ابن ماجه: 2709؛ وأحمد: 27482).

     والعارية، وهي تمكين شخص غيرَه من استخدام وسيلة من وسائله مجانًا بشرط أن يردّها له بعد الاستفادة منها. وقد رَغَّبَ الإسلام في إعمال هذا الأسلوب من التكافل؛ لأن ذلك يؤدّي إلى التحابب والتضامن ويُرَبِّي معنى الأخوة بين الأفراد، وزجر الإسلام من يحول دون هذا الحق إذا لم يصبه ضرر، وعدّ ذلك من العادات التي يستحق من يعتادها ويتصف بها العقوبة، فقال تعالى:

     ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7)﴾ (الماعون:4-7).

     والهديّة والهبة، حيث حَرَّضَ الإسلامُ على تبادل الهدايا مُؤَكِّدًا أنه يقوي العلاقة الاجتماعية ويُؤَدِّي المحبة بين أعضاء المجتمع، فقال --: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا».(الطبراني في الأوسط:7240).

     أما الوسائل التي نِيطَتْ بالدولة، فهي كما يلي:

     تأمين موارد المال العام، وذلك بتوظيف المحيط الطبيعي للدولة واستثمار الثروات العامة واستخراجها من معادن الأرض وكنوز البحار والثروات الطبيعية التي أودعها الله كونَه الواسع الهائلَ.

     وإيجاد فرص عمل للقادرين على العمل، وقد دلّ على ذلك دلالة واضحة ما صنعه رسول الله -- مع رجل جاءه يسأله فأعطاه درهمًا وأمره أن يشتري به فأسًا ويذهب إلى الغابة فيَحْتَطِبَ ويأتيه بعد وقت، فلما جاءه، أخبره - - أنه عن طريق ما أشار به عليه -- وَفَّرَ قدرًا من المال بعد ما اتفق على تحقيق حاجات عياله اليومية، وتصدق ببعض ما كسب، فقال --:

     «والذي نفسي بيده لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره، خير له من أن يأتي رجلًا فيسأله أعطاه أو منعه» (البخاري:1401).

     وتنظيم وسائل التكافل الفردي، إن الدولة من واجباتها أن تنظم الوسائل الفردية للتكافل، حتى تُحَقِّق الأهداف المُتَوَخَّاة منها التي تتمثل في القضاء على الفقر، يقول الله تعالى:

     ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (التوبة:103).

     وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي -- بعث معاذًا إلى اليمن فقال: «اُدْعُهُمْ إلى شهادة أن لا إله إلّا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأَعْلِمْهُمْ أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأَعْلِمْهُمْ أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تُؤْخَذَ من أغينائهم وتُرَدُّ على فقرائهم». (البخاري:1395).

     فالدولة مسؤولة عن تنظيم هذه الوسائل التي تتمثل أولًا في الزكاة والوقف.

     ولا بدّ من ملاحظة أن التكافل في الإسلام يعني أكثر من مجرد التعاون بين الناس أو تقديم المساعدة من أي نوع كانت لضعيف أو محتاج؛ لأن التكافل الاجتماعي في الإسلام يستمدّ مفهومَه من مبدإ الولاية المقرر في الشريعة الإسلامية. قال تعالى:

     ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (التوبة:71).

     وذاك أن الإنسان في التصور الإسلامي، عليه أن يتبادل مع أفراد المجتمع الآخرين الولاية، فهو ليس مستقلًّا بنفسه، وإنما هو وليُّ غيره كذلك من أفراد المجتمع، يتبادلهم التضامن والتكافل في أمور الحياة.

     فعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: بينما نحن في سفر مع النبي -- إذ جاء رجل على راحلة له. قال: فجعل يصرف بصرَه يمينًا وشِمالًا، فقال رسول الله --: «من كان معه فَضْلُ ظهر فَلْيَعُدْ به على من لا ظهرَ له، ومن كان له فَضْلٌ من زاد فَلْيَعُدْ به على من لا زادَ له» فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حقَّ لأحد منّا في فَضْل» (أحمد:11293؛ ومسلم:1728).

 

نور عالم خليل الأميني

nooralamamini@gmail.com

          (تحريرًا في الساعة الثانية عشرة نهارًا من يوم الثلاثاء: 8/رمضان 1440هـ الموافق 14/مايو 2019م).

*   *   *

إلى المحتويات

 

الفـكر الإســــــــلامي

من ظلال التفسير

بقلم: العلامة الشيخ شبير أحمد العثماني رحمه الله

(1305-1369هـ/1887-1949م)

تعريب: أبو عائض القاسمي المباركفوري

 

 

     إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35)

فائدة:

     اسم زوجة عمران: حنة بنت فاقوذا نذرت على خلاف عادة عصرها، وقالت: اللهم، أجعل ما في بطني محررًا أي حررته باسمك. وتعني بذلك أنه يبتعد عن مشاغل الدنيا والنكاح وغيرها إلى عبادة الله تعالى وخدمة الكنيسة. اللهم فاقبل نذري بفضلك. فإنك تسمع دعائي، وتعلم نيتي وإخلاصي. وكأنها طلبت بأسلوب لطيف أن يرزقها الله تعالى ولدًا ؛ لأنهم كانوا لايقبلون البنات لهذه الخدمة.

     فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)

فائدة 1:

     قالت ذلك متحسرةً؛ لأنه جاء على خلاف ما توقعتـــــه. ولم تكن العادة جارية بقبول البنت في ذلك.

فائدة 2:

     هذه جملة معترضة من كلام الله تعالى، أي لم تكن تعلم ما وضعته. ولايعلم قدر هذه البنت ومكانتها إلا الله تعالى، وأنى يصل الولد الذي تمنته إلى مكانة هذه البنت؟! فهذه البنت مباركة وسعيدة بذاتها، وينطوي وجودها على ولد مبارك وسعيد عظيم.

فائدة 3:

     استجاب الله تعالى هذا الدعاء. ورد في الحديث: «ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخًا من مس الشيطان، غير مريم وابنها»(1). وبضم أحاديث أخرى في هذا المعنى يتبين أن الولد يولد على الفطرة، التي تظهر بعد كبره حين يعقل ويميز.

     ولكن ما يحيط به من الأوضاع والتأثيرات الخارجية قد تكبس هذه الفطرة التي فطر عليها، و هو ما عبَّر عنه الحديث النبوي الشريف بـ«فأبواه يهودانه أو ينصرانه»، فكما أن بذرة الإيمان والطاعة تلقى في فطرته الجوهرية بصورة غير مرئية، في حين أنه لايدرك الأشياء العريضة الملموسة فضلا عن الإيمان، كذلك التأثير الخارجي قد ابتدأ منذ ولادته بنوع من المس الشيطاني بصورة غير ملموسة. وليس من اللازم أن يتفاعل كل أحد مع هذا المس الشيطاني، أو يقبل ثم يستمر عليه لاحقًا. وبما أن الله تعالى تكفل عصمة الأنبياء عليهم السلام كلهم، فهب أنهم تعرضوا لمثل هذه الحالة في مبدإ الولادة، ولم يتم استثناؤهم استثناء مريم وابنها، فإنه رغم ذلك لايتطرق شبهة إلى أن مس الشيطان هذا لايجلب ضررًا على هؤلاء العباد ذوي القداسة والعصمة على الإطلاق. وإنما تفترق مريم وابنها عمن سواهما بأنهما لم يتعرضا لمثل هذه الحالة أصلا، لمصلحة من المصالح، وأما غيرهما فربما تعرضوا لها ولكنها لم تؤثر فيهم.

     وأمثال هذه الجزئيات لاتوجب فضلًا كليًّا. روي أن جاريتين كانتا تنشدان بعض الأبيات، فأعرض النبي عنهما، ودخل أبوبكر، وهما تنشدان، ثم دخل عمر رضي الله عنه، فهربن. فقال رسول الله : «فوالله إن لقيك الشيطان بفج قط إلا أخذ فجًّا غير فجك»(2). فهل يقول عاقل في ضوء هذا الحديث: إن الرسول فضَّلَ عمر على نفسه؟

فائدة:

     أما تفسير الآية بحديث أبي هريرة في مس الشيطان فلاينطبق عليه ظاهرًا، اللهم إلا أن نقول: إن الواو في قوله ﴿وإنِّي أُعِيْذُهَابِكَ﴾ ليس للترتيب، أو إن الاستثناء في الحديث أراد به ولادة المسيح من مريم عليهما السلام، ولم يرد به كل واحد من مريم والمسيح لوحدهما. فقد ورد حديث رواه البخاري بالاكتفاء بذكر عيسى عليه السلام.

     فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (37)

فائدة 1:

     أي رغم أنها كانت بنتًا، أضفى الله تعالى عليها القبول أكثر من الولد، وألقى في قلوب سدنة بيت المقدس أن يقبلوا البنت على خلاف العادة. ثم إنه تعالى منحها جمال الصورة، وكفلها عبده زكريا، وتقبلها عنده قبولا حسنًا. وزادها بسطةً في كل شيء  من الجسم والروحانية والعلم والأخلاق بصورة غير عادية. واختلف السدنة فيمن يتولى تربيتها، فخرجت القرعة في حق زكريا عليه السلام بأمر الله تعالى، لتتربى البنت في حضن خالتها، وتستفيد من علم زكريا ودينه. فقام زكريا عليه السلام بمراعاتها حق الرعاية. فلما كبرت مريم خَصَّصَ لها حجرة بجوار المسجد. فكانت تشتغل فيها سحابة النهار في العبادة ونحوها، وتقضي ليلها عند خالتها.

فائدة 2:

     ذهب معظم السلف إلى أن الرزق هو الرزق الظاهر. يقال: كانت تأتيها الثمرات في غير أوانها، فثمرة الصيف في الشتاء، وثمرة الشتاء في الصيف، وروي عن مجاهد: المراد به الصحف العلمية، التي يمكننا أن نصفها بالغذاء الروحاني. وعلى كلٍ بدأت بركات مريم وكراماتها والآيات غير العادية تظهر منها، وشاهدها زكريا غير مرة فلم يملك نفسه فسألها عجبًا من ذلك: يا مريم، من أين لك هذه الأشياء؟

فائدة 3:

     أي إنه من قدرة الله تعالى، يرزقني من حيث لايُحتسب.

     هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (38)

فائدة:

     كان زكريا قد أسنَّ،وكانت امرأته عاقرًا، وفقد كل أمل ظاهر في الولد، ونظر إلى صلاح مريمٍ وبركتها ورزقها غير العادي، فجاش في قلبه فجأة الرغبة في الدعاء بالولد، فلعله ينال الثمرة في غير أوانها، أي الولد في الكبر.

     فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (39)

فائدة 1:

     استجيب دعاؤه، وبُشر بولد، سماه يحيى.

فائدة 2:

     والمراد بـ«كلمة» هنا عيسى عليه السلام، الذي ولد من غير أب. وكان يحيى يخبر الناس مسبقًا بأنه سيولد المسيح.

فائدة 3:

     أي كثير الحصر عن الملذات والشهوات، ويبلغ من الاشتغال بعبادة الله تعالى مبلغًا لايتركه يلتفت إلى النساء، وهذه صفة خاصة بيحيى عليه السلام، وليس قانونًا عامًّا يعم الأمة المحمدية. ومن أبرز ميزات نبينا أنه جمع إلى كمال العشرةِ كمالَ العبادة.

 فائدة 4:

     أي يبلغ ذروة الصلاح والرشد، التي توصف بالنبوة، أو المراد به صلاح الحال، أي يكون على غاية من صلاح الحال.

     قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (40)

فائدة:

     أي أن مشيئته وقدرته غير خاضعة للأسباب، وإن جرت عادته في هذا العالم أن يخلق المسببات بالأسباب العادية، ولكن من عادته الخاصة أيضا أن يخلق بعض الأشياء على خلاف الأسباب العادية بصورة غير عادية. والأصل فيه أن إتيان الرزق إلى مريم الصديقة بصورة غير عادية، وحصول أحداث بصورة غير عادية لها، مما دفع  زكريا إلى الدعاء في غرفتها، ثم رزقُه ورزق امرأته العقيم ولدًا في الكبر بصورة غير عادية، لنقل: إن هذه الآيات كلها تمهيد من الله تعالى القادر للآيات الإلهية العظيمة التي كان من المتوقع أن تظهر في المستقبل القريب من مريم عليه السلام بدون قربان الزوج منها، فكأن قوله تعالى: ﴿کَذٰلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَايَشَآء﴾ بعد ولادة يحي بصورة غير عادية،كان تمهيدًا لقوله: ﴿کَذٰلِكِ اللهُ يَخْلُقُ مَايَشَآءُ﴾، الآتي قريبًا في مولد المسيح عليه السلام بصورة غير عادية.

     قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (41)

فائدة 1:

     فيعلم منه العلوق،ليستجد له السرور برؤية آثار قرب الولادة. ويشتغل بالشكر لله تعالى أكثر فأكثر.

فائدة:

     أي: فإذا رأيت أنك لاتتكلم الناس إلا بالإشارة، وانصرف لسانك إلى ذكر الله تعالى، فاعلم أن امرأتك قد حملت. سبحان الله! وضع علامة، تكون علامة على العلامة، ويحصل الغرض- وهو شكر النعمة على أكمل وجه حين يبلغه ذلك. فإنه لايقدر على غير ذكر الله تعالى وشكره وإن إراد ذلك.

فائدة 2:

     أي أكثِر من ذكر الله تعالى حينئذ، واشتغِل بالتسبيح والتهليل بكرةً وعشيًّا، يؤخذ منه أن  عجزه عن كلام الناس وإن كان اضطراريًّا، يهدف إلى ضرورة تفريغ نفسه لذكر الله تعالى وشكره في هذه الأيام. وأما الاشتغال بالذكر فلم يكن اضطراريًّا، وعليه أمر به.

     وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)

فائدة:

     قصة زكريا ويحيى عليهما السلام التي تخلل الكلامَ لمناسبات عرضية، والتي تؤكد اصطفاء آل عمران، وتشكل تمهيدًا لقصة عيسى عليه السلام قد أنهاهاهنا، ثم أعاد الكلام على قصص مريم وعيسى عليهما السلام. فقدَّم فضلَ أم المسيح وشرفَها على فضله وشرفه هو، أي قالت الملائكة لمريم: قد اصطفاكِ الله منذ اليوم الأول، حيث تقبَّلكِ في نذره رغم كونك بنتًا. وأضفى عليكِ أنواعًا من الأحوال الرفيعة والكرامات السنية، فمنحكِ خلقًا صافيًا، وطبيعةً نزيهةً، وطهارةً ظاهرةً و باطنةً ثم جعلك مؤهلةً لخدمة مسجده. وفضَّلك على نساء العالمين من بعض الوجوه، منها: أنه أورثك قدرةً على إنجاب المسيح- ذلك الرسول ذي العزم- من غير أن يمسك بشر. وهذا ما لم يؤته أحدًا من نساء العالمين.

     يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (43)

فائدة 1:

     أي: حيث آتاكِ الله تعالى هذا العز، ورفعكِ إلى هذه المنزلة السينة، فما عليك إلا أن تركعي لربك مخلصةً ومتذللةً له دائمًا، وتبدي نشاطًا أكثر فأكثر في القيام بوظائف العبودية، ليظهر الأمر العظيم الذي قدَّر الله تعالى تحقيقه بك.

فائدة 2:

     فاركعي كما أن الراكعين يركعون لله تعالى، أو المعنى: صلي مع الجماعة، ولعله عبَّر عن الصلاة بالركوع لأن الذي يلحق الإمام في الركوع على أقل تقدير يُعتبر مدركا لتلك الركعة. كما يفهم من كلام ابن تيمية في فتاواه.

تنبيه:

     ربما أبيح حضور النساء الجماعة يومئذ بصفة عامة أو عند الأمن من الفتنة بصفة خاصة، أو كان من خصائص مريم، أو كانت مريم تصلي مع غيرها من النسوة وراء الإمام؛ يحتمل ذلك كله. والله أعلم.

     ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (44)

فائدة1:

     أي كان أمِّيًّا بالنظر إلى الظاهر، ولم يسبق له القدرُ المعتد به من مجالسة أهل الكتاب حتى يتحقق من القصص الماضية لهذا الحد، وما تغنيه هذه المجالسة لو سبقت له؟ فإنهم كانوا يتيهون في ضلالات من الأوهام والخرافات، فمنهم من أوغل في العداوة، ومنهم من غلا في الحب، فمسخ القصص الصحيحة وحرَّفها عن وجهها، وهل يرجى حصول النور من عين الأعمى؟ وفي أثناء ذلك  ذكر القصصَ بالحق وبهذا البسط والتفصيل، مما يشخص أبصار كبار أدعياء علم الكتاب، ويُعجزهم عن إنكارها فهو دليل واضح على أنه أوتي علمها بالوحي؛ فإنه لم يشاهد هذه الأوضاع بأم عينيه، ولا كان يملك سببًا خارجًا للعلم سواه.

فائدة 2:

     لما قبل نذر مريم تنازع سدنة المسجد أيهم يكفلها، واضطروا إلى الاقتراع، فألقوا أقلامهم التي كانوا يكتبون بها التوراة، في الماء الجاري، وكان القراع على أن كل من جرى قلمه على عكس جري الماء كان الحق له، فلما فعلوا ذلك كان قلم زكريا كذلك، ووصل الحق لصاحبه.

=================

(1) الحديث رواه البخاري [3431] عن أبي هريرة رضي الله عنه.

(2) : «فوالله إن لقيك...» رواه الإمام أحمد في فضائل الصحابة [326]

*   *   *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (1)

الإعجاز العلمي في القرآن . . تصويب الاتجاه

بقلم:  الأستاذ غازي التوبة

 

     بلغت الآيات الكريمة التي تحدثت عن مظاهر الكون والطبيعة والإنسان والحيوان والنبات ثلث القرآن الكريم، وهذا مبلغ عظيم، وقد ربط كثير من الباحثين في عصرنا الحاضر تلك الآيات ببعض النظريات العلمية والاكتشافات التي ظهرت في العصر الحديث، واعتبروا هذا إعجازًا علميًا غير الإعجاز البياني الذي جاء به القرآن الكريم، والذي هو الأصل المجمع عليه في الإعجاز، ولكننا نجد عند البحث الدقيق أن هناك اعتسافًا في التعامل مع الآيات الكريمة التي ربطوها بالإعجاز العلمي.

     فهم اقتلعوها من سياقها الذي وردت فيه من أجل تأدية غرض معين، وربطوها بالنظرية العلمية التي اكتشفت حديثًا دون النظر إلى ما قبلها وما بعدها، وهذا خطأ كبير في فهم القرآن الكريم وفي التعامل معه، وبالإضافة إلى هذا يعتبر ذلك تجاوزًا للمقاصد والحكم والأهداف التي جاءت من أجلها تلك الآيات في السياق القرآني. وبالغ بعضهم في الإشادة بالإعجاز العلمي، فاعتبر أن الربط بين الآية الكريمة والنظرية الحديثة هو الذي أفهمنا إياها، وهذا اتهام للقرآن بأنه طلاسم وألغاز ومغاليق، كانت تتلى من المسلمين طوال أربعة عشر قرنًا دون فهم أو استيعاب.

     وهذا غير صحيح فالقرآن الكريم كتاب عربي مبين، ويتميز عن الكتب السماوية الأخرى بأنه كتاب علم وعقل، وتوصف معجزة القرآن الكريم الخالدة بأنها معجزة بيانية عقلية، وأنا سأقدم ثلاثة أمثلة توضح بعض الأخطاء التي وقع فيها باحثو الإعجاز العلمي:

     الأول: قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ (الذاريات:47).

     أشار باحثو الإعجاز العلمي في القرآن الكريم إلى الآية ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ أشارت إلى نظرية تمدد الكون واتساعه، التي اكتشفها العلم حديثًا، وهذا قول مجانب للصواب، وتحميل للآية ما لا يحتمله سياقها في السورة. فمن الواضح عند النظر إلى الآية في سياق سورة الذاريات أن الآية بدأت بمقطع يتحدث عن بعض مظاهر قدرة الله تعالى في السماء والأرض، وعن حكمة الله في خلق الأزواج فقال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ * وَالأرْضَ فَرَشْنٰـهَا فَنِعْمَ الْمَـٰهِدُونَ * وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾  (الذاريات:47-49).

     وقد جاء هذا المقطع بعد إخبار الله لنا في المقطع السابق من السورة عن إهلاك عدة أقوام، منها: قوم لوط، وقوم فرعون، وقوم عاد، وقوم ثمود، وقوم نوح، ثم يأتي أمران للعباد بعد آيات إهلاك الأقوام، وآيات السماء والأرض والأزواج، هما: الفرار إلى الله، والتحذير من الإشراك معه شيئًا آخر، قال تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلا تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (الذاريات:50-51)، وهذان الأمران مطلوبان لأن الله هو ربهم ومليكهم وخالقهم، وهو العظيم القادر على أن يحفظهم ويرعاهم، وأن يمدهم بكل أسباب النماء والقوة.. إلخ، فمن الجلي أن الحديث عن سعة السماء وما فيها من أفلاك ونجوم وكواكب ومجرات... إلخ وهي ظاهرة واضحة للعيان يراها الإنسان بشكل جلي يدل على عظمة الله وقدرته وجبروته وحكمته ... إلخ، ويبني في قلب الإنسان تعظيم الله، وتقدير قدرته، ويدفعه للخضوع لله سبحانه وتعالى.

     والجلي أن الحديث عن سعة السماء ليس المقصود منه طرح نظرية علمية؛ لأنه انتزاع للآية من سياقها وليس هدفًا للسورة بحال من الأحوال؛ بل المقصود توجيه نظر الإنسان وقت نزول القرآن الكريم والآن وفي المستقبل إلى مشهد بديع يملأ العين والقلب بعشرات الأفكار والمشاعر، ويبني الإنسان بناءً نفسيًا إيجابيًا نحو تعظيم الله والخضوع له والثقة به سبحانه وتعالى ... إلخ، ويدفعه إلى الفرار إلى الله تعالى، وإلى عدم الإشراك به تعالى.

     الثاني: قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمٰوٰتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنٰــهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء:30).

     ربط كتاب الإعجاز العلمي في القرآن الكريم بين قوله تعالى: ﴿أَنَّ السَّمٰوٰتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنٰـهُمَا﴾ وبين نظرية الانفجار العظيم (Big Bang) التي اكتشفت مؤخرًا، والتي قالت: إن انفجارًا عظيمًا حدث في الفضاء قبل ملايين السنين، انفصلت بعده الأرض، وبدأت التشكل، واعتبروا أن هذه الآية تشير إلى هذه النظرية، وكما قلنا سابقًا: إن هذا اعتساف في استعمال النصوص؛ لأن الآية يجب أن ينظر إليها من خلال السياق القرآني، أي من خلال النظر إلى ما قبلها وما بعدها من الآيات لنفهم المعنى الذي تشير إليه، فنجد أن الآيات التي سبقت الآيات السابقة تحدثت عن نفي الشريك لله تعالى، ثم جاءت بعدها آيات تحدثت عن الأرض والجبال الرواسي، وعن الفجاج في هذه الجبال، وعن السماء والليل والنهار، وعن الشمس والقمر، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمٰوٰتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنٰـهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الأرْضِ رَوٰسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيٰتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ (الأنبياء:30-33)

     وبالنظر في سياق آية (الانفجار العظيم)، نجد أنها لا تشير إلى مثل هذا بحال من الأحوال؛ بل إنها تشير هي والآيات التي بعدها إلى أن هناك إلها واحدًا هو الذي يدبر نزول الماء ويقيم الجبال في الأرض، ويحفظ السماء من أن تقع على الأرض، وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر من أجل استمرار الحياة، وأن وجود إله واحدٍ هو الذي جعل الأمور السابقة متساوقة، ويكمل بعضها بعضا، ولا يتناقض فيها أمران، ولا تتدافع ظاهرتان... إلخ، فالجلي أن الحديث عن السموات والأرض المقصود منه التدليل على وحدانية الله، ومما يؤكد ذلك أن المفسرين القدماء فسروا الآية المذكورة فقالوا: إن السموات والأرض كانتا مغلقتين ففتحناهما، فالسماء فتحها الله بإنزال الماء منها، والأرض فتحها بأن انبثق النبات منها، ومما يدعم هذا التفسير هو انتهاء الآية بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾، وهي تشير إلى أن إنزال الماء من السماء هو السبب في حياة كل المخلوقات: الإنسان والحيوان والنبات.

     الثالث: قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (الحديد:25).

     من المعلوم أن الحديد معدن وصل من النيازك والشهب التي تسقط على الأرض من كواكب السماء وليس من معادن الأرض المخبوءة فيها، وقد توصل العلماء إلى هذه النتيجة مؤخرًا، وربط باحثو الإعجاز العلمي بين هذا الاكتشاف العلمي والآية القرآنية التي تقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾، فلم يقل الله (وخلقنا الحديد) أو (وجعلنا الحديد)، فاعتبروا قوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد﴾ إشارة إلى مجيئه من مكان آخر، وقالوا: إن الآية تشير إلى هذه الحقيقة، لكن آخرين ردوا عليهم فقالوا: إن الله قال: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الأنْعَامِ ثَمٰـنِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ (الزمر:6)، وقال: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوٰرِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ (الأعراف:26)، فهل ذلك يعني أن الأنعام واللباس والريش أنزل من السماء؟ لا أحد يقول بذلك.

     طالما أن هناك اعتسافًا وإسرافًا في الحديث عن الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، فما هي الحكم والمقاصد والأهداف التي استهدفتها الآيات التي أشارت إلى الكون والطبيعة والإنسان والشمس والقمر والمطر والسحاب والجنين... إلخ؟ الحقيقة أن هناك عدة حكم ومقاصد وأهداف من هذه الآيات، وهي قد تكون أجل وأسمى وأصوب وأجدى على الإنسان المسلم من الحديث عن الإعجاز العلمي، وهذه الحكم والمقاصد والأهداف هي:

الأول: البناء النفسي للمسلم:

     استهدفت كثير من الآيات التي تحدثت عن الطبيعة: الإنسان والسماء والأرض والماء والريح... إلخ البناء النفسي للمسلم، وتوجيه قلبه إلى الله تعالى: تعظيمًا وخضوعًا وحبًا وخوفًا ورجاء وثقة... إلخ، ويمكن أن نمثل لذلك بآيات وردت في سورة إبراهيم، قال تعالى: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالأرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرٰتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأنْهـٰــــرَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الإنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم:32-34).

     بدأت هذه الآيات بتقرير عدة أمور هي: أن الله هو الذي خلق السموات والأرض، وهو تعالى الذي أنزل المطر الذي كان سببًا في نمو الشجر ونضج الثمر الذي أضحى طعامًا لنا، وهو الذي هيأ الأسباب لتبحر السفن عباب البحر، وهو الذي سخر لنا عدة مخلوقات: الأنهار والشمس والقمر والليل والنهار، ثم يبين الله لنا فضله علينا، وهو أنه آتى العباد من كل ما سألوه، مع أن نعم الله أجل أوسع من أن تحصى، ومع ذلك فإن الإنسان لا يحمد الله حق الحمد، ولا يشكره حق الشكر؛ بل هو ظلوم كفار.

     يقتضي تقرير الآية أن الله الذي خلق السموات والأرض من العدم على غير مثال سابق وهو خلق عظيم يحوي ملايين النجوم والأفلاك التي تسبح في الفضاء منذ ملايين السنين وإلى ما شاء الله، يقتضي تعظيمه تعالى.

     ويقتضي إنزاله تعالى الماء من السماء أن تعظمه تعالى؛ لأن إنزال المطر تطلب تبخير الماء، وإرسال الرياح، وتحميل السحاب، وحدوث البرق والرعد، تطلب كل هذا وكثيرًا غيره نجهله، وهذا كله يقتضي تعظيمه تعالى، ويقتضي أن نحبه تعالى، لأنه أنعم علينا بهذه النعمة التي ترتبط حياتنا بها أشد الارتباط طعامًا وشرابًا، وأن نرجوه تعالى في أن يستمر في إنزاله علينا، وأن نخافه تعالى من أن يحرمنا إياه.

     ويقتضي تسخيره تعالى لنا الفلك التي تمشي الهويني على سطح الماء، أن نعظمه تعالى؛ لأن سيرها احتاج إلى عشرات الموافقات، وأن نحبه تعالى؛ لأن نعمة استخدام السفن نعمة عظيمة ندرك قيمتها لو تخيلنا عدمها كم ستصبح الحياة شاقة وصعبة.

     ثم يخبرنا تعالى أنه سخر لنا الأنهار، ويقتضي هذا الستخير أن نحبه تعالى لأنه هيأ لنا هذه النعمة فنشرب ماءها، وتشرب منها بهائمنا، ونسقي بها زروعنا، ونركبها في انتقالنا.

     ثم يخبرناتعالى أنه سخر لنا الشمس والقمر وما ينجم عنهما من ليل ونهار، ويصف الشمس والقمر بصفة «دائبين»، وهي صفة أصيلة ولصيقة بهما، فالإنسان ينشأ وهو يرى الشمس كل نهار، والقمر كل ليلة، ويموت مخلفًا وراءه تتابعهما، وكذلك الأجيال التي سبقته والأجيال التي تليه إلى أن يشاء الله.

     ويقتضي هذا التسخير أن نحبه تعالى وحده؛ لأنه أنعم علينا بأن ذلل لنا هذه الآيات الكبيرة: الشمس والقمر واليل والنهار، الشمس بحرارتهاالتي تعتبر أساسًا في حياتنا، والقمر الذي نمتع به أبصارنا، ونستضيء به في ظلماتنا ونحسب به أيامنا، والنهار الذي يضيء أيامنا وحركتنا، والليل الذي يلف أجسادنا ليريحها من عناء النهار.

     ثم يأتي التعقيب النهائي الذي يوضح القصد من الحديث السابق: إن الإنسان لظلوم كفار، شديد الظلم للحق، لا يؤله الله وحده؛ بل يشرك معه آلهة أخرى، ولا يتوجه إليه بالحب وحده؛ بل يحب آلهة أخرى معه، وهو شديد الكفران والجحود، يقابل نعم الله التي لا تحصى بالمعصية وعدم الطاعة.

الثاني: البناء العقلي للمسلم

     قد بنى القرآن الكريم عقل المسلم البناء الصحيح، وجعله يتعامل مع الكون المحيط به تعاملا سليمًا، وهو من أجل تحقيق هذا استخدم آيات الكون والطبيعة والإنسان... إلخ، ووظفها في سبيل تحقيق هذا الهدف، وليس من شك في أن هذه ثمرة عظيمة، ويتضح ذلك من خلال إقرار قانون السببية، وهو أهم قانون قامت عليه حضارتنا أخذته الحضارة الغربية من حضارتنا، وهو الذي نقل الإنسان من العقلية الخرافية إلى العقلية العلمية، ففي شأن نزول المطر قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلـٰـلِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (الروم:48)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيٰحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرٰتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الأعراف:57). فالآيتان السابقتان توضحان أن الرياح كانت سببًا في تكوين السحب، وكيف أن السحب كانت سببًا في نزول الماء، وكيف كان الماء سببًا في إنبات النبات... إلخ، وهذا بناء لعقل المسلم على الظاهرة السببية.

     ويتضح البناء العقلي للمسلم من خلال أمر الآيات بالنظر في مظاهر الكون من طعام، ونزول مطر، وإنبات نبات، والشمس... إلخ، فقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرْضَ شَقًّا * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا * وَعِنَبًا وَقَضْبًا * وَزَيْتُونًا وَنَخْلا * وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفـٰـكِهَةً وَأَبًّا * مَتٰـعًا لَكُمْ وَلأنْعٰـمِكُمْ﴾ (عبس:24-32)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنّٰتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشٰـبِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيٰتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام:99)، وحض القرآن الكريم المسلم على النظر في أحوال الأمم السابقة وهلاكها، وأسباب ذلك فقال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عـٰـقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (الأنعام:11)، وقال تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عٰـقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ (النمل:69)، وحث القرآن الكريم على استعمال حاستي السمع والبصر اللتين هما الأصل في بناء العقل، فقال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا﴾ (الإسراء:36)، وحث القرآن الكريم على التفكير فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيٰتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ﴾ (البقرة:219)، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأنعام:50)، ﴿وَتِلْكَ الأمْثـٰـلُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الحشر:21)، وحث القرآن الكريم على التعقل فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحٰبِ السَّعِيرِ﴾ (الملك:10)، ﴿وَلَهُ اخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (المؤمنون:80)، وحث القرآن الكريم على العلم فقال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ (طه:114)، وامتدح العلماء ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمٰـٓؤاْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (فاطر:28)، وحث الله على استعمال البصر فقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمٰـوٰتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفٰـوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ (الملك:3-4).

الثالث: التدليل على وحدانية الخالق:

     استثمر القرآن الكريم آيات الطبيعة والكون للتدليل على وحدة الخالق، فذكرت الروايات أن الله أنزل على الرسول في المدينة قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة:163)، فقالت قريش: كيف يسع الناس إله واحد؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ (البقرة:163)، تحدثت الآيات السابقة عن مظاهر وألوان من آيات الله الباهرة، منها: خلق السموات والأرض، والسفن التي تجري في البحر، ونزول المطر، وإنبات النبات، وخلق الدواب، وحركة الرياح والسحب... إلخ.

     إن تلك الظواهر الكونية السابقة مع أنها متفرقة فإنها متكاملة يكمل بعضها بعضًا، ويخدم بعضها بعضًا، فلم تصطدم أية ظاهرة مع أخرى بل الكل مسخر للإنسان، متكامل معه، يحقق هدفًا في منظومة الكون السائرة إلى الأمام، وكل هذا يدل على أن هناك خالقًا واحدًا، وربًا واحدًا، وهو ما قصدته الآيات. وقد أشارت آيات أخرى إلى وحدانية الخالق بالمفهوم المخالف بأنه لو كان أكثر من إله لفسدت السموات والأرض فقال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (الأنبياء:22)، وأشارت آية أخرى إلى أنه لو كان فيهما أكثر من إله لعلا بعضهم على بعض ولاضطرب نظام الكون، فقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحٰـنَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (المؤمنون:91).

     ومن الجدير بالذكر أن الحديث عن وحدانية الخالق من خلال استخدام مظاهر الطبيعة والإنسان يستهدف مظاهر الطبيعة والإنسان يستهدف بالإضافة إلى إثبات حقيقة الوحدانية كحقيقة عقلية أمرًا آخر هو البناء النفسي، ويدل على ذلك أن الآية التالية للآية التي أثبتت وحدانية الخالق من خلال عرض مظاهر الخلق في السموات والأرض والسفن ونزول المطر وإنبات النبات ... إلخ قالت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ (البقرة:165)، وبينت أن المقصود من الكلام عن وحدانية الخالق هو: توجيه الحب إلى الله، وبينت ذلك من خلال الإشارة إلى خطأ بعض الناس بتوجيه الحب إلى أنداد لم تخلق ولم تنعم على الناس بشيء.

والرابع: التدليل على وحدة المخلوقات

     استثمر القرآن الكريم آيات الكون والطبيعة والإنسان والحيوان... إلخ للتدليل على وحدة المخلوقات، وأبرز عدة مبادئ تؤكد ذلك منها:

     أ- مبدأ الزوجية: أشارت الآيات إلى أن مبدأ الزوجية هو: الذي يحكم الكون كله، فهناك الذكر والأنثى يحكم الكون كله، فهناك الذكر والأنثى في عالم الإنسان والحيوان، وهناك الطلع المذكر والطلع المؤنث في عالم النبات، وهناك الأرض والسماء، والشمس والقمر، والليل والنهار، والبر والبحر... إلخ في عالم الكون، فقال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (الذاريات:49)، وقال تعالى: ﴿وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (ق:7).

     ب- مبدأ إخراج الحي من الميت والميت من الحي: أشارت الآيات إلى أن الله يخرج الحي من الميت والميت من الحي في كل المخلوقات التي خلقها: الإنسان والحيوان والنبات، ففي شأن خلق النبات من النواة قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (الأنعام:95)، وفي شأن خلق الإنسان قال تعالى: ﴿أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصٰـــرَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ (يونس:31).

     ج- مبدأ المائية في كل المخلوقات: بينت الآيات أن الماء هو الأصل في كل المخلوقات، فقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء:30)، فالطفل يأتي من اجتماع ماء الرجل وماء المرأة، وكذلك الحيوان يأتي من ماء الذكر والأنثى، وكذلك النبات فالماء هو الأصل في حياته، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُّخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُّتَرَاكِبًا﴾ (الأنعام:99)، ثم بينت العلوم الحديثة أن الماء يشكل فوق تسعين بالمئة من أجسام المخلوقات جميعها: الإنسان، والحيوان، والنبات.

     ومما تجدر ملاحظته أن التدليل على وحدة المخلوقات يستهدف أمرًا آخر غير إثبات الحقيقة العقلية هو البناء النفسي، ويدل على ذلك أن الآيات التي أبرزت المبادئ التي عرضنا والتي دلت على وحدة المخلوقات انتهت بما يوجه إلى ذلك، ولو أخذنا مبدأ الزوجية نجد أن الآية التي تحدثت عن مبدأ الزوجية في سورة الذاريات انتهت بطلب الفرار إلى الله، والفرار يقتضي الرجاء فيمن يفر الإنسان إليه. ولو أخذنا الآية التي تحدثت عن المبدأ الثاني فسنجد أنها انتهت بقول الله تعالى ﴿أَفَلَا تَتَّقُوْن﴾، وفيه توجيه وحض على التقوى، وهي أصل عظيم في البناء النفسي. وكذلك لو أخذنا الآية التي تحدثت عن المبدأ الثالث لوجدنا أنها انتهت بقوله تعالى ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُوْنَ﴾، وهذه النهاية توجيه إلى الإيمان، وهو الهدف من البناء النفسي والعقلي.

الخامس: التدليل على ضرورة وجود اليوم الآخر

     شكل وجود اليوم الآخر مشكلة بالنسبة للمشركين، فرد القرآن الكريم عليهم بأن عدم وجوده يعني العبثية، فقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلَهَ إِلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (المؤمنون:115-116)، وقال تعالى ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ (القيامة:36)، ودلل على ضرورته بالنظر إلى كل كل الظواهر الكونية، فستجد الحكمة والقصد والهدف من وراء خلقها بالصورة التي خلقت عليها فقال تعالى في سورة النبأ: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوٰجًا * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا * وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا * وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرٰتِ مَاءً ثَجَّاجًا * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا * وَجَنّٰـتٍ أَلْفَافًا * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقٰــتًا﴾ (النبأ:6-17)، فأشارت الآيات إلى أن الله جعل الأرض ممهدة لحكمة تسهيل السير فيها، وجعل الجبال عالية شاهقة لتثبيتها ولتقوم مقام الأوتاد بالنسبة للخيمة، وخلق البشر أزواجًا من أجل السكن والمودة واستمرار النوع، وجعل النوم سباتا من أجل الراحة، وجعل النهار الشمس متوجهة من أجل إنبات النبات وإمكانية عيش الإنسان، وجعل الماء ينزل من السحب من أجل إحياء النبات والحيوان والإنسان. إذن فكل شيء مخلوق لحكمة، وإذا كانت الحكمة والقصد الغاية والهدف قانونًا يحكم كل مخلوقات الكون، فلابد من أن يحكم الإنسان، لذلك لابد من اليوم الآخر، لذلك قال تعالى بعد تلك الآيات: ﴿إنَّ يَوْمَ الفَصْلِ كَانَ مِيْقَٰـتًا﴾ (النبأ:17).

السادس: التدليل على إمكانية بعث الأموات

     تشكك المشركون في بعث الأموات الذين صاروا ترابًا، فنقل عنهم تشككهم واستغرابهم النشر، في القرآن: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ (الواقعة:47)، وقال تعالى أيضًا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (ق:3)، فرد عليهم القرآن بأمرين:

     الأول: أن الذي خلق أول مرة قادر على أن يعيد خلقه مرة ثانية فقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (يس:78-79).

     الثاني: أن خلق السموات والأرض وهي من خلق الله أكبر من خلق الإنسان، فالنتيجة أن الله قادر على أن يعيد خلق الإنسان بعد أن يموت، قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (غافر:57)، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ (الروم:27).

السابع: التدليل على بعض صفات الله

     لم يتحدث القرآن الكريم عن بعض صفات الله حديثا نظريا، وإنما تحدث عنها من خلال آيات الكون والإنسان، ففصل في صفات الخلق والقدرة والعلم والحكمة والخبرة والقوة... إلخ من خلال عشرات الآيات، فقال تعالى عن صفات الخلق: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلٰلَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (المؤمنون:12-14)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰوٰتِ وَالأرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرٰتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف:54). وأظنني في غنى عن استعراض آيات أخرى بينت صفات أخرى لله تعالى كالرزق والحكمة والخبرة والعلم... إلخ.

     والسؤال الآن: هل يعني ذلك ألا نستفيد من كل الاكتشافات العلمية الحديثة في مجال الفلك والطب والنبات والحيوان والإنسان والأنهار والجبال... إلخ؟ لا ليس هذا صحيحًا؛ بل يجب أن نستفيد، وأن نوسع آفاق فهم الآيات ونعمقه من خلال الربط بين الحقائق المكتشفة ومعاني الآيات، فيزداد المسلم تعظيمًا لله، وخوفًا منه، ورجاء فيه، وحبا له سبحانه وتعالى، ويمكن أن نضرب على ذلك المثال التالي:

     قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ * وَالأرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ (الطارق:11-12). وقد فسر العلماء قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ بأنها هي السماء التي ترجع المطر، وقوله تعالى: ﴿وَالأرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ بأنها الأرض التي تتشقق فيخرج منها النبات، وليس من شك في أن ظاهرتي الإمطار والإنبات ظاهرتان عظيمتان، تؤثران في قلب الإنسان وعقله، فيتوجه إلى الله بالتعظيم؛ لأنه أنزل المطر الذي ترتبط به حياته أشد الارتباط، ويحبه تعالى لأنه أغاثه بهذا الماء، ويتفاعل عقله مع هاتين الظاهرتين فيجد في هاتين الظاهرتين علمًا لله، وحكمة وقدرة وخبرة ورحمة وقوة ... إلخ.

     لكن العلوم الحديثة أضافت لنا معلومات حديثة حول دور السماء، فهي ليست السماء الماطرة فقط، بل تقوم بدور آخر، فهي ترجع لنا بالإضافة للمطر ثلاثة أشياء هي: الضوء، الحرارة، موجات البث الإذاعي والتلفزيوني. وترجع عنا أربعة أشياء، هي: الأشعة فوق البنفسجية، الشهب، أشعة كونية قاتلة، الجسيمات الذرية. ويمكن أن يضيف المفسر هذه المعاني في شرح الآية، فتعطيها أفقًا أوسع وأرحب، وتجعل المسلم يزداد تعظيمًا لله، وحبا له، وخوفا منه، ورجاء فيه، وثقة به... إلخ ليس لأن السماء أرجعت المطر فقط؛ بل لأن السماء قامت بأشياء أخرى غير المطر، ولا تقل قيمة وأهمية وفائدة عن المطر.

الخلاصة:

     ليس من شك في أن العصر الحديث أضاف لنا معلومات هائلة، وحقائق متعددة، ونظريات مختلفة عن كل الظواهر المحيطة بنا، ومن الطبيعي أن يستفيد منها علماء المسلمين في تعاملهم مع القرآن، لكنهم ركزوا ذلك في الإعجاز العلمي، وقد رصدنا بعض الأخطاء التي وقع فيها باحثو الإعجاز العلمي في عدة مجالات، وبينا أن هذا التعامل الخاطئ حجب الأهداف الرئيسية التي جاءت الآيات من أجلها، وهي: البناء النفسي، البناء العقلي، التدليل على وحدانية الخالق، التدليل على وحدانية المخلوقات... إلخ، وقلل الثمرات التي يمكن أن يجنيها المسلم من تلاوته للقرآن الكريم، وتدبره لآياته.

*   *   *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (2)

من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند

(الحلقة 71)

بقلم: الأستاذ/ سيد محبوب الرضوي الديوبندي -رحمه اللّه-

 (المتوفى 1399هـ / 1979م)

ترجمة وتعليق: محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري(*)

 

منهج دارالعلوم التعليمي:

     فقدت دهلي وخيرآباد مرجعيتهما العلمية في نهاية القرن الثالث عشر الهجري، وأما مدينة لكناؤ فظلَّت تتمتع بشيء من العلم والمعرفة، ورغم افتقاد هذه المدن مرجعيتها العلمية إلا أن ما كانت تمتاز به هذه المرجعيات العلمية الثلاث من الخصائص ظلت المدراس العربية الهندية آخذة بنصيبها منها ومتمسكة بأهدابها.

     وأما دارالعلوم/ديوبند فقد حافظت على مكانة هذه العلوم؛ بل لعبت دورًا هامًّا في تطويرها والرقي بمستواها، وجمع منهجها التعليمي خصائص هذه المرجعيات العلمية الثلاث، وخرج من رحم هذا الجمع والشمولية منهج دراسي ظل متَّبعًا في المدارس العربية منذ نحو قرن من الزمان،  ويتبع غيرها من المؤسسات التعلمية منهجًا تعليميًّا آخر، من أبرز هذه المؤسسسات: دارالعلوم ندوة العلماء بلكناؤ، إلا أن هذا المنهج التعليمي لم يحظ بالشمول والعموم أكثر.

     رغم ما يتصف بـــــه منهج دارالعلوم/ديوبند من الجامعية والشمول إلا أنه تعرض لبعض الحك والفك والتعـــــــديل، في مختلف العصور تحت إملاءات المتطلبات والحـــاجــــات الآنيــــة، شأن المناهج التعليمية في كل عصر ومصر وفق المتطلبات والحاجات. فراعى المنهج الدراسي المتبع في دارلعلوم/ ديوبند بجانب التركيز على العلوم الدينية- العلوم العصرية، ومتطلبات المعيشة في الجملــــة، في محـــاولــــة لتفعيله وزيادة نفعـــــه وإفادته أكثر فأكثر.

     والمنهج الدراسي المتبع اليوم تتوزع فقراته على أربع مراحل: الابتدائية، والمتوسطة والعليا والتكميلية (التخصصية).

     ومرحلة التخصصات ليست من المراحل المفروضة على كل طالب، وإنما يرجع دراستها إلى رغبة الطالب في التضلع من علم من العلوم، أو فن من الفنون، فيلتحق بها ليواصل دراسته فيها.

     ويحتوي منهج دارالعلوم التعليمي حسب التفاصيل السابقة على العلوم والفنون والمقررات الدراسية التالية(1):

     المنهج الدراسي المتبع في الصفوف العربية الممتدة على ثمانية أعوام:

المادة

اسم الكتاب المقرر الدراسي

السنة الأولى

النحو

قاعدة اللغة العربية

الصرف

ميزان الصرف‏،منشعب (كاملا)

نحو

نحو مير(استظهارا)،شرح مئة عامل

 الأدب العربي

روضة الأدب(باستثناء باب المكاتيب) الإنشاء العربي،النثر العربي، معلم العربية

المنطق

تيسير المنطق

تحسين الخط

تصحيح الخط والإملاء

تجويد القرآن الكريم

التدريب على قراءة القرآن الكريم مجودا، الربع الأول من الجزء الثلاثين،والأدعية المأثورة

السنة الثانية

الفقه

نور الإيضاح (كاملا)، والقدروي (إلى كتاب الحج)

النحو

هداية النحو(كاملا)،النحو الواضح(الجزء الأول)

الصرف

علم الصيغة (إلى مبحث «الخصائص»)، فصول أكبر (من باب الخصائص)

الأدب العربي

نفحة الأدب (كاملا)،والتمرين العربي

المنطق

المرقاة، والتهذيب

التجويد

التدريب على قراءة القرآن الكريم مجودا، الثلث الأخير من الجزء الثلاثين استظهارا، وجمال القرآن (كاملا)

تحسين الخط

تصحيح الخط والإملاء

السنة الثالثة

التفسير

ترجمة القرآن الكريم (سورة البقرة)

الفقه

 القدوري (من كتاب البيوع إلى النهاية)

النحو

شرح ابن عقيل إلى ص 300، و شرح الجامي(مبحث: الفعل والحرف)

الأدب العربي

نفحة الأدب(النثر العربي)

 

شرح التهذيب (إلى"ضابطة")، والقطبي (مبحث التصديقات)

الحديث

مشكاة الآثار

الفنون العصرية

ألف (1) تاريخ الهند من عهد السلطان محمود الغزنوي إلى عام 1947م

(2) تاريخ الإسلام،الخلفاء الراشدون،بنو أمية، وبنو العباس، وتاريخ  الحكومة التركية

(3) البلديات (مبادئ علم المدنية)

ب: (1) جغرافيا جزيرة العرب وغيرها من البلاد الإسلامية

(2) جغرافيا العالم (حسب المناطق).

السنة الرابعة

التفسير

ترجمة القرآن الكريم من سورة آل عمران إلى سورة مريم

الفقه

كنز الدقائق إلى كتاب النكاح، وشرح الوقاية المجلد الثاني إلى كتاب العتاق

أصول الفقه

أصول الشاشي (كاملا)

المعاني

مختصر المعاني إلى كتاب نهاية الفن الثاني

المنطق

سلم العلوم إلى نهاية التصورات

الفلسفة

هديه سعيديه (النصف الأول)

الحديث

ألفية الحديث

الفنون العصرية

الف (1)العلوم العامة (مبادئ الكيميا والطبيعيات ،والحيوانات والنباتات (2) مبادئ حفظ الصحة

ب (1)أبواب هامة من دستور الهند.(2) مبادئ الاقتصاد.(3) آراء بعض الفلاسفة الجدد وتراجمهم

السنة الخامسة

الفقه

الهداية (الربع الأول والربع الثاني)

الأدب العربي

المقامات الحريرية (10 مقامات)

المنطق

ملاحسن (إلى مبحث الجنس)

أصول الفقه

نور الأنوار إلى باب القياس

العقائد

عقيدة الطحاوي (كاملا)

المعاني والبيان

البلاغة الواضحة

السنة السادسة

التفسير

الجلالين (كاملا)حصتان كل يوم

أصول التفسير

الفوز الكبير(كاملا)حصتان كل يوم

أصول الفقه

الحسامي(كاملا)

الفلسفة

ميبذي(كاملا)

الأدب العربي

ديوان المتنبئ (إلى نهاية قافية الدال). التمرين العربي، والإنشاء والمحادثة، والتجويد أو تحسين الخط

السنة السابعة

الفقه

الهداية (الجزءان الأخيران) حصتان كل يوم

العقائد والكلام

شرح العقائد النسفية (كاملا)

التفسير

تفسير البيضاوي (سورة البقرة جزء وربع جزء)

أصول الحديث

شرح نخبة الفكر (كاملا)

الفرائض

السراجية(كاملا)

المواد الاختيارية

أصول التفسير

تلخيص الإتقان

أصول الحديث

مقدمة ابن الصلاح

الكلام

المسامرة

المنطق

حمد الله

 الأدب العربي

ديوان الحماسة

السنة الثامنة

الحديث

صحيح البخاري(كاملا)

صحيح مسلم(كاملا)

سنن الترمذي (كاملا)

سنن أبي داود(كاملا)

سنن النسائي

سنن ابن ماجه

شرح معاني الآثار للطحاوي

شمائل الترمذي

الموطأ برواية الليثي وبراوية محمد بن الحسن الشيباني

المراحل التخصصية

التخصص في التفسير

التفسير

تفسير المدارك الجزء 1-5

تفسير المدارك الجزء 6-10

التفسير المظهري الجزء 11-15

التفسير المظهري الجزء 16-20

تفسير البيضاوي الجزء 21- 25

تفسير البيضاوي الجزء26-30

تلخيص الإتقان

التخصص في العلوم الدينية

التفسير

تفسير ابن كثير سورة البقرة وآل عمران

الحكمة الشرعية

حجة الله البالغة

المناظرة

الرشيدية

قواعد الفقه

الأشباه والنظائر (إلى الفن الأول)

أصول الفقه

التوضيح والتلويح

أصول الحديث

مقدمة ابن الصلاح

الحديث والفقه

مقدمة فتح الباري، وبداية المجتهد، وتدريب الراوي

التخصص في الأدب العربي

النظم

ديوان حسان بن ثابت، السبع المعلقات إلى 3

النثر

أساليب الإنشاء، وجرائد ورسائل عربية

التاريخ

تاريخ الأدب العربي

المعاني والبيان

البلاغة الواضحة

الإنشاء

مقالات وبحوث

المطالعة

حياتي لأحمد أمين، والأيام للدكتور طه حسن، والعبرات للمنفلوطي، والعبقريات لمحمود عقاد

التخصص في المعقولات

قاضي مبارك (إلى أمهات المطالب

حمد الله إلى مبحث الشرطيات

شمس  بازغة إلى مبحث المكان ص 40

شرح العقائد  الجلالي إلى مبحث "الأصلح" ص 72

مسلم الثبوت 4 أبواب

المطالعة

مقدمة ابن خلدون، ورسالة حميدية

     ويستحق الطالب عقب اجتيازه هذه المرحلة التعليمية العربية الممتدة على ثماني سنوات شهادة الفضيلة، التي تمنحها الجامعة.

الصفوف الابتدائية:

     يتطلب الالتحاق بالصفوف العربية وفق القواعد والشروط اللازمة المتبعة في دارالعلوم/ ديوبند استكمالَ الطالب المنهج الدراسي الابتدائي التالي:

صفوف حفظ القرآن الكريم:

     1. يجب على الطالب قبل كل شيء قراءة القرآن الكريم ولو نظرًا، على أقل تقدير، ويبدؤون بتعليم القواعد البغدادية قبل تعليم القرآن الكريم، في عامة الأحوال، ويستغرق تعليم القرآن الكريم نحو سنتين.

     وتقــــديــــر مــــــدة تعليم القــــــرآن الكريم بسنتين فيما إذا بدأ الطفل القرآن الكريم وهو ابن خمس سنوات، و يحمل كفاءة متوسطة، وأما الطفل ذوالوعي العالي فبإمكانه قراءة القرآن الكريم في مدة أقل مما ذكر.

     وأما حفظ القرآن الكريم فيستغرق نحو ثلاث سنوات.

     2. كما يتحتم دراسة اللغة الأردية والفارسية عقب قراءة القرآن الكريم، وثمة قسم خاص بتجويد القرآن الكريم للأطفال الراغبين فيه.

قسم تجويد القرآن الكريم:

     ويتضمن المنهج الدراسي لتجويد القرآن الكريم علاوة على التدريب والتمرين على القراءة المثالية تدريس الكتب التالية:

     جمال القرآن، ومعرفة الوقوف، والفوائد المكية، والشاطبية، والرائية، وطيبة النشر.

     وهذا المنهج الدراسي يستغرق عامين، ويجب على كل طالب في مرحلة الدراسة العربية تحصيله ودراسته، حيث ينضم الطالب إلى هذا القسم ويدرس هذا المنهج حصةً واحدةً، بجانب المقررات الدراسية التي يتلقاها في المرحلة العربية الخاصة به. ويتمرن على قراءة ما لايقل عن جزء واحد من القرآن الكريم تجويدًا وترتيلا.

قسم المبادئ الدينية باللغة الأردية:

     3. ويتلو مرحلةَ قراءة القرآن الكريم قسمُ المبادئ الدينية باللغة الأردية، الذي يتضمن علاوة على تدريس المبادئ الدينية باللغة الأردية تدريس الرياضيات وغيرها من المواد، ومدة الدراسة في هذا القسم أربعة أعوام.

الصفوف الفارسية:

     ويعقب قسم المبادئ الدينية باللغة الأردية قسم تعليم اللغة الفارسية ويتم تدريسها نثرا ونظما، والرياضيات والجغرافيا واللغة الهندوسية، ومبادئ اللغة العربية من الصرف والنحو، ومدة الدراسة في هذا القسم أربعة أعوام.

     هذا، وثمة أقسام تدريبية خاصة، وهي ما يلي:

1. قسم العلوم العصرية:

     يزود قسم العلوم العصرية الطلاب باللغة الإنجليزية والعلوم العصرية ومدة الدراسة فيه سنة واحدة.

2. قسم الإفتاء:

     لايلتحق بهذا القسم إلا المتخرجون في «دورة الحديث الشريف»، ويتلقون فيه التدريب على كتاب الفتوى.

3. الجامعة الطبية:

     وهي قسم تعليمي من أقسام دارالعلوم، ويلتحق بها المتخرجون في دورة الحديث الشريف، ومدة الدراسة فيها أربعة أعوام، ومن مقرراتها كتب الطب الجديد بجانب الطب اليوناني.

4. قسم تحسين الخط والإملاء:

     يلتحق به الطلاب المتخرجون في قسم دورة الحديث الشريف، ومدة الدراسة فيه سنة واحدة، كما يقوم هذا القسم بتدريب طلاب الصفوف العربية على تحسين الخط والإملاء.

*   *   *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (3)

حركة الشعر الحر في الأدب العربي الحديث

 

بقلم:  الأستاذ ظهور أحمد شاه القاسمي(*)

 

     قبل أن يخوضَ الباحث في الموضوع يرى من المناسب أن يقوم بدراسة وجيزة لتاريخ القصيدة والشعر العربي، ويُلقي نظرةً عابرةً على تلك الحركات الأدبية والشعرية التي سبقت الشعرَ الحرَّ الصنفَ الجديدَ من الشعر العربي ويُشيرَ إجمالًا إلى تلك الأسباب والدوافع التي تسبَّبت في نشأة هذه الحركات الأدبية والشعرية.

     ومن المعلوم لدى الباحثين أن الشعر منذ وُجِدَ، وُجِدت معه الأوزان؛ فالشاعر لاينطق بكلامه في لغة عادية، وإنما ينطقه موزونًا، وكأنّه يُلبِّي فينا غزيرتنا أو فطرتنا الأولى قبل أن تنشأ اللغات، إذ كنّا نتصايح بأصواتنا، وكأنما كلّ صيحة كانت كلمةً أو قل كانت قصيدةً. ومع نموّ حياتنا الإنسانية، ونموّ سيطرتنا على المواد التي اتخذناها للبيان؛ مواد اللفظ والكلمات أخذ الشعر ينمو، ولكن لم يفارقه النغم والنشيد، فهو لبّه وصميمه، وأوّل صورة راقية لأنغام شعرنا العربي وألحانه هي صورة العصر الجاهلي، وهي خاتمة صور كثيرة سبقتها من فجر الإنسانية التي انبثقت في صحراء العرب إلى أوائل القرن السادس للميلاد، إذ أخذت صيغتها النهائية في تلك الأوزان والبحور التي اكتشفها الخليل بن أحمد في أوائل العصر العباسي، فوضع لأول مرة علمَ العروض، وأتبعه علمَ القوافي.

     وقد سمّوا المنظومةَ على وزن من هذه الأوزان باسم قصيدة، وهي تتألف من وحدات تسمّى أبياتًا، وتشترك جميع الأبيات في وزن واحد وقافية واحدة، وأصبح ذلك تقليدًا ثابتًا في العصرين الجاهلي والإسلامي، فالشاعر إذا افتتح قصيدة ببيت ارتبط بوزنها وقافيتها إلى خاتمتها(1).

     وظهر في أقصى الغرب بـ«الأندلس» نظام جديد للقصيدة، هو؛ نظام الموشَّحة، وهو يختلف عن نظام القصيدة التقليدية.... فإن نظامَ الموشَّحة بلغ من الرقة، والعذوبة، والنعومة ما جعله يتفوق أحيانًا على نغم القصيدة التقليدية...، ولكنَّ شيوعه في الأندلس وغيرها لم يقض على القصيدة التقليدية، بل ظلَّ لها سلطانها، وظلت هي التي تسود عالم الشعر حتى عند من برّزوا وتفوّقوا في صنع الموشَّحات من الأندلسيين وغيرهم، فقد كانت أكثر يُسرًا وسهولةً، ومع ذلك فقدت في العصور المتأخِّرة بهاءَها وروعتَها حتى ساد الشعرَ كلَّه الجمود والذبول(2). وفي هذه الأثناء حاول الشعراء الناشئون بمصر من؛ «شوقي» و «حافظ» وأضرابهم أن ينفضوا عن الشعر جمودَه، ويخلعوا عنه أكفانَه محافظين على الذوق القديم.

     وكان من أثر اطلاع بعض أدبائنا على الآداب الغربية أن حدثت في نفوسهم ثورة على الشعر العربي القديم الذي كان يلتزم فيه القوافي والأوزان الخليلية، وكان ذلك بسبب ما اطلعوا على شعر اللغات القديمة، مثل اليونانية أنَّه لايعرف القافية، ونفس اللغات الأوربية الحديثه فيها شعر مرسل، ولا يرتبط بالقوافي، فلم يلبث أن تنادى غير شاعر في أوائل القرن العشرين بالتحرّر من القافية التي كان يلتزمها الشعراء العرب القدماء، فتتابعت هتافات وصيحات «شكري» و «المازني» بـ«حافظ» و «شوقي» وبالشعراء أن يحرِّقوا هذه الصورَ القديمةَ من الشعر، وأن يضعوا له صورًا جديدةً مستمدَّةً من الغرب، وأخرج كلٌّ منهم تجاربَ مختلفةً توضِّح ما يريدون من التجديد(3).

     وسرعان ما تحولت هذه الصيحات والهتافات إلى نهضة قوية، وثورة عنيفة ضدَّ رسوم الشعر العتيقة، والتقاليد البالية. وفي ذلك قال «جبران» مغضبًا: لكم لغتكم، ولي لغتي.... لكم منها القواميس والمعجمات والمطولات، ولي منها ما غربلته الأذن، وحفظته الذاكرة من كلام مألوف ومأنوس تتداوله ألسنة الناس في أفراحهم وأحزانهم.... لكم لغتكم، ولي لغتي. لكم من لغتكم البديع والبيان والمنطق، ولي من لغتي نظرة في عين مغلوب، ودمعة في جفن المشتاق، وابتسامة على ثغر المؤمن... لكم لغتكم ولي لغتي. لكم أن تلتقطوا ما يتناثر خرقًا من أثواب لغتكم، ولي أن أمزّق بيدي كلَّ عتيق بالٍ، وأطرح على جانبي الطريق كلَّ ما يعوق مسيري نحو قمة الجبل ... لكم لغتكم، ولي لغتي. لكم لغتكم عجوزًا معقَّدةً، ولي لغتي صبيةً غارقةً في بحر من أحلام شبابها. أقول لكم: إن النظم والنثر عاطفة وفكر، وما زاد على ذلك فخيوط واهية، وأسلاك متقطعة ... لكم لغتكم، ولي لغتي(4).

     وهذه الثورة عامةً على اللغة وأساليبها القديمة في الشعر والنثر جميعًا، مردّها إلى ذوق جديد في الفن الأدبي، وهو ذوق يريد أن يتخلص من كل العوائق القديمة؛ من سجع وغير سجع في النثر، ومن بديع وغير بديع في الشعر، وليس ذلك فحسب؛ بل لا بدّ أن نتخلص من موضوعات الشعر القديمة؛ بمديحها، وهجائها، وفخرها، ونردّ إلى الشاعر قيثارته ليغنِّيْنا أحلامَه، وما يجري في خاطره، وما يصعف في نفسه(5).

     فأصحاب هذه الثورة ثائرون على الأوضاع القديمة في شعرنا، ثائرون على ألفاظه وصورة أوزانه، وثائرون على موضوعاته؛ من مديح وغير مديح، وهم مشغوفون بالطبيعة، وهم ذاتيوّن فرديّون أخلصوا لمشاعرهم، واستمعوا لوساوس نفوسهم، وصاغوا ذلك كلَّه شعرًا عذْبًا(6).

     وقد عرف أدبنا العربي الحديث هذه المذاهبَ الأدبيةَ الغربيةَ بسبب علاقات دبلوماسية وتجارية وثقافية وغيرها مع الغرب، وأكثر ما تأثر به الأدب العربي من المذاهب الغربية المذهب الرومانتيكيّ، وعرفه بعد ظهوره في أوربا بنحو قرن من الزمان(7). وتأثر بهذا المذهب الغربي الرومانتيكي عدد من المدارس والحركات الأدبية العربية، منها:

1- مدرسة الديوان:

     وكانت جماعة الديوان في مصر التي نُسِبَتْ إلى كتَّابٍ أصدرته عام 1921م، وتتألف من «عبد الرحمن شكري» (1886=1949م) و «عباس محمود العقاد» (1889=1964م) و «إبراهيم عبد القادر المازني» (1889=1849م) متأثرةً بالأدب الغربي، والحركة الرومانتيكية فيه بصفة خاصة، فشنَّت حملات شَعْوَاءَ على أنصار القديم(8). وتكاد تنحصر حملات النقد لأصحاب مدرسة الديوان على أنصار القديم في المسألتين:

     الأولى: البناء التقليدي للقصيدة العربية الذي كان ينصرف عن موضوعات الحياة إلى الأغراض الشعرية القديمة؛ من غزل، ووصف، وهجاء، ومديح.

     الثانية: شعر المناسبات الذي لم يكن يصدر فيه الشعر عن تجربة حية، ولم يكن يستجيب لما يجيش في الصدر من خواطر بقدر ما كان يستجيب إلى الصنعة والزخرف، والرنين الخطابي. على أن أبرز نقطة أثارتها هذه الجماعة، والتي تعتبر بحق نقطة تجمّع، تتبلور عندها النقاط التي أثيرت في ذلك الوقت، هي؛ قضية الوحدة العضوية أو الفنية في القصيدة، لأن من يدعو إلى الوحدة العضو ية للقصيدة لا بدّ أن يدعو بالضرورة إلى نبذ البناء التقليدي للقصيدة القديمة، وإلى ضرورة توافر التجربة الشعورية التي يستجيب فيها الشعر لموقف عاطفي واحد(9).

     ويُعدّ عبد الرحمن شكري أقوى شعراء الديوان تأثرًا بالرومانتيكية الإنجليزية في ثورتها على التقاليد، ونشدانها الحريةَ المطلقةَ، والتشاؤم إلى حدّ استعذاب الموت، وقد كان من الداعين إلى الشعر المرسل، وإلى التحرر من القافية، وله في ذلك قصائد، منها: «كلمات العواطف»، و «واقعة أبي قير»، و «نابليون»، و «الساحر المصري»(10).

2- جماعة أبولو:

     كذلك أثَّر المذهب الرومانتيكي الغربي في نشأة «جماعة أبولو»، و «أبولو» هو إله الشعر، ضمن الآلهة المتعددة في الوثنية اليونانية. ويقول خليل مطران في المدرسة التي كتبها لـ«ديوان أحمد زكي أبوشادي» (1892=1955م) منشئ هذه الجماعة المُسمَّى «أطياف الربيع»: «إن أبا شادي فاجأ السليقة العربية مفاجأة جاوز بها جرأة المجترئين على التجديد من قبل، وتتمثل هذه الجرأة في الاهتمام بالإشارات التاريخية، والرموز الاصطلاحية، والأسماء الأعجمية، والاهتمام بالميثولوجيا؛ أي الأساطير والتحريف في موازين الشعر(11).

     وتمثّل آثار المذهب الرومانتيكي الغربي في الأدب العربي الحديث في مدرسة المهاجر الأمريكية، التي وضح فيها الاندفاع في اتجاه هذا المذهب، حتى إن مرحلة هجرة الشعراء العرب من بلاد الشام إلى أمريكا التي بدأت عام 1878م، وانتهت في أواخر القرن التاسع عشر، وهي المرحلة الأولى من الهجرة، سُمِّيت «المرحلةَ الرومانتيكيةَ»، ومؤسِّسُها الحقيقي هو جبران خليل جبران (1883=1931م)، وهو يغلو في مهمة الشاعر ، فيجعله نبيًّا، وأنه يرى الخفيَ المحجوبَ ويُلبِّي نداءَه، ويسمع أسرارَ الغيب، والمعلوم عنده ليس إلا مطية للمجهول(12).

     ويدعو جبران إلى الانحلال والفساد حتى إنه يبشر بما سماه «آفاق الحرية الجنسية» التي ستتسع بحيث تترك فيه العلاقة بين الرجال والنساء حرةً فعلًا.

     وإذا تتبَّعنا آثارَ المذهبَ الرومانتيكيَ في فكر شعرائنا العرب المحدثين، فسنجد عشرات منهم يضِجُّ شعرهم بالألم والكآبة، وتسري فيه روح التشاؤم واليأس(13).

     الشعر الحر في الأدب العربي الحديث:

     مفهوم الشعر الحرّ: تقول نازك الملائكة في تعريف الشعر الحر: «هو شعر ذو شطر واحد ليس به طول ثابت، وإنما يصح أن يتغير عدد التفعيلات من شطر إلى شطر، ويكون هذا التغيير وفق قانون عروضي يتحكم فيه(14).

     وليس الشعر الحر شعرًا كما يظن الكثيرون ممن يعزفون عن قراءته، وإنما هو شعر يلتزم بحور الخليل، ولكنه يكتفي منها بالبحور المتساوية التفاعيل لذا يسمّى شعرَ التفعيلة أيضا كالرجز، والرمل، والكامل وغيرها، وهو مع التزامه لهذه البحور يتحرز من نظام البيت الكامل، فسطور الشاعر تختلف طولًا وقصرًا، ولا يحدد هذا الطول إلا ما يحتاجه انفعال الشاعر ، وصدق تعبيره من وقفات، لا مايشترطه البيت الواحد من تفعيلات(15).

     فأساس الوزن في الشعر الحر أنه يقوم على وحدة التفعيلة، والمعنى البسيط الواضح لهذا الحكم؛ أن الحرّيةَ في تنويع عدد التفعيلات أو  أطول الأشطر  تشترط بدءًا أن تكون التفعيلات في الأشطر متشابهة تمامَ التشابه، فينظم من البحر ذي التفعيلة الواحدة المتكررة أشطرًا تجري على هذا النسق:

     فاعلاتن   فاعلاتن   فاعلاتن  فاعلاتن

     فاعلاتن   فاعلاتن

     فاعلاتن   فاعلاتن  فاعلاتن

                (وقد تكون أربع مرّات)

     فاعلاتن

     فاعلاتن  فاعلاتن  فاعلاتن

                (وقد تكون أربع مرّات)

     فاعلاتن  فاعلاتن

     ويمضي على هذا النسق حرًا في اختيار عدد التفعيلات في الشطر الواحد غير خارج على القانون العروضي لبحر الرمل، جاريًا على السنن الشعرية التي أطاعها الشاعر العربي منذ الجاهلية حتى يومنا هذا(16).

     ومما سبق تتضح لنا طبيعة الشعر الحر، فهو شعر يجري وفق القواعد العروضية للقصيدة العربية، ويلتزم بها، ولا يخرج عنها إلا من حيث الشكل، والتحرر من القافية الواحدة في أغلب الأحيان.

نشأة الشعر الحر:

     ذهب الباحث الغربي «س. مورية» في كتابه «الشعر العربي الحديث؛ تطور أشكال وموضوعاته بتأثير الأدب الغربي» إلى أن الشعر الحر نشأ في الغرب، ولم يتعرّف عليه الأدب العربي إلا إثرَ محاولات «أبو شادي» من حركة «أبو لو»، والذي آثر الشعرَ الحرَّ على الشعر المرسل؛ لأنه وجد في الشعر الحر وسيلة أفضل لصياغة الملاحم، والدراما، والشعر القصصي. وقد أعلن «أبو شادي» في بيانه الأول من الشعر الحر الذي نشره في مجلة أدبي عام 1936م، وتقلده كل من الشعراء، من أمثال؛ فريد أبو حديد، و خليل شيبوب، ومصطفى عبد اللطيف السحرتي(17).

     إلا أن العمودَ الرئيسيَّ للشعر الحر؛ «نازك الملائكة» ترجع تاريخَ نشأة الشعر الحر وبدايتَه إلى 1947م، حيث قالت: «كانت بداية الشعر الحر سنة 1947م في العراق؛ بل من بغداد نفسِها، وزحفت هذه الحركة وامتدت حتى غمرت الوطنَ العربيَّ كلَّه، وكادت بسبب الذين استجابوا لها، تجرف أساليبَ شعرنا الأخرى جميعًا، وكانت أولى قصيدة حرة الوزن تنشر قصيدتي المعنونة؛ «الكوليرا» ثم قصيدة «هل كان حبًا» لبدر شاكر السياب من ديوانه «أزهار ذابلة»، وكلتا القصيدتين نشرتا في عام 1947م»(18).

     غير أنها تعترف في مقدمة كتابها «قضايا الشعر المعاصر» بأن بدايات الشعر الحر كانت قبل عام 1947م، فتقول: «في عام 1962م صدر كتابي هذا، وفيه حكمتُ بأنَّ الشعرَ الحرَّ قد طلع من العراق، ومنه زحف إلى أقطار الوطن العربي، ولم أكن يوم قررت هذا الحكم أدري أن شعرًا حرًا قد نُظم في العالم العربي قبل سنة 1947م، سنة نظمي لقصيدة «الكوليرا»، ثم فوجئتُ بعد ذلك بأن هناك قصائد حرة معدودةً قد ظهرت في المجلات الأدبية والكتب منذ سنة 1932م، وهو أمر عرفته من كتابات الباحثين والمعلقين، لكنني لم أقرأ بعدُ تلك القصائد من مصادرها،  وإذا بأسماء غير قليلة ترد في هذا المجال، منها؛ اسم «علي أحمد باكثير»، و«محمد فريد أبي حديد»، و«محمود حسن إسماعيل» و«عرار» شاعر الأردن، و«لويس عوض» وسواهم(19).

أنواع الشعر الحر:

     وقد حصر أنواعَ الشعر الحر «س. مورية» في دراسته لحركات التجديد في موسيقى الشعر العربي الحديث في خمسة أنماط من النظم، أطلق عليها جميعا مصطلح الشعر الحر بين الحربين عامي 1926- 1946م. وهي كالآتي:

     النوع الأول: استخدام البحور المتعددة التي تربط بينها بعض أوجه الشبه في القصيدة الواحدة، وقد اتبع هذه الطريقة كل من «أحمد زكي أبوشادي» و«محمد فريد أبو حديد» في نظم شعريهما.

     النوع الثاني: وهو استخدام البحر تامًا مجزومًا، دون أن يختلط ببحر آخر في مجموعة واحدة مع استعمال البيت ذي شطرين، وقد ظهرت التجربة في مسرحيات «شوقي» الشعرية.

     النوع الثالث: وهو النوع الذي تختفي فيه، وتنقسم فيه الأبيات إلى الشطرين، كما يوجد شيء من عدم الانتظام في استخدام البحور، وقد اتبع هذه الطريقة «مصطفى عبد اللطيف» السحرتي.

     النوع الرابع: وهو النوع الذي تختفي فيه القافية أيضًا من القصيدة، وتختلف فيه التفعيلات من عدة بحور، وهو أقرب الأنماط إلى شعر الحر الأمريكي.

     النوع الخامس: يقوم على استخدام الشاعر لبحر واحد في أبيات غير ملتزمة الطول، ونظام التفعيلة غير منتظم كذلك، وقد استخدم هذه الطريقة كل من؛ «علي أحمد باكثير»، و«غنام» و«الخشن». وهذا النمط الأخير من أنماط الشعر الحر، هو فقط الذي ينطبق عليه مسمّى الشعرَ الحرَ بمفهومه بعد الخمسينيات، والذي نشأت أولياته على يد «باكثير»، كما ذكر «س. مورية»، ومن ثم أصبحت رياسته الفعلية لنازك الملائكة ومن جاء بعدها(20).

نظرة نقدية على الشعر الحر:

     لقد اختلفت آراء النقاد والباحثين في الشعر الحر؛ من بين مؤيّد ومعارض. يقول الدكتور «شوقي ضيف» في هذا الصنف من الشعر، وقد بدأ بالحديث عن الثورة التي أصابت الشعرَ، حتى وصلت به في مراحل تجديده إلى الشعر الحر: «نحن لا ننسى ما حاوله بعض الشعراء من التجديد، غير أن جمهورَهم في الحق لم يستطيعوا أن ينهضوا بكل ما نصبوا إليه، فقد أهملوا في كثير من جوانب شعرهم الصياغة التقنية للشعر العربي . . . إلى أن وصل رفض الطريقة التي توصَّل إليها رُوَّاد الشعر الحديث، وبخاصة الشعر الحر في التجديد»(21).

     ويقول الدكتور الخفاجي: «وللدكتور «طه حسين» رأى في الشعر الجديد أي الحر عبّر عنه في أحاديث مختلفة نُشِرت في أمهات المجلات الأدبية، فهو يرى أن النزعة إلى التجديد في الأوزان والقوافي دعوة غير مبكرة وغير جديدة، فقد سبق إلى التجديد شعراء من العرب ومن غير العرب، وإنما الجدير بالبحث في الشعر الجديد، هو البحث عن توافر الأُسُس التي يجب أن تراعى في الفنّ الشعري، والخصائص التي ينبغي أن تتحقق فيه...»، وفي مقالة أخرى للدكتور طه حسين نُشِر عام سبعة وخمسين (1957م) حول الشعر الحر، يقول فيه: «إني لا أرى بهذا التجديد في أوزان الشعر وقوافيه بأسًا، ولا على الشباب المجددين أن ينحرفوا عن عمود الشعر، فليس عمود الشعر وحيًا قد نزل من السماء، وقديمًا خالف أبو تمام عمودَ الشعر، وضاق به المحافظون الجديد، يقول: «شد الضيق»، وهو زعيم الشعر العربي كله غيرَ منازع، ولست أرفض الشعرَ؛ لأنه انحرف عن عمود الشعر القديم، أو خالف الأوزانَ التي أحصاها الخليل، وإنما أرفضه حين يقصر في أمرين، أولهما: الصدق والقوة، وجمال الصورة وطرافتها. وثانيهما: أن يكون عربيًا؛ لا يدركه فساد اللغة والإسفاف في اللفظ، وقديما قال «أرسطو»: يجب قبل كل شيء أن نتكلم اليونانية، فلنقل: «يجب قبل كل شيء أن نتكلم العربية»(22).

     وإذا كان الدكتور طه حسين يرى أنه لا بأس من الشعر الحر إذا كانت هناك مقاييس وقوانين تحتمله، فإنَّ من النقاد المعاصرين الكثيرين الذين رفضوا الشعرَ الحرَّ، من هؤلاء العقاد الذي رأى في الشعر الحر رأيًا نوجزه في الآتي: «يقول حين رأى التجاربَ الجديدةَ للشعر الحر على يد زميليه «شكري»، و «المازني»، وهي أولى التجارب من الشعر الجديد، يقول: «لا مكان للريب في أن القيود الصناعية ستجرى وستجري عليها أحكام التغيير والتنقيح، فإن أوزانَنا وقوافينا أضيق من أن تنفسح لأغراض شاعر تفتَّحت مغالق نفسه، وقرأ الشعرَ الغربيَّ، فرأى كيف تستطيع أوزانهم أن تمتلئ بالأقاصيص المطولة والمقاصد المختلفة، وكيف تلين في أيديهم الشعرية». فيودعونها ما لاقدرة لشاعر عربي على وضعه في غير النثر(23).

     وجملة القول أن موقف النقَّاد من الشعر الحر ما بين مؤيِّد ومعارض، ولا غرو أن دأبَ الأدباء والنقاد على نظريات متعددة في القضايا الأدبية النقدية؛ حيث يؤدي ذلك إلى إيقاظ الحركة الأدبية الأخرى تطورًا وتفننًا.

*  *  *

المراجع والمصادر

1- شوقي ضيف؛ في النقد الأدبي، القاهرة؛ مصر؛ دارالمعارف، ط5، ت د.

2- شوقي ضيف؛ دراسات في الشعر العربي المعاصر، القاهرة؛ مصر: دارالمعارف، ط5، ت د.

3- شوقي ضيف؛ الفن ومذاهبه في الشعر العربي، مصر؛ دار المعارف، ط 10، ت د.

4- تأثير المذاهب الأدبية الأوروبية على الأدب العربي المعاصر، مقال للدكتور محمد مصطفى هدارة، ضُمَّ إلى كتاب: أعلام الأدب العربي الحديث: للشيخ واضح رشيد  الندوي – رحمه الله – ، الهند، لكناؤ: دارالرشيد، ط2، ت2013م.

5- زكي العشماوي؛ دراسات في النقد الأدبي المعاصر، بيروت: دارالنهضة العربية للطباعة والنشر، ط د، ت1406ه- 1986م.

6- نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر، بيروت: دار العلم للملائين، ط4، ت1947م.

7- الشعر الحر نشأته وتطر في الأدب العربي؛ مقال منشور في موقع «السعادة» على ويكيبيديا.

8- مفهوم الشعر الحر في أدبنا المعاصر؛ مقال منشور في موقع؛ جامعة المدينة العالمية.

*  *  *

الهوامش:

(1) أنظر: شوقي ضيف؛ في النقد الأدبي، القاهرة؛ مصر؛ دارالمعارف ط5، ت د، ص99=100

(2) أنظر: المصدر السابق، ص 104 =105.

(3) أنظر: شوقي ضيف؛ دراسات في الشعر العربي المعاصر،  القاهرة؛ مصر: دارالمعارف، ط5، ت د، ص 246-247.

(4) أنظر: المصدر السابق، ص 246- 247.

(5) المصدر السابق، ص 247.

(6) أنظر: المصدر السابق، ص 249.

(7) أنظر:المصدر السابق.

(8) أنظر: تأثير المذاهب الأدبية الأوروبية على الأدب العربي المعاصر، مقال للدكتور محمد مصطفى هدارة، ضُمَّ إلى كتاب: أعلام الأدب العربي الحديث: للشيخ واضح رشيد الندوي – رحمه الله - ، الهند، لكناؤ: دارالرشيد، ط2، ت2013م، ص51.

(9) زكي العشماوي؛ دراسات في النقد الأدبي المعاصر، بيروت: دارالنهضة العربية للطباعة والنشر، ط د، ت1406ه-1986م.

(10) الندوي: أعلام الأدب العربي في العصر الحديث، ص52.

(11) الندوي: أعلام الأدب العربي، ص52.

(12) نفس المصدر.

(13) المصدر السابق، ص52.

(14) نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر، بيروت: دار العلم للملائين، ط4، ت1947م.

(15) أنظر: زكي العشماوي؛ دراسات في النقد الأدبي المعاصر، ص 127.

(16) نازك الملائكة؛ قضايا الشعر المعاصر، ص 78.

(17) الشعر الحر نشأته وتطر في الأدب العربي؛ مقال منشور في موقع «السعادة» على ويكيبيديا.

(18) نازك الملائكة: قضايا الشعر المعاصر، ص 35.

(19) نازك الملائكة؛ مقدمة الكتاب: قضايا الشعر المعاصر.

(20) مفهوم الشعر الحر في أدبنا المعاصر؛ مقال منشور على موقع؛ جامعة المدينة العالمية.

(21) أنظر: شوقي ضيف؛ الفن ومذاهبه في الشعر العربي، مصر؛ دارالمعارف، ط 10، ت د، ص 515-516.

(22) مفهوم الشعر الحر في أدبنا المعاصر؛ موقع: جامعة المدينة العالمية.

(23) المصدر السابق.

*   *   *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (4)

ملامح من المنهج النبوي في التعامل مع أهل الكتاب

 

بقلم:  د. محمد الدَّرْداري(*)

 

     ينظر الإسلام إلى أهل الكتاب نظرةً خاصةً، تختلف في جوهرها عن باقي أتباع الديانات الأرضية الأخرى، أو الذين لا دين لهم، سواء أكانوا في بلاد  المسلمين أم خارجها؛ لذلك وجدنا القرآن يتلطف بهم، ويترفق في مخاطبتهم، فلا يناديهم إلا بــ : «يا أهل الكتاب» أو «يا أيها الذين أوتوا الكتاب» ويصفهم بـ: «الذين آتيناهم الكتاب»، وهي إشارات منه إلى أنهم ينتسبون في الأصل إلى دين سماوي، وقد أباح الإسلام -لأجل ذلك- مؤاكلتهم ومصاهرتهم والتزوج من نسائهم، كما أباح لنا تناول ذبائحهم وأكل طعامهم، واعتبر ذلك حلالا طيبا، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِـــلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتٰبَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَّهُمْ  وَالْمُحْصَنٰـتُ مِنَ الْمُومِنٰتِ وَالْمُحْصَنٰـتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتٰبَ مِن قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰــفِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ [المائدة:6].

     إن الإسلام يشترك مع غيره من الشرائع السماوية الأخرى في الأصل والمنشأ، وفي الوجهة والغاية، فبينه وبينها صلة تتمثل في وحدة العقيدة التي بُعث بها الأنبياء لإقامة الدين، ونبذ التفرقة والاختلاف فيه، قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ أَنْ أَقِيمُواْ الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى:11].

     ويظهر هذا الأصل أيضا في دعوة الإسلام إلى الإيمان بكل الأنبياء والرسل، وجميع الكتب المنزلة عليهم، فلا يتحقق الإيمان ولا يوجد إلا بهذا، وأي تفرقة في ذلك ينتقض الإيمان من أصله، ويصير إلى ترف. قال تعالى: ﴿قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمٰعِيلَ وَإِسْحٰــقَ وَيَعْقُوبَ وَالاسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيئُونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:135].

     ومن المعلوم أن الاحتكاك المباشر والمستمر للنبي مع أهل الكتاب جاء بعد الهجرة إلى المدينة، ولم يكن يتصل بهم من قبل إلا نادرا، بحيث لا يمكن - في ضوء ذلك - إدراك منهجه في التعامل معهم؛ لكن بمجرد وصوله إلى المدينة، واستقراره بها، شرع في بناء دولته، ووضْع أسسها القويمة التي تضْمن استقرارها وقوتها وتماسكها، ولم يكن عليه السلام - في ظل بناء الدولة - ليغفل أي مكون من مكونات المجتمع المدني؛ بل أشرك الجميع مسلمين وغيرهم.

هنا بدأ يظهر التطبيق العملي لمبدأ التعايش مع أهل الكتاب، - خاصة اليهود - حيث وضع النبي صحيفة لتنظيم شؤون الناس بطوائفهم المختلفة، وبنظرة في بنود هذه الصحيفة، نقف على نموذج إنساني للتعايش المشترك، يتيح للجميع الحق في الاختلاف الديني والثقافي والعرقي، مع المحافظة على صفة المواطنة التي هي قيمة مشتركة بين الجميع.

     لقد نصت وثيقة المدينة على أن  يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، وهذا ليس خاصا بيهود بني عوف فقط؛ بل يشمل كذلك يهود بني النجار، ويهود بني الحارث، و يهود بني ساعدة، و يهود بني جُشم، ويهود بني الأوس، و يهود بني ثعلبة، ويشمل أيضا مواليهم وبطانتهم، كيهود جفنة وثعلبة وبني الشطيبة(1).

     كما نصت الوثيقة على التعددية الدينية، فلكل دينه الخاص به، «لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم»(2). وهذا ما جاء به القرآن الكريم، وأكد عليه في الكثير من آياته منها قوله تعالى: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون:6]. وقوله أيضا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْوَالَّذِينَ هَادُواْ وَالصّٰـبِئِيْنَ وَالنَّصٰــــرَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ إِنَّ اللهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيٰمَةِ  إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج:17].

     لقد ذكرت آية الحج أعلاه أصحاب الملل والعقائد «من المسلمين (المؤمنين)، واليهود والنصارى والصابئين والمجوس والمشركين جنبًا إلى جنب، ثم بيّنت بأن سلطة الفصل بين أتباع الأديان بيد الله تعالى وحده، وأن هذا الفصل الإلهي بين أتباع الأديان موعده يوم القيامة وليس في هذه الحياة الدنيا، وعلى أتباع الأديان أن يتعايشوا بسلام وتعاون في هذه الحياة الدنيا، وأن يقبلوا بعضهم بعضًا، وأن يقرّوا بحق الجميع في الوجود، وليس لأحد منهم سلطة الفصل في شأن عقائد الآخرين»(3).

     إن العنصر الأول في أي تعايش هو وجود الرغبة المشبعة بقيم التسامح والحرية والكرامة الإنسانية، ولم يكن النبي في «وثيقة المدينة» ليغفل هذه القيم؛ بل سطر فيها صورا رائعة لسماحة الإسلام، تلك الصور كما يقول: عبد العظيم المطعني هي: «المساواة التامة بين اليهود والمسلمين في كل الحقوق والواجبات العامة والخاصة، ليس فيها محاباة ولا مضارة لأحد، اللهم إلا في الدين، فلليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، وما عدا ذلك فهم سواء فيه، ومن سماحة الإسلام أن بندًا من بنود المعاهدة دمج دمجا تاما بين اليهود والمسلمين فجعلهم أمة واحدة، ... وأن البند الثامن جعل يثرب (المدينة) وطنا للجميع، لا فرق بين يهودي ومسلم، كلهم في ذلك سواء»(4).

     وهكذا اعترفت هذه الوثيقة باليهود ككيان مستقل روحيًّا وعقديًّا، وأقرت مبدأ التعايش معهم في ظل السيادة الإسلامية على «أساس المواطنة للدولة والالتزام بدستورها وعقدها السياسي، لا على أساس الإيمان بالنبي »(5).

     وقد تضمنت هذه الوثيقة - بالإضافة إلى ما مر - أحكاما تكفل الحريات العقدية والعبادية لليهود، وتبين كيفية تحقيق التعاون معهم، ودفع الأذى والظلم، وصيانة الفضيلة، والاشتراك في رد أي عدوان يستهدف الوطن المشترك.

     ومن الغريب أن بعض المغرضين «اجترؤوا على التاريخ وزيفوه، وقوَّلوه ما لم يقل، واجترؤوا على النصوص فحرفوها عن مواضعها، محاولين بهذا وذاك أن يشوهوا التسامح الإسلامي الذي لم تعرف البشرية له نظيرا في معاملة المخالفين في العقيدة والفكر لا في القديم ولا في الحديث»(6).

     ومن صور ذلك زعمهم أن النبي عاهد اليهود حال ضعفه عند مقدمه إلى المدينة، فلما قوي وكثر أتباعه، وصار في مَنَعة، نقض عهده معهم، فأجلاهم وحاربهم.

     صحيح أن النبي حارب أقوامًا من اليهود، لكنه لم يفعل ذلك بهم؛ لأنه تقوى بكثرة الأتباع، وصار للمسلمين شوكة؛ بل صنيعه معهم كان نتيجة تماديهم في الغدر بالمسلمين، وانتهاك حرماتهم، ونقضهم لعهودهم، فكان يعاقب من تمادى منهم في ذلك؛ لأن فيه تهديدًا للسلم الاجتماعي الذي نصت وثيقة المدينة على تحقيقه والمحافظة عليه.

     وقد لا نكون مخطئين إذا قلنا بأن النبي بالغ في تساهله مع هؤلاء، والعفو عن إساءاتهم، إلى درجة جعلت البعض منهم يعتقدون بأن مصدر ذلك هو خوفه منهم، وتهيبه من مجابهتهم، ورد غطرستهم؛ بل نجد في بعض محادثاتهم معه نبرة التحدي والتهديد، ففي السيرة أن النبي   لما دعاهم إلى الإسلام بعد غزوة بدر  قالوا له: «يا محمد؛ لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش، كانوا أغمارا(7) لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا»(8).

     إننا عندما نعود إلى السنة النبوية، - سواء القولية أو العملية - نجد  النبي قدم نموذج الكمال البشري في التعامل مع المخالف، وهو بذلك لم يكن يعبر عن موقف شخصي، أو سلوك ذاتي مجرد، بقدر ما كان يعكس تعاليم هذا الدين وروحَه في النظرة إلى الآخر والتسامح معه.

     ونذكر من صور هذا التسامح، أن النبي لما سحره اليهودي لبيد بن الأعصم لم يعاقبه ولا أمر بذلك؛ فعند الترمذي وأحمد أن زيد بن أرقم قال: «سَحَر النبيَّ رجلٌ من اليهود، فاشتكى لذلك أيامًا، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن رجلا من اليهود سحرك، عقد لك عقدا في بئر كذا وكذا، فأرسل رسول الله فاستخرجوها، فجيء بها، فقام رسول الله كأنما نشط من عقال، فما ذكر ذلك لذلك اليهودي، ولا رآه في وجهه قط»(9).

     وعند مسلم أن امرأة يهودية «أتت رسول الله بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها إلى رسول الله ، فسألها عن ذلك؟ فقالت: أردت لأقتلك، قال: «مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكِ» قالوا: ألا نقتلها؟ قَالَ: «لَا»(10)». وفي البخاري إشارة إلى أن ذلك كان بتدبير من أعيان اليهود، وأنهم اعترفوا بذلك للنبي ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «لما فُتحت خيبر، أُهديت للنبي شاة فيها سم، فقال النبي : «اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ» فجُمعوا له، فقال: «هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟»، فقالوا: نعم يا أبا القاسم، قال: «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟»، قالوا: نعم، قال: «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟»، قالوا: أردنا إن كنت كاذبا نستريح، وإن كنت نبيا لم يضرك»(11). فما نكل بهم وما أمر فيهم بشيء.

     ومن صور هذه السماحة أيضا دعاؤه لهم بالهداية وراحة البال، فعن أبي موسى رضي الله عنه قال: «كان اليهود يتعاطسون عند النبي يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله، فيقول: «يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ»(12).

     ولقد مرت به جنازة يهودي وهو قاعد، فقام من قعدته حتى ولت، فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: «مر بنا جنازة، فقام لها النبي وقمنا به، فقلنا: يا رسول الله إنها جنازة يهودي، قال: «إِذَا رَأَيْتُمُ الجِنَازَةَ، فَقُومُوا»(13). وفي رواية «أن سهل بن حنيف، وقيس بن سعد كانا قاعدين بالقادسية، فمروا عليهما بجنازة، فقاما، فقيل لهما: إنها من أهل الأرض، أي من أهل الذمة، فقالا: إن النبي مرت به جنازة فقام، فقيل له: إنها جنازة يهودي، فقال: «أَلَيْسَتْ نَفْسًا»(14)».

     أما سيرته مع أحيائهم فكانت مبنية على الإنصاف والعدل ورفع الظلم ورد الحقوق حتى لو كان الخصم مسلما، وهذا ما قررته وثيقة المدينة حيث جاء فيها: «وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم»(15). لذلك لما اختصم الأشعث بن قيس ورجل يهودي إلى رسول الله في ملكية أرض، قال رسول الله للأشعث: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟»(16) قال: لا، فحَكم بها لليهودي مقابل يمينه.

ولما قُتل عبد الله بن سهل رضي الله عنـــــــــه بخيبر، ولم يكن لأولياء دمـــــــــــــــه بينـــــــــــــــة، لم يقض النبي في اليهود بشيء، ولم يحملهم ديته؛ بل تحملها هو. فعن «سهل بن أبي حثمة، قال: انطلق عبد الله بن سهل، ومحيصة بن مسعود بن زيد، إلى خيبر وهي يومئذ صلح، فتفرقا، فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشمط في دمه قتيلا، فدفنه ثم قدم المدينة، فانطلق عبد الرحمن بن سهل، ومحيصة، وحويصة ابنا مسعود إلى النبي ، فذهب عبد الرحمن يتكلم، فقال: «كَبِّرْ كَبِّرْ» وهو أحدث القوم، فسكت فتكلما، فقال:َ «تَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ قَاتِلَكُمْ، أَوْ صَاحِبَكُمْ» قالوا: وكيف نحلف ولم نشهد ولم نر؟ قال: «فَتُبْرِيكُمْ يَهُودُ بِخَمْسِينَ» فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار، فعقله النبي من عنده»(17).

     ولقد كان بين المسلمين ويهود خيبر صلح، وعلى الرغم من أن القرائن تدل على أن القتل وقع منهـــــــــم، إلا أن النبي لـم يعـــــــــاقبهـــــم ولم يحملهم ديته لعدم وجود البينة القاطعة.

     ومثل ذلك نجد تعامله مع النصارى، فلم يكن النبي ليفرق بينهم وبين اليهود في العدل والحرية والكرامة وسائر الحقوق؛ بل إن سيرته فيهم ناطقة بأن أهل الكتاب من النصارى كان لهم نصيب من التسامح النبوي، حيث ترك لهم كامل الحرية في ممارسة شعائرهم، والبقاء على دينهم، ولا أدل على ذلك من نهي النبي رجلا أنصاريا يقال له الحُصَين من إكراه ولديه النصرانيين على الإسلام(18) وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة:255].

     وفي السنة التاسعة للهجرة، بعد مُنصرف المسلمين من تبوك، وفد على المدينة قوم من نصارى نجران، فناظرهم النبي في المسجد، ولما حان وقت تعبدهم استقبلوا المشرق للصلاة، فأراد الناس منعهم، فقال النبي : «دَعُوهُمْ» فصلوا داخل المسجد(19).

     وقد استخلص ابن القيم من هذه القصة صورًا من الفقه منها: «جواز دخول أهل الكتاب مساجد المسلمين، وفيها: تمكين أهل الكتاب من صلاتهم بحضرة المسلمين وفي مساجدهم أيضا إذا كان ذلك عارضًا...»(20).

     وقد كتب رسول الله لأهل نجران كتابا أمنهم فيه على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم ومما جاء فيه: «ولنجران وحاشيتهم جوار الله وذمة محمد النبي رسول الله على أنفسهم وملتهم وأرضهم وأموالهم وغائبهم وشاهدهم وبيعهم، لا يغير أسقف عن سقيفاه، ولا راهب عن رهبانيته، ولا واقف عن وقفانيته، وأشهد على ذلك شهودا»(21).

     إن هذا العهد كما يقول الدكتور توفيق الواعي: «يشمل كل الرعايا النصارى، كهنة ورُهبانا وراهبات، وهو يضمن لهم الحماية والأمن حسب مشيئتهم، وبالمثل يحمي كنائسهم ومساكنهم وأماكنهم، وكذلك يحمي من يزورها»(22).

     وعمومًا فإن النبي - بالإضافة إلى ما مر - كثيرًا ما كان يوصي بأهل الكتاب، ويحذر من ظلمهم، والتضييق عليهم في أمورهم، و يتوعد على ذلك بأشد العقاب، من ذلك قوله : «ألا مَن ظَلم معاهدا، أو انتَقصَهُ، أو كلَّفَهُ فوقَ طاقَتِه، أو أخَذ منهُ شيئا بِغيرِ طِيبِ نَفسِ، فأنا حَجِيجُهُ يوم القيامةِ»(23).

     وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي قال: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا»(24).

     و عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي قال: «أَلَا مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، وَذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَقَدْ خَفَرَ ذِمَّةَ اللَّهِ، وَلَا يَرحْ رِيحَ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ سَبْعِينَ خَرِيفًا»(25).

     وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا فِي غَيْرِ كُنْهِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ»(26).

     و عن أبي بشر قال: سمعت سعيد بن جبير، عن أبي موسى، عن النبي قال: «مَنْ سَمَّعَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا دَخَلَ النَّار»(27)، ومعنى قول النبي (سَمَّع) أي «أسمعه ما يؤذي، وهذا دليل واضح في التحريم للأذى»(28).

     نخلص في نهاية هذا الموضوع، إلى أن أهل الكتاب في الإسلام لهم مكانة تميزهم عن غيرهم من أصحاب الديانات الوثنية الأخرى، لذلك ميزهم النبي بتعامل خاص، وترك في أمته وصايا تحذر من ظلمهم، والتعدي عليهم في معتقداتهم أو أرواحهم أو أموالهم أو أعراضهم... حتى صارت وصاياه بأهل الكتاب مضرب مثل في عدل الإسلام، ورحمته، وإنسانيته؛ ومعلوم أن المسلمين في علاقاتهم بأهل الكتاب لم يكونوا يتصرفوا بعيدًا عن هذا الهدي النبوي؛ بل كانوا حريصين على تنفيذ تلك الوصايا باعتبارها نصوصًا مقدسة ترشد المسلم إلى المنهج القويم في التعامل مع مواطنيه من أتباع الشرائع السماوية الأخرى، بما يضمن استقرار المجتمع، وتمتع سائر أطيافه بالحرية والكرامة الإنسانية.

*  *  *

الهوامش:

(1) سيرة ابن هشام تحقيق: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ط/ 2، 1375هـ.(1/ 503). عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير، ابن سيد الناس، تعليق: إبراهيم محمد رمضان، دار القلم - بيروت - ط/1، 1993م (1/ 228).

(2) سيرة ابن هشام (1/ 503).

(3) قيم التعايش المشترك ومبادئه في وثيقة المدينة، محمد الشرقاوي، مجلة حراء، مؤسسة  قايناق التركية، العدد: 40/ السنة التاسعة / (يناير-فبراير) 2014م.

(4) سماحة الإسلام في الدعوة إلى الله، عبد العظيم المطعني، مكتبة وهبة، ط/1، 1414هـ(ص: 132).

(5) الأحكام الشرعية للثورات العربية، علي بن نايف الشحود، ط/1، 1432هـ(ص: 376).

(6) غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، القرضاوي، مكتبة وهبةـ ط/3، 1413هـ(ص: 4).

(7) الأغمار جمع غمر، بالضم، وهو الجاهل الغر الذي لم يجرب الأمور، أنظر لسان العرب، مادة ( غمر ) (5/ 32).

(8) سيرة ابن هشام(1/ 525).

(9) السنن الصغرى للنسائي، حديث رقم: 4080 (7/ 112). وأحمد في المسند، حديث رقم: 19267(32/ 14).

(10) صحيح مسلم، كتاب: السلام، باب: السم، حديث رقم: 2190 (4/1721).

(11) صحيح البخاري، كتاب: الجزية، باب: إذا غدر المشركون بالمسلمين، هل يعفى عنهم، حديث رقم: 3169 (4/ 99).

(12) سنن الترمذي،أبواب: الأدب، باب: ما جاء كيف يشمت العاطس، حديث رقم: 2739 (5/ 82). وقال حديث حسن صحيح. ومسند أحمد، مسند الكوفيين، حديث أبي موسى الأشعري، حديث رقم: 19586 (32/ 356).

(13) صحيح البخاري، كتاب: الجنائز، باب: من قام لجنازة يهودي، حديث رقم: 1311 (2/ 85).

(14) متفق عليه (البخاري، كتاب: الجنائز، باب: من قام لجنازة يهودي، حديث رقم: 1312 (2/ 85). ومسلم، كتاب: الجنائز، باب: القيام للجنازة، حديث رقم: 961 (2/661).

(15) سيرة ابن هشام (1/ 503). عيون الأثر (1/ 227).

(16) متفق عليه ( البخاري، كتاب: الخصومات، باب: كلام الخصوم بعضهم في بعض، حديث رقم: 2416 (3/ 121). ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، حديث رقم: 139 (1/ 123).

(17) صحيح البخاري، كتاب: الجزية، باب: الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره، وإثم من لم يف بالعهد، حديث رقم: 3173 (4/ 101).

(18) 98- جامع البيان في تأويل القرآن، الطبري، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، ط/1، 1420هـ.(5/ 409).

(19) الطبقات الكبرى لابن سعد، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر - بيروت -ط/1، 1968م (1/ 357). سيرة ابن هشام(1/ 574). زاد المعاد (3/ 550).

(20) زاد المعاد (3/ 557 - 558).

(21) الطبقات الكبرى لابن سعد، تحقيق: إحسان عباس، دار صادر - بيروت - ط/1، 1968م.(1/ 358).

(22) الإسلام في العقل العالمي، توفيق الواعي، دار الوفاء -مصر- ط/1، 1410هـ (ص:106).

(23) سنن أبي داود، كتاب: الخراج والفيء والإمارة، باب تَعْشِير أهلِ الذمة إذا اختلفوا بالتجارات، حديث رقم: 3052 (4/ 658). قال الحافظ العراقي: هذا إسناد جيد، وقال السخاوي: وسنده لا بأس به.

(24) صحيح البخاري، كتاب: الجزية، باب: إثم من قتل معاهدا بغير جرم، حديث رقم: 3166 (4/ 99).

(25) المستدرك للحاكم، كتاب: الجهاد، حديث رقم: 2581 (2/138). مسند أبي يعلى، مسند أبي هريرة، حديث رقم: 6452 (11/335). سنن الترمذي، أبواب: الديات، باب ما جاء في من يقتل نفسا معاهدة، حديث رقم: 1403 (4/ 20).

(26) المستدرك للحاكم، كتاب قسم الفيء، حديث رقم: 2631  (2/154). وقد علق الحاكم عليه بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. سنن أبي داود، كتاب: الجهاد، باب: في الوفاء للمعاهد وحرمة ذمته، حديث رقم: 2760 (4/ 389).

(27) صحيح ابن حبان،كتاب: السير، باب: ذكر إيجاب دخول النار لمن أسمع أهل الكتاب ما يكرهونه، حديث رقم: 4880 (11/238). وقد علق عليه شعيب الأرنؤوط بقوله: إسناده صحيح على شرطهما.

(28) البدرُ التمام شرح بلوغ المرام، الحسين بن محمد بن سعيد اللاعيّ، تحقيق: علي بن عبد الله الزبن،  دار هجر، ط/1،1428هـ (10/298).

*   *   *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (5)

أدب الموعظة

 

بقلم:  الأستاذ/ محمد بن إبراهيم الحمد

 

     الوعظ عمل جليل والناس بحاجة ماسة إليه، والقائمون بالوعظ بحاجة إلى ما يذكرهم بنبل غايتهم، والسبل المعينة لهم على القيام برسالتهم.

     وفيما يلي نفصل آداب الموعظة:

     1- التحلي بالتقوى وإخلاص النية: وذلك أمر يستمده الواعظ من قوة الإيمان بأن الله يعلم ما يسر الناس وما يعلنون، ومن علمه بأن الإخلاص عليه مدار العمل، ومن تيقنه بأن دعوته إلى فعل شيء هو تاركه أو إلى ترك شيء هو يفعله- لاتتجاوز الآذان إلى القلوب؛ بل قد تذهب كما يذهب الزبد جفاء.

     وقد أشار القرآن المجيد إلى أن داعي الناس إلى معروف لا يفعله جدير بالتوبيخ، قال- تعالى-: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتٰبَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة:44] .

     وقال- عز وجل-: ﴿يٰـأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:2] .

     والتقوى هي التي تجعل الواعظ مخلصا فيما يأمر به، أو ينهى عنه. وللإخلاص أثر كبير في نجاح الموعظة، وانشراح الصدور للانتفاع بها على أي حال. والتقوى الصادرة عن التفقه في الدين بحق هي التي تكسو الواعظ وقارا، وحسن سمت غير مصطنع، فتمتلىء القلوب بمهابته؛ فإذا ألقى موعظة ذهبت توا إلى القلوب، وأثمرت كلما طيبا، وعملا صالحا، وخلقا فاضلا. ولهذا يحسن بالواعظ أن يتعاهد إيمانه، ويعز نفسه، ويصون علمه، وأن يترفع عن السفاسف، وأن يجانب مواطن الريب، ومواضع المهانة، وأن لا يسير إلا على ما يمليه الدين، وتقتضيه الحكمة والمروءة.

     وجدير به أن يكون ذا نفس زكية، وساحة طاهرة نقية؛ هو بشر، وما كان لبشر أن يدعي العصمة، أو الصواب فيما يقول، ويفعل إلا الأنبياء فيما يبلغون به عن ربهم- جل وعلا-. ولا يفهم من ذلك- أيضا- أن يدع الإنسان الوعظ إذا كان مقصرا في بعض الطاعات، أو ملما ببعض المخالفات؛ بل عليه أن يأمر وينهى ولو كان كذلك؛ فترك أحد الواجبين ليس مسوغا لترك الآخر. إذا لم يعظ في الناس من هو مذنب فمن يعظ العاصين بعد محمد، قال الحسن المطرف بن عبد الله-رحمهما الله-: «عظ أصحابك، فقال المطرف: إني أخاف أن أقول مالا أفعل. قال الحسن: يرحمك الله، وأينا يفعل ما يقول؟ يود الشيطان لو ظفر منا بهذا؛ فلم يأمر أحد بمعروف، ولم ينه أحد عن منكر»(1).

     وقال سعيد بن جبير- رحمه الله-: «لو كان المرء لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء - ما أمر أحد بمعروف، ولا نهى عن منكر»(2).

     قال الإمام مالك- رحمه الله- معلما على مقولة سعيد بن جبير: «وصدق سعيد؛ ومن ذا الذي ليس فيه شيء»(3).

     وقال الطبري- رحمه الله-: «وأما من قال: لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه وصمة فإن أراد الأولى فجيد، وإلا فيستلزم سد باب الأمر بالمعروف إذا لم يكن هناك غيره»(4).

     وقال ابن حزم- رحمه الله-: «ولو لم ينه عن الشر إلا من ليس فيه شيء منه، ولا أمر بالمعروف إلا من استوعبه لما نهى أحد عن شر، ولا أمر أحد بخير بعد النبي-(5).

     وقال النووي- رحمه الله-: «قال العلماء: لا يشترط في الآمر والناهي أن يكون كامل الحال، ممتثلا ما يأمر به، مجتنبا ما ينهى عنه.

     بل عليه الأمر وإن كان مخلا بما يأمر به، وإن كان متلبسا بما ينهى عنه؛ فإنه يجب عليه شيئان: أن يأمر نفسه، وينهاها، وأن يأمر غيره وينهاه؛ فإذا أخل بأحدهما كيف يباح له الإخلال بالآخر؟»(6).

     وقال شيخ محمد الأمين الشنقيطي- رحمه الله- بعد أن ساق بعض الآثار الواردة في ذم من يأمر بالمعروف ولا يفعله، وينهى عن المكر ويرتكبه: «واعلم أن التحقيق أن هذا الوعيد الشديد الذي ذكرنا من اندلاق الأمعاء في النار، وقرض الشفاه بمقاريض من النار ليس على الأمر بالمعروف، وإنما هو على ارتكاب المنكر عالما بذلك، ينصح الناس عليه؛ فالحق أن الأمر غير ساقط عن صالح ولا طالح، والوعيد على المعصية لا على الأمر بالمعروف؛ لأنه في حد ذاته ليس فيه إلا الخير»(7).

     ولا يفهم مما سبق أنه لا بأس على الواعظ في ترك المعروف، وفعل المنكر؛ بل يجب عليه فعل المعروف، وترك المنكر؛ بل يجب عليه أن يكون أول ممتثل لما يأمر به، وأول منته عما ينهى عنه.

     2- العلم: فعلم الواعظ بما يقول هو الذي يجعل الموعظة نقية من إيراد الأحاديث الموضوعة، أو القصص المنبوذة، أو تحسين البدع، أو إضلال الناس.

     قال الله- عز وجل-: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنْ اتَّبَعَنِي وَسُبْحٰـنَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف:108].

     فلا بد للواعظ أن يكون على بصيرة فيما يدعو إليه من فعل أو ترك. وأن يكون عالما بحال المدعو، ولهذا لما بعث الرسول-- معاذا- رضي الله عنه- إلى اليمن قال: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب» الحديث(8).

     وما ذلك إلا ليعرف حالهم؛ ليستعد لهم.

     ومن البصيرة- أيضًا- أن يكون على بصيرة في كيفية الدعوة، وأساليبها. ولا يفهم من ذلك أنه لابد للواعظ أن يكون عالما متبحرا، وإنما المقصود ألا يدعو إلا بما يعلم، وألا يتكلم بما لا يعلم(9).

     قال النبي--: «بلغوا عني ولو آية»(10).

     ومما يتعين على الواعظ معرفته والوقوف عليه- النظر في المصالح والمفاسد. وسيأتي بيان وتفصيل لذلك في الصفحات التالية.

     3- لين الجانب، وبسط الوجه، والإحسان إلى الناس: فالناس يحبون لين الجانب، ولا يكلمها إلا من عل.

     ومن الوسائل التي لها أثر في تألف الجاهلين أو المفسدين، وتهيئتهم إلى قبول الإصلاح- بسط المعروف في وجوههم، والإحسان إليهم بأي نوع من أنواع الإحسان، وإرضاؤهم بشيء من متاع هذه الحياة الدنيا؛ فإن مواجهتهم بالجميل، ومصافحتهم براحة كريمة- قد يعطف قلوبهم نحو الداعي، ويمهد السبيل لقبول ما يعرضه من النصيحة.

     والنفوس مطبوعة على مصافاة من يلبسها نعمة، ويفيض عليها خيرًا.

     ولمثل هذه الحكمة ذكر الله في القرآن من مصارف الزكاة صنف المؤلفة قلوبهم.

     وكان النبي-- يؤثر بعض حديثي العهد بالإسلام بجانب من المال؛ للاحتفاظ ببقائهم على الهداية، يفعل ذلك حيث يظهر له أن إيمانهم لم يرسخ في قلوبهم رسوخ ما لا تزلزله الفتن.

وإلى أمثال هؤلاء أشار- عليه الصلاة وسلام- بقوله: «إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه؛ خشية أن يكبه الله في النار»(11).

     قال شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-: «كما كان إعطاؤه-- المؤلفة قلوبهم مأمورًا به في حقه وجوبًا أو استحبابًا، وإن لم يكن مأمورًا به لأحد.

     كما كان مزاحه مع من يمزح معه من الأعراب والنساء والصبيان؛ تطييبًا لقلوبهم، وتفريحًا لهم- مستحبًا في حقه يثاب عليه وإن لم يكن أولئك مأمورين بالمزاح معه، ولا منهيين عنه.

     فالنبي-- يبذل للنفوس من الأموال والمنافع ما يتألفها به على الحق المأمور به، ويكون المبذول مما يلتذ به الآخذ ويحبه؛ لأن ذلك وسيلة إلى غيره»(12).

     ولهذا يحسن بالواعظ أن يكون لين العريكة، وممن يألف ويؤلف، وألا يكون جافي الطبع، قاسي القلب، متعاليا على السامعين.

     ويجدر به أن يترفع عن العبارات المشعرة بتعظيم النفس، كحال من يكثر من إدارج ضمير المتكلم «أنا» أو ما يقوم مقامه كأن يقوم «في رأيي»، أو «حسب خبرتي»، أو«هذا ترجيحنا»، أو «هذا ما توصلنا إليه».

     ومن ذلك أن يكرر كلمة: «نقول» و «قلنا»، ونحو ذلك من العبارات الفجة التي تنم عن نقص وغرور، خصوصًا إذا صدرت ممن ليس له مكانة.

     فهذا كله مجلبة لتباعد الأنفس، وتناكر الأرواح، وقلة التأثير. وبدلا من ذلك يحسن به أن يستعمل الصيغ التي توحي بالتواضع، وعزو العلم لأصحابه، كأن يقول: «ويبدو للمتأمل كذا وكذا»، أو يقول: «ولعل الصواب أن يقال: كذا وكذا» ونحو ذلك من العبارات المشعرة بالتواضع، واهتضام النفس.

     قال ابن المقفع: «تحفظ في مجلسك وكلامك من التطاول على الأصحاب، وطب نفسا عن كثير مما يعرض لك فيه صواب القول والرأي؛ مدارة؛ لئلا يظن أصحابك أن دأبك التطاول عليهم»(13).

     وقال شيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله-: «واحذر غاية الحذر من احتقار من تجالسه من جميع الطبقات، وازدرائه، أو الاستهزاء به قولا، أو فعلا، أو إشارة، أو تصريحًا، أو تعريضًا؛ فإن فيه ثلاثة محاذير:

     أحدهما: التحريم والإثم على فاعله.

     الثاني: دلالته على حمق صاحبه، وسفاهة عقله، وجهله.

     الثالث: أنه باب من أبواب الشر، وضرر على نفسه»(14).

     4- الصبر والحلم: فالواعظ محتاج لذلك أشد الحاجة؛ إذ هو معرض لما يثيره، ويحرك دواعي الغضب فيه.

     ومن مواعظ لقمان- عليه السلام- لابنه وهو يعظه ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان:17] .

     فلا يحسن بالواعظ أن يكون ضيق الصدر، قليل الصبر؛ ذلك أن الجماعات التي استشرى فيها الفساد كالمريض، والواعظ لها كالطبيب.

     وكما أن المريض قد يدفعه جهله، أو سوء تصرفه إلى أن ينال الطبيب ببعض السوء - فكذلك الجماعات التي أنهكها الشر، واستحوذ عليها الشيطان؛ فقد يدفعها ذلك أن تنال طبيب الأرواح ببعض الأذى.

     فإذا ضاق صدره، وقل احتماله تنغصت حياته، ولم يصدر عنه خير كثير، أو عمل كبير؛ فخير للواعظ - إذًا - أن يتلقى الأذى بصدر رحب، وأفق واسع، ونفس مطمئنة. وليعلم أن مهمته شاقة؛ فليستعد لها بالاستعانة بالله، وليداو كلوم النفوس بالهدوء، وسعة الصدر، ولين الجانب، ومقابلة الإساءة بالإحسان؛ فإن تلك الصفات رقية النفوس الشرسة، وبلسم الجراح الغائرة.

     وليستحضر أنه ما وقف أمام الناس ليخاصمهم؛ فيخصمهم، ولكن ليداوي فسادهم، ويرد شاردهم؛ فليحرص على أن يؤلف القلوب والنفوس بتلك الصفات.

     قال الله- تعالى- في وصف نبينا محمد --: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:159] .

     وقال الله- عز وجل- له: ﴿خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجٰهِلِينَ﴾ [الأعراف:199].

     وهكذا كان- عليه الصلاة والسلام- فكان يعرض دعوته في لين من القول، وكان يأخذ بالحلم، والصبر، ويقابل الجاهل بالإعراض، والمسيء بالعفو أو الإحسان.

     وإن أذى كثيرًا كان يلحقه من مشركي قريش وسفهائهم؛ فيلقاه بالصبر؛ ولا ينال من عزمه واسترساله في الدعوة ولو شيئا قليلا.

     وكم من كلمة يرميه بها بعض المنافقين، أو بعض الجفاة من الأعراب، فيكون جزاؤها الصفح، أو التبسم، أو الإنعام(15).

*  *  *

الهوامش:

(1) تفسير القرطبي 1/367.

(2) نفس المصدر

(3) تفسير القرطبي 1/367.

(4) فتح الباري لابن حجر 13/53.

(5) الأخلاق والسير لابن حزم ص 92.

(6) شرح صحيح مسلم للنووي 2/23.

(7) أضواء البيان2/173.

(8) رواه البخاري [1458] و [1496] و [7331] ، ومسلم [19]

(9) انظر الصحوة الإسلامية ضوابط وتوجيهات للشيخ محمد بن عثيمين ص26- 31

(10) رواه البخاري [27 و 1478] ، ومسلم [150] .

(11) البخاري [3461].

(12) الاستقامة لا بن تيمية 2/155.

(13) الأدب الصغير والأدب الكبير لابن المقفع ص 134.

(14) الرياض الناضرة لابن سعدي ص 419.

(15) انظر محمد رسول الله وخاتم النبيين ص 113، والخطابة لأبي زهرة ص 161- 162.

*   *   *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (6)

أدب الأطفال من منظور إسلامي

 

بقلم:  الأستاذ محمد شمشاد عالم القاسمي(*)

 

     «أدب الأطفال» يُعتبر وسيلة هامة تساعد على تطوير المجتمع كله من خلال التنشئة السوية لأطفاله، وهو أدب مجاله واسع وجوانبه متعددة وأبعاده متغيرة، وهو جزء من الأدب العام الذي هو تعبيرعن تجربة شعورية في صورة موحية، أو هو تعبير عن الحياة والمجتمع وتصويرهما بأسلوب جميل، إلا أن «أدب الأطفال» موجَّه إلى فئة ذات عمر معيَّن من المجتمع البشري وهم الأطفال، فهم الذين يخاطبهم هذا الأدب ويهدف إليهم، فيقول محمد حسن بريغش: «أدب الأطفال هو النتاج الأدبي الذي يتلاءم مع الأطفال حسب مستوياتهم وأعمارهم، وقدرتهم على الفهم والتذوق، وفق طبيعة العصر، وبما يتلاءم مع المجتمع الذي يعيشون فيه»(1).

اهتمام الإسلام بالطفل والطفولة:   

     ولا شك أن دين الإسلام هو المنهج المتكامل والنظام الشامل للحياة، فزوّد المجتمع البشري بتوجيهات قيمة وإرشادات نيرة لكل مرحلة من مراحل الحياة الإنسانية، وفي كل مجالٍ من مجالاتها، فقد اهتم بالطفل بالغ الاهتمام، واعتنى به كبير العناية، بدايةً من مرحلة ما قبل فتح الطفل عينيه في هذا الكون، ومرورًا بمرحلة طفولته وبلوغه وشبابه، ونهاية إلى رجولته وشيخوخته وموته، «فقبل أن يكون هناك طفل وولادة، أوصى رسول الله - باختيار المنبت الحسن الذي سينبت فيه الطفل، ثم يخرج وينشأ ويتربى في أحضانه، فقال عليه الصلاة والسلام: «تخيّروا لنطفكم وزوّجوا الأكفاء» وفي رواية أخرى: «تخيّروا لنطفكم؛ فإن النساء يلدن أشباه إخوانهن وأخواتهن» وفي رواية ثالثة: «اختاروا لنطفكم المواضع الصالحة»(2).

     ثم حينما يفتح الطفل عينيه في هذا العالم يهتم الإسلام برضاعته وحضانته، فيقول الله عزّ وجلّ: ﴿وَالْوٰلِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلـٰدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُّتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾(3)، فيضمن له حقوقه، ويأمر الوالدين والإخوة وولاة أمره بتربيته الصالحة وتعليمه وكفالته وتأديبه، فيقول معلم الإنسانية عليه السلام في كلامه البليغ: «أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم»(4)، فنجد اهتمام الإسلام بالطفل والطفولة كعُدة لمستقبل الأمة والمجتمع بشكل واسع وشامل، و«لم يسعد الأطفال في العالم كما سعدوا في ظل الحضارة الإسلامية؛ لأن عناية الإسلام بالنشأة الأولى تفوق كل عناية، باعتبارها حجر الزاوية في بناء المجتمع الإسلامي، وفي تاريخنا الإسلامي ارتبطت وضعية الطفل المسلم بمدى التطبيق العملي لتعاليم الإسلام، فكلما ساد العدل الاجتماعي، واطمأن المسلمون إلى أنفسهم كان أطفالهم بمنجاة من عوامل الضياع وأسباب الفساد»(5).

     ولم تعلن الأمم المتحدة حقوق الأطفال إلا في تاريخ 20/11/1959م، بينما كان الإسلام قد قام بإعلان حقوقهم، ومنحهم حقوقهم البشرية قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا، وقدّم بهذا الصدد من نظرة شاملة وفكرة عميقة ومنهج متكامل ما يفوق كل ما ادعته الحضارة الغربية والمدنيات الحديثة الخاوية والفلسفات الجافة المعاصرة، «ولم تكن عناية الإسلام بالطفولة عن طريق التشريعات والقوانين والنصوص فقط؛ بل كانت تطبيقات وممارسات واهتمامات بدأها رسول الله ، فلقد كان عليه الصلاة والسلام يلاطف الصغار ويلعب معهم ويرعاهم ويوجههم، ويبين للناس كيف ينبغي أن نرعاهم ونوجه العناية لهم مع كثرة همومه ومشاغله»(6). 

أدب الأطفال كما يراه الإسلام:

     عند تتبع مراحل نشأة هذا الأدب وتكونه نجد أن الأقدمين كانوا كثيرًا ما يسعون إلى فرض طرائق تفكيرهم، وأساليب أعمالهم التقليدية على أطفالهم، ويصبون عليهم من ينبوع خبراتهم الشخصية التي مروا بها في حياتهم دون أن يبدوا أي اهتمام أوعناية بعواطف الأطفال وميولهم وحاجاتهم ونوازعهم، حيث خُيل لهم بأن بعض نوازع الأطفال تُعدُّ شرورًا يجب كبحها وإخماد شرارتها، ولكن هذه النظرة تغيرت بعض الشيء نتيجة التقدم الذي تشهده المجتمعات والتغيرات المصاحبة له، فعلى سبيل المثال: عندما جاءت الفلسفة الإسلامية، وُضعت للإنسان حقوق تُحفظ بها حريته وكرامته، وركزت على النمو المتكامل للفرد وأولت جانب الطفولة اهتمامًا كبيرًا، حيث شددت على ضرورة الاهتمام بتربيتهم وتنشئتهم التنشئة الصحيحة، وانتقاء ما يناسبهم من القول الحسن، ولكن انهيار الدولة الإسلامية أدى إلى تدهور كافة الجوانب الثقافية والأدبية في الفترة التي كانت الدولة الإسلامية ترفل بقوتها وازدهارها، بينما كانت أوروبا غارقة في الاتجاهات الخاطئة للتربية المستمدة من الأفكار الفلسفية والاجتماعية ذات الطابع السياسي، وهكذا قاد الانحطاط والتدهور الذي أصاب الدولة الإسلامية إلى ضعف الاهتمام بأدب الأطفال العربي، وإن المتتبع لحركة تطور هذا الفن الأدبي يلاحظ أن فلسفة أدب الأطفال اليوم تستمد مقوماتها وأسسها من فلسفة المجتمع وعاداته وتقاليده، كما أنها تنبثق من فلسفة التربية الحديثة التي تهتم بشخصية الطفولة بكافة جوانبها، وتستند على دعامة قوية تؤكد فيها أهمية أن يعيش الطفل طفولته بحياة سعيدة هانئة.

     وإن العصر الراهن الذي نجد فيه الصراعات بين الأفكار والمعتقدات والنظريات يطلب من المسلمين أن يعودوا إلى أصولهم ليتعرفوا ويعثروا على مبادىء التربية الإسلامية وركائزها للطفل، «ولا بد لهم من العناية الحقيقية بالطفولة لكي يواكبوا مراحل الصحوة الحديثة، ويسيروا في طريق البناء الواعي، ويحموا أجيالهم من عوامل الانحراف والانحلال والفساد»(7). وطفل الحاضر رجل المستقبل وعدة الغد، عليه عماد الأمة والمجتمع البشري، فيجب الاهتمام بتنشئته تنشئة إسلامية تُعدهم للقيام بالدور الكبير للإنسانية، و«يهذب الإسلام الطفل منذ مراحله المبكرة بأدب سام، يوقظ فيه كل حين الفطرة المستقيمة، والخليقة الخالصة النقية، التي تفضل بها الله عز وجل على خلقه في إبداعاته»(8)، فأدب الأطفال من منظور إسلامي هو «التعبير الأدبي الجميل، المؤثر الصادق في إيحاءاته ودلالاته، والذي يستلهم قيم الدين الإسلامي ومبادئه وعقيدته، ويجعل منها أساسًا لبناء كيان الطفل عقليًا ونفسيًا ووجدانيًا وبدنيًا وسلوكيًا، ويساهم في تنمية مداركه، وإطلاق مواهبه الفطرية، وقدراته المختلفة وفق الأصول التربوية الإسلامية، ويشمل الاحتياجات الأساسية للطفل حسبما أسفرت عنها دراسات العلماء المخلصين في علوم الدين والتربية وعلم النفس والاجتماع»(9).

     فينظر الإسلام إلى أدب الأطفال أولًا من خلال التزامه بمبدئه الأساسي الذي يتمثل في العقيدة، فلا بد لهذا الأدب من الاهتمام بتزويد الأطفال بالعقيدة الدينية السليمة النقية من الأوهام والخرافات، كما يجب على هذا الأدب أن يقوم بتربية الطفل الشاملة من إصلاح سلوكه وتهذيبه وتأديبه وتحليته بالقيم الخلقية «ولم ينفصل مفهوم تربية الطفل بمعناه اللغوي والاصطلاحي في الحضارة الإسلامية عن الآداب العامة ونعني بها السلوك والتهذيب والتأديب ورعاية الناشئة بأدب الدنيا والدين... والذي لا شك فيه أن الأدب والتربية اشتركا معًا في توجيه الأغراض الخلقية والقيم السلوكية الإيجابية التي حث عليها الدين»(10).

     ومما يجدر بالذكر هنا «أن الإسلام كما راعى فطام الطفل من ثدي أمه ليعتمد على نفسه في الطعام والشراب، فقد راعى فطام عقله من حيث نقله من ذوق وإحساس الآخر ممن يحيطون به إلى ذوقه وإحساسه هو، ومن شعور الآخر إلى شعوره هو، من خلال التربية الإسلامية السليمة، ليصبح ذا عقل وإحساس وشعور وذوق سليم يحتمي به، ويغذّي من خلاله ملكاته الفنية والأدبية فيصبح فيما بعد قارئًا ومبدعًا جيدًا في إطار الشريعة الإسلامية»(11).

     وكذلك على هذا الأدب القيام بتشكيل وجدانهم وصقل مشاعرهم، وتكوين ذوقهم الفني وتنشئتهم نشأة صالحة بعيدة عن الخرافات وتعطيل التفكير العقلي المتميز؛ لكي يتزودوا بالحق والخير والجمال؛ إذ أنه أفضل أساس لحياتهم وواقعهم المعيش، ولكي ينموا ويترعرعوا متحلين بالمبادئ والأفكار السليمة والقيم الإنسانية والخلق النبيل والسلوك القيم، «وفي اتصال الأطفال بهذا الأدب تشكيل لوجداناتهم وصقل لمشاعرهم، وتنشئتهم نشأة سوية صالحة، إذ يألفون الحق والجمال والخير، وذلك أفضل أساس لحياتهم، لا سيما إذا استمر اتصالهم السوي به، وارتباطهم بقيم الدين ومبادئه بعيدًا عن زيف الخرافات والانحرافات، والأفكار الضالة المضلة.. وهكذا يصطبغ فكرهم بالمنهج الإسلامي، ويتسم سلوكهم بالطابع الإسلامي، من ثم فإن أدب الأطفال يجب أن ينهض بما يدعو إليه الإسلام من قيم ومبادىء.. ولا بد أن ينمي هذا الأدب خيالهم، ويطلق تفكيرهم وتصوراتهم بصورة بنّاءة، وليس مجرد تهويم وأوهام، كما يجب أن يسهم في تحقيق الاستقرار والتوازن النفسي لهم، بما يقدم لهم من مسرحيات وقصص ومنظومات شعرية، ذات أبنية فنية تحقق المتعة، وتثري عقولهم»(12).

     ويؤكد الإسلام على أن يقوم مبدعو أدب الطفل المسلم، بالاختيار الواعي للمعلومات والمفردات، وأن لا يثقلوه ويدخلوه في دوامة الخلافات التاريخية والثقافية والأدبية، وأن يعتنوا كذلك بالمجتمع همومه ومشاكله في ما ينتجونه للطفل، مراعين لنفسيته ومراحله العمرية، وينبغي للمبدعين في مجال أدب الأطفال (شعرًا أوقصة أومسرحية أومواد سمعيّة وبصرية) أن يلتزموا في إنتاجاتهم الفكرية بمراعاة المستوى المعرفي واللغوي والأدبي للمواد الإبداعية المنتجة، كي تتلاءم مع مستوى الطفل.

     وإن التربية الإسلامية قد لعبت دورًا هامًا وفعّالًا في إثراء أدب الأطفال، فمصادرها بما فيها القرآن الكريم وقصصه الممتعة والشيقة، تشكّل نبعًا يفيض بالمواضيع والمضامين الإسلامية الملائمة للأطفال، وكذلك الأحاديث الشريفة والسير النبوية المطهرة وسير الصحابة () زاخرة بالمواد والمضامين التي تغني الإنتاجات الأدبية الموجهة للأطفال، «حيث نجد أنها صالحة للقصص، ومرجعًا لتقديمها للطفل مع ملاحظة أنها مؤيدة بالكتاب والسنة من جانب، وصادقة وواقعية من جانب آخر، ليصبح لها أثر هادف في ذات الطفل من جانب، وفي توجيه سلوكه، وتهذيبه من جانب آخر، وبالإضافة إلى ذلك كانت هناك مواضيع أخرى تسير بجانب القصص القرآني مثل: أسماء الله الحسنى، وقصص الأنبياء والصالحين، والعلوم والنباتات والحيوانات، كذلك حياة النبي  مثل: طفولته ومعجزاته وزوجاته وأولاده، وأطفال حول الرسول وأصحابه وغزواته»(13)، فعلى أدباء الأطفال وكُتابهم أن يستمدوا ويستقوا موضوعات إنتاجاتهم وقصصهم والمواد التربوية للأطفال من المصادر الإسلامية في مقدمتها القرآن الكريم، ثم الحديث النبوي الشريف، والسير النبوية المطهرة، وسير الصحابة والصالحين، والتاريخ الإسلامي النير، ليساهموا في تشكيل شخصية الطفل المسلم تشكيلًا سويًا وسليمًا، وفي إعداد النشء الجديد وعدة المستقبل إعدادًا يخدم الأمة الإسلامية والمجتمع الإنساني والجنس البشري الهائم في الظلمات.

     وقال الشاعر العربي المخضرم صالح بن عبدالقدوس الأزدي البصري:

«إن الغصون إذا قومتَها اعتدلت

ولن تلين إذا قومتَها الخشب

قد ينفع الأدب الأحداث في مهل

وليس ينفع بعد الكبرة الأدبُ»(14).

*  *  *

الهوامش

(1) بريغش، محمد حسن، أدب الأطفال: أهدافه وسماته، ط2، (بيروت، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، 1996م)، ص:46.

(2) نفس المرجع، ص:16.

(3) سورة البقرة، الآية: 233.

(4) سنن ابن ماجة، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، (دمشق، دار إحياء التراث العربي، 1975م)، 2/ 1211.

(5) الأسروشي، محمد بن محمود، جامع أحكام الصغار، تحقيق: عبدالحميد عبد الخالق البيزلي، ط1، (بغداد، 1982م)، ص:9.

(6) بريغش، أدب الأطفال: أهدافه وسماته، ص: 18 – 19.

(7) بريغش، أدب الأطفال: أهدافه وسماته ص:9.

(8) صبح، الدكتور علي علي، المقال: «أدب الإسلام للطفل فطرة وعبادة»، مجلة «الداعي»، العدد: 1- 2، ص:59، سبتمر – نوفمبر 2017م.

(9) كيلاني، نجيب، أدب الأطفال في ضوء الإسلام، (بيروت، مؤسسة الرسالة، 1998م)، ص:14.

(10) زلط، د. أحمد، أدب الطفولة: أصوله ومفاهيمه– رؤى تراثية، ط4، (القاهرة، الشركة العربية للنشر والتوزيع، 1997م)، ص:14.

(11) عرابي، محمد عباس، المقال: «أدب الطفل الإسلامي الشيخ أبو الحسن الندوي نموذجًا»، موقع «رابطة الأدب الإسلامي العالمية»: https://adabislami.org/magazine/2016/12/2773/14 .

(12) أبوالرضا، د. سعد، النص الأدبي للأطفال: أهدافه ومصادره وسماته– رؤية إسلامية، (الرياض، مكتبة العبيكان، 2005م)، ص: 29- 30.

(13) عرابي، المقال: «أدب الطفل الإسلامي الشيخ أبو الحسن الندوي نموذجًا».

(14) الموقع: www.alshahedkw.com.  التاريخ: الأربعاء، 25/يوليو، 2018م.

*   *   *

إلى المحتويات

 

محليــــــــــــــــــــــات

اعتداء وحشي على عائلة مسلمة في «غروغرام»

المتاخمة للعاصمة الهندية: دهلي

 

                                                                                               بقلم: أبو عاصم القاسمي المباركفوري

 

(الوكالات)

     في 21/من مارس عام 2019هـ حين كانت الأكثرية الهندوسية في البلاد تحتفل بأحد أكبر أعيادها وهو عيد «هولي» (عيد الألوان المعروف في الديانة الهندوسية) تعرضت عائلة مسلمة كبارها وصغارها ونساؤها للاعتداء الوحشي، يقول قيم العائلة المدعو/ محمد ساجد: «سأغادر البيت، وأرجع إلى قريتي، فقد تعرضت ذريتي الضعفاء للضرب والاعتداء وأنا أنظر إليهم، وأنا مشلول اليدين لم أستطع نصرتهم والذود عنهم، لا أحب البقاء هنا، لقد استدنت كثيرا لشراء هذا المنزل، ولكن لا أود العيش في وضع مشحون بالخوف والذعر».

     قال محمد ساجد ذلك وقلبه يتقطع حزنًا وأسفًا، وعيونه تذرف الدموع على ما لاقاه هو أهله من المعاناة والشدائد، وبجواره أحد أصحابه يمسح دموعه ويعزيه على إصابته الشديدة التي أدت إلى كسور في عظامه وجراحات غائرة في رجله.

     تفيد الأنباء الواردة أن الناس كانوا يحتفلون في «غروغرام» بعيد الألوان المعروفة في الديانة الهندوسية، والذي يعد من أعياد الأخوة والتسامح والحب والوئام وفق المعتقدات الهندوسية، تعرض محمد ساجد وعائلته لاعتداء وحشي يقشعر منه الجلود، وينخلع منه الفؤاد؛ فقد انحدر إليهم في الساعة الخامسة من يوم الخميس مجموعة متطرفة مكونة من 25-30 رجلا يحملون في أيديهم العصي والهراوي، واقتحموا بيتهم، وراغوا عليهم ضربًا باليمين واليسار بصورة عشوائية حتى أدموا  مالايقل عن (12) شخصًا بمن فيهم: ساجد، وبنو أعمامه: «دل شاد» و«سمير».

     ويبدو في لقطة فيديو المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي إحدى نساء البيت تحول دون ضرب هؤلاء رجال العائلة فتتعرض هي الأخرى للضرب والإيذاء، وأطفال يلوذون بالدخول إلى الغرف تحاميًا من أذاهم، وقد أغلقوا الأبواب، وصعد إلى الدور العلوي من البيت من استطاع الصعود إليه، وعمل واحد منهم لقطة فيدو على غرة من المعتدين، ونجح في تحميله على مواقع التواصل الاجتماعي.

     وتعتبر الشرطة ماجرى نابعًا عن شجار وقع بين مجموعتين خلال اللعب بالكركيت، حيث كان بعض أطفال العائلة وغيرهم يلعبون إذا داهمهم بعض الشباب، وحصلت بينهم مشادة كلامية أدت إلى المضاربة واستخدام العصي والهراوي بعضهم ضد بعض. وسجلت الشرطة قضية ضد مجهولين بناء على بلاغ قدمه المدعو/دلشاد، بتهمة إثارة الشغب، والتهديد، ومحاولة القتل، وألقت القبض على المدعو/ ماهيش استنادا إلى لقطات فيديو المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي.

     (صحيفة «خبرين» الأردية اليومية، دهلي الجديدة، ص3، السنة:8، العدد:251، 17/رجب 1440هـ الموافق 25/مارس 2019م).

*   *   *

مسلم وابنه يتعرضان للضرب ونتف لحيتهم على أيدي العناصر المتطرفة في «جرخي دادري»

(الوكالات)

     تعرض مسلم وابنه في قرية «سانجرواس» من منطقة «جرخي دادري» المتاخمة للعاصمة الهندية: دهلي، للضرب وجزَّ لحيتهما وتهديديهما بالقتل على أيدي عناصر متطرفة، وتقدم المجتمع المسلم في المنطقة إلى الشرطة المحلية بالبلاغ ضد الحادث بإثارة المشاعر الدينية، وتواصل الشرطة البحث في القضية.

     تفيد الأنباء الواردة أن المدعو/ إدريس وابنه المدعو/محسن من سكان مديرية «بولند شهر» كانا قافلان إلى قريتهما في 14/مارس، فما إن وصلا إلى محطة النقل الجماعي حتى هجم عليهما أربعة من العناصر المتطرفة وضربوهم ضربًا مبرحًا، وطعنوا في دينهم.

     وأبلغ المتضررون الشرطة ما تعرضوا له، وتجمع المسلمون في المنطقة خلال ذلك حول مركز شرطة منطقة «بوند كلان»، حتى سجلت الشرطة البلاغ بتهمة الاعتداء والطعن في الدين، وبدأت البحث عن الضالعين. وأكد مدير الشرطة أنه استلم شكوى بذلك على الموبايل، والبحث جارٍ عن المتهمين.

     (صحيفة «خبرين» الأردية اليومية، دهلي الجديدة، ص1، السنة:8، العدد:246، 11/رجب 1440هـ الموافق 19/ مارس 2019م).

*  *  *

التوتر الطائفي بين المسلمين والهندوس يسود قرية «كري كهيرا» بعد أحداث شهدتها المنطقة

المسلمون يلوذون بالفرار من القرية بعد أن وضعوا الأقفال على الأبواب

بيلي بهيت(مراسل الصحيفة)

     لايزال التوتر الطائفي قائما في قرية «كري كهيرا» التابعة لمركز شرطة «جهان آباد» من أعمال «بيلي بهيت»، وعلى أبواب الأقلية المسلمة في القرية أقفالها، بعد أن غادر أهلوها القرية تحاميًا من الاعتداء عليهم.

     وتفيد الأنباء الواردة من المنطقة أن القرية شهدت مضاربة بين طائفتين من المسلمين والهندوس من أهلها مما أسفر عن مقتل واحد منهم، وخوفًا على أنفسهم وذريتهم لاذ المسلمون بالفرار من القرية، وبقيت المواشي تعاني الجوع والعطش لفقد قيمها. وقامت الشرطة بالجولة في القرية وكثفت تواجد رجالها تفاديا من حدوث ما لايحمد عقباه.

     والجدير بالذكر أن الهندوس الذين يشكلون الأكثرية في القرية، حاولوا الخروج بمسيرات عيد الألوان على اتجاه جديد على خلاف العادة المستمرة من سنوات، فخالفه المسلمون مما أدى إلى تراشق بالأحجار بعضهم لبعض، فكان منهم جرحى وقتيل، وتدخلت الشرطة في القضية، واعتقلت أربعة بمن فيهم امرأة واحدة.

     وقامت العناصر المتطرفة من القرية بالإضرار بمسجد. وقد مضى على الحدث ثلاثة أيام دون أن يزور أحد من القيادات السياسية القرية لتحاول استعادة العوائل المغادرة منها إلى بيوتها.

     والجدير بالذكر أن القرية لاتبعد عن مدينة «جهانا آباد» ذات الكثافة السكانية المسلمة إلا ثلاثة كيلومترات. والخوف من الاعتقالات وغيرها يسود المسلمين كما أصابهم قلق شديد على مسجدهم في القرية.

     (صحيفة «انقلاب» الأردية اليومية، دهلي الجديدة (ميروت)، ص2، السنة: 7، العدد:50، الأحد: 16 /رجب1440هـ الموافق 24/مارس 2019م).

*   *   *

إلى المحتويات

 

أنباء الجامعــــــــــــة

عالم أفغاني يزور الجامعة

 

بقلم:  أبو فائز القاسمي المباركفوري

 

     زار الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند مولانا جان محمد القاسمي-أحد علماء أفغانستان-، واجتمع بفضيلة الشيخ عبد الخالق المدارسي-  وكيل الجامعة-، وغيره من أساتذة الدار، فعادت له الذكريات القديمة والأيام السالفة التي قضاها في رحابها. وأفاد مولانا جان محمد بأنه تخرج من الجامعة عام 1983م، ثم انضم إلى المحطة الإذاعية: بي بي سي العالمية سنوات عدة، ويدير في الأيام الحاضرة معهد الدعوة في أفغانستان، الذي يقوم بتعليم العلوم العصرية في ضوء الكتاب والسنة النبوية، بالإضافة إلى تزويد الطلاب بالصحافة وفن القصص. وأشار إلى أنـــــــه يدير مؤسسة على الهواء (On line).

     واطلع مولانا جان محمد على الأبنية الحديثة في الجامعة وأعجب بها كثيرًا، وقال: إن هذه الدار مؤسسة تعليمية عالمية، يستفيد من فيضها العالم بأسره. وقد زرت مختلف البلاد العالمية، واطلعت على ما لهذه الدار من أهمية ومكانة سامية في قلوب الناس.

     وأفاد مولانا جان محمد بأنه شعر بالروحانية والطمانينة بزيارة هذه الجامعة، وقال: كم وددت أن أتشرف برؤية أبوابها وجدرانها، ولم تتحقق أمنيتي هذه إلا اليوم.

     وقال: أحمد الله تعالى على أن وفقني لزيارة مدرستي الأم مرةً أخرى، وأنا أعيش ذكرياتها والسنوات الست التي قضيتها في أحضانها.

*  *  *

الجامعة تعرب عن بالغ قلقها على تعرض الشيخ المفتي محمد تقي للهجوم على سيارته

 

     أعربت الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند عن بالغ قلقها وحزنها على تعرض الشيخ المفتي محمد تقي العثماني للهجوم العشوائي على سيارته، والذي أدى إلى مقتل حارسه.

     قال رئيس الجامعة فضيلة الشيخ أبو القاسم النعماني حفظه الله: لقد أقلقني كثيرًا نبأ الهجوم العشوائي على الشيخ المفتي محمد تقي العثماني في كراتشي، وتململت تململ السليم، فلما علمت نجاته وعائلته من هذا الهجوم الجبان انطلق لساني بحمد الله تعالى.

     لاشك أن الشيخ العثماني شخصية إسلامية غالية ثمينة، ولايختلف اثنان في علمه وزهده وتقواه، وما قام به من الخدمات الإصلاحية والتأليفية، وممن يجمع التوازن والاعتدال، لقد نفع الله تعالى الأمة الإسلامية كثيرًا بلسانه وبنانه، ولايزال ينفعها. وكم نحمد الله تعالى على أنه أنجاه وأهله من هذا الهجوم القاتل.

*   *   *

إلى المحتويات

 

إشـــــراقة

الحبُ والبُغْضُ حقيقتان لا تثبتان بمُجَرَّد القول بمثلما تثبتان بالفعل

 

 

     لاشك أن الحبَّ موضعُه أصلًا هو القلب، والحبُّ النابع منه هو الذي يفعل فعلَه، ويُؤْتِي أُكُلَه، ويُحَقِّق نتائجَ على أرض الواقع، ويصنع خوارقَ ومعجزات. أما «الحبُّ» الذي يُمَارِسُه أحدُنا باللسان دون الصدور عن القلب، فإنما هو نفاق وازدواجيّة، وتكذيب للواقع، وتَظَاهُرٌ بأمر غير موجود أصلًا على أرض الحقيقة.

     ولكن الحبَّ المتمكّنَ في القلب، والصادر عنه، شيءٌ مُخْتَفٍ لا يُحسُّ ولا يُجَسُّ ولا يُعْلَم إلّا إذا دَلَّ عليه مظهرٌ، وشَفَّ عنه سلوكٌ، ونَطَقَ به موقفٌ يُؤَكِّدُ أن فلانًا يُحِبّ فلانًا، ويُكِنّ له التقدير الذي إنما يكون مصدره الحبّ.

     أمّا إذا اَدَّعَىٰ باللسان، وصَارَحَ بأنه يُحِبّه، ولم يَتَأَتَّ منه قطُّ موقفٌ عمليّ يُؤَكِّد له الحبيب أنه يحبّه بالقلب، ويُقَدِّره بالمشاعر، ويَتَمَاشَىٰ معه بالعواطف؛ فإنه يتأكّد في نفسه أن الرجل كاذب، وأنه لا يحبه بالقلب، وإنما يُحِبّه باللسان، أي إنه لايحبه في الواقع، وإنما يتظاهر بالحبّ له باللسان.

     إنه ليس هناك طريقٌ إلى تاكيد أحد لأحد أنه يحبّه سوى موقف أو مواقف عمليّة يَتَأَكَّدُ منها أنه يحبه في الواقع. من هنا قال الحكماء: أَحِبَّ أخاك بالقلب ودُلَّ عليه بالعمل لا باللسان وحده؛ لأن الأمر المنطوق به باللسان كثيرًا ما يُكَذَّب، ولا سيّما إذا لم يُصَدِّقْه العملُ ولا مرة واحدة.

     اختار المجلس الاستشاري للجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند أحدَ العلماء الأجلاء عضوًا له، وحَضَرَ أَوّلَ دورة له بعد اختياره عضوًا، وانتهز كاتبُ السطور المناسبةَ، فأقام له مأدبةَ غداءٍ؛ لأنه كان يربطه به منذ القديم علاقـــة وطيدة، ودعا إليها كذلك أستاذًا بالجامعة قديمًا، كانت له به علاقة حبّ قديمة، كما كان كاتبُ السطور مُعْجَبًا به جدًّا لحسن أخلاقه، وغاية تواضعه، وبساطته القليلة النظير، وقد كان كاتبُ السطور أيّامَ دراسته في الجامعة يختلف إليه كثيرًا لمزاياه المذكورة؛ ولكنه منذ أن اختير أستاذًا بها ورئيسَ تحرير لمجلتها «الداعي» لم يَتَمَكَّنْ إلّا قليلًا من الاتصال به والاختلاف إليه. ولما حضرا المأدبةَ رأى كاتب السطور أن يذكر أما مهما هذا التقصير الذي يصدر منه باستمرار لازدحـــــام الأشغال الرتيبـــــــــــة عليه وإصابتــــــــــه إثر مقدمه

إلى دارالعلوم بسنوات بأمراض متكاثرة، فقال العالم الجليل المنتخب حديثًا عضوًا في المجلس الاستشاري الجامعيّ بعدما اطّلع على مقالتي فيما يتعلق بالتقصير والأسباب المُؤَدِّيَة إليه: إن مقالك: إنك تُكِنُّ له الإعجابَ والتقديرَ والحبَّ البالغَ؛ ولكنك لا تتمكن من إبداء ذلك بالمظهر العملي، لايكفي لتأكُّدِه من صدقك، فلابدّ من اجتهادك في اقتطاع فرصة من وقت لآخر لكي تُؤَكِّد له ذلك عن طريق مواقف عمليّة، من زيارات ولو كانت متباعدة، أو إقامة مأدبة له ولو مرتين في السنة، أو تقديم هدايا إليه تَتَيَسَّرُ لك من وقت لآخر؛ لأن الحبّ والبغض حقيقتان لا تَثْبُتَانِ بالقول بمثلما تَثْبُتَانِ بالعمل، ولا شيءَ أَوْفَىٰ بالتأكيد من المواقف العمليّة الدالَّة على الحبّ والبغض؛ حيث يَتَجَلَّيَانِ فيها كالشمس في رائعة النهار.

     وأضاف قائلًا: الناسُ خُلِقُوا عِجَابًا، إذا قلتَ لأحدهم: إني أَكْرَهُك: فقد يَثِق بقولك كلَّ الثقة؛ لكنكَ إذا قلتَ له: إني أُحِبُّك، فإنه يَذْهَب في الشكّ شَتَّى المذاهب؛ بل يَثِقُ بأنك تكذب إلّا أن يَتَبَدَّىٰ له منك موقفٌ يجعله يَتَأَكَّد أنك تُحِبُّه في الواقع. إن الإنسان أَسْرَعُ إلى تكذيب المُدَّعِي بالحبّ باللسان إلّا أن يُصَدِّقَه هو بالعمل، وإلى تصديق المُدَّعِي بالكره والبغض ولو باللسان وحده، على حين أن الحبّ والبغض مكانهما الأصلي هو القلب لا الجوارح التي إنما تُؤَكِّد وجودَهما.

     كثيرًا ما يَحْدُث أن أحدَنا يَكْتَفِي بالقول: إنّي أُحِبّك؛ بل هناك من يقول: إني أُحِبُّك لحدِّ أني يَسْهُلُ عليَّ بل يحلو لي أن أُقَدِّم إليك روحي، فضلًا عن مالي؛ ولكنه طَوَالَ حياته لا يَتَأَتَّىٰ منه موقفٌ يُصَدِّقُه، وإنما يبقى قوله غُفْلًا من التصديق العملي الذي لا يَرْضَىٰ أن يقوم به رَغْمَ المطالبة المُتَصِلَة به من «الحبيب» الذي يُبْدِي له الحبَّ بلسانه الذَّرِب وقوله العريض. إن حبّ مثله بالتأكيد يكون قولًا باللسان غيرَ مُصَدَّق بالجوارح والسلوك، فلا ينفع «الحبيبَ» شيئًا؛ لأنه ليس له وجود أصلًا، والشيءُ المعدومُ لا يُعْطِي مفعولًا، ولا يحمل تأثيرًا، ولا يُغَيِّر حقيقةً.

     نعم قد يَحْدُثُ أن أحدًا يحب أحدًا عن غيب وعن بعد بما سمع أو قَرَأَ عنه من الفضائل العلمية، أو الأعمال الدعوية، أو الإنتاجات الفكرية، أو الإنجازات التأليفية والكتابية، أو النشاطات الخيرية الإنسانية، أو التحركات التعليمية والتربوية، فأُعْجِبَ به إعجابًا بالغًا، وأحبّه حبًّا عميقًا صادقًا جعله يدعو له في كلِّ فرصة سنحت له، بل دُبُرَ كلّ صلاة مكتوبة؛ بل في خلوات الليالي الهادئة من الهزيع الأخير؛ ولكنه لا يَتَيَسَّرْ له اللقاءُ معه حتى يُبْدِيَ باللسان فضلًا عن طريق العمل أنه يُحِبّه ويُعْجَب به ويُكِنُّ له كل الاحترامَ والتقديرَ من أجل ما يقوم به من الأعمال والإنجازات التي ظَلَّ يُوَفَّقَ لها بفضل الله وإخلاص نيته.

     آلافُ الآلافِ من الناس يُحِبُّون الصالحين، والعلماء الربانيين، والمربين الكبار الذين تَخَرَّجَتْ في صحبتهم الزكية النموذجية عددٌ لا يُحْصَىٰ تَعَلَّقَ بهم، ولازمهم، وتَأَسَّىٰ بسيرتهم، وعَمِلَ عَمَلَهم، فتَذَوَّقَ العبادةَ، وتَشَرَّبَ حبَّ الله، وعَرَفَ معرفةً عمليّةً دقيقةً معنى حبّ النبيّ فالصدورَ عن سيرته في كلِّ ما يَأْتِي ويَذَرُ في الحياة.

     ولكنهم لا تَسْنَحُ لهم فرصةٌ لإبداء الحبّ تُجَاهَهم؛ لأنهم ربما يمنعهم احترامُهم وتوقيرُهم أن يُبْدُوا لهم بألسنتهم أنهم يُحِبُّونَهم؛ لأن اتِّبَاعَهم لسيرتهم وانتهاجَهم منهجَهم في الدين والدنيا يقوم مقامَ إبدائهم الحبَّ والإعجاب نحوهم، ويتفرس الصالحون والمُرَبُّون مَن يُحِبُّهم عن صدق ومَن لا يحبّهم، فلسانُ الحال يكون دائمًا أَبْلَغَ وأَصْدَقَ تعبيرًا من لسان المقال.

     و رغم هذه الأحوال المُسْتَثْنَاة من المبدإ الأساسي المتقاضي من المُحِبِّ أن يُبْدِيَ نحوَ حبيبه بالقول والفعل معًا أنه يُحِبّه؛ لأن الثاني أقوى وأبلغ وأصدق من الأوّل، يَبْقَىٰ – المبدأ – قائمًا لا تُبْطِل الحاجةَ إليه حالةٌ مُسْتَثْنَاة. وقديمًا تَقَرَّرَ أنه ليس هناك كُلِّيٌّ إلّا وفيه جُزْئِيٌّ.

     هذا، ويُسْتَحَبُّ – كما صَرَّح العلماء – لمن يُحِبُّ شخصًا ما في الله أن يُعْلِمَه بحبّه له، فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن رجلًا كان عند النبي -- فقال: يا رسول الله!: إني لأُحِبّ هذا، فقال النبي --: «أَعْلَمْتَه؟». قال: لا. قال: «أَعْلِمْه». قال: فلحقه، فقال: إني أُحِبُّك في الله. فقال: أَحَبَّكَ اللهُ الذي أَحْبَبْتَنِي له. (رواه أبوداود:5125).

     وعن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – أن رسول الله -- أخذ بيده، وقال: «يا معاذ! والله إني لأُحِبُّك، والله إني لأُحِبُّك». (أبوداود: 1522؛ وابن حبان: 2020).

     والحبُّ في الله شيءٌ لا يُقَدَّر؛ لأن فضلَه في الدين كبير، وثوابه عظيم جزيل، فقد قال النبي --: «قال اللهُ عزَ وجلّ: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور، يغبطهم النبيّون والشهداء». (الترمذي:2390).

     وعن أبي هريرة عن النبي -- قال: سبعة يُظِلُّهُم اللهُ في ظلّه، يوم لا ظِلَّ إلّا ظلّه... ثم ذكر منهم: ورجلان تحابّا في الله، اجتمعا عليه وتفرّقا عليه». (البخاري:660؛ ومسلم:1031).

     وقال رسول الله --: «قال الله تبارك وتعالى: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي للمتحابين فيّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فيّ» (صحيح ابن حبّان:577).

     وقال --: «أَوْسَطُ عُرَى الإيمان أن تُحِبَّ في الله، وتُبْغِضَ في الله». (أحمد: 18524).

     وعن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – قال: قال النبي --: «إن من عباد الله لأناسًا ماهم بأنبياء ولاشهداء، يغبطهم الأنبياء والشهداء يوم القيامة بمكانهم من الله تعالى». قالوا: يا رسول الله! تُخْبِرنا من هم؟. قال: «هم قوم تَحَابُّوا بروح الله على غير أرحام بينهم، ولا أموال يَتَعَاطَوْنَها، فوالله إن وجوههم لنور، وإنهم على نور، لايخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس. وقرأ هذه الآية: «أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَاهُمْ يَحْزَنُونَ» (يونس:62) (أبوداود:3527).

 

        (تحريرًا في الساعة الثانية عشرة والنصف من ظهر يوم الخميس: 3/رمضان 1440هـ، الموافق 9/مايو 2019م).

أبو أسامة نور

 nooralamamini@gmail.com

*   *   *

إلى المحتويات



(*)   أستاذ التفسير واللغة العربية وآدابها بالجامعة.

(*)   أستاذ مادتي الفقه واللغة العربية بـ«مدرسة كاشف العلوم» بـ«كوس» كفوارة/كشمير.

(*)   باحث في قضايا الأقليات المسلمة في بلاد المهجر، المغرب.

(*)   باحث الدكتوراه، مركز الدراسات العربية والإفريقية، جامعة جواهر لال نهرو، دهلي الجديدة، الهند.