مجلة الداعي، مجلة الداعي، شعبان 1440هـ = أبريل - مايو 2019م، العدد: 8، السنة: 43

 

 

الدَّاعِيْ

مجلة عربية إسلامية شهرية

تصدر عن الجامعة الإسلامية : دارالعلوم

ديوبند ، يوبي ، الهند

 

 

ISSN 2347-8950

العـــــــــــــــــــــدد : 8 ،                    السنـــــــــــــــــــــة : 43

شعبان 1440هـ ، أبريل - مايو 2019م

تحت إشراف

فضيلة الشيخ أبوالقاسم النعماني

رئيس الجامعة

رئيس التحرير

نـور عـالــم خليـل الأمينـي

أستاذ الأدب العربي بالجامعة

الاشتراكات

·      ثمن النسخة:30 روبية هندية

 

قيمة الاشتراك السنوي

 

·      في الهند : 300 روبية هندية

·      وفي خارج الهند للأفراد : 60 دولاراً

·     وللمؤسسات الحكومية : 80 دولاراً

المـراسـلات

رئيس تحرير مجلة الداعي

دارالعلوم ، ديوبند ، يوبي ( الهند )

الرمز البريدي 247554

 

Chief Editor, AL – DAIE

Arabic Islamic Monthly

Darul – Uloom, Deoband – 247554

(U.P.) INDIA

 

الهاتف والفاكس

Ph. : (00-91-1336) 222429,         Fax : (00-91-1336) 222768

 

المواد التي تنشرها المجلة تعبر عن وجهة نظر كاتبيها و لا تعبّر – بالضرورة – عن رأي المجلة

 

 

 

 

المحتويات

 

كلمة المحرر

 

·            ما أحوجنا إلى التمرين على الصيام

التحرير

كلمة العدد

 

·            البلاد العربيةُ اليوم بين فَكَّيِ الأسد

نور عالم خليل الأميني

الفكــر الإسلامي

 

·          من ظلال التفسير

العلامة الشيخ شبير أحمد العثماني الديوبندي رحمه الله

دراسات إسلامية

 

·          سورة في القرآن الكريم

الأستاذ محمد بن إبراهيم بن أحمد الحمد

·            من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند

الأستاذ سيد محبوب الرضوي الديوبندي رحمه الله

·          ومضات حول الإسراء والمعراج

الدكتور عامر يس النجار

·            أهمية القدس للمسلمين

الأستاذ أحمد البدوي

·            السرف في نصوص القرآن والسنة

الأستاذ عبد الله بن إبراهيم الطريقي

·     خُطُورَةُ الاستخدام السلبيّ لشبكة الإنترنت ومَضَرَّتُها وطريقُ النجاة منها

 الأستاذ عبد الرؤوف خان الغزنوي الأفغاني

·            من أضرار الحسد

الدكتور بدر عبد الحميد هميسه

·            مكانة المرأة في الإسلام: الحقوق، والواجبات

الدكتور عادل بن إبراهيم بن محمد رفاعي

إلى رحمـــــــة الله

 

·            الشيخ أسرار الحق القاسمي في ذمة الله

الأستاذ محمد أبرار كليم القاسمي

محليــــــــــــــــات

 

·     نقوش كلمة ذات دلالة دينية على الأحذية تثير ضجات واحتجاجات، الأقلية المسلمة يسودها الغضب والقلق...

 مساعد التحرير

أنباء الجامعـــة

 

·            أستاذ أزهري يزور الجامعة

مساعد التحرير

إشـــراقــــــــــة

 

·            بين وساطة و وساطة

أبو أسامة نور

 

 

كلمــة المحــرر

ما أحوجنا إلى التمرين على الصيام

 

     شهر شعبان من أهم الشهور الإسلامية، وله الكثير من الفضائل، وكان رسول الله يكثر من صيامه، فقالت عائشة -رضي الله عنها- فيما رواه الشيخان وغيرهما:«لم يكن النبي يصوم شهرًا أكثر من شعبان؛ فإنه كان يصوم شعبان  كله». و روى النسائي عن  أسامة بن زيد، قال: قلت: يا رسول الله، لم أرك تصوم شهرًا من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذلك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» (سنن النسائي:2357).

     وإذا أمعنا النظر تبين أن صيام ما قبل شهر رمضان وبعده أفضل من الصيام مطلقًا؛ فإن هذا الصوم بمنزلة السنن الرواتب مع الفرائض قبلها وبعدها، والرواتب قبل الفريضة وبعدها أفضل من غيرها من مطلق التطوع، فيلتحق الصوم قبل رمضان وبعده بصيامه- رمضان- في الفضل وتلافي النقص الذي قد يطرأ على فريضة الصيام في شهر رمضان.

     وصيام شهر شعبان بمنزلة المقدمة وكالتمرين على صيام رمضان، فشُرِعَ فيه ما شُرِعَ في رمضان من الصيام والاجتهاد في العبادة وقراءة القرآن الكريم. فإذا تعود المرء صيام شعبان لم يدخل عليه شهر رمضان على مشقة وكلفة؛ بل دخل عليه وهو على قوة ونشاط، ومران عليه، فيجد من اللذة في صيام شهر رمضان مالايجده في غيره.

     أضف إلى ذلك أن إحياء الوقت المغفول عنه أشق على النفس من غيره، وأفضل الأعمال ما كان أشق على النفس. وذلك لأن النفس تتأسى بما تشاهد من الطاعات والغفلات، فإذا شاهدَتْ يقظات وطاعات سهل عليها إتيانُها، وأما إذا أَلْفَتْ الغفلةَ والفتور في الناس فإنه يشق عليها إتيان الأعمال الصالحة. فإذا حملها المرء عليها حملًا كان أعظم أجرًا له. ولهذا المعنى رفع الشرعُ مكانة الأوقات المغفول عنها وعظَّم قدرَها، ففضَّل شهود صلاة الفجر في جماعة لغفلة كثير من الناس عنها، وفضَّل ما بين العشائين وفضَّل قيام نصف الليلة ووقت السحر؛ فما أكثر من يغفل عنها.

  وها نحن نستقبل هذا الشهر الفضيل من الشهور الإسلامية، ونحن في حاجة إلى مراجعة النفس، وإلى التمرين على الصيام استعدادًا لشهر رمضان؛ فقد أصبح بعض بني جلدتنا يعتبر شهر رمضان عبئًا ثقيلا عليه، بدَّل شِبعه جوعًا، و ريَّه عطشًا، ورقودَه أرقًا وسهرًا، وراحته نصبًا وتعبًا، في غفلةٍ من أن الصوم هو الذي يصون عليه صحته، ويمسك عليه توازنه، واعتدال مزاجه ويوفِّر له الراحة والطمانينة.                [التحرير]

(تحريرًا في الساعة  العاشرة والنصف من يوم الخميس: 7/جمادى الآخرة 1440هـ=14/فبراير 2019م).

       

إلى المحتويات

 

كلمــــة العــــــدد

البلاد العربيةُ اليوم بين فَكَّيِ الأسد

 

     لا يُؤْتَى الإسلامُ والمسلمون اليوم من قبل الأعداء السافرين، من الكفار والصهاينة والمسيحيين والوثنيين فحسبُ، وإنما يُؤْتَوْن كذلك من الأعداء المُتَسَتِّرين، من الذين يَنْتَمُون إلى الإسلام رسمًا واسمًا فقط، من العلمانيين المزعومين، والمتشككين في الإسلام، والقادة والحكام المُتَنَكِّرِين للدين والتدين، والإسلام الحي الماشي على قَدَمَيْه، الدافع برَاحَتَيْه، المُؤَدِّي دورَه في الحياة صادرًا عن رضاه وصلاحيته.

     فالإسلامُ اليومَ ليس مُحَارَبًا من جبهة واحدة، أو على صعيد وصعيدين، وإنما تَألَّبَ عليه الأعداءُ من جميع فصائل الكفر وعشائر الشيطان وجنود إبليس، وكلُّهم قدتحالفوا لمحاربة الإسلام، وامتهان كرامة الإنسان المسلم، وإذلاله وتطويعه واستعباده، وتصفية الوجود الإسلامي من وجه الأرض.

     فأنتَ لستَ في مأمن إذا كنتَ مؤمنًا حقًّا، تأخذ بالإسلام بجميع أحكامه ومُقْتَضَيَاته، وإنما أنتَ في سلام إذا صرتَ مسلمًا متخلخلًا «معتدلاً» تؤمن بالإسلام رسمًا، وتكفر به حقيقةً، فأنتَ إذًا طَيِّب مسلم مسالم يحبه الجميعُ؛ لأنك أصلًا لستَ مسلمًا وإنما أنت بحيث لا يَتَأَكَّد نجاتُك من النار ودخولُك الجنة. إن الأعداء يَتَأَلَّمون ويموتون غيظًا أن يكون أحد على وجه الأرض مؤمنًا حقًّا، ويسرّهم جدًّا أن يكون الكلُّ مثلَهم كَفَرَةً مُتَحَدِّين اللهَ في ألوهيّته، خارجين على جميع ما أراده من البشر عن طريق أنبيائه ورسله، فيستحقّون النارَ كما يستحقون هم. وذلك من طبيعة الكفر، وشيمة طاعة الشيطان، واقتضاء تَحَدِّي الله كتَحَدِّي إبليس.

     وإذاكان هذا موقفُ الأعداء السافرين، فإن موقف الأعداء المتسترين لا يقِلُّ خطورةً؛ حيث إن هناك إجماعًا من قبل العلمانيين المتنكرين للإسلام، وتلاميذ الغرب الحاقد على الإسلام وتلاميذ الشرق الناقم منه، المباغض له، الجاثمين على صدر الشعب الإسلامي في مُعْظَمِ البلاد العربية والإسلامية.. إجماعًا على محاربة الإسلام، وتعذيب الإسلاميين، وسحق الشباب المسلم المتدين.

     وإذا كان هؤلاء العلمانيّون وتلاميذُ الغرب والمتغربون، الذين لايرتاحون للإسلام في قرارة أنفسهم، هم الذين يَتَوَلَّوْن مقاليدَ الحكم في جلّ أو كل البلاد العربية والإسلامية، فعاد المسلمُ المُعَذَّب في أرض الله تائهًا ضائعًا، لايهتدي إلى من يشكو إليه حالتَه البائسة، ولا تجد العجوزُ المسلمةُ المُهَانَةُ في أرض الله الواسعة من تَصْرُخُ هي في وجهها: «وامعتصماه» لأنها لا تجد على وجه الأرض «مُعْتَصِمًا» يتسامع بصرختها عن بعد، فيُجَهِّز جيشًا، ويزحف إلى بلاد من أَهَانَها بصفتها مسلمةً(1).

     حقًّا، لو لم تكن رقاب المسلمين بأيدي أذناب العلمانية والأيديولوجيات الفاسدة والغرب وأمريكا، في البلاد الإسلامية والعربية، وكانت مقاليد الحكم والسلطة بأيدي من يعتقد حقًّا أن تَوَلِّي حكمها نعمةٌ عليهم من الله ومسؤوليّةٌ باهظةٌ لا يقدر على حملها وأدائها بنصابها المطلوب إلّا من يؤمن بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد -- نبيًّا.. لو كان الأمر كذلك لكان الوضعُ غيرَ الوضع المُزْرِي المَشِين الذي يعايشه المسلمون في كل جزء من العالم العربي والإسلامي، ونهضت البلادُ الإسلاميّةُ كلُّها ضدَّ جميع بني الكفر الذين تَأَلَّبُوا اليومَ ليذيقوا الإسلامَ والمسلمَ حتى في عقر داره سوءَ المهانة والعذاب، بحيث لا يجد مُتَّسَعًا يَأْمَن فيه على نفسه ودينه، ويعبد الله وحده دونما خوف ومُلَاحَقَة وملام واتِّهام بعظائم الجرائم.

     إذا كان القادةُ والحكامُ في البلاد العربية والإسلامية كذلك لا يَتَّصِفُون بجراءة تَجْعَلُهم يُقَاطِعُون دولَ الكفر والشيطان، التي تُبَاشِر أو تُؤَيِّد أو تُشَجِّع أو تُخطِّط وتتآمر وتدعو لقتل المسلم، وتشريده وتعذيبه، وتجويعه وتطويعه، وتذليله وإخزائه، واغتصاب أرضه وعِرْضه، جهارًا ونهارًا، وتَحَدِّيًا سافرًا لكل «شريف»على وجه الأرض، وكل قانون دَوْلِيّ إذا كان هناك قانون دولي وُضِعَ حقًّا للوقوف بجانب مظلوم وعرف عالمي، وخلق إنساني.. إذا كانوا هم لايتصفون بها الجراءة فهل يَنْقُصُهم كذلك الشعورُ بالآدميّة، والحرصُ على احترام الذات، وعلى الاحتفاظ بالنخوة العربيّة المضروب بها المثلُ، والغيرة الإسلامية التي جَعَلَتِ الحكامَ في التاريخ الإسلامي يُغَيِّرون مجرى التأريخ، وتيّارَ الليل والنهار.

     إن أدنى هذه المعاني التي ذُكِرَت، تجعل أيَّ عربي فضلًا عن العربي المُثَقَّف الذي يتولّى منصبَ الحكم والسلطة في بلاده يفور غضبًا ويَتَمَلَّأُ نقمةً ضدّ كل من يصنعون الصنيعَ المشارَ إليه مع الإنسان العربي المسلم.. وبالتالي تجعله يأخذ بالأسباب التي تساعده على «تأديب» الشرق والغرب، وتصفية الحساب معهما؛ وتجعله يُعَامِل حكامَ الغرب وأمريكا: عبيدَ الصهاينة، معاملةَالنِدِّ للنِّدِّ، لا معاملة العبد مع السيّد الجليل المطاع، والتلميذ البارّ الرشيد المدين له بنعمة «التعليم والتربية».

     إي والله! إن الحكامَ والقادةَ في البلاد العربية والإسلامية كذلك فقدوا كما تُؤَكِّد كلُّ الدلائل والشواهد الحيّةُ الشاخصةُ كلَّ ما يمكن أن يُصَنَّف ضمن «نخوة عربية» - فضلًا عن النخوة الإسلامية والغيرة الدينية اللتين قد يفتخرون بفقدهم إيّاهما لأنهم كما يبدو عادوا بعملية الغسيل الدماغي الغربي الأمريكي العلماني الشيطاني، يَعُدُّون الدينَ أكبرَ صخرة في سبيل أهوائهم وشهواتهم وتَغَرُّبهم الكامل، وانسلاخهم الصحيح من جلودهم العربيّة التي وُلِدُوا بها.

     لو كانوا يَتَمَتَّعُون بنخوة عربيّة عامّة كان يَتَمَتَّع بها طَوَالَ التاريخ جميعُ الملوك والحكام العرب مهما كان منهم من تَحَرّر، وتَلَطَّخَ بالملذّات، وعَانَقَ الشهوات، وانجرف مع ما أملاه عليه حبُّه لدنياه مثل المعتصم بالله العباسي الذي لم يكن ملكًا عربيًّا مثاليًّا يشار إليه في الصلاح والتقوى والعدل والفضل، ولكنه لم يتحمل أن يصبر على الإساءة إلى امرأة عربية مغمورة استغاثَت به عن بعد، فجهّز جيشًا عرمرمًا، وذاق في سبيل تحريرها الويلات، حيث غزا مدينة احتلّها الروم، وضَحَّىٰ بعدد كبير من رجال حيشه، وعاش حول المدينة الحصارَ نحو نصف سنة، وعاني كلَّ ما يعانيه القادةُ الباسلون، فَخَلَدَ اسمُه، واشتهر صيتُه، وطابت سمعتُه، وصار رمزًا للبطولة العربية الإسلامية، ومثلًا للوعي العربي الذي يُضْرَب لكل حاكم عربي غيور.. إنهم لو كانوا كذلك على الأقل لما مُنِيَ المسلمون والعرب بالذات من التيه والضياع والذل والهوان بما مُنُوا به.

     إنهم صاروا لايحملون «غيرة معتصميةً» فضلًا عن أن يحملوا ولاءً صحيحًا للإسلام، وانتماءً حقيقيًّا إلى محمد النبي العربي -- وحبًّا صادقًا للتربة التي نَبَتُوا فيها، والدين الذي وُلِدُوا عليه. عادوا لا يهمّهم إلّا أغراضُهم الشخصيّةُ ومصالحُهم الأُسَرِيّةُ، ولا يهمهم في قليل أو كثير المصالحُ الوطنيةُ، والأغراضُ القومية، والرسالةُ الإسلامية، و واجباتُ الأخوة الإسلامية. إن قلوبهم لا تنبض بعطف على الإسلام، وبترحّم على بؤس أبنائه وشقاء أوليائه، وبغضبة عمرية صديقية على شماتة أعدائه، وتربصهم بالعرب المسلمين بالقتل والفتك، وبكل صورة من صور الإذلال التي تخطر بقلوبهم.

     ويزداد المسلم ألمًا على ألم، عندما يرى أن الجاثمين على صدر الشعب المسلم في مُعْظَم البلاد العربية والإسلامية كذلك من العلمانيين والمتغربين والمتنكرين لنعمة الإسلام، لا يكتفون بالامتناع عن إغاثة المسلمين والعرب المُعَذَّبين في الأرض، وإنما يزيدون الطينَ بَلَّةً بأنهم يُنَفِّذون في داخل عدد من البلاد العربية أسوأ أنواع عمليّات التعذيب في حق شعبهم العربي وإهانته وإبادته، على المستوى الذي قد يفوق مستوى تعذيب اليهود والنصارى والوثنيين في تعذيب المسلم العربي أو العجمي.

     ولا غرابةَ في ذلك ما داموا هم تلاميذَ بررةً لهؤلاء الملاعين من أعداء الإسلام الثابتين.

     «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون». كما قال النبي (الصحيح من سيرة النبي الأعظم: 3/250).

 

نور عالم خليل الأميني

nooralamamini@gmail.com

(تحريرًا في الساعة الثانية عشرة من نهار يوم الأربعاء: 16/جمادى الأولى 1440هـ الموافق 23/يناير 2019م).

===================

(1)  كانت هناك في عهد الدولة العباسية مدينة صغيرةٌ تُسَمَّىٰ «عمّورية» (بقاياها تقع الآن في «تركيا» بمحافظة «أفيون مرة» وهي مهجورة منذ أن فتحها المعتصم بالله العباسي) كانت جزءًا من الدولة العباسية؛ ولكن الرومَ اسْتَوْلَوْا عليها وجعلوها جزءًا من دولتهم، وعاملوا أهل مدينة «عمّورية» المسلمين أسوأَ معاملة، بالإضافة إلى إساءتهم إلى النساء المسلمات جريًا على عادتهم في جميع معاركهم، فقاموا بأسرهن، وكان بين النساء اللاتي أَسَرَهن الرومُ فتاة جميلة جدًّا، جرى سَوْقُها كغيرها من النساء إلى سُوق العبيد؛ حيث نادى مناديهم ليبيعها، فأُعْجِبَ بها رجلٌ من الروم، فاشتراها، وأمسكهاليأخذها معه، هنا انهمرتِ الدموعُ من عينيها، وأخذت تصرخ بشدّة: «وامعتصماه».. «وا معتمصاه»!. وكلما صرختِ الفتاةُ «وا معتصماه» أخذ الرجل يضربها بقساوة بالغة. ومن حسن حظّها وافاها رجلٌ عربيٌّ متنكّر جاء ليرى هذه المأساةَ التي سَمِعَ بها، فركب فرسَه عاجلًا متجهًا توًّا إلى «بغداد» لكي يُقَابِل الخليفةَ العباسيَّ «المعتصم بالله» (هو أبو إسحاق محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور ثامن الخلفاء العباسيين: 179-227هـ = 796-842م) ويحكي له ما رأته عيناه من إهانة فتاة مسلمة عربية، فوصل بغدادَ وقابل الحليفةَ وسَرَدَ له ما حدث مع الفتاة بدقة متناهية.

       ما إن سمع المعتصمُ بالله إلى الفتى حتى ثارتْ نخوتُه العربيةُ وغيرتُه الدينيةُ، واسْتَدْعَىٰ رسولاً من بَلَاطِه ليُرسل معه رسالةً إلى أمير «عمّورية» الرومي، قال له فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم، من أمير المؤمنين المعتصم بالله إلى كلب الروم... لَتَخْرُجنَّ من المدينة. أو لأُخْرِجَنَّك منها صاغرًا ذليلًا، وأخرج المرأة من السجن، وإلا أتيتُك بجيش بدايته عندك ونهايته عندي» وعندما وصلت الرسالةُ إلى أمير «عمورية» بعد أيام قليلة جاء رسول المعتصم بالله لينقل له رَدّ ملك الروم والذي قال لرسول المعتصم «ليَفْعَلْ أميرُكم ما يعتقد أنه قادر على فعله» سَمِعَ المعتصمُ بالله ما قاله رسوله، فزادَ غضبُه وقَرَّرَ محاربةَ ملك الروم.

       هنا جَهَّزَ الخليفةُ الجيشَ الجرّارَ الذي وصل عددُه إلى حواليَ تسعين ألف رجل، واستصحب الرجلَ الذي أحاطه علمًا بقصة الفتاة المسلمة. ولما سمع الرومf gبوصول جيش المعتصم، شَدَّدوا الحصارَ على المدينة، وفي البداية عجز جيش المعتصم عن اقتحام أسوار المدينة؛ لكنه أخيرًا تمكن من هدم أسوار المدينة، وبعد أن دارت الحرب شرسة بين جيش الروم وجيش المسلمين، انتصر عليهم المسلمون، واستطاع المعتصم السيطرة على المدينة، وأسر عددًا كبيرًا من القادة والزعماء الروم. اتجه المعتصم إلى «عمورية» في جمادى الأولى 223هـ الموافق أبريل 838م ودام حصارها نحو نصف عام حتى استسلمت له. ودخلها المسلمون في 17/رمضان 223هـ الموافق 13/أغسطس 838م.

       ولما انتهت المعركة، استدعى جنودُ المعتصم بالله الفتى الذي جاء إلى بغداد يخبر المعتصم بقصّة المرأة العربية، وطلبوا منه أن يُحَدِّد مكانَ الفتاة، فوصل المعتصمُ والجنودُ إليها وإلى سيدها الرومي، وتمكنوا من تحريرها، وجعلوا سيّدها الرومي عبدًا لها. وهنا سأل المعتصم المرأة: «هل لَبَّى المعتصم نداءكِ» قالت: نعم. كما حَرَّرَ المعتصم جميع الأسرى التي وقعت تحت سيطرة جيش الروم. (المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي 11/29).

       إن اللفظة التي أطلقتها المرأة العربية مستصرخة المعتصمَ بالله: «وا معتصماه» صارت مثلًا في التاريخ الإسلامي يُضْرَب لكل مسلم ومسلمة يستنجد أحد منهما أحدًا للمساعدة على الخلاص من الظلم والإهانة والبطش ودوس الكرامة.

       وقد قال أبو تمام (هو حبيب بن أوس بن الحارث الطائي: 188-231هـ = 803-845م) قصيدته البائية الشهيرة الخالدة في ذكر فتح «عمورية» ومدح المعتصم بالله، بدأها بقوله:

السيفُ أَصْدَقُ أَنْبَاءً مِنَ الْكُتُبِ

فِي حَدِّهِ الْحَدُّ بَيْنَ الْجِدِّ وَاللّعِبِ

       

إلى المحتويات

 

الفـكر الإســــــــلامي

من ظلال التفسير

بقلم: العلامة الشيخ شبير أحمد العثماني رحمه الله

 (1305-1369هـ/1887-1949م)

تعريب: أبو عائذ القاسمي المباركفوري

 

 

     شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (11)  

فائدة1:

     أول الكلام خطاب إلى نصارى نجران، وترغيبهم في الإيمان بأسلوب لطيف جدا بإبطال ألوهية المسيح وإعلان التوحيد، وتخلل ذلك العوائق التي تعوق دون إيمان المرء رغم وضوح الحق، أي المال والأولاد وأسباب العيش والرفاهية. ثم ذكر في هذه الآيات صفات المؤمنين، ثم عاد إلى أصل المعنى وهو توحيد الله تعالى وغيره. أي ما الذي يحبسكم عن الإيمان بالتوحيد الصِرف الخالص، في حين أن الله تعالى يشهد في كافة كتبه بذلك، وتشهد كل صفحة؛ بل كل نقطة من كتابه الفعلي- صحيفة الكون- بأنه لايستحق العبادة إلا الله تعالى.

وفي كل شيء له آية  ....  تدل على أنه واحد

     قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾[فصلت:53].

فائدة 1:

     غير خافٍ أن شهادة الملائكة لن تخالف شهادة الله تعالى، فإن الملَك عبارة عن مخلوق لايسعه الإعراض عن الصدق والحق. فتسبيح الملائكة وتمجيدهم كله قائم على توحيد الله تعالى.

فائدة 2:

     شهد أهل العلم في كل زمان بالتوحيد، ويعد اليوم إطلاق كلمةٍ واحدةٍ معارضةٍ للتوحيد جهلًا يعني جهلًا محضًا في عموم الأحوال، ويعترف المشركون من أعماق قلوبهم بأن المبادئ العلمية لاتؤيد عقائدهم أبدًا.

فائدة 3:

     العدل يتطلب أمرين: أن يكون عزيزًا قويًّا، لايسع أحدًا الخروج عن أمره، وأن يكون حكيمًا: يحكم حكمًا صحيحًا بميزان الحكمة والمنطقية، فلايأمر بأمر في غير موضعه. والله سبحانه وتعالى عزيز حكيم، فلاشبهة أنه عادل منصف على الإطلاق. وربما أشار في قوله: ﴿ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ إلى الرد على قضية الكفارة التي يقول بها النصارى. وهل من العدل أن يحمل ذنوب العالم وجرائمه كلها على عاتق رجل واحد؟ فيتعرض للعذاب عنهم جميعًا، ويبرئ الجناة كلهم من جنايتهم ويطهِّرهم منها؟! والله تعالى العادل الحكيم فوق هذه الوقاحة.

     إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19)

فائدة:

     الإسلام في الأصل: الاستسلام، والتفويض الكلي. وسمي دين الإسلام به؛ لأن  المسلم يقر بأنه سلّم نفسَه بكلّيتها إلى الله الواحد، وخضع لأحكامه خضوعًا تامًّا. فكأن الإسلام عبارة عن الانقياد والتسليم والطاعة الإسلامية. وقد جاء الرسل كلهم من البداية بدين الإسلام، وبلغوا أحكام الله تعالى أقوامهم في أزمانهم وفي الوقت المناسب، ودعوهم إلى طاعة الله تعالى وعبادته، وأما ما جاء به النبي الخاتم محمد رسول الله -- إلى العالم من التوجيهات المتكاملة الجامعة العالمية التي لاتقبل النسخ والتبديل، فإنه يتضمن سائر الشرائع السابقة مع شيء زائد عليها، واصطبغ بصبغة خاصة وسمي بالإسلام.

     والحاصل أن الآية الكريمة تعلن لنصارى نجران خاصةً ولأمم العالم ومللها كلها عامةً أن الدين ليس عبارة إلا عن شيء واحد، وهو أن يفوِّض العبد نفسه إلى ربه  بقلبه وروحه، ويخضع لما يأمره به خضوعًا عامًّا، من غير تردد أو توقف، فمن اتخذ لله تعالى ولدًا أو حفيدًا، وعبد صورة مريم و المسيح، وأخشاب الصليب، وأكل الخنزير، واتخذ البشر إلهًا، والإله بشرًا، واستهان بقتل الأنبياء و أولياء الله، وسعى في إبطال الدين الحق، وكذب واستهزأ بالنبي الذي جاء كما بشر به موسى و عيسى عليهما السلام- بأعظم مما جاء به موسى وعيسى من الآيات والمعجزات والكتاب والأحكام و قد استيقنه وعلمه، أو من  سجد للأحجار والأشجار والكواكب والشمس والقمر التي لاتعقل، هل تستحق جماعة من أمثال هؤلاء أن تدعي أنها مسلمة وعلى ملة إبراهيم عليه السلام؟ وفي رواية محمد بن إسحاق: فقال رسول الله --: «أسلموا». فقالوا: قد أسلمنا. فقال رسول الله --: «كذبتم، كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ولدًا، وتعبدون الصليب وتأكلون الخنزير»؟ (التفسير الكبير).

فائدة:

     أي الإسلام واضح أبلج، والأدلة التي تؤكد رسالة موسى وعيسى وأن التوراة والإنجيل من الكتب السماوية- أحسنُ منها وأقوى وأخلد ما يدل على رسالة محمد -- وكونِ القرآن الكريم كلام الله تعالى؛ بل تشهد هذه الكتب بدورها بأنه -- على الحق. و التوحيد الخالص معنى واضح أبلج، تعود فكرة الأب والابن بإزائها لغزًا من الألغاز لا معنى له، و لايؤيده مبدأ من مبادئ العلم. فمن كذَّب من أهل الكتاب هذه الحقائقَ الناصعة وعارضَ الإسلامَ و خالفه، وأعرضَ عن حكم الله تعالى، هل نقول فيه غير أنه صادر في ذلك عن الكبرياء والحسد و العناد وحب المال والجاه. كما سبق أن سقنا اعتراف أبي حارثه بن علقمة رئيس وفد نجران- بذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ [آل عمران:10]. وهذه شِنْشِنَتُهم القديمة. ويشير التاريخ إلى أن ما حدث بين أهل الكتاب من الخلافات، وما تفرع إليه كل حزب من الفرق والجماعات، ثم ما أدى إليه الخلاف بينهم من الحروب الدامية والرهيبة كان مصدره في عموم الأحوال سوء التفاهم أو الجهل. وأدى حب الذهب والفضة والجاه إلى تفرقهم على الأحزاب والجماعات في معظم الأحوال.

فائدة 3:

     (سَرِيْعُ الحِسَابِ) في الدنيا، وإلا فلابد منه في الآخرة.

     فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (20)

فائدة 1:

     ما أسلفنا قبل فائدتين أنهم كانوا يحاجون المسلمين بأنهم مسلمون، فقيل لهم في هذه الآية: ما يغنيكم هذا الإسلام المُزَوَّر؟ تعالوا وانظروا ما الإسلام؟ الإسلام هو ما عليه محمد -- وأصحابه المتفانون. وسبق أن قلنا: إن الإسلام عبارة عن التسليم والانقياد، أي أن يفوِّض المرء نفسه إلى الله تعالى، فانظروا إلى محمد -- والمهاجرين والأنصار، كيف أنهم قاوموا الشرك وعبادة الأصنام، والفسق والفجور والظلم والعدوان، وضَحُّوا بكل ما عندهم من النفس والمال والوطن والعشيرة والزوجة والأولاد، وكل شيء أحبوه ورغبوا فيه- ابتغــــــاء مرضـاة الله تعالى. وكيف أنهم يتوجهون بعيونهم ووجوههم إلى أحكام الله تعالى، ليأخذوا بها إثر نزولها. وعلى العكس من ذلك انظروا في حالكم: تقرُّون إذا خلوتم بأن محمدًا على الحق، ولكن تُعرِضون عن الإيمان به خشية أن تفوتكم حظوظكم من المال والجاه في الدنيا، فأنتم وشأنكم. وعلى كل، أعرضتم عن الإسلام رغم وضوح الحق، وأما نحن فقد أسلمنا لله تعالى وحده.

فائدة 2:

     أي فكروا وتدبروا. هل أنتم عبيد مستسلمون لله تعالى أو أصبحتم مستسلمين له كما نحن عليه، وإذًا أنتم على الصراط المستقيم. وأصبحتم إخواننا، وإلا فما علينا إلا البيان وشرح ما يفسد وما يصلح. وقد فعلنا ذلك. ثم كافة العباد وأعمالهم ظاهرها وباطنها في علم الله تعالى. وسيجزيهم جميعًا.

تنبيه:

     الأميون: هم مشركو العرب؛ إذ لم يكن عندهم علم بالكتب السماوية.

     إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (21) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (22)

فائدة:

     ورد في الحديث أن بني إسرائيل قتلت في يوم واحد ثلاثة وأربعين نبيًّا ومئة وسبعين أو مئة واثني عشر وليًّا من أولياء الله تعالى. فقيل هنا لنصارى نجران وغيرهم من الكفار: إن إنكار الأنبياء عليهم السلام، ومعارضة الناصحين المنصفين من عباد الله، وتلويث الأيدي بدمائهم بسبب قساوة القلوب، ليس أمرًا هينًا. فهم يستحقون أشد العذاب وخسارة الدنيا والآخرة. وحبطت مساعيهم، وذهبت جهودهم سدى. ولاناصر لهم ولا معين حين ينزل بهم العقاب في الدنيا والآخرة.

     أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (23)

فائدة 1:

     أي القليل من التوراة والإنجيل وغيرهما، الذي أمن تحريفهم لفظًا ومعنى، أو القليل من فهم الكتاب.

فائدة 2:

     أي حين يُدعون إلى القرآن الكريم، الذي جاء على وفق ما بشرت به كتبهم التي يعترفون بها، و يحكم في الاختلافات التي بينهم بالحق والصواب، فيتجاهل فريق من علمائهم ويعرضون عنه، مع أن الدعوة إلى القرآن الكريم يعني في الواقع- الدعوة إلى التوراة والإنجيل. ولايبعد أن يكون المراد بالكتاب هنا التوراة والإنجيل. أي: هَا نحن نكل الفصلَ في نزاعكم إلى كتابكم أنتم، ويا للعجب! إنهم يعرضون عن توجيهات كتابهم ويؤثرون عليها أهواءهم وأغراضهم الدنيئة. فلايسمعون ما في كتابهم من البشارات ولايأخذون بما فيه من الأحكام. فقد أعرضوا عن نصوص التوراة الصريحة في قضية رجم الزاني. كماسيأتي في سورة المائدة.

     ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (24)

فائدة 3:

     أي: يرجع طغيانهم وجرأتهم على الذنوب إلى أنهم أمنوا العقاب، وافترى كبراؤهم: إنه لايذوق أعظمهم ذنبًا إلا أيامًا معدوداتٍ، كما سبق في سورة البقرة. وافتروا أشياء كثيرةً أمثالها، فمثلًا كانوا يقولون: نحن أحباء الله أو أولاد الأنبياء، وقد وعد الله يعقوب -عليه السلام- أنه لايعذب ذريته، إلا تحلة القسم، واخترع النصارى قضية الكفارة، فجعلوا قضية الذنب والمعصية هباء منثورًا، اللهم أعذنا من شرور أنفسنا.

     فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (25)

فائدة 1:

     أي يعلمون حينئذ: في أيِّ ظلام وقعوا، حين يفتضحون بين يدي الأولين والأخرين وبين يدي عظمائهم يوم المحشر. ويجزون ما عملوا جزاءً وفاقًا. فلايُسعِفهم قضية الكفارة ولا يغنيهم القرابة أو العقيدة المفتراة.

 فائدة 2:

     أي لايعاقبون على الجنايات المُزَوَّرة، وإنما يعاقبون على الأعمال التي يعترفون بأنها جريمة، ولايعاقبون إلا بالقدر الذي يستحقونه من العقاب. ولايضيع لأحد حسنة وإن صغرت.

     قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)

فائدة:

     كما حكينا سابقًا أن أبا الحارثة بن علقمة رئيس وفد نجران- قال: إن ملوك الروم يمنعوننا حظنا من العز والمال لو آمنا بمحمد. فلعله سبحانه رد عليه ردًا متمثلًا في الدعاء والمناجاة: لايفتننكم سلطة الملوك وما يمنحونكم من العز؛ واعلموا أن السلطة والعز في الواقع ملك الله تعالى، وبيده، يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء.

     ألا يمكن أن ينتزع الله تعالى ملك روما وفارس ويؤتيه المسلمين؛ بل وعد الله تعالى أنه سيحصل ذلك. وقد لا تصدقون ذلك بالنظر إلى ما عليه المسلمون من الفقر والعوز، وما عليه أعداؤهم من القوة، فكان اليهود والمنافقون يستهزئون ويقولون: هؤلاء المسلمون- الذين يتحصنون بحفر الخندق حول المدينة خوفًا من هجمات قريش عليها- يحلُمون بملك قيصر وكسرى. ثم لم يمض على ذلك إلا قليل حتى أراهم الله تعالى أن مفاتيح خزائن الروم وفارس التي أعطاها نبيه محمدًا -- كيف تم توزيعها بين المجاهدين المسلمين على عهد عمر الفاروق؟ والحق أن هذه السلطة المادية والعز الدنيوي هل تحتل مكانة في حين أن الله تعالى انتزع من بني إسرائيل المكانة الروحانية السامية (أي النبوة والرسالة)، ومنحها بني إسماعيل، فعسى أن تُحوَّل سلطة الروم وفارس الظاهرة إلى الأعراب من العرب.

     فكأن هذا الدعاء بمثابة تَنَبُّؤٍ بأن الدنيا ستشهد التحول رأسًا على عقب عما قريب، فالأمة التي كانت بمعزل عن الدنيا هي التي تملك البلاد والحكومات، والذين كانوا على عرش الحكم سيهوي بهم أعمالهم السيئة إلى هُوَّة الذل والهوان.

تنبيه:

     قوله: (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) يعم كل نوع من الخير. وإحداث الشر أيضًا بيده، فإن فيها آلافًا من الحكم بالنظر إلى العالم ككل. وفي الحديث الصحيح: «الخير كله في يديك، والشر ليس إليك»(1).

     تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (27)

فائدة 1:

     أي قد ينقص الليل ويزيد النهار، وبالعكس، فمثلًا: الليل في بعض الفصول 14 ساعة، والنهار10 ساعات، وثم يمضي عدة الشهور عليه حتى ينتقص الليل بقدر أربع ساعات، فيكون 10 ساعات، والنهار 14 ساعة. وهذه التقلبات كلها بيده تعالى؛ لأن الشمس والقمر وغيرها من السيارات لاتتحرك بغير إذنه -سبحانه تعالى-، والحاصل أنه قد يطول النهار، وقد يطول الليل.

فائدة 2:

     أي يخرج البيضة من الدجاج، والدجاج من البيضة. ويخرج المرء من النطفة ويخرج النطفة من المرء. ويخرج الجاهل من العالم، ويخرج العالم من الجاهل، والكامل من الناقص والناقص من الكامل، فكل ذلك بيده سبحانه وتعالى.

فائدة 3:

     يقول الشاه عبد القادر -رحمه الله-: «كان اليهود يزعمون أنه سيستمر المجد الذي كانوا عليه أبدًا، وهم في غفلة عن قدرة الله تعالى. يعز من يشاء، ويؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويذل من يشاء. ويخرج الكامل من الجهلة (كما في العرب الأميين) ويخرج الجاهل من الكملة (كما في بني إسرائيل)، ويرزق من يشاء بغير حساب رزقًا حسيًا ومعنويًا.

============

(1)  الحديث رواه مسلم [771] عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

       

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (1)

سورة في القرآن الكريم

بقلم:  الأستاذ/ محمد بن إبراهيم بن أحمد الحمد

 

 

السبع المثاني

     من أعظم أبواب الفرج (الفاتحة) وقد ورد في فضلها أحاديث وآثار منها: «أنها أعظم سورة في القرآن الكريم».

     عن أبي سعيد بن المعلى، قال: «كنت أصلي في المسجد، فدعاني النبي -- فلم أجبه (حتى صليت)، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله، إني كنت أصلي. قال: «ألم يقل الله: اسْتَجِيْبُوْا للهِ وَلِلرَّسُوْلِ إِذَا دَعَاكُمْ». ثم قال: «ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد»، فأخذني بيدي، فلما أردنا أن نخرج قلت: يا رسول الله، إنك قلت: «لأعلمنك أعظم سورة في القرآن».

     قال: ﴿اَلحَمْدُ للهِ رَبِّ العٰلَمِيْنَ﴾ هي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أوتيته». رواه البخاري.

     وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله -- لأبي بن كعب: «كيف تقرأ في الصلاة؟ فقرأ أم القرآن، فقال رسول الله --: «والذي نفسي بيده، ما أنزلت في التوراة، ولا في الانجيل، ولا في الزبور، ولا في القرآن مثلها. وإنها سبع من المثاني، والقرآن العظيم الذي أعطيته». رواه الترمذي.

     منها: (أم القرآن) خرَّج ابن جرير عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -- قال: «هي أم القرآن وهي فاتحة الكتاب». وأخرج الدارقطني عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: «إذا قرأتم الحمد لله، فاقرأوا «بسم الله الرحمن الرحيم». «إنها: أم القرآن، وأم الكتاب، والسبع المثاني».

     ومنها: أنها: (الأساس)؛ لأنها أصل القرآن الكريم، وأول سورة فيه. وقيل اشتكي إلى ابن الشعبي من «وجع الخاصرة» فقال: عليك «بأساس القرآن»، وهي فاتحة الكتاب، وقد سمعت ابن العباس رضي الله عنهما يقول: لكل شيء أساس، وأساس القرآن الفاتحة، وأساس الفاتحة «بسم الله الرحمن الرحيم». وإذا تقلبت فعليك بالفاتحة: تشفى بإذن الله. وقيل لأنها: أول سورة من القرآن، فهي الأساس. وقيل: إن أشرف العبادات، بعد الإيمان، هي: الصلاة. وهذه السورة مشتملة على كل ما لابد منه في الإيمان والصلاة لا تتم إلا بها.

هي شفاء ... وهي أفضل سورة في القرآن

     عن عبد الملك بن عمير قال: قال رسول الله --: «فاتحة الكتاب شفاء من كل داء» «رواه الدارمي والبيهقي في الشعب». وأخرج الخلعي، عن جابر رضي الله عنه: «فاتحة الكتاب شفاء من كل شيء إلا السام: الموت».

     وقال المناوي: «شفاء من داءالجهل والمعاصي، والأمراض: الظاهرة والباطنة. وإنها كذلك لمن تدبر وتفكر، وقوي يقينه».

     كما أخرج البيهقي في الشعب، والحاكم من حديث أنس قال: قال رسول الله--: «افضل سورة القرآن ﴿اَلْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعٰلَمِيْن﴾». وكما أخرج البيهقي في الشعب أيضًا بسند جيد، عن عبد الله بن جابر: أن رسول الله -- قال له: «ألا أخبرك بآخر سورة نزلت في القرآن؟» قلت: بلى يا رسول الله، قال: «فاتحة الكتاب» وأحسبه قال: «فإن فيها شفاء من كل داء».

التداوي بالفاتحة

     قال العلامة ابن القيم في كتابه الداء والدواء: «وأنا أحسنت المداواة بالفاتحة فوجدت لهاتأثيرًا عجيبًا في الشفاء. وذلك أني مكثت بمكة مدة يعتريني أدواء، لا أجد لها طبيبًا ولا مداويًا، فقلت يا نفسي، دعيني أعالج نفسي بالفاتحة، ففعلت فرأيت لها تأثيرًا عجيبًا. وكنت أصف ذلك لمن اشتكى ألمًا شديدًا، فكان كثير منهم يبرأون سريعًا ببركة الفاتحة».

     وقد ثبت أن الصحابة -رضي الله عنهم- كان منهم من يستعملها؛ للتداوي وعلاج الأمراض الظاهرة. عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «بعثنا رسول الله -- في سرية ثلاثين رجلًا. فنزلنا بقوم من العرب، فاسئلناهم أن يضيِّفونا، فأبوا فلدغ سيدهم، فأتونا فقالوا: هل فيكم أحد يرقي من العقرب؟ فقلت: نعم، أنا؛ ولكن لا أفعل؛ حتى تعطونا شيئًا. قالوا: إنا نعطيكم ثلاثين شاة. قال: فقرأت عليها «الحمد لله» سبع مرات. فلما قبضنا الغنم عرض في أنفسنا منها، فكففنا حتى أتينا النبي -- فذكرنا ذلك له فقال: «أما علمت أنها رقية اقسموها واضربوا لي بسهم». وقوله: «عرض في أنفسنا» أي حصل في نفوسنا ما جعلنا نتوقف عن قبول العطية».

من عظيم فضلها

     كثرة أسمائها، وفضائل أخرى وهي فاتحة الكتاب، أم القرآن، والسبع المثاني، وهي القرآن العظيم، وهي الوافية والواقية، والكنز والأساس، وهي سورة الحمد، وسورة الشكر، وسورة الشفاء، وسورة الصلاة، وسورة المناجاة، وسورة الرقية.

     قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: «إن إبليس رن حين أنزلت الفاتحة». وقال مجاهد: «حين أنزلت فاتحة الكتاب رن فاجتمع عنده الشياطين، وقال مثل ذلك، وقال لهم: ليس مما تقولون شيء، ولكن أنزلت سورة ليس أجر قائلها إلا أن حرم الله عليه نار جهنم، قد بطل كيدهم ومكرهم. وقال الشياطين له: أيش تأمرنا يامولانا؟ فقال لهم: اذهبوا واجتهدوا حتى تغفلوا قلوبهم، حتى لا يقرأوا هذه السورة كي لا يكثروا قراءتها ولا يكون لهم أجر وثواب؛ بل يكون لهم عذاب وعقاب».

     وروى مسلم في صحيحه عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: «بينما جبريل عليه السلام قاعد عند النبي -- إذ سمع نقيضًا من فوقه، فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء، فتح اليوم، لم يفتح قط إلا اليوم. فنزل منه ملك، فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض، ولم ينزل قط إلا اليوم. فسلم وقال: أبشر بنورين قد أوتيتهما، لم يؤتهما نبي قبلك (فاتحة الكتاب) و (خواتم سورة البقرة) لم تقرأ بحرف منها إلا أوتيته».

ترتيب قراءتها عن السلف

     وقد رتب بعض العلماء من الصالحين قراءتها على أعداد مختلفة وكيفيات متنوعة:

     فمنها: المداومةعلى قراءتها (سبع مرات) مع البسملة بعد كل صلاة. ومن المجربات التي يرويها الصالحون قراءتها بعدد المرسلين وأصحاب بدر، وأصحاب لوط «ثلاث مئة وثلاث عشرة» مرة. ومن المحققات التي يريها الصالحون قراءتها (أربعين) مرة في السحر.

     ومن أسرارها وخواصها، أنها تبسط الرزق، وينال بها نجاح كل مقصد: قراءتها ثلاثين مرة بعد صلاة الصبح، وخمسًا وعشرين مرة بعد الظهر، وعشرين مرة بعد العصر، وخمسًا وعشرين مرة بعد المغرب، وعشر مرات بعد العشاء.

إذا ما كنت ملتمسًا رزقًا

ونجح القصد من: عبد وحر

وتظفر بالذي تهوىٰ سريعًا

وتأمن من مخالفة وغدر

ففاتحة الكتاب فإن فيها

لما أملت سرًا أي سر

فلازم درسها في كل وقت

بصبح ثم ظهر ثم عصر

كذلك بعد مغرب كل ليل

إلى تسعين تتبعها بعشر

تنل ما شئت من عز وجاه

وعظم مهابة وعلو قدر

دعاء الفاتحة

     وقد رتب بعضهم قراءة هذا الدعاء بعد (الفاتحة)، بترتيبها المعروف وهو:

     ﴿اَلْحَمْدُ للهِ رَبِّ العٰلَمِيْنَ﴾ حمدًا يفوق حمد الحامدين، حمدًا يكون رضًا ومرضيًا عند رب العالمين.

     ﴿الرَّحْمـٰـن الرَّحِيْمِ﴾ الذي دحى الأرض والأقاليم، واختص موسى الكليم، وأحيا العظام وهي رميم، وسمى نفسه ﴿الرَّحْمـٰـن الرَّحِيْم﴾، فهما اسمان جليلان فيهما شفاء لكل سقيم.

     ﴿مٰلِكِ يَوْمِ الدِّيْنِ﴾ الذي ليس له منازع في الملك ولا شريك، ولا قرين ولا وزير، ولا مشير ولا معين؛ بل كان قبل العوالم أجمعين. أنت المحيط بكل السلاطين، وعوني على الأبعدين والأقربين، ووجهتي على الأجناس المختلفة.

     ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بالإقرار، ونعترف بالتقصير. ونستغفرك من الذنوب، ونتوب إليك. ونشهد أن لا إله إلا أنت وحدك، لاشرك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك .

     ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِيْنُ﴾ على كل حاجة من حوائج الدنيا والدين، يا هادي المضلين، لا هادي غيرك.

     ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيْمَ * صِرَاطَ الَّذِيْنَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ * غَيْرِ الْمَغْضُوْبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّيْنَ﴾.

     اللهم يا مالك رقاب العوالم كلها، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. رب نجني من الغم يا منجي المؤمنين، فرج الكرب عني يا مفرج عن المكروبين. يا رب يا غياث المستغيثين، اكفني ونجني مما أخاف وأحذر، وسخر لي من أحوَجتَني إليه، يا مغيث أغثني. وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله الطاهرين، وأصحابه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.

       

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (2)

من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند

(الحلقة 69)

بقلم: الأستاذ/ سيد محبوب الرضوي الديوبندي -رحمه اللّه-

 (المتوفى 1399هـ / 1979م)

ترجمة وتعليق: محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري(*)

 

 

من مؤلفات علماء ديوبند في التاريخ والسير:

     1- اسلام كا نظام تعليم وتربية (النظام التعليمي والتربوي في الإسلام): الشيخ مناظر أحسن الكيلاني.

     2- اسلام كا نظام الحكومة (نظام الحكم في الإسلام): الشيخ حامد الأنصاري الغازي.

     3- اسلام مين غلامى كي حقيقت (الرق في المنظور الإسلامي): الشيخ سعيد أحمد الأكبر آبادي.

     4- اسلام اور مغربي تهذيب (الإسلام والحضارة الغربية): حكيم الإسلام الشيخ محمد طيب القاسمي.

     5- إشاعة اسلام: الشيخ حبيب الرحمن العثماني الديوبندي.

      6- أعيان الحجاج: الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي.

     7- امام ابوحنيفة كي سياسي زندكي (الإمام أبوحنيفة وحياته السياسية: الشيخ مناظر أحسن الكيلاني.

     8- انوار قاسمي (ترجمة الشيخ محمد قاسم النانوتوي): الشيخ أنوار الحسن الشير كوتي.

     9- بلاغ المبين في مكاتيب سيد المرسلين: الشيخ حفظ الرحمن السيوهاروي.

     10- باني بت اور بزركان باني بت (منطقة باني بت وصلحاؤها): الشيخ السيد محمد ميان الديوبندي.

     11- تاريخ الإسلام: الشيخ السيد محمد ميان الديوبندي.

     12- تاريخ التفسير: الشيخ عبد الصمد صارم.

     13- تاريخ الحديث: الشيخ عبد الصمد صارم.

     14- تاريخ القرآن: الشيخ عبد الصمد صارم.

     15- تاريخ ملت (3 أجزاء): الشيخ القاضي زين العابدين سجاد الميروتي.

     16- تجليات عثماني: الشيخ أنوار الحسن الشيركوتي.

17- تذكرة الإعزاز: الشيخ السيد أنظر شاه الكشميري.

     18- تذكرة شاه ولي الله الدهلوي: الشيخ منظور أحمد النعماني.

     19- تذكره مجدد الألف الثاني: الشيخ منظور أحمد النعماني.

     20- ترجمة سيرة حلبية: الشيخ محمد أسلم رمزي.

     21- جائزة تراجم قرآن: ترتيب: الشيخ محمد سالم، والشيخ عبد الرؤوف عالي، والسيد محبوب الرضوي.

     22- حضور كي سياسي زندكي اخلاق كى آئينه مين (حياة الرسول -- في ضوء الأخلاق): الشيخ أخلاق حسين القاسمي.

     23- حياة إمداد الله مهاجر مكي: حكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي.

     24- حياة إمداد: الشيخ أنوار الحسن الشير كوتي.

     25- حياة شيخ الهند: الشيخ ميان السيد أصغر حسين الديوبندي.

     26- حياة شيخ الإسلام: الشيخ السيد محمد ميان الديوبندي.

     27- حياة نبوية: الشيخ المفتي محمود النانوتوي.

     28- خاتم الأنبياء: المفتي محمد شفيع الديوبندي.

     29- خاتم النبيين: حكيم الإسلام الشيخ محمد طيب القاسمي.

     30- خالد بن الوليد: الشيخ عبد السبوح البيشاوري.

     31- خلق عظيم: الشيخ حامد الأنصاري الغازي.

     32- رسول كريم: الشيخ حفظ الرحمن السيوهاروي.

     33- زبدة السير: الشيخ عماد الدين الشير كوتي.

     34- سفرنامه شيخ الهند: الشيخ السيد حسين أحمد المدني.

     35- سيرة خالد بن الوليد: القاضي زين العابدين سجاد الميروتي.

     36- سفرنامه برما: الشيخ محمد طيب القاسمي (ترتيب: الشيخ محمد سالم).

     37- سفر نامه افغانستان: الشيخ محمد طيب القاسمي.

     38- سفرنامه مقامات مقدسه ومآثر سفرِ مصر: الشيخ محمد طيب القاسمي.

     39- سفرنامه مصر وحجاز: الشيخ منت الله الرحماني.

     40- سوانح ابوذر غفاري (ترجمة أبي ذر الغفاري): الشيخ مناظر أحسن الكيلاني.

     41- سوانح أويس القرني: الشيخ مناظر أحسن الكيلاني.

     42- سوانح حياة الشيخ ميان: الشيخ ميان السيد أختر حسين الديوبندي.

     43- سوانح قاسمي: الشيخ مناظر أحسن الكيلاني.

     44- سيرة طيبة (سيرة النبي ): الشيخ القاضي زين العابدين سجاد الميروتي.

     45- سيرة المصطفى: الشيخ محمد إدريس الكاندهلوي.

     46- سيرة مباركة محمد : الشيخ السيد محمد ميان الديوبندي.

     47- سيرة رسول: الشيخ محمد أسلم رمزي.

     48- شاه ولي الله كي سياسي تحريك (حركة الشاه ولي الله السياسية): الشيخ عبيد الله السندي.

     49- شهيد كربلا: حكيم الإسلام محمد طيب القاسمي.

     50- شهيد كربلا: الشيخ المفتي محمد شفيع الديوبندي.

     51- شهيد كربلا: القاضي زين العابدين سجاد الميروتي.

     52- شهداء اسلام: الشيخ أخلاق حسين القاسمي.

     53- صديق اكبر: الشيخ سعيد أحمد الأكبر آبادي.

     54- عربي كتابون كى تراجم: الشيخ عبد السبوح البيشاوري.

     55- علماء حق: الشيخ السيد محمد ميان الديوبندي.

     56- علماء هند كا شاندار ماضي: الشيخ السيد محمد ميان الديوبندي.

     57- غلامان ِ اسلام: الشيخ سعيد أحمد الأكبر آبادي.

     58- فقيه مصر: الشيخ الدكتور/مصطفى حسن علوي.

     59- مشاهير امت: الشيخ محمد طيب القاسمي.

     60- محتسب اسلام: الشيخ الدكتور/ مصطفى حسن علوي.

     61- مرقع سيرة: الشيخ المفتي جميل الرحمن السيوهاروي.

     62- مسلمانون كا عروج وزوال: الشيخ سعيد أحمد الأكبر آبادي.

     63- مولوي معنوي: الشيخ السيد أصغر حسين الديوبندي.

     64- ميري دائري: الشيخ عبيد الله السندي.

     65- النبي الخاتم: الشيخ مناظر أحسن الكيلاني.

     66- نشر الطيب: حكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي.

     67- نقش حياة: الشيخ السيد حسين أحمد المدني.

     68- وفاة النبي: الشيخ أخلاق حسين القاسمي.

     69- هزارسال بهلى: الشيخ مناظر أحسن الكيلاني (ترتيب:السيد محبوب الرضوي).

     70- هندستان عهد مغليه مين: الشيخ السيد محمد ميان الديوبندي.

*   *   *

     ويبلغ عدد مؤلفات علماء ديوبند سلفهم وخلفهم في علم الكلام والحقائق الإسلامية، وأسرار الدين وغيرها من العلوم والفنون الآلاف، مما لايسعنا إحصاؤه أو التعريف به في هذه الأوراق المختصرة. وهذه صورة مختصرة وإجمالية لمؤلفات علماء ديوبند وكتاباتهم وتراجمهم إلى الأردية، تضمنت بعض الكتب من العلوم المعدودة، ويقدر عدد مؤلفات علماء ديوبند نحو عشرة آلاف كتاب(1). وهذا حكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي له وحده نحو ألف كتاب. وهل أنشأ ندوة المصنفين- المؤسسة التأليفية في دهل-، والمجلس العلمي في دابيل إلا خريجو دارالعلوم/ديوبند. وقد صدرت منهما كتب كثيرة على المستوى الراقي، ولقيت القبول والتقدير في أوساط البلاد. وسبقهما المطبعة القاسمية في ديوبند، ودارالإشاعة في ديوبند وتاج المعارف وغيرها من المؤسسات التي أصدرت كثيرًا من الكتب. ولعلماء ديوبند في الهند وباكستان وبنغلاديش مؤسسات تاليفية كثيرة غيرها، مما يصعب استقصاؤها. وتكب هذه المؤسسات بنفسها على الخدمة الدينية والعلمية في مختلف أصقاع شبه القارة الهندية وفي مختلف اللغات. وتضمنت هذه الخدمة شروح مقررات المنهج النظامي الدراسي والحواشي عليها بجانب العلوم والفنون الأخرى، وتم نقل الكتب إلى اللغات المختلفة.

     ويكب نحو ستين مكتبة في ديوبند على طبع ونشر مؤلفات علماء ديوبند، ولك أن تقدر نشر هذه الكتب أن ثلاث أو أربع ماكينات الطبع على الحجر تشتغل في الطباعة، وبلغت هذه الكتب من القبول والشعبية أن عددًا من المكتبات تصدر طبعات محشاة ومعراة عدة في وقت واحد لكتاب «بهشتي زيور» لحكيم الأمة الشيخ أشرف علي التهانوي. ونقل كتاب «بهشتي زيور» إلى عدة لغات لحد الآن، وقلما يخلو بيت من بيوت المسلمين المثقفين من كتاب «بهشتي زيور». وبلغ كتاب «تعليم الإسلام» للشيخ المفتي كفايت الله -رحمه الله- مبلغًا مماثلًا له. وقد صدرت له عدة طبعات. ونقل إلى اللغة الهندية وغيرها من اللغات.

     وتصل مؤلفات علماء ديوبند- علاوة على دول شبه القارة الهندية- إلى أفغانستان، وبورما ونيبال وسيلون وإفريقية الجنوبية، وإنكلترا، وأمريكا ودول أخرى كثيرة، وتلقى قبولًا وشعبية وتقديرًا. ونظرًا إلى كثرة نشر الكتب الدينية أصبحت ديوبند أكبر مركز لنشر الكتب الدينية. وتمَّت خدمات جبارة في سبيل نشر العلوم الدينية عن طريق هذه الكتب في مختلف دول العالم من أرض ديوبند.

     وبما أن الكتب الصادرة في ديوبند معظمها في اللغة الأردية، فتوسعت دائرة اللغة الأردية بهذه الكتب المنشورة يومًا فيومًا.

تلك آثارنا تدل علينا

فانظروا بعدنا إلى الآثار

     ويستفيد ملايين من المسلمين من هذه الكتب في آسيا وإفريقية والدول الأوربية. ويقول الأستاذ همايون كبير (1324-1389هـ/1906-1969م): «وذلك مما يرفع من مكانة الهند كثيرًا، فأصبحت اللغة الأردية لغة عالمية بذلك»(2).

     واطلعت خلال نسخ تاريخ دارالعلوم على العدد الخاص من مجلة «الرشيد» الصادرة في لاهور/ باكستان، عرَّفت المجلة بخمسة وسبعين مؤلفًا من ولاية «سرحد» ومؤلفاتهم، ويقدر كثرة تصانيفهم بأن أربعين صفحة من مجلة «الرشيد» احتوت فهارسها(3). وهذه كتب ولاية واحدة من ولايات «سرحد» في باكستان. ولك أن تقدر به كتب ومؤلفات خريجي دارالعلوم في الولايات الثلاث وخاصة ولاية «بنجاب» من باكستان.

*  *  *

الهوامش:

(1)  للاستزادة منه راجع: فهارس مطبوعات مكتبات ديوبند التجارية: المكتبة الرحيمية، والمكتبة العزيزية، والمكتبة الإمدادية، ومكتبة تجلي عظيم، ومكتبة النشر، ومجلس معارف القرآن، والمكتبة الدينية، وشركة راشد وشركة سالم، والمكتبة القاسمية، وغيرها. ويبلغ عدد المكتبات صغيرها وكبيرها في ديوبند نحو 60. [قال المترجم: ويبلغ عددها اليوم بضع مئة].

(2)  الأستاذ همايون كبير في ديوبند،ص 15.

(3)  مجلة «الرشيد» مجلة علمية دينية باكستانية شهيرة. جاء العدد الخاص منها بدارالعلوم، عام 1396هـ/1972م في ثماني مئة صفحة من القطع الكبير. ويشكل العدد الخاص بدارالعلوم هذا وثيقة تاريخية قيمة حول دارالعلوم/ديوبند. لقد تناول العدد الخاص الضخم هذا عدة موضوعات ومباحث هامة بالبسط والتفصيل أمثال: الخدمات الدينية والعلمية والإسلامية التي قام بها دارالعلوم/ديوبند، وفحول العلماء في كل علم وفن، وأصحاب الصلاح والتقوى من أهل العلم ومشايخ الطريقة والمعرفة، الذين تخرجوا فيها، ومن برع في علم من العلوم، ومآثرهم وأعمالهم العبقرية، وما نوعها؟ (السيد محبوب الرضوي).

       

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (3)

ومضات حول الإسراء والمعراج

بقلم:  د. عامر يس النجار(*)

 

 

     قبل الحديث عن الإسراء والمعراج نقول: إن الله سبحانه وتعالى أعد نبيه -- لتلقي الآيات الكبرى عن طريق شق الصدر في ليلة الإسراء، وبالطبع لم تكن هذه أول مرة يتم فيها شق صدر رسول الله -- فقد حدث ذلك من قبل وهو صغير عند حليمة السعدية، وعن عائشة: أن الشق وقع مرة أخرى عند مجيء جبريل له بالوحي وفي غار حراء (رواه الطيالسي والحارث في مسنديهما وهو ضعيف).

     والحقيقة أن واقعة شق صدر النبي -- حدثت مرتين الأولى: عندما كان عند حليمة السعدية وهو صغير، وفيها يقول أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «إن رسول الله -- أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه (أنامه على ظهره)، فشقَّ عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه (ضم بعض إلى بعض)، ثم أعاده في مكانه» (رواه مسلم).

     أما المرة الثانية: فكانت قبل ذهابه إلى الإسراء بيت المقدس، يقول أبو ذر -رضي الله عنه-: إن رسول الله -- قال: «فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيمانًا فأفرغه في صدري...» (رواه البخاري).

     وقوله: «جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا..» قد يجعلك عزيزي القارئ تتساءل سؤالًا مُهِمًّا وهو أن الحكمة والإيمان من الأمور المعنوية فيكف يمكن امتلاء الطست بما هو معنوي لا حسي؟ وقد أجاب عن ذلك من قبل الإمام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم، حيث قال: «وأما جعل الإيمان والحكمة في إناء وإفراغهما مع أنهما معنيان فمعناه والله أعلم: أن الطست كان فيها شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادتهما فسُمِّي إيمانًا وحكمة لكونه سببًا لهما، وهذا من أحسن المجاز.

     والآن يمكننا الحديث عن الإسراء والمعراج.

     يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني «في فتح الباري»: الإسراء: مأخوذ من السرى وهو سير الليل، تقول: أسرى وسرى إذا سار ليلًا، هذا هو قول الأكثر».

     أما الإسراء من ناحية المصطلح الشرعي فيقصد به الرحلة الطيبة المباركة التي بدأت من المسجد الحرام بمكة المباركة إلى المسجد الأقصى الشريف بالقدس.

     يقول تعالى: ﴿سُبْحٰنَ الَّذِي أَسْرٰى بِعَبْدِه لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَا الَّذِي بٰرَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيٰتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الإسراء الآية:1).

     وقد أسري بروح رسول الله -- وجسده وعرج بهما حقيقة في اليقظة لا منامًا، وهذا رأى جمهور العلماء.

     قال العلامة ابن كثير رحمه الله: «مذهب جمهور السلف والخلف أن الإسراء كان ببدنه وروحه -صلوات الله وسلامه عليه- كما دل عليه ظاهر السياقات من ركوبه وصعوده في المعراج وغير ذلك ولهذا قال: ﴿سُبْحٰنَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾.

     والتسبيح إنما يكون عند الآيات العظيمة الخارقة فدل على أنه بالروح والجسد، وقال ابن كثير أيضًا: «لو كان الإسراء منامًا أو بالروح لما بادر كفار قريش إلى التكذيب به، والاستبعاد له، ولما ارتد ضعاف الإيمان من المسلمين؛ إذ ليس في ذلك كبير أمر، فدل ذلك على أنه أخبرهم بأنه أسري به يقظة لا منامًا.. ويذكر ابن كثير أن ما يؤيد قول الإسراء بالروح والجسد قول الله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغٰى﴾ والبصر من الآلات الذات لا من آلات الروح. وقوله تعالى أيضًا: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيٰتِنَا﴾.

     وابن جرير الطبري يذكر في تفسيره «أنه لو كان الإسراء بالروح لم تكن الروح محمولة على البراق؛ إذ كانت الدواب لا تحمل إلا الأجسام».

     وهناك مسألة أخرى تتعلق بتاريخ الإسراء، فالحقيقة أنه لم يتعين تحديدًا دقيقًا صحيحًا تاريخ الإسراء. وقد قال الإمام ابن تيمية -رحمه الله تعالى-: «لم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها؛ بل النقول في ذلك منقطعة مختلفة، ليس فيها ما يقطع به». فبعض العلماء قالوا: إن الإسراء كان قبل الهجرة بسنة، وقد قال هذا القول ابن الجوزي والزهري، وعروة بن الزبير، وإبراهيم الحربي، وابن حزم.

     وقال ابن فارس: كان الإسراء قبل الهجرة بسنة وثلاثة أشهر.

     ونقل عن ابن سعد عن ابن أبي سبرة: أن الإسراء كان في رمضان قبل الهجرة بثمانية عشر شهرًا.

     وقال ابن الأثير: بل قبل الهجرة بثلاث سنين. وذكر ابن عبد البر أنه كان في السابع والعشرين من رجب بعد النبوة بعشر سنين، وجزم بذلك الإمام النووي في روضة الطالبين.

     ومن ذلك كله يتضح لنا أن تحديد ليلة الإسراء أمر صعب للغاية، فقد اختلف العلماء في تاريخه.

     ولقد كانت الحكمة من الإسراء والمعراج أن يُري الله تعالى نبيَّه -- بعضَ آياته الكبرى العظيمة ليزداد يقينًا وإيمانًا يقول تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيٰتِنَا﴾ (سورة الإسراء:1) وقال أيضًا: في بيان حكمة الإسراء والمعراج: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّءْيَا الَّتِي أَرَيْنٰكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (سورة الإسراء:60).

     فميز سبحانه وتعالى الخبيث من الطيب، فارتد ضعاف الإيمان، وثبت المؤمنون حقًا فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: أسري بالنبي -- إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره، وبعلامة بيت المقدس، وبعيرهم، فقال ناس: نحن لا نصدق محمدًا، فارتدوا كفارًا، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل...» (رواه النسائي في الكبرى، وأبو يعلى في مسنده، وإسناده حسن).

     وبعد.. فإن رحلة الإسراء والمعراج رحلة مباركة نعم، إنها رحلة مباركة توحي بمعنى المؤاخاة بين بيت الله الحرام أول بيت وضع للناس على الأرض وبين المسجد الأقصى ثاني مسجد وضع في الأرض؛ فقد روى أبو ذر -رضي الله عنه-: قلت: يا رسول الله، أي مسجد وضع في الأرض أولًا؟ قال: «المسجد الحرام»، قلت: ثم أي: قال: «المسجد الأقصى»، قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون سنة» (متفق عليه: البخاري ومسلم).

       

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (4)

أهمية القدس للمسلمين

بقلم:  الأستاذ أحمد البدوي

 

 

     يمثل المسجد الأقصى أهميةً دينيةً عظيمةً لمايتمتع به من فضائل كثيرة، لا تحصى ولا تعد، منها:

     أولًا: أنه «أول قبلة المسلمين»، حيث جاء في الحديث، عن البراء بن عازب، أنه قال: «صلينا مع رسول الله نحو بيت المقدس، ستة عشر شهرًا أوسبعة عشر شهرًا، ثم صرفنا إلى القبلة». «متفق عليه».

     ثانيًا: أنه «ثاني المساجد، وضعًا في الأرض، بعد المسجد الحرام». فعن أبي ذر أنه قال: «قلت: يا رسول الله، ما أول مسجد وضع في الأرض؟ قال: «المسجد الحرام» قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى». قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة..» «متفق عليه».

     ثالثًا: يعتبر من المساجد التي تشد إليها الرحال. فقد قال الرسول : «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى». «متفق عليه».

     رابعًا: وأن المسجد الأقصى هو الذي «أسري إليه بالرسول » من مكة المكرمة قال الله تعالى: ﴿سُبْحٰنَ الَّذِيٓ أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا الَّذِي بٰرَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:1].

     خامسًا: «وأنه المكان الوحيد في الأرض، الذي اجتمع فيه الأنبياء جميعًا وصلى بهم نبينا محمد إمامًا.

     سادسًا: وأنه من هذا المسجد بدأ «معراج النبي» إلى السماء، وهناك في السماوات العلا «فرضت الصلاة».

     سابعًا: بالإضافة إلى أن فتح بيت المقدس، كان من العلامات التي بشر بها النبي ، فعن عوف بن مالك قال: «أتيت رسول الله في غزوة «تبوك»، فقال: أعدد ستا بين يدي الساعة، وذكر منها... ثم فتح بيت المقدس». وقد تم ذلك. كما بشر به النبي .

     ثامنًا: كان بيت المقدس هو الوطن الوحيد الذي خرج إليه الخليفة الثاني عمر بن الخطاب من المدينة المنورة؛ لتسلم مفاتيحها، عام 15 هجرية. وكتب أمير المؤمنين «الوثيقة العمرية» بنفسه خاصة بعد أن طلب قساوسة بيت المقدس ذلك، وهذا مذكور في كتابهم المقدس «الإنجيل»: «بأن الذي يفتح بيت المقدس، من أتباع النبي الأمي رجل في ثوبه إحدى عشرة رقعة، فلما قدم الخليفة عمر بن الخطاب ونظروا إليه، وعدوا الرقاع، تأكّدوا أنه المبشّر به فسلموه المفاتيح». الرباط القرآني بين الحرم المكي والحرم القدسي من أعظم وأقوى الروابط العقدية والإيمانية «الرباط القرآني بين الحرم المكي، والحرم القدسي» فهو عقيدة من عقائد الإسلام في وحدة الدين ويؤكد ذلك قول الله تعالى: ﴿سُبْحٰنَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأقْصَا الَّذِي بٰرَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيٰـتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وإذا كان القرآن الكريم هو معجزة النبوة الخاتمة، التي وقع، وقام بها التحدي، وثبت به صدق محمد . وإذا كان الإيمان الإسلامي يقرّ بوقوع وحدوث معجزات مادية لرسول الإسلام؛ فلحكمة بالغة أن القرآن الكريم لم يذكر من المعجزات المادية للنبي سوى معجزة «الإسراء والمعراج»، التي مثّلت «الرباط العقدي بين الحرم المكي، وبين الحرم القدسي» كتجسيد لعقيدة وحدة دين الله الواحد، والربط بين قبلة النبوة الخاتمة، وقبلة النبوات، التي سبقت نبوة الإسلام؛ ولأن هذه هي المكانة الدينية والإيمانية للقدس الشريف في «العقيدة الإسلامية»، كان التميز والامتياز في موقف المسلمين من هذه المدينة المقدسة منذ اللحظة الأولى «لتاريخها الإسلامي» فهي مدينة عربية قديمة. فعندما استعمرها الرومان فترة طويلة واحتكروها لأنفسهم، دمروا الوجود اليهودي فيها، فلما حررها المسلمون ضمن تحريرهم لأوطان الشرق، ولعقائد أهله، أعادوا لها قدسيتها الدينية، وأشاعوا هذه القدسية بين كل أصحاب المقدسات؛ انطلاقًا من عقيدة دينية يتفرد بها الإسلام والمسلمون وهي الاعتراف بكل النبوات والرسالات تطبيقًا لقول الله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلٰٓئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ﴾، فالمسلمون هم الذين سموها «القدس»، و«القدس الشريف»، و«الحرم القدسي الشريف»؛ ليكون الاسم عنوانًا على عقيدة المسلمين في قدسيتها وتقديسها. وهم وحدهم الذين عاملوها معاملة الإسلام للحرم الذي يحرم فيه القتال وسفك الدماء، فكانت مثل «مكة» التي حرص المسلمون على فتحها سنة 8هـ سنة 629م سلمًا. فتحها المسلمون بالقرآن. كما عامل الفاتحون المسلمون القدس معاملة الحرم فحرصوا على مصالحة أهلها، وتجنب القتال فيها؛ بل أعادوا اليهود إلى سكنى القدس بعد طردهم.

حقائق وأرقام من التاريخ

     إن حقائق الأرقام تقول لنا وللعالم–: إن التاريخ العثماني لفلسطين قد حافظ على عروبة سكان القدس، وعلى عروبة أرضها، فالوجود اليهودي في فلسطين سنة 1918م لم يتعد 55000 نسمة، أي 8٪ من السكان، ولم تتعد ملكيتهم في الأرض نصف مليون دونم، أي 2٪ من أرض فلسطين. وللأسف الآن قد انعكست الأمور، فقد أصبح الفلسطينيون لا يمتلكون إلا القليل من الأرض، بعد أن اغتصب الاحتلال الإسرائيلي بالقوة معظم التراب الفلسطيني. ففي سنة 1948م استولت على 538 قرية بكل ما فيها من: أراض وبساتين ومزارع ومنشآت. وبعد عدوان 1967م فقد ابتلع الاستعمار الإسرائيلي المزيد من الأراضي الفلسطينية. أما غزة فقد تم توسيع الشريط الحدودي على الجانب الفلسطيني المنطقة الأمنية العازلة بما مساحته 24٪ من مساحة القطاع. كماتم تدمير 275 دونمًا في شهر ديسمبر عام 2007م. وفي «الضفة الغربية» تم تقسيمها إلى أربعة أقسام:

1-   القدس.

2-   غرب الضفة.

3-   غور الأردن.

4-   جنوب الخليل.

     وأقيم «الجدار العنصري» الحامي للاستيطان والمبتلع للأراضي الفلسطينية، والذي بني منه 450 كيلو مترًا برغم قرار محكمة العدل الدولية بعدم مشروعيته. كما تم الاستيلاء على 85٪ من مياه الضفة. وفي عام 2007م تم اقتلاع وحرق 35 ألف شجرة. أما (القدس) التي بناها العرب فلقد ابتلعها الاستيطان، وأوشك على تهويدها واحتكارها.

       

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (5)

السرف في نصوص القرآن والسنة

بقلم:  الأستاذ عبد الله بن إبراهيم الطريقي

 

 

     وردت مادة (سرف) في القرآن الكريم ثلاثًا وعشرين مرة بصيغة الفعل، والمصدر، واسم الفاعل. فمن الأول (صيغة الفعل) قوله تعالى: ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر:53]

     وهذا يتناول الإسراف في الأموال وغيرها(1).

     ومن الأول والثالث (أعني صيغة الفعل واسم الفاعل):-

     قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنّٰتٍ مَعْرُوشٰـتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشٰتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام:141].

     قال ابن كثير: (ت 774 هـ) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام:141] قيل معناها: لا تسرفوا في الإعطاء، فتعطوا فوق المعروف، وقال أبو العالية: كانوا يعطون يوم الحصاد شيئًا ثم تباروا فيه، وأسرفوا فأنزل الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام:141]، وقال ابن جريج: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس جذ نخلًا له، فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته فأطعم حتى أمسى وليس له ثمرة، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام:141] رواه ابن جرير عنه، وقال ابن جريج عن عطاء: نهوا عن السرف في كل شيء، وقال إياس بن معاوية: ما جاوزتَ به أمر الله فهو سرف، وقال السدّي في قوله: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام:141] فقال: لا تعطوا أموالكم فتقعدوا فقراء. وقال سعيد بن المسيب ومحمد بن كعب: لا تمنعوا الصدقة فتعصَوا ربكم»(2).

     ويشبه هذه الآية قوله تعالى: ﴿يٰبَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:31] .

     قال أبو بكر بن العربي (ت 543 هـ): «الإسراف: تعدّي الحد. فنهاهم عن تعدّي الحلال إلى الحرام، وقيل: ألا يزيدوا على قدر الحاجة، وقد اختلف فيه(3) على قولين: فقيل: هو حرام، وقيل: هو مكروه وهو الأصح، فإن قدر الشبع يختلف باختلاف البلدان والأزمان والأسنان والطعمان...»(4).

     قلت: وترجيح ابن العربي كراهة الإسراف في الأكل والشرب عن قدر الحاجة، ليس على إطلاقه؛ بل ربما كان في ذلك ضرر على النفس أو غيرها فيكون ذلك محرّمًا، وقال أبو محمد بن عطية (ت 546 هـ) : «وقوله تعالى. . . ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام:141] معناه ولا تفرّطوا، قال أهل التأويل: يريد ولا تسرفوا بأن تحرّموا على أنفسكم ما لم يحرّم الله عز وجل، قال ابن عباس: ليس في الحلال سرف، إنما السرف في ارتكاب المعاصي. قال القاضي أبو محمد(5)» يريد في الحلال القصد، واللفظ يقتضي النهي عن السرف مطلقًا، فمن تلبّس بفعل حرام فتأوّل تلبسه به حصل من المسرفين وتوجّه النهي عليه، ومن تلبّس بفعل مباح؛ فإن مشى فيه على القصد وأوساط الأمور فحسن، وإن أفرط حتى دخل في الضرر، حصل أيضًا من المسرفين وتوجّه النهي عليه، مثل ذلك أن يفرّط الإنسان في شراء ثياب ونحوها، ويستنفد في ذلك جلّ ماله، أو يعطي ماله أجمع ويكابد بعياله الفقر بعد ذلك ونحوه، فالله عز وجل لا يحبّ شيئًا من هذا وقد نهت الشريعة عنه»(6).

     ومن ورود مادة (سرف) بصيغة الفعل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:67] .

     وقد اختلف أهل التفسير في معنى الآية، فقيل: المراد بالإسراف أكل مال الغير بغير حق، وقيل: المراد عدم الإسراف في إنفاق المال والتصدق به، وقيل: عدم تجاوز الحد الوسط.

     قال الطبري (ت 310هـ) بعد أن حكى الأقوال: «والصواب من القول في ذلك قول من قال: الإسراف في النفقة الذي عناه الله في هذا الموضع ما جاوز الحد الذي أباحه الله لعباده إلى ما فوقه، والإقتار: ما قصر عما أمر الله به، والقوام بين ذلك.

     وإنما قلنا: إن ذلك كذلك لأن المسرف والمقتر كذلك، ولو كان الإسراف والإقتار في النفقة مرخّصًا فيهما ما كانا مذمومين، ولا كان المسرف ولا المقتر مذمومًا؛ لأن ما أذن الله في فعله فغير مستحق فاعلُه الذم. . .»(7).

     وهذا الرأي من الطبري حسن، ورحم الله مطرف بن عبد الله إذ يقول:

     «خير هذه الأمور أوساطها، والحسنة بين السيئتين»(8).

     وهذه الآية الكريمة كالآية الأخرى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء:29].

     ومن ورود مادة (سرف) بصيغة المصدر قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتٰمٰى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء:6] قال القرطبي (ت 671 هـ): «قوله تعالى:. . ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء:6] ليس يريد أن أكل مالهم من غير إسراف جائز فيكون له دليل خطاب، بل المراد: ولا تأكلوا أموالهم؛ فإنه إسراف فنهى الله سبحانه الأوصياء عن أكل أموال اليتامى بغير الواجب المباح لهم. . . . والإسراف في اللغة: الإفراط، ومجاوزة الحد»(9).

     هذا وبقية الآيات الأخرى التي وردت فيها مادة (سرف) جاءت في معانٍ أخرى غير الإسراف في الأموال؛ بل أكثرها جاء بمعنى الإسراف في الشرك والكفر والتكذيب.

     كقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِاٰيٰتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ [طه:127]

     وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر:28] .

     وقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ﴾ [الزخرف:5] .

     وربما جاءت المادة مطلقة لتشمل أنواع الإسراف، كما في الآية ﴿قُلْ يٰعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر:53] وقد سبق إيرادها.

     فإذا ما تجاوزنا المادة ذاتها (السرف) في القرآن الكريم إلى الآيات الكريمة التي جاءت في معنى السرف ذامّة ومحذّرة منه، فإننا واجدون آيات كثيرة:

     ففي سياق النهي عن السرف في الأموال وإنفاقها، يقول سبحانه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا - إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيٰطِينِ وَكَانَ الشَّيْطٰنُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء:26-27] .

     وقد ذكر جمهور المفسرين أن التبذير هنا إنفاق المال في غير حقه(10). وعند التعريف بالمصطلحات أشرنا إلى الفرق بين التبذير والإسراف. وفي سياق الذم لأصحاب المال والجاه، الذين سخروهما لشهواتهم يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنٰــهَا تَدْمِيرًا﴾ [الإسراء:16].

     وفي قوله: (أمرنا) قراءات: فقد قُرِئ «أمرنا» بفتح الهمزة بدون مد وفتح الميم مع التخفيف، من الأمر.

     وقُرِئ «أمرنا» بفتح الهمزة بدون مد وتشديد الميم، من الإمارة.

     وقُرِئ «آمرنا» بمد ثم فتح للميم مع التخفيف أي أكثرناهم.

     قال الطبري بعد أن ساق القراءات وتفسيراتها: «وأولى القراءات في ذلك عندي بالصواب قراءة من قرأ (أمرنا مترفيها) بقصر الألف من أمرنا وتخفيف الميم منها لإجماع الحجة من القراء على تصويبها دون غيرها وإذا كان ذلك هو الأولى بالصواب بالقراءة فأولى التأويلات به تأويل من تأوله: أمرنا أهلها بالطاعة فعصوا وفسقوا فيها فحق عليهم القول؛ لأن الأغلب من معنى أمرنا: الأمر الذي هو خلاف النهي دون غيره. . .»(11).

     وأيًّا كان تفسير الآية، فإنها تشير إلى أنّ أكثر أهل المال والجاه والسلطة يغترون بما عندهم فيسخرونه في غير طاعة الله ويصدّون عن الخير.

     يقول الشوكاني (ت 1255 هـ): «ومعنى مترفيها المنعّمون الذين قد أبطرتهم النعمة وسعة العيش، والمفسرون يقولون في تفسير المترفين: إنهم الجبارون المتسلطون والملوك الجائرون، قالوا: وإنما خُصّوا بالذكر لأن من عداهم أتباع لهم»(12).

     وفي السياق نفسه يقول الحق سبحانه: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى - أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى - إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى﴾ [العلق:6-8].

     «والطغيان هو مجاوزة الحد، وكل شيء جاوز المقدار والحد في العصيان فهو طاغ»(13).

     والاستغناء: شدة الغنى.

     «والتقدير: إن الإنسان ليطغى لرؤيته نفسه مستغنيًا، وعلة هذا الخلق أن الاستغناء تحدث صاحبه نفسه بأنه غير محتاج إلى غيره وأن غيره محتاج، فيرى نفسه أعظم من أهل الحاجة، ولا يزال ذلك التوهم يربو في نفسه حتى يُصدِر خلقًا، حيث لا وازع يزعه من دين أو تفكير صحيح، فيطغى على الناس لشعوره بأنه لا يخاف بأسهم .... فقد بينت هذه الآية حقيقة نفسية عظيمة من الأخلاق وعلم النفس، ونبهت على الحذر من تغلغلها في النفس»(14).

     أما أشهر قصة للإسراف والترف والبذخ والأشر والبطر في القرآن العظيم فهي قصة قارون، وقد جاءت مفصّلة وبأسلوب قرآني بليغ، تصور تلك الشخصية الشاذة، وعلوها في الأرض وموقف الناس المعاصرين لها منها.

     فقد كان من قوم موسى عليه السلام فبغى وتجبّر، بسبب ماله الوفير، وظنّ أنه أفضل الناس وأكرمهم وأعلمهم وأنه جدير بالمال دون غيره، فمنع حق الله في المال، وأسرف في التزيّي بالزينة، فجمع بين الشح والسرف، فاستحق العذاب الشديد ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ﴾ [القصص:81]

     وقد جاءت قصته في سورة القصص من الآية 76 حتى الآية 83.

*  *  *

الهوامش:

(1) بصائر ذوي التمييز 3 / 216.

(2) تفسير القرآن العظيم 2/189. دار المعرفة. الطبعة الثانية 1407هـ.

(3) أي فيما زاد عن الحاجة.

(4) أحكام القرآن/781 تحقيق علي محمد البجاوي. دار الفكر.

(5) هو المؤلف (ابن عطية).

(6) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز 7 / 45 - 46 تحقيق المجلس العلمي بفاس.

(7) تفسير القرطبي 19 / 38.

(8) أخرجه الطبري -المرجع السابق.

(9) الجامع لأحكام القرآن 5 / 40.

(10) انظر: تفسير الطبري 15 / 72 - 74.

(11) تفسير الطبري 15 / 57.

(12) فتح القدير 3 / 214.

(13) المصباح المنير ص374.

(14) التحرير والتنوير. للطاهر بن عاشور 30/444.

       

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (6)

خُطُوْرَةُ الاستخدام السلبيّ لِشَبَكة الإنترنت

ومَضَرَّاتُها وطريقُ النجاة منها

بقلم:  الأستاذ عبد الرؤوف خان الغزنوي الأفغاني القاسمي(*)

 

 

     أصبحتْ شَبَكةُ الإنترنت مصدرًا غير محدود للمعلومات المتنوّعة، يمكّن الإنسانَ من الوصول إلى المعلومات الدينيّة والعلميّة والاقتصاديّة والسياسيّة في فترة زَمَنيّة قصيرة وبتَكْلِفةٍ بسيطة، كما أنها تُسَهِّل العديدَ من الأعمال المكتبيّة في المؤسّسات والدوائر الدينيّة والعصريّة، وتُيسّر انتقالَ المعلومات بينها في وقت بسيط.

     فلاريبَ أن هٰذه الشبكةَ توفّر للإنسان تسهيلاتٍ كثيرة في مجالات مختلفة، ولذا يُشاهَد اليومَ أن آلافًا مؤلّفةً من الناس صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساءً، أغنياءَ وفقراءَ، صلحاءَ وفُسّاقًا يستخدمون هٰذه الشبكة، ويرغبون فيها رغبةً شديدةً، ويُعدِّدون محاسنَها في المجالس، ويطيلون في الثناء عليها في المحافل؛ ولكنّ معظمَهم مع الأسف الشديد- غافلون عن مضرّاتها، فيتعرّضون لأنواع من الخسائر الدينيّة والصحيّة والنفسيّة وهم لايشعرون.

     فوددتُ بتوفيق الله تعالىٰ أن أكتب هٰذه المقالةَ المتواضعةَ حولَ الاستخدام السلبيّ لهـٰـذه الشبكة، وأُوضِّح فيها مضرّاتِها؛ ليكون المستخدمون لها على حَذَر من تلك المضرّات، ولاأقصد منعَ الجميع عن استخدام هٰذه الشبكة؛ حيث لاشكّ في أنها تحتوي على منافعَ وفوائدَ متنوّعةٍ، ولاشكّ أيضًا في أن المنع من استخدامها إطلاقًا لايمكن أن يكون له أثر على المجتمع في الظروف الحاضرة.

     والجديرُ بالذكر أنه لـمّا انتشر استخدامُ هٰذه الشبكة قبل سنوات بين الخاصّة والعامّة أصرّ بالاستمرار بعضُ أحبّتي ممّن لهم صِلة بالعلوم الدينيّة والمدارس الإسلاميّة على أن أستفيد أنا أيضًا من هٰذه الشبكة بصفة كوني خادمًا للأحاديث النبويّة، ومدرّسًا للعلوم الدينيّة، وراغبًا في البحوث العلميّة، قائلين: إنك ستفوز عن طريق استخدامها بالوصول إلى مراجع الأحاديث ومعرفة رواتها ومدىٰ صحّة أسانيدها وضعفها، وإلى البحوث العلمية الأخرى خلال زمن قصير، كما أصرّوا على أن أقتنِيَ جهازَالهاتف الجوّال المرتبط بهذه الشبكة، فكنت أردّ عليهم أني لاأتردّد بعد إيضاحكم هذا في أن شبكة الإنترنت تسهّل لمستخدميها تلك الفوائدَ الدينيّةَ والمنافعَ العلميَّةَ؛ ولٰكنّنى بجانب ذلك أخاف على نفسي أنني إن دخلتُ هذا البحرَ العميقَ النافعَ الضارَّ فربّما أتعرَّضُ لِـموجاته الهائجة أو لتماسيحه القاسية، ولستُ أدّعي أنني ماهر في السِّباحة وفي مقاومة تلك التماسيح، فقد لاأجد سبيلًا إلى ساحل هذا البحر الخطير بعد الدخول فيه.

     وقد ربّاني بتوفيق الله تعالىٰ والِدايَ المكرّمان ومشايخي المبجَّلون - وفي طليعتهم مرشدي سماحة المفتي/محمود حسن الكنكوهي رئيس دار الإفتاء سابقًا بالجامعة الإسلامية «دارالعلوم ديوبند» - رحِمَه الله رحمةً واسعةً-، وشيخي فضيلة المفتي/ سعيد أحمد البالن بوري رئيس هيئة التدريس وشيخ الحديث بها- حَفِظه الله ورعاه- منذ أن كنت طالبًا فمدرّسًا على خصلة لا أزال أجني فوائدَها وثمارَها وأدعولهم بظهر الغيب، وهي أن لا أعجل إلى استخدام أيّة آلةٍ جديدةٍ ذاتِ جوانبَ مختلفة إلاّ بعد إمعان النظر في نواحيها الإيجابيّة والسلبيّة كلتيهما؛ فإن الإنسان خُلِق من عَجَل، يتأثّر بالنواحي الإيجابيّة بسرعة ويغفل عن النواحي السلبيّة، فكثيرًامّا يتقدّم إلى شيء رغبةً في إيجابيّاته التي تَنْشُرها أجهزةُ الإعلام من حينٍ لآخر، ولايفكّر في سلبيّاته الهدّامة، فيتعرّض لها شيئًا فشيئًا وهو لايشعر فيخسر خسرانًا مبينًا.

     ولا أنسىٰ الموقفَ الذي حَدَث لي مع شيخي فضيلة المفتي/سعيد أحمد البالن بوري حفظه الله ورعاه- في شهر شعبان عام 1433هـ في الدولة الأفريقية «زامبيا»؛ حيث كان فضيلتُه مدعوًّا من الهند ليكون ضيفَ شرف في الحفل الختامي للجامعة الإسلامية في مدينة «لوساكا» في «زامبيا»، وكان كاتبُ هذه السطور مدعوًّا من باكستان للمشاركة في ذلك الحفل، فالتقى هذا التلميذُ الضعيفُ بشيخه الكبير المبجّل بعد عدَّة سنوات، وبقي في صحبته نحوَ عشرة أيّام يستفيد من محاضراته العلميّة والتربويّة، ومن توجيهاته الكريمة الإصلاحيّة، وقد حَدَث خلال هٰذه الفترة أننا ركبنا سويًّا ذات مرّة في سيّارة المُضِيفين للتنقّل من مكان إلى آخر، فجلس سماحةُ الشيخ في المقعد الأماميّ، وجسلتُ أنا خلفه في المقعد الخلفيّ، فدُقَّ جَرَسُ هاتفي الجوّال الساذج المتواضع، وتحدّثتُ مع من اتصل بي تحدّثًا بسيطًا والشيخ يسمع، فلما فرغتُ من الحديث مدَّ الشيخُ يدَه إليّ من خلفه وقال: أعطني جَوَّالَكَ فقدَّمتُه إليه على الفور، وفهمتُ أنه يريد مشاهدتَه ومن ورائها معرفةَ أن تلميذَه هل نسي نصائحه بعد مُفارقته وانهَمَكَ في اقتناء الآلات الجديدة دون أن يفكّر في عواقبها أو لايزال متيقِّظًا ومستذكِرًا لِنصائح المحسنين؟ فلـمّا شاهده وقلَّبَه في يده واطمأنَّ أنه جهاز رخيص وساذج جدًّا ردَّه إليَّ ولم يقل لي شيئًا؛ ولكن ملامحَ الطمأنينة كانت باديةً على وجهه الكريم فسُرِرتُ بطمأنينة الشيخ سرورًا بالغًا، وشكرتُ الله عزَّ وجلَّ على توفيقه إيَّايَ للعمل بنصيحة الشيخ الغالية.

     وفقًا لعادتي السالفِ ذكرُها لم أقترب من هٰذه الشبكة ولم أستخدم جهاز الهاتف الجوّال المرتبط بها، واستمررتُ على الاستفادة من الطرق القديمة للبحوث العلميّة، وداومتُ على الاكتفاء باقتناء الهاتف الجوّال الساذج العاديّ إلى يوم كتابة هٰذه السطور (14/4/1440هـ)؛ ولٰكنّني كنتُ أُفَتِّش عن سلبيات شبكة الإنترنت إلى جانب إيجابيّاتها المشتهرة على الألسنة، فأسأل أهلَ الخبرة وأصحابَ التجربة الشخصيّة مِمّن أثق بهم من أصدقائي وأصحابي عن أضرارها وانعكاساتها السلبيّة، كما كنت شخصيًّا أَدْرُسُ وأراقب بدقّة أحوالَ وتقلُّباتِ من يستخدمها من معارفي وممن تتكرّر بيني وبينهم لقاءاتٌ وزياراتٌ؛ لكي أعلم أن عاداتهم وخصائلَهم هل تتحسَّن بعد الخوض في هٰذه الشبكة؟ أو تتشوّه؟ أو تبقىٰ كما هي كانت من قبل؟.

     خلالَ هذه المدّة وإن فاتتني الاستفادةُ من الجوانب الإيجابيّة لهذه الشبكة إلاّ أنني أشكر الله عزَّ وجلَّ- على أنه أظهر لي بتوفيقه وإعانته مضرّاتِها ومفاسدَها؛ لأن أكون على حذرٍ منها قبل مواجهتها، وهـا أنا أذكر فيما يلي عددًا من مضرّاتِها الأساسيّة؛ لكي يكون مستخدمو هذه الشبكة واقفين عليها ويكونوا على حَذَر منها، ولا أعتقد أن الحاجة ماسّةٌ إلى ذكر فوائدها بالتفصيل؛ فإنها معروفة، وقد أشرنا إليها بالاختصار في بداية الكلمة:

     المضرّة الأولىٰ: نشر المواقع الإباحيّة: تنتشر المواقعُ الإباحيّة ومشاهدُ الوقاحة والفجور عبرَ شبكة الإنترنت، فتُسَبِّبُ الإنحرافَ الخُلُقيَّ والدينيَّ، وتدميرَ أفكار الفِتْيان والفَتَيات، وإيقاعَهم في مستنقعات الشرّ والفساد، وإبعادَهم عن القِيمَ الإسلاميّة والمُثُل العليا، فكم من والد يبكي ويحزن على غَوَاية أولاده لأجل تعرُّضهم لهذه المضرّة! وكم من فتاةٍ انخدعَتْ عن طريق هٰذه الشبكة فهَرَبتْ من بيتها ثمّ تعرَّضَتْ لِـمطامع الخادعين المخزية ثمّ أُلقِيَتْ كمنديل مستخدَم فخسرت الدنيا والآخرة.

     المضرّة الثانية: إضاعة الوقت: الوقت نعمة عظيمة من نِعَم الله سبحانه وتعالىٰ، وقد أرشد الله تعالىٰ عبادَه إلى أهميّته فأقسم به وبأجزائه في كتابه الكريم قائلًا: ﴿والعَصْرِ إنَّ الإنْسَانَ لَفِيْ خُسْرٍ﴾، وفي موضع آخر: ﴿والَّليلِ إِذَا يَغْشَىٰ وَالنَّهارِ إذَا تَجَلَّىٰ﴾، وفي مقام آخر: ﴿والضُّحىٰ﴾، كما رسم الله لعباده عباداتٍ وحدَّد لها أوقاتَها ومواعيدَها. فإذا استغلّ الإنسانُ وقتَه، وتنحّٰى عن الوقوع في الفضول وفيما لايعنيه أدى ذلك إلى نتائجَ إيجابيَّةٍ مُدْهِشَةٍ، وأما إذا أضاعه في الأمور التافهة فقد فاتَه الخيرُ الكثيرُ.

     فمن مضرّات شبكة الإنترنت أنها تُضيع أوقاتَ كثير من مستخدميها؛ فإنهم يجلسون أمامَ هٰذه الشبكة مدّةً طويلةً لايشعرون بمرورها، فيُضَيِّعون عدّةَ ساعات من وقتهم الغالي في جلسة واحدة.

     المضرّة الثالثة: التأثير سلبًا علىٰ صحة الإنسان: يقول الخبراء: إن الإكثار من استخدام هٰذه الشبكة يؤدّي إلى التوتّر النفسيّ المستمرّ، وهو يُسبِّبُ مرضَ ضغط الدّم العالي، ومرضَ السُّكّر والكسل والخمول، والأمراضَ الأخرىٰ التي تتعلّق بالقلب والأعصاب، كما أنه يؤدّي إلى زيادة الوزن والسِّمْنة؛ فإن الإنسانَ إذا جلس مدّةً طويلةً متجّهًا إلى الشبكة لايتحرّك جسمُه، ولايعمل أيُّ عضو من أعضائه إلاّ الدماغ، تعرَّضَ دماغُه للتوتّر؛ لأجل ثقل العمل وطوله، وتتعرّض بقيّةُ الأعضاء لِلأمراض؛ لأجل عدم الحركة وعدم العمل.

     أخبرني صديقي الحافظُ الدكتور/محمد سمير القرشي المتخصِّص في الأمراض الذهنيّة والأستاذ بجامعة داؤ (DOW UNIVERSITY) في كراتشي، أن بعض الخبراء يقولون: إن الإكثار من استخدام هذه الشبكة يؤدّي إلى ما يؤدّي إليه استخدامُ المخدِّرات من توليد موادَّ كيماويّة هدّامة شيئًا فشيئًا في جسد الإنسان تُلْجِئه إلى الانغماس في استخدامها، فتترتّب عليه أضرارٌ صحيّةٌ متنوّعة كما تترتّب على استخدام المخدِّرات.

     المضرّة الرابعة: التخلّف في مجال التعليم: أخبرني غيرُ واحد من الإخوة الذين يجتمعون معي في الصلوات الخمس في المسجد الذي أقوم بالإمامة والخطابة فيه أن أولادهم قد تخلّفوا في مجال التعليم بعد ارتباطهم بهذه الشبكة، وضَعُفَتْ أو انقطعتْ علاقتُهم بالدراسة ومراجعة الكتبِ؛ فإنهم يقضون معظم أوقاتهم أمام الشبكة، فإذا تَعِبوا من مشاهدتها لعبوا وأكلوا وناموا، وليست لديهم فرصةٌ للدراسة.

     المضرّة الخامسة: ظاهرة سرقة المعلومات: بعد ظهور هٰذه الشبكة أصبح الناس يستطلعون من خلالها على المعلومات السرّية للآخرين المتعلّقة بأمورهم الخاصّة وبحساباتهم البنكيّة، فيسرقون تلك المعلومات ويتدخّلون في شؤونهم الشخصيّة، وأحيانًا يسرقون أموالَهم من البنوك عن هٰذا الطريق، وكذلك يطّلع بعضهم عن طريق هٰذه الشبكة على المؤلَّفات والمقالات المختلفة لأهل العلم والخبرة فيسرقونها كاملةً أو يغيِّرون فيها تغييرًا بسيطًا وينسبونها إلى أنفسهم؛ لِيُسجِّلوا أسماءَهم في قائمة المؤلِّفين.

     وقد حَدَث لي غير مرّة أن جاءني شخصٌ بمسوّدة علميّة يدّعي أنها مؤلَّفتُه وطلب مني أن أكتب في بدايتها تقريظًا، فعرفتُ بالقرائن أنها ليست من إبداعه، فقلَّبتُ أوراقَها وسألتُه عن شرح بعض فِقْراتها، فلم يستطع أن يشرحها! فقلت له: كيف أُقَرِّظ كتابًا لايفهمه مؤلِّفُه؟ فبُهِت الذي سرق ورجع ناكسًا رأسَه.

     المضرّة السادسة: التباعد بين أفراد الأسرة: إن الاستمرار في استخدام شبكة الإنترنت قد يؤدّي إلى التفكّك الأسري، فيُحْدِث التباعدَ بين الوالدَين والأولاد، وبين الأقارب والأصحاب، ويُحْدِث الافتراقَ بين الأزواج والزوجات حتى ينتهي أحيانًا إلى الطلاق! ولاشك في أن التفكُّكَ الأسريَّ وحدوثَ التباعد بين الأقارب وبين الأزواج والزوجات خيبة عظيمة وحِرمان كبير.

     هٰذه مضرّات أساسيّة من مضرّات شبكة الإنترنت لابدّ لكل مسلم من أن يكون على حَذَرٍ منها، وهناك مضرّات أخرى لم أذكرها خشية الإطالة.

طريقُ النجاة من مضرّات هٰذه الشبكة

     نذكر بتوفيق الله تعالىٰ فيما يلي أمورًا إذا أخذ بها الإنسانُ المسلم تيسّر له طريقُ النجاة من مضرّات شبكة الإنترنت بإذن الله:

     الأمر الأول: إن الله سبحانه وتعالىٰ قد أمر كلَّ مسلم ومسلمة بغضّ البصر قائلًا: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذٰلِكَ أَزْكٰى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنٰتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ الآية﴾ (النور:30-31)، وبيّن النبي - خطورةَ النظر المحرَّم قائلًا: «النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة. الحديث» (رواه الحاكم في المستدرك:4/349).

     فيجب على كل منهما أن يفكر في تلك النصوص، ويكون على حَذَر من النظر المحرَّم ومن استخدام المواقع الإباحيّة والمشاهد المفسِدة، ولنعم ما قال الشاعر أبومحمد عبد الله بن محمد الأندلسيّ القحطاني في نونيّته:

وإذا خلــوتَ برِيْبَة في ظلمــة

والنفسُ داعيةٌ إلى الطغيان

فَاستَحْيِ من نظرالإله وقل لها

إن الذي خَلَقَ الظَّلام يراني

     الأمر الثاني: إن الله سبحانه وتعالىٰ أمر الإنسانَ بالعبادة وجعل لأقاربه ولزوّاره ولجسده عليه حقوقًا، فقال: ﴿إِنَّ الصَّلوٰةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتاً﴾ [النساء:103]. وقال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ﴾، وقال النبي - لِعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه-: «فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لِعينَيك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، وإن لزورك عليك حقًّا. (رواه البخاري في صحيحه:1/265).

     فعلى كل مسلم أن يفكِّر في تلك الحقوق كلها، وينظِّمَ أوقاتَه، ويُعطيَ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، ولايضيعَ وقتَه باستخدام هذه الشبكة فيما لايهمّه، ولايُعَرِّضَ صحَّتَه للفساد؛ فإن الصحَّةَ والفراغَ نعمتان عظيمتان من نِعَم الله تعالىٰ وإن كان كثير من الناس لايهتمّون بهما، فعن ابن عباس رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحَّةُ والفراغُ» (رواه البخاري في صحيحه:2/949).

     الأمر الثالث: يجب على الآباء أن يُرَسِّخوا في أذهان أولادهم خطورةَ هذه الشبكة وجوانبَها السلبيّة ويُحَذِّروهم منها، وأن يراقبوا بدقّة نشاطاتهم في الخَلَوات، ولايتركوهم أحرارًا يفعلون ما يشاءون؛ حتى لايهلكوا في أودية الشرّ والفساد.

     الأمر الرابع: إذا كان الإنسانُ يعتقد أنه لايستطيع أن يجتنب الجوانبَ السلبيةَ عند استخدام هذه الشبكة فلايجوز له أن يستخدمها لِوحده؛ بل عليه أن يختار صحبةَ الصالحين، وإذا كان بحاجة إلى استخدامها في الجوانب الإيجابيّة فليستخدمها أمامَ كباره أو أمامَ زملائه الصالحين، أعاذنا الله جميعًا من حبائل أعداء الإسلام ومن مكايد الشيطان، ولا حولَ ولاقوّةَ إلاَ بالله العليّ العظيم.

       

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (7)

من أضرار الحسد

بقلم:  د. بدر عبد الحميد هميسه

 

 

الحسد له أضرار كثيرة منها:

     والحسد من أفعال القلوب؛ لأنه مجرد تمني زوال النعمة عَمَّن حدثت له، أو عدم حصوله عليها، أو الفرح لزوالها عنه، أو الحزن لحصوله عليها، أو الحرص القلبي على عدم حصوله عليها، وكل هذه من أفعال القلوب.

     قال ابن عباس وعائشة -رضي الله عنهما-: لما كان غلام من اليهود يخدم رسول الله قربت إليه اليهود، فلم يزالوا حتى أخذوا مشاطة من أثر النبي وعدة من أسنان مشطه، فأعطاه اليهود؛ ليسحروه بها وتولى ذلك ابن الأعصم، رجل من اليهود.

     قال الإمام ابن القيم رحمه اللَّه: لا ريب أن اللَّه سبحانه خَلَقَ في الأجسام والأرواح قوى وطبائع مختلفة، وجعل في كثير منها خواص، وكيفيات مُؤَثِّرة، ولا يمكن لعاقل إنكار تأثير الأرواح في الأجسام، فإنه أمرٌ مُشَاهَد محسوس. فأنت ترى الوجه كيف يَحْمرُّ حُمْرةً شديدةً إذا نظر إليه من يستحي منه ويصْفر صُفْرةً شديدةً عند نظر من يخافه إليه. وقد شاهد الناس من يَسْقم من النظر وتضعف قواه، وهذا كله بواسطة تأثير الأرواح ولشدة ارتباطها بالعين يُنسبُ الفعل إليها وليست هي الفاعلة، وإنما التأثير للروح.والأرواح مختلفة طبائعها وقواها وكيفياتها وخواصها، فروح الحاسد مؤذية للمحسود أذًى بَيْنًا؛ ولهذا أمر اللَّه سبحانه رسوله أن يستعيذ به من شره، وتأثير الحسد في أذى المحسود أمرٌ لا ينكره إلا من هو خارج عن حقيقة الإنسانية، وهو أصل الإصابة بالعين، فإن النفس الخبيثة الحاسدة تتكيّف بكيفية خبيثة، وتقابلُ المحسود، فتؤثر فيه بتلك الخاصية، وأشبه الأشياء بذلك الأفعى، فإن السُّمَّ كامن فيها بالقوة، فإذا قابلت عدوها انبعثت منها قوة غضبية وتكيفت بكيفية خبيثة مؤذية، فمنها ما تشتد كيفيتها وتقوى حتى تؤثر في إسقاط الجنين، ومنها ما تُؤثِّر في طَمْس البصر(1).

     فقد أخرج الإمام أحمد والترمذي وأبو داود عن الزبير بن العوام -- قال: عن الحسن البصري حيث قال - رحمة الله عليه-: «هلاك الناس من ثلاث: الكبر، والحرص، والحسد، فالكبر هلاك الدين وبه لعن إبليس، والحرص هلاك النفس وبه أُخرج آدم من الجنة، والحسد رائد الشر وبه قتل قابيل أخاه هابيل».

     قال بعض الحكماء: الحاسد بارز ربَّه من خمسة أوجه:

     أحدها: أنه أبغض كل نعمة ظهرت على غيره.

     وثانيها: أنه ساخط لقسمة ربه، كأنه يقول: لم قسمت إلي هذه القسمة.

     وثالثها: أنه ضادّ الله، أي: أن فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله.

     ورابعها: أنه خذل أولياء الله، أو يريد خذلانهم، وزوال النعمة عنهم.

     وخامسها: أنه أعان عدوه إبليس.

     وقيل: الحاسد لا ينال في المجالس إلا ندامة، ولا ينال عند الملائكة إلا لعنة وبغضاء، ولا ينال في الخلوة إلا جزعًا، وغمًّا، ولا ينال في الآخرة إلا حزنًا، واحتراقًا، ولا ينال من الله إلا بعدًا ومقتًا(2).

     وللحسد آثار وأضرار على الحاسد وعلى المجتمع منها:

1- حلق الدين:

     روى الترمذي عن الزبير بن العوام أن النبي قال: «دَبَّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد، والبغضاء هي الحالقة، لا أقول تَحْلِقُ الشعر ولكن تحلق الدين»(3).

2- انتفاء الإيمان الكامل:

     روى النسائي عن أبي هريرة أن النبي قال: «لا يجتمعان في قلب عبدٍ: الإيمان والحسد»(4).

     وقال : «لا يجتمع في جوف عبد غبار في سبيل الله وفيح جهنم، ولا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد» رواه ابن حبان والبيهقي و إسناده حسن(5).

3- ضياع الحسنات:

     عن أنس بن مالك قال قال رسول الله : «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب»(6).

4- رفع الخير وانتشار البغضاء في المجتمع:

     يقول : «لا يزال الناس بخير ما لم يتحاسدوا» رواه الطبراني. روى الشيخان عن أنس أن النبي قال: «لا تباغضوا، ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد اللَّه إخوانًا»(7).

     ذكر عكرمة هذه القصة التي تبيِّن أن الحسد من الممكن أن يقلب الحقائق ويصيِّر الحق باطلًا والباطل حقًا، قال: كانت القضاة ثلاثة - يعني: في بني إسرائيل - فمات واحد فجعل الآخر مكانه، فقضوا ما شاء الله أن يقضوا فبعث الله ملَكًا على فرس فمرّ على رجل يسقي بقرة معها عجل، فدعا الملَك العجل فتبع العجل الفرس، فجاء صاحبه ليرده فقال: يا عبد الله! عجلي وابن بقرتي، فقال الملك: بل هو عجلي وابن فرسي، فخاصمه حتى أعيا، فقال: القاضي بيني وبينك.

     قال: لقد رضيت، فارتفعا إلى أحد القضاة، فتكلم صاحب العجل فقال له: مر بي على فرس فدعا عجلي فتبعه فأبى أن يرده، قال: ومع الملك ثلاث دُرّات لم ير الناس مثلها، فأعطى القاضي درة، وقال: اقض لي، فقال: كيف يسوغ هذا؟ فقال: نرسل العجل خلف الفرس والبقرة فأيهما تبعها فهو ابنها، ففعل ذلك فتبع الفرس فقضى له.

     فقال صاحب العجل: لا أرضى، بيني وبينك القاضي الآخر، ففعلا مثل ذلك، ثم أتيا الثالث فقصا عليه قصتهما، وناوله الملك الدرة الثالثة فلم يأخذها، وقال: لا أقضي بينكما اليوم، فقالا: ولم لا تقضي بيننا؟ فقال: لأني حائض، فقال الملك: سبحان الله!! رجل يحيض!؟. فقال القاضي: سبحان الله! وهل تنتج الفرس عجلًا؟ فقضى لصاحب البقرة.فقال الملك: إنكم إنما ابتُلِيتم، وقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك(8).

     قال الكميت الأسدي:

إن يحسدونني فإني غير لائمهم

قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا

فدام لي ولهم ما بي وما بهم

ومات أكثرنا غيظًا بما يجد

أنا الذي يجدوني في صدورهم

لا أرتقي صدرًا منها ولا أرِدُ

5- مقت الناس للحاسد وعدواتهم له:

     كما أن الحاسد يبغض الناس ويستكثر نعمة الله عليهم ؛ فإن الناس كذلك تبغضه لسوء خلقه وفساد طويّته عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ عَلَى الْمِنْبَرِ: أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى، إِنْ شِئْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَإِنَّ شِرَارَكُمُ الَّذِي يَنْزِلُ وَحْدَهُ، وَيَجْلِدُ عَبْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ، قَالَ: أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى إِنْ شِئْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَنْ يُبْغِضُ النَّاسَ وَيُبْغُضُونَهُ، قَالَ: أَوَ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى إِنْ شِئْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الَّذِينَ لا يَقْبَلُونَ عَثْرَةً، وَلا يَقْبَلُونَ مَعْذِرَةً، وَلا يَغْفِرُونَ ذَنْبًا، قَالَ: أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَنْ لا يُرْجَى خَيْرُهُ، وَلا يُؤْمَنُ شَرُّهُ(9).

     قال محمود الورّاق:

أعطيت كل الناس من نفسي الرضا

إلا الحسود فإنه أعياني

ما إن لي ذنبًا إليه علمته

إلا تظاهر نعمة الرحمن

وأبى فما يرضيه إلا ذلتي

وذهاب أموالي وقطع لساني

6– الغم والهم:

     قال السمرقندي: ليس شيء من الشر أضر من الحسد؛ لأنه يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود مكروه: غم لا ينقطع، مصيبة لا يؤجر عليها، مذمة لا يحمد عليها، يسخط عليه الرب، تغلق عليه أبواب التوفيق(10).

     قال ابن المعتز: الحسد داء الجسد. وقال الأصمعي: قلت لأعرابي: ما أطول عمرك؟ قال: تركت الحسد فبقيت. والحاسد يُقتل غمًّا بصبر المحسود. قال بعض الحكماء: يكفيك من الحاسد أنه يغتمّ في وقت سرورك. وقيل في منثور الحكم: عقوبة الحاسد من نفسه. وقال بعض الأدباء: ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من الحسود نفس دائم، وهمّ لازم، وقلب هائم، فأخذه بعض الشعراء فقال:

إنّ الحسود الظلوم في كرب

يخاله من يراه مظلومًا

ذا نفس دائم على نفس

يظهر منها ما كان مكتومًا

     قال معاوية رضي الله عنه: ليس في خصال الشر أعدل من الحسد يقتل الحاسد قبل أن يصل للمحسود.

     قال رجل لشريح القاضي: إني لأحسدك على ما أرى من صبرك على الخصوم ووقوفك على غامض الحكم. فقال: ما نفعك الله بذلك ولاضرني.

     وقال علي: لا راحة لحسود، ولا إخاء لملول. والحسود لا يسود.

     قال بعض الحكماء: ما رأيت ظالمًا أشبه بمظلوم من الحاسد.

     وقال بعضهم: لله درُّ الحسدِ ما أعدلَه، بدأ بصاحبهِ فقتلَه.

     قال الشاعر:

يا حاسدًا لي على نعمتي

أتدري على من أسأتَ الأدبْ

أسأتَ على الله في فعلهِ

لأنكَ لم ترضَ لي ما قسمْ

فأخزاكَ ربي بأنْ زادني

وسدَّ عليكَ وجوهَ الطلبْ

     قال معاوية لابنه: يا بني، إياك والحسد؛ فإنه يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوك.

     وعن سفيان بن دينار: قال قلت لأبي بشر: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيرًا ويؤجرون كثيرًا؟ قال: قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم.

     وشتم رجل ابن عباس، فقال له: إنك لتشتمني وفيّ ثلاث خصال: إني لآتي على الآية في كتاب الله فلوددت أن جميع الناس يعلمون منها ما أعلم، وإني لأسمع بالحاكم من حكام المسلمين يعدل في حكمه فأفرح به ولعلي لا أقاضي إليه أبدًا، وإني لأسمع أن الغيث قد أصاب بلدًا من بلدان المسلمين فأفرح به، ومالي به من سائمة.

     وقال معاوية: كل الناس أقدر على رضاه، إلا حاسد نعمة؛ فإنه لا يرضيه إلا زوالها؛ ولذا قيل:

كلُّ العداواةِ قد تُرجَى إماتتُها

إلا عداوةَ من عاداكَ من حسدِ

     قال الشاعر:

وشكوت من ظلم الوشاة ولم أجد

ذا سؤدد إلا أصيب بحُسَّدِ

لا زلت يا سبط الكرام محسَّدًا

والتافه المسكين غير محسدِ

     وقال آخر:

وفي السماء نجوم لا عداد لها

وليس يخسف إلا الشمس والقمر

     قال الجاحظ: «الحسد -أبقاك الله- داء يُنهك الجسد ويُفسد الود، علاجه عسر، وصاحبه ضجر، وهو باب غامض، وأمر متعذر، فما ظهر منه فلا يداوى، وما بطن منه فمداويه في عناء»(11).

     حكي أن رجلًا من العرب دخل على المعتصم فقربه وأدناه، وجعله نديمه وصار يدخل على حريمه من غير استئذان، وكان له وزير حاسد فغار من البدوي وحسده وقال في نفسه: إن لم أحتل على هذا البدوي في قتله أخذ بقلب أمير المؤمنين وأبعدني منه، فصار يتلطّف بالبدوي حتى أتى به إلى منزله فطبخ له طعامًا وأكثر فيه من الثوم فلما أكل البدوي منه قال له: احذر أن تقترب من أمير المؤمنين فيشم منك فيتأذى من ذلك؛ فإنه يكره رائحته ثم ذهب الوزير إلى أمير المؤمنين فخلا به وقال يا أمير المؤمنين إن البدوي يقول عنك للناس إن أمير المؤمنين أبخر وهلكت من رائحة فمه، فلما دخل البدوي على أمير المؤمنين جعل كمه على فمه مخافة أن يشم منه رائحة الثوم، فلما رآه أمير المؤمنين وهو يستر فمه بكمه قال: إن الذي قاله الوزير عن هذا البدوي صحيح فكتب أمير المؤمنين كتابًا إلى بعض عماله يقول فيه: إذا وصل إليك كتابي هذا فاضرب رقبة حامله ثم دعا البدوي ودفع إليه الكتاب وقال له: امض به إلى فلان وائتني بالجواب، فامتثل البدوي ما رسم به أمير المؤمنين وأخذ الكتاب وخرج به من عنده، فبينما هو بالباب إذ لقيه الوزير فقال: أين تريد؟ قال: أتوجه بكتاب أمير المؤمنين إلى عامله فلان. فقال الوزير في نفسه: إن هذا البدوي يحصل له من هذا التقليد مال جزيل، فقال له: يا بدوي ما تقول فيمن يريحك من هذا التعب الذي يلحقك في سفرك ويعطيك ألفي دينار فقال: أنت الكبير وأنت الحاكم ومهما رأيته من الرأي أفعل. قال أعطني الكتاب فدفعه إليه فأعطاه الوزير ألفي دينار وسار بالكتاب إلى المكان الذي هو قاصده، فلما قرأ العامل الكتاب أمر بضرب رقبة الوزير فبعد أيام تذكر الخليفة في أمر البدوي وسأل عن الوزير فأُخبِر بأن له أيامًا ما ظهر وأن البدوي بالمدينة مقيم فتعجب من ذلك وأمر بإحضار البدوي فحضر فسأله عن حاله فأخبره بالقصة التي اتفقت له مع الوزير من أولها إلى آخرها فقال له: أنت قلت عني للناس: إني أبخر؟ فقال: معاذ الله يا أمير المؤمنين أن أتحدث بما ليس لي به علم وإنما كان ذلك مكرا منه وحسدا. وأعلمه كيف دخل به إلى بيته وأطعمه الثوم وما جرى له معه فقال أمير المؤمنين: قاتل الله الحسد ما أعدله بدأ بصاحبه فقتله ثم خلع على البدوي واتخذه وزيرًا وراح الوزير بحسده(12).

علاج الحسد

     قال ابن القيم: يندفع شر الحاسد عن المحسود بعشرة أسباب:

     السبب الأول: التعوذ بالله من شره والتحصن به، والالتجاء إليه.

     السبب الثاني: تقوى الله، وحفظه عند أمره ونهيه. وقال في حق الصديق يوسف --: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (يوسف:24). وقال النبي -- لعبد الله بن عباس- رضي الله عنهما-: «واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك،ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك»(13).

     السبب الثالث: الصبر على عدوه، وأن لا يقاتله ولا يشكوه، ولا يحدث نفسه بأذاه أصلًا.

     السبب الرابع: التوكل على الله، فمن يتوكل على الله فهو حسبه.

     السبب الخامس: فراغ القلب من الاشتغال به والفكر فيه.

     السبب السادس: وهو الإقبال على الله، والإخلاص له.

     السبب السابع: تجريد التوبة إلى الله من الذنوب التي سلطت عليه أعداءه.

     السبب الثامن: الصدقة والإحسان ما أمكنه.

     السبب التاسع: هو إطفاء نار الحاسد والباغي والمؤذي بالإحسان إليه.

     قال عز وجل: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (فصلت:3436).

     السبب العاشر: التوحيد الخالص لله(14).

علاج الإصابة من الحسد والعين:

1- ستر محاسن من يخشى عليه الإصابة بالعين:

     قال ابن القيم رحمه الله : ومن علاج ذلك أيضًا والاحتراز منه: ستر محاسن من يخاف عليه العين بما يردها عنه. كما ذكر البغوى في كتاب (شرح السنة): إن عثمان -- رأى صبيًا مليحًا فقال: دَسِّموا نونته، لئلا تصيبه العينثم قال في تفسيره: ومعنى دَسِّموا نونته: أي سودوا نونته، والنونة: النقرة التي تكون في ذقن الصبي الصغير وهي محل الحسن(15).

2- قراءة فاتحة الكتاب وآية الكرسي:

     عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: بَيْنَمَا جِبْرِيلُ قَاعِدٌ عِنْدَ النَّبِىِّ سَمِعَ نَقِيضًا مِنْ فَوْقِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ هَذَا بَابٌ مِنَ السَّمَاءِ فُتِحَ الْيَوْمَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إِلاَّ الْيَوْمَ فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ فَقَالَ هَذَا مَلَكٌ نَزَلَ إِلَى الأَرْضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلاَّ الْيَوْمَ فَسَلَّمَ وَقَالَ أَبْشِرْ بِنُورَيْنِ أُوتِيتَهُمَا لَمْ يُؤْتَهُمَا نَبِىٌّ قَبْلَكَ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَخَوَاتِيمُ سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إِلَّا أُعْطِيتَهُ(16).

     وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سِنَامًا، وَسِنَامُ الْقُرْآنِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، فِيهَا آيَةٌ سَيِّدَةُ آيِ الْقُرْآنِ، لاَ تُقْرَأُ فِي بَيْتٍ فِيهِ شَيْطَانٌ إِلاَّ خَرَجَ مِنْهُ، آيَةُ الْكُرْسِيِّ(17).

3- قراءة سورة الإخلاص والمعوذتين:

     عن عبد الله بن حبيب -- قال: قال رسول الله --: «اقرأ قل هو الله أحد والمعوذتين حين تمسي وحين تصبح ثلاث مرات تكفيك من كل شيء»(18).

     وعن عائشة --: أن رسول الله -- كان إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ثم نفث فيهما فقرأ فيهما: قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس، ثم يمسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبل من جسده يفعل ذلك ثلاث مرات (الشيخان ).

4- المحافظة على أذكار الصباح والمساء:

     ومنها: عما روي عن عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : مَا مِنْ عَبْدٍ، يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلِّ يَوْمٍ، وَمَسَاءِ كُلِّ لَيْلَةٍ: بِسْمِ اللهِ الَّذِي لاَ يَضُرُّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ، فِي الأَرْضِ وَلاَ فِي السَّمَاءِ، وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، لَمْ يَضُرَّهُ شَيْءٌ(19).

5- الرقية الشرعية والدعاء:

     والرقية الشرعية هي التي تكون بآي القرآن الكريم فتقرأ: الحمد، وآية الكرسي وخواتيم سورة البقرة، والمعوذات تعيدها ثلاث مرات، والقرآن كله شفاء بلا شك وكذا الأدعية المأثورة مع البعد عن البدع والشركيات، وتعليق التمائم والخرز وغير ذلك.

     فإن من شروط الرقية الشرعية:

     1- أن تكون من القرآن أو الأذكار أو الأدعية الشرعية.

     2- أن تكون باللسان العربي.

     3- أن يعتقد أنها سبب والله هو المؤثر.

     4- أن لا يعتمد عليها، وإنما يعتمد على الله ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 23].

     5- أن يكون الراقي ليس من أهل الشعوذة.

     قال تعالي: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (النمل:62).

     وعن أبي سعيد الخدري --: «أن جبريل أتى النبي -- فقال: يا محمد اشتكيت؟ فقال: نعم، قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك»(20).

6- الصبر على كيد الحسود:

     لو وقف المسلم عند كل كلمة تقال له، وعند كل نظرة ينظر بها إليه، لما سلم، ولقضى عمره كله في هم ونكد، فرضا الناس غاية لا تدرك، سألَ موسى ربَّه أنْ يكفَّ ألسنةَ الناسِ عنهُ، فقال اللهُ عزَّوجلَّ: «يا موسى، ما اتخذتُ ذلك لنفسي، إني أخلقُهم وأرزقُهُمْ، وإنهم يسبُّونَنِي ويشتُموننِي»!!.

     قال الشاعر:

اصبر على كيد الحسود   *    فإن صبــرك قاتله

فالنــــــــــــار تــــــأكل نفسهـا   *    إن لم تجد ما تأكله

     وقال آخر:

احرص على جمع الفضائل واجتهد

وتجافَ عن حمل الضغينة والحسد

اصبر على كيد الحسود مداريًا

يا صاح بعد الموت ينقطع الحسد

     وقول بشارة بن برد:

إِنْ يَحْسُدُونِي فَإِنِّي غَيْرُ لاَئِمِهِم

قَبْلِي مِنَ النَّاسِ أَهْلُ الفَضْلِ قَدْ حُسِدُوا

فَدَامَ لِي وَلَهُمْ مَابِي وَمَا بِهِمُ

وَمَاتَ أَكْثَرُنَا غَيْظًا بِمَا يَجِدُوا

6- الاغتسال:

     وذلك إذا تأكدنا أن أحد الناس حسد آخر بالعين، فإننا نطلب من الحاسد أن يتوضأ في إناء، ثم نأخذ هذا الماء ونصبه على رأس وظهر المحسود من خلفه فيبرأ بإذن الله تعالى.

     فقد أخرج الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة بسند صحيح صححه الألباني في صحيح الجامع (3908)  من حديث أَبي أُمَامَةَ بن سَهل بن حُنَيفٍ، أَنُّ أَبَاهُ حدثه،أَن رَسُولَ الله ، خَرَجَ، وَسَارُوا مَعَهُ نَحوَ مَكةَ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِشِعبِ الخَرارِ مِنَ الجُحفَةِ اَغْتَسَلَ سَهْلُ بن حُنَيف، وَكَانَ رَجُلاَ أبيَضَ، حَسَنَ الجِسمِ وَالجِلْدِ، فَنَظَرَ إِلَيهِ عَامِرُ بْنِ رَبِيعَةَ أَخُو بني عَدِي بْنِ كَعبٍ وَهُوَ يَغتَسِلُ، فَقَالَ: مَا رَأَيتُ كَاليوم وَلاَ جِلدَ مُخبَأَةٍ، فَلُبِطَ بِسَهل، فَاُتِيَ رَسُولُ اللهِ ، فَقَيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ الله، هَل لَكَ فِي سَهْلٍ؟ وَ الله مَا يرفَعُ رَأسَهُ، وَمَا يُفِيقُ. قَالَ: هَل تَتهِمُونَ فِيهِ مِنْ أَحَدِ؟ قَالُوا: نَطَرَ إِلَيهِ عامِرُ بن رَبِيعَةَ، فَدَعَا رَسُولُ الله ، عَامِرًا فَتَغَيظَ عَلَيهِ وَقَالَ: عَلاَمَ يَقتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ هَلّا إِذَا رَأَيْتَ ما يُعجِبُكَ بَركتَ، ثُم قَالَ لَهُ: أغتَسِل لَهُ، فَغَسَلَ وَجهَهُ، ويديه، ومرفقيه، وركبتيه، وأطراف رجليه، وَدَاخِلَةَ إِزَارِه فِي قَدَحِ، ُثم صُب ذَلِكَ المَاءُ عَلَيهِ، يَصُبُّهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِهِ وَظَهْرِهِ مِنْ خَلفِهِ، ثُمُّ يُكْفِىُء القَدَحَ وَرَاءَهُ، فَفَعَلَ بِهِ ذَالِكَ، فَرَاحَ سَهل مَعَ الناسِ لَيسَ بِهِ بأس(21).

     وفي رواية أخرى عند أحمد في سنده: فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح، ثم صب ذلك الماء عليه، يصبه رجلٌ على رأسه وظهره من خلفه ثم يكفأ القدح وراءه ففعل ذلك، فراح سهل مع الناس ليس به بأس.

     وفي رواية عن أحمد وهي في صحيح الجامع (1/212): «إذا رأى أحدكم من أخيه أو نفسه أو من ماله ما يعجبه فليدع بالبركة؛ فإن العين حق».

     وقانا الله وإياكم من شر الحسد والحاسدين والحقد والحاقدين، وطهر قلوب المؤمنين، وجعلهم إخوة في الله متحابين متآلفين.

*  *  *

الهوامش:

(1) المعاد لابن القيم جـ4 ص166].

(2) ابن عادل: تفسير اللباب 19/3.

(3) صحيح الترمذي 2038 وصحيح الجامع(3361) صحيح لغيره. قال المباركفوري: «تَحْلِق الدِّين أي َتَسْتَأْصِلهُ كَمَا يَسْتَأْصِل الْمُوسَى الشَّعْر» عون المعبود 9/297.

(4) صحيح النسائي 2912.

(5) وأخرجه النسائي 6/12-13، والطبراني في «الصغير» 410 عن عيسى بن حماد، وأحمد 2/340 عن يونس، كلاهما عن الليث، بهذا الإسناد، وصححه الحاكم 2/72.

(6) أخرجه أبو داود في السنن: 4/276 رقم (4903) وابن ماجه 2/1408 رقم (4210) إسناده ضعيف فيه عيسى بن أبي عيسى ضعفه أحمد وغيره.

(7) البخاري حديث 6076، ومسلم حديث 2559.

(8) ابن كثير: البداية والنهاية 9/274.

(9) أخرجه الطبراني (10/318، رقم 10775) والحديث فيه ضعف.

(10) الإبشيهي: المستطرف 1/458.

(11) رسالة الحاسد والمحسود (ص: 8).

(12) ابن حجة الحموي: ثمرات الأوراق 196.

(13) أخرجه الإمام أحمد والترمذي.

(14) ابن القيم كما في التفسير القيم صـ 585، 594.

(15) شرح السنة:13/116.

(16) أخرجه مسلم 2/198(1828) و«النَّسَائي» 2/138.

(17) أخرجه عَبْد الرَّزَّاق (6019) و«التِّرمِذي» 2878.

(18) أبو داود ( 5082) والترمذي ( 3575 ).

(19) أخرجه أحمد 1/62 (446) و«البُخَارِي»، في «الأدب المفرد» 660 و «ابن ماجة» 3869.

(20) مسلم (5664).

(21) أخرجه أحمد 3/486 (16756) و«النَّسَائي» في «عمل اليوم والليلة» 209.

       

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (8)

مكانة المرأة في الإسلام: الحقوق، والواجبات

إعداد:  د. عادل بن إبراهيم بن محمد رفاعي(*)

 

 

     من تشريف المرأة للإسلام أن حملها أنواعَ التكاليف، فنشأ عن ذلك جملة كبيرة من الواجبات التي على المرأة أن تؤديها: نحو ربها، وأبيها، وأمها، وأخيها، وزوجها، وابنها، ومجتمعها.

     كما أن الرجل عليه تجاه المرأة ألوانٌ من الواجبات والحقوق، أمره الشرع بمراعاتها وتأديتها على أكمل وجه.

     وفيما يلي إشارة إلى شيء من تلك الواجبات والحقوق:

المرأة البنت

     عندماتفتح المرأة عينيها على هذه الدنيا؛ فإنها ستجد نفسها في بادئ الأمر ابنةً لأب وأم، لها عليهما حقوق، ولهما عليها واجبات.

     فمن حقوقها كابنة: أن تنال حقها من الرضاعة، ومن النفقة، ومن اختيار الاسم الحسن، والعقيقة، وغير ذلك.

     ومن واجباتها: خفض الجناح، وبر الوالدين، وطاعتهما في المعروف، والإحسان إليهما حال حياتهما، والدعاء لهما من بعد وفاتهما، وغير ذلك من الحقوق.

المرأة الأخت

     إن ثانيَ أطوار الفتاة في الغالب أن تكون أختًا سواء تزامن ذلك مع كونها بنتًا بأن وُلِدت ولها إخوة وأخوات، أو كانت بكرًا لأبويها وليس لها من يكبرها.

     وعلى كُلِّ؛ فإن ذلك يوجب عليها من الحقوق المتبادلة بينها وبين إخوتها الشيء الكثير.

     ومن تلك الحقوق: وجود الاحترام المتبادل بين الأشقاء، وتنْزيل الأخ الأكبر أو الأخت الكبرى المنْزلة اللائقة به، والإشفاق على الصغير والعطف عليه، وإبداء النصح والمشورة اللازمة فإن الدين النصيحة، وغير ذلك من الحقوق.

المرأة الزوجة

     في ثالث أطوار الفتاة، تنتقل من بيت الأبوّة إلى بيت الزوجية، حيث تختلف طريقة حياتها، وتدخل عالمًا جديدًا لم تكن تعرفه من قبل، وتلتزم واجباتٍ جديدة، وتستحق حقوقًا لم تكن تستحقها من قبل، وهذه المرحلة هي أكثر المراحل أهمية بالنسبة للفتاة؛ لأهمية حق الزوج وعِظَمه فهو جنتها أو نارها، وأيضًا فإن دخولها إلى الحياة الزوجية يُدخل البهجة والسرور على قلبها، ويُشعرها بالأمان الاجتماعي الذي تخافه أكثر الفتيات.

     ولا شك أن كثيرًا من فتياتنا اليوم قد قصرن في معرفة حقوق أزواجهن عليهن، مما سبَّب كثيرًا من المشاكل الزوجية في عالمنا اليوم، وارتفعت بسبب ذلك نسبة الطلاق ارتفاعًا هائلًا.

     ومن الأمور الجيدة في هذا المجال وجود المؤسسات الاجتماعية التي تهتم بإعطاء المشورة والنصح لكلا الزوجين لحل مشاكلهم الزوجية؛ لكي نَحُدَّ من تفاقم هذه المشكلة، ونُقلِّل من هذه الأزمة.

وفي بعض الإشارات السريعة إلى حقوق الزوجة وواجباتها أقول:

     إن من واجباتها كزوجة: طاعة الزوج في المعروف، وإعطاءه حقه الجنسي، والمحافظة على نظافة البيت وخدمة الزوج، والاهتمام بزينتها وجمالها وأناقتها ولباسها؛ ومن ثم بعد انتهاء الحياة الزوجية المحافظة على العدة والإحداد، وغير ذلك من الواجبات.

     ومن حقوقها كزوجة: النفقة، والكسوة، والمعاشرة الحسنة، وحق المبيت، وحق الفراش، وغير ذلك من الواجبات.

المرأة الأم

     وهو آخر أطوار المرأة، وهو من أهم أهداف المرأة التي تسعى لنيلها، فبدون أمومة لا تعيش المرأة السعادة الحقيقية، فبالأمومة تُعْطِي الحنان، وتعطي الحب، وتعطي الأمان، وتربي الأجيال، وتعيش دورًا حقيقيًّا في خدمة المجتمع.

     وليست الأمومة مجرد حملٍ لمدة تسعة أشهر، وإرضاع، وتغذية؛ بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى أن تكون الأم مــــــدرســــــــــة حقيقية، تُعِدُّ جيلًا كاملًا للحياة، يستطيع أن يؤدي دوره الحقيقي في هذا المجتمع.

     فمن واجبات الأم: المحافظة على جنينها في بطنها، ومن ثَمَّ إرضاعه وتغذيته، وإعطاؤه الحب والحنان، وتأهيله التربوي والاجتماعي.

     ومن حقوقها: الحصول على الاحترام، والبر، وخفض الجناح، وتلبية طلباتها ورغباتها بالمعروف(1).

المرأة المواطنة

     لقد أعطت الشريعة الإسلامية المرأة حقوقًا لها كمواطنة في كيان الدولة الإسلامية، فليست هي على هامش المجتمع؛ بل هي أحد أركانه العظيمة التي لايمكن للدولة أن تقوم إلا بها.

     ومن أروع الأمثلة التي تدل على ما ذكرناه: قصة المجادلة التي جاءت تشكو إلى النبي حالها مع زوجها بعد أن ظاهر منها، فكانت الإجابة النبوية أنها قد حرمت عليه، وكان هذا مؤذيًا للمرأة من عدة نواحٍ، فما زالت تكرر وتعيد، وتناقش وتجادل، لعل الرسول يبدو له غير ما أفتاها به، ولعل الوحي الإلهي ينْزل من السماء في دعم قضيتها.

     وكان ما أرادت، فجاءت الآيات من فوق سبع سماوات في حل أزمتها ومشكلتها، فكانت تلك الآيات النازلة في مطلع سورة المجادلة، قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (2).

     وفي عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقف على المنبر يخاطب أمته، ويأمر الناس بألا يزيدوا على مقدارٍ معين في المهر.

     وتقوم المرأة المواطنة لتنتقد ما قاله، وتعترض على ذلك الحكم، ليس عصيانًا وخروجًا عن طاعة الخليفة والأمير، وإنما مراجعةً ومشاورة؛ لعل الأمير يرجع فيما تظن تلك المواطنة أنه أخطأ فيه.

     فتقوم تلك المرأة لتذكره بأن الله أحل لها أن تأخذ قنطارًا من المال ﴿وَاٰتَيْتُمْ إِحْدٰﯨﻬـُﻦَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾(3).

     فيتذكر الخليفة الراشد ذلك، ويُذعن لقول المرأة بعد إذعانه لقوله تعالى(4).

     وفي هذا أعظم الأمثلة على إثبات حقوق المرأة المواطنة في المجتمع، وأن لها حق الاعتراض والمراجعة، والنصيحة والمشاورة.

      وتاريخ الإسلام مليء بتلك القصص التي تدل على مثل هذا، وفيما ذكرناه كفاية.

     وفي آخر هذا الفصل؛ فإن في الذي ذكرته جملة من حقوق المرأة وواجباتها، وإنما هي إشارةٌ والحر تكفيه الإشارة.

شمولية المنهج الرباني في معالجة قضايا المرأة المختلفة والمتنوعة

     إن الإسلام قد وفَّى وكفَّى بكل ما تحتاجه المرأة؛ إما تصريحًا بنص قاطع، أو جعل قاعدةً عامّةً تندرج تحتها كلُّ المستجدات المعاصرة، فلا تحتاج بعدها المرأة إلى من يُعَلِّمها كيف تعيش، والله سبحانه يقول وهو العليم الخبير: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾(5).

     ولقد تميزت الشريعة الإسلامية بأنها شاملة لجميع قضايا المرأة المتعلقة بها، ولشمول الشريعة الإسلامية عدة معانٍ، منها:

1- شمول العصور القديمة والمعاصرة واللاحقة

     فكل ما جاء في تشريع الإسلام إنما هو مناسب لكل زمان ومكان، فنرى الإسلام قد تحدث عن حال تعامل أهل الجاهلية مع المرأة من عدة نواحٍ:

     فنهى عن وأد البنات(6)، قال تعالى: ﴿وَإِذَا الموءدَةُ سُئِلَتْ، بِأيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾(7).

     كما أنه نهى عن نكاح الشغار(8)، فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله نهى عن الشغار(9).

     ونهى عن أكل الصداق، قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَاٰتَيْتُمْ إِحْدٰﯨﻬـُﻦَّ  قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا * وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾ (النساء:20-21).

     وبيّن الشرع أن المرأة تَرِثُ كما أن الرجل يرث، فقال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدٰنِ وَالأقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدٰنِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (النساء:7).

     وبيّن الإسلام أن المرأة حرة لا تورث عند موت زوجها، وليس كحالها في الجاهلية، حيث كان يرثها من أقاربها من يضع يده عليها.

2- بيان حقوقها وواجباتها

     من الأخطاء الشائعة في المجتمعات الإسلامية اليوم: أن الرجل يطالب بحقوقه كاملة من المرأة، ولا نزال نسمع عن حقوق الرجل وواجباتها في كل مكان؛ فيما أن حق المرأة وواجبات الرجل نحوها لا تكاد تُذكر.

     والشريعة الإسلامية جاءت شاملة من هذه الناحية؛ فكما أنها تعرضت لبيان واجبات المرأة، فإنها كذلك تحدثت عن حقوقها، فجاءت شاملة لقضايا المرأة جميعها، لا ظالمة ولا مظلومة.

3- الحديث عن القضايا الطبيعية للمرأة

     إن الدين الإسلامي لم يتعرض للمرأة من ناحية ما فُرِضَ عليها من الشرائع فقط؛ بل إنه تعرض لها من كل النواحي التي تهمها في حياتها الخاصة، سواء كانت تلك القضايا الطبيعية التي تختص بالمرأة، كقضايا الحيض والنفاس.

     أو قضاياها التي تختص بعلاقاتها مع الرجل، كقضايا الزواج والطلاق.

     أو قضاياها التي تختص بعلاقتهامع أولادها، كقضايا الرضاع والحضانة.

     هذا هو المفهوم الشامل للتربية الربانية في تعاملها مع المرأة، ولو أردنا أن نتتبع معنى الشمولية في قضايا المرأة لاحتجنا إلى مجلدات، وفي المذكور ما يكفي، فلابد أن نعيش على هذه القناعة، ولتكن عقيدة مترسخة نحيا عليها، فلا تهزنا إرجافات المرجفين، ولا تأويلات المبطلين، فالخير كل الخير فيما شرع الله وسنَّهُ للمرأة، لا فيما تدعو إليه الشرائع الأرضية.

     ومع هذا، فلا يمنع أن تستفيد المرأة من كل مشروع يهدف إلى تعزيز هويتها، ويحافظ على كرامتها، ويجعلها عنصرًا فعّالًا في المجتمع، في إطار المسموح به في الشرع، ولا يكون في ذلك ذريعة ووسيلة إلى شر عظيم يعود على المجتمع بالويل والثبور في العاجل والآجل.

*  *  *

الهوامش

(1)        حقوق المرأة وواجباتها (ص211-260).

(2)        المجادلة: 1.

(3)        النساء: 20.

(4)        تفسير القرطبي (5/95).

(5)        المائدة: 3.

(6)        تفسير ابن كثير (2/572).

(7)        التكوير: 8-9.

(8)        نكاح الشغار: هو أن يزوج الرجل ابنته، على أن يزوجه الرجل الآخر ابنته، وليس بينهما صداق. صحيح البخاري (5/1966).

(9)        صحيح البخاري (ح4822)، وصحيح مسلم ح1415).

       

إلى المحتويات

 

إلى رحمـــــــــــة الله

الشيخ أسرار الحق القاسمي في ذمة الله

بقلم:  الأستاذ محمد أبرار كليم القاسمي(*)

 

 

     فاجأ نعيُ الزعيم المسلم الشهير و العالم الهنديّ الكبير الشيخ  أسرار الحق القاسميّ رحمه الله الأوساطَ الهندية المسلمة، على اختلاف المذاهب الفكرية؛ إذ وافته المنيّةُ إثر نوبة قلبية ألمّت به في الصباح الباكر، أي الساعة الثالثة و النصف في الليلة المتخلّلة بين يومي الخميس و الجمعة: 28/ربيع الأول 1440هـ الموافق 7/ديسمبر 2018م؛ فتلقَّتْه بأسف بالغ وحزن عميق؛ لأنها كانت لاتتوقّع هذه المفاجأةَ الأليمةَ فيما يتعلّق بموته الذي حقًّا إذا جاء لايُؤخَّر؛ فإنَّا لله وإنّا إليه راجعون. وكان لدى وفاته في 76 من عمره بالنسبة إلى الأعوام الميلاديّة، وفي 82 من عمره بالقياس إلى السنوات الهجريّة حيث كان من مواليد فبراير 1942م. رحمه الله وأدخله فسيح جنّاته، وألهم أهله وذَويه ومعارفه الصبرَ والسلوانَ.

     انتشر نبأ وفاته عبرَوسائل التواصل الحديثة السريعة في مشارق الأرض  و مغاربها، لم يكد النعي يلامس آذان الأوساط الإسلاميَّة في الهند حتى صعقت صعقًا، وأخذ منها الحزن والأسى كلَّ مأخذ، و كان أهالي المدينة و القرية و سكانهما حزينين وآسفين، كأنهم فُجِعوا بأحب أفراد الأسرة وأعزهم  لديهم، فكان يُعزِّي بعضهم بعضًا بعيون عبرىٰ في هذا المصاب العظيم. وقد صُلِّي عليه بمحيط المدرسة الشعبية للبنات في حي «تعليم آباد تافو» من أعمال مديرية «كشن غنج» بولاية «بيهار» الهند. و ذلك في نحو الساعة الثالثة من يوم الجمعة نفسه. وأمَّ الصلاةَ عليه  فضيلة الشيخ أنوار الحق حفظه الله الأمين العام  في دارالعلوم ببلدة «بهادرفور» من مديرية «كشن غنج» بولاية «بيهار». وحَضَر الصلاةَ عليه وتشييع جثمانه إلى قبره ودفنه آلافٌ من المسلمين علماءَ وطلابًا وأناسًا من شتى قطاعات الحياة. وأفادتِ المصادرُ العليمةُ بأنّ المدينة لم تشهد صلاةَ جنازة مثلها؛ حيث حضرها عددٌ كبيرٌ غفير.

     وقد عزَّى أسرتَه الحزينةَ في وفاته الأوساطُ العلميّةُ والدينيّةُ والأدبيّةُ بالإضافة إلى كبار القادة والزعماء الحكوميين والسياسيين من المسلمين وغير المسلمين، وعلى رأسهم رئيس الوزراء الهندي «ناريندر مودي» ورئيس حزب المؤتمر الهندي «راهول غاندي» وكبير وزراء بيهار المستر «ناتيش كومار». و خيّم الحزن على مدينة «كشن غنج» و المناطق المجاورة لها خصوصًا وعلى الهند عمومًا؛ لأنّه كان زعيمًا كبيرًا يناضل ويتحرك من أجل خدمة مصالح الشعب المسلم والمصالح الوطنيّة العامّة؛ فكان يتمتع بشعبيّة ساحقة لايدانيه فيها أحد من الزعماء في تلك المنطقة. وكان زعيمًا مسلمًا فارع القامة على مستوى الهند أيضًا؛ لأنه كان كبير الاهتمام بالقضايا الإسلاميّة وهموم الشعب المسلم.

ولادته وتعلّمه

     وُلِد شيخُنا رحمه الله يوم الأحد 15/فبراير 1942م في قرية «تفوتارا باري» من أعمال مديرية «كشن غنج» بولاية «بيهار». وتلقى العلوم الابتدائية من الأرديّة والفارسيّة وما إلى ذلك بمدرسة «دارالعلوم» في منطقة «فهول كهاتشي» من أعمال مديرية «كشن غنج» بولاية «بيهار». ثم التحق بالجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند، وأخذ العلوم الإسلامية المختلفة عن كبار العلماء في ذلك الوقت، أمثال: الشيخ العلاّمة محمد إبراهيم البلياوي رحمه الله، و الشيخ بشير أحمد خان رحمه الله. وتخرج منها حاملًا شهادة الفضيلة في الشريعة الإسلامية عام 1964م. كان الفقيد رحمه الله فترة تحصيله بالجامعة من الطلاب المُجِدِّين الصلحاء، المنقطعين إلى الدراسة المُحَافِظِين على الصلاة والعبادات، المُوَاظِبِين على الأوقات، المستَغِلِّين لفُرَصِ الليل والنهار فيما يَعْنِيهم وحدَه.

عمله في مجال التدريس والشؤون الإدارية

     إثر تخرّجه من جامعة دارالعلوم/ ديوبند عام 1964 عُيِّن أستاذًا في مدرسة «بدرالإسلام» بمديرية «بيغو سراي» في ولاية «بيهار». ثم وقع عليه نظر الشيخ السيد أسعد حسين أحمد المدني -رحمه الله- (1346-1427هـ= 1928-2006م) فانضمّ إلى  جمعية علماء الهند، وظلّ مستقرًا بمقرها بدهلي الجـــــديـــــدة، يتحرّك ويَسْعَى ويعمل ليلَ نهار، و يقـــــوم بالأعمال التي كانت تحتــاج إليها الجمعية، ثم انتُخِب أمينًا عامًّا لجمعية علماء الهند، وظلّ الشيخُ مُتَوَفِّرًا على خدمة الجمعيَّة بكل ما أُوْتِيَ من المواهب نحو تسع سنوات إلى أن استقال منها عام 1991م. كان رحمه الله عضوًا في هيئة الأحوال الشخصية للمسلمين لعموم الهند، و عضوًا في المجلس الاستشاري بجامعة دارالعلوم ديوبند، وشغل منصب نائب رئيس مجلس الشعب الهندي، و رئيس الهيئة التعليمية والملية لعموم الهند إلى أن وافته المنيّةُ.

من أعماله الجليلة الفذة

     والجدير بالذكر أن الفقيد قام بمسؤوليات إدارية وعلمية أخرىٰ أيضًا، ولكن العمل الذي أَطَارَ اسمَه، وخَلَّدَ ذكره في تجاعيد ذاكرة الشعب المسلم الهندي، دوره الهامّ  في مجال قيادة المسلمين على الساحة السياسية، حيث انتخب عضوًا في البرلمان الهندي في عام 2009م، وظلّ يتولّى المنصب لحد عام 2014، وفي عام 2014م خاض انتخابات عضوية البرلمان الهندي مرشّحًا من الدائرة الانتخابيّة بمديرية «كشن غنج» بولاية «بيهار» وفاز فيها بالأغلبية الساحقة ليستمرّ عضوًا في البرلمان إلى أن استأثرت به رحمة الله.

     ولم يكن شيخنا متحركًا في الساحة السياسيّة فحسب، وإنّما قام بأعمال بنائيّة في المجال التعليمي لصالح الشعب المسلم؛ حيث حاول جاهدًا ومنطلقًا من ركيزة صلبة أن يعالج تخلّف الشعب المسلم في هذا المجال؛ فأسّس «المدرسة الشعبية للبنات»، و أنشأ حوالي 163 مؤسسة تعليمية ذات مستوى عال في كافة أنحاء الهند. وتخرجت من هذه المعاهد والكليّات أفواج من البنين المسلمين والبنات المسلمات، لتعمل في شتى مجالات التعليم والصناعة والاقتصاد، وتشكل عاملًا كبيرًا في القضاء على تخلّف المسلمين في منطقة «كشن غنج» خصوصًا، والمناطق الأخرى في البلاد عمومًا.

     كان الفقيد من الرجال المُتَضَلِّعِين من اللغة الأرديّة، فعالج كثيرًا من المقالات في موضوعات شتى أدبيّة وعلميّة وفكريّة ودينيّة واجتماعيّة، نشرتها مجلاّت وقورة في شبه القارة الهنديّة. حيث كان يكتب اللغةَ الأرديّةَ محكمةَ النسج، صحيحةَ التركيب، قليلةَ المباني، متعالية عن الحشو، مشمولة بالحلاوة الأدبيّة والروعة البيانية. و كان خطيبًا  مصقعًا ومتحدثًا بمصالح الشعب المسلم مُفَوَّهًا.

     في هذه الفترة من حياته إلى هذه الخدمات الغُرَّىٰ التي قام بها لصالح أمته ودينه قام – رحمه الله – برحلات دينيّة ثقافيّة خارج الهند، وعلى رأسها رحلته للحج والزيارة، التي قام بها على دعوة من الملك فهد رحمه الله عام 1988م. وهذه الزيارات والرحلات كلها تأتي للمشاركة في الندوات والمؤتمرات والحفلات ذات الأهداف المتنوّعة ضمن أغراض دعويّة و ثقافيّة و توعويّة.

 من خصائصه الذاتية

     كان رحمه الله  عالماً وقورًا يتعمّق في التعاليم الإسلاميّة، ويطّلع على الأوضاع الراهنة، وكان له القدم السابقة في الخطابة، والقدح المعلى في الكتابة. كان يخطب ويكتب بشكل عفويّ يسحر السامعَ والقارئَ. وكان جمّ البساطة في جميع أمور الحياة: المسكن والملبس، والمأكل والمشرب، بعيدًا عن الزخارف و المظاهر، متجنِّبًا الصيت والشهرة، متقنًا للعلم، مخلصًا في العمل، مصيبًا في الرأي. و تحلّى بالأخلاق الكريمة، واتصف بالصفات الجليلة التي تستميل القلوبَ وتستهوي النفوسَ. وأكبر مزاياه وأعظمها في عين كل من رآه  تواضعه، ونُكْران ذاته، وقناعته وتجرده من المادة والمعدة، وابتعاده عن كل ما يسيء إلى الناس.

     امتاز الشيخ رحمه الله بين معاصريه من العلماء والقادة والدعاة بالجمع بين التحرّكات السياسيّة و الصلاح والتدين، وبين الحضور المكثف في الجماهير المسلمة والارتباط معهم و الانقطاع إلى التلاوة والعبادة، وبين الاجتماع بالساسة والقادة والتواصل الناجح مع المشايخ والعلماء والدعاة والمفكرين المسلمين، و حياته كعالم عامل و حياته كناشط في الخدمة الاجتماعية والوطنيّة. وهذا عمل صعب للغاية إلاّ  من حالفه التوفيق وجُبِلَ على الجمع بين الاهتمامات الصعبة. 

أثر رحيل الشيخ على المجتمع الهندي المسلم

     كان الشيخ رحمه الله قائدًا محنّكًا ثابت القدم، مدافعًا قويًّا عن المساواة في الحقوق والواجبات الوطنية، و ناطقًا مؤهّلًا باسم الشعب المسلم لدى الزعماء الهندوس، ولكونه يكسب ودّ عدد وجيه من الزعماء العلمانيين من غير المسلمين، كان يكسب في كثير من المواقف نجاحًا لم يكسبه غيره من القادة المسلمين المستندين إلى مجرد الحماس والعاطفيّة فيما يتعلق باستعادة الحقوق، وتحقيق المطالب، والمطالبة بالمساواة في الحقوق، ومكافحة الاضطرابات الطائفيّة وإدانة المفجّرين لها، ومساعدة المتضررين منها، وعلاوة على ذلك كان رحمه الله تعالى يتمتع بين القــادة المسلمين المعاصرين لدى الحكام والزعماء الهندوس بنفوذ لم يظفر به غيره من القادة المسلمين المعاصرين. وكان له حبّ متجذّر في قلوب الشعب المسلم الهندي لاسيما في المنطقة الشمالية الواسعة من ولاية «بيهار».  فكان لذلك خير سند للمسلمين هذه الأيام العصيبة التي خسرت فيها الأمة المسلمة الهندية القادةَ، وملأ الطائفيّون من الهندوس البلادَ كلها كراهية ضد الشعب المسلم. وكان للشيخ رحمه الله تعالى نفوذ كبير في المدارس والجامعات الإسلامية الأهليّة، ومن هنا حزنت عليه حزنًا عميقًا؛ لأنّه كان دائم التواصل معها، يعايش قضاياها، ويحلّ مُعقَّداتها، ويطالب الحكومة دائمًا بعدم المساس بها، وينادي ضد الطائفيّين من الهندوس الذين يهتفون ضدّها، ويشوّهون سمعتها، ويصفونها بأنها خلية الإرهاب و الإرهابيين.

     وبوفاته رحمه الله شعر المسلمون بخسارة لا تُعوَّض، ولا سيّما فيما يتعلق بالدفاع عن قضايا الشعب المسلم الهندي والمطالبة بحقوقهم، وخصوصًا فيما يتعلق بالوقوف بقوة وضغط بالغَين بجانب القضايا الإسلامية في كل مكان. فقد كان يتمتع بحكمة رصينة وتعقّل قياديّ ينقصان غيره من القادة المسلمين الهنود المعاصرين. فلا يوجد بينهم من يشقّ غباره أو يدانيه في القيادة الناجحة.

     رحمه الله وأدخله فسيح جنّاته، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان، وعوّض المسلمين عنه قيادة حكيمة ينتظرونها في هذه الليلة الحالكة من المشكلات التي تتفجّر كل آن.

       

إلى المحتويات

 

محليــــــــــــــــــــــات

نقوش كلمة ذات دلالة دينية على الأحذية تثير ضجات واحتجاجات

الأقلية المسلمة يسودها الغضب والقلق للسلوك الاستفزازي

مطالبات باتخاذ إجراءات ضد الشركة المنتجة

بقلم: مساعد التحرير

 

 

ميروت (أيس أين بي)

     شهدت مدينة «هافور» المتاخمة لمدينة ميروت بولاية أترا براديش، ضجات واحتجاجات واسعة قام بها الأقلية المسلمة في المنطقة إثر ظهور أحذية تحمل نقوش كلمة ذات دلالة دينية في السوق، وذلك بهدف كهربة الجوّ الطائفي، والنيل من التناغم الطائفي في المنطقة.

     تفيد الأنباء بأن بعض سكان حي «سرائى بهليم» التابع لمركز شرطة «بوابة لسهاري» بمدينة «هافور» اشترى حذاء من السوق ثم تبين أنه منقوش بكلمة ذات دلالة وقداسة دينيّة، فأطلع أصحابه الآخرين، وهم بدورهم توجهوا إلى المحل الذي اشترى الحذاء منه، واشتروا أحذية مماثلة له، وبها نقوش الكلمة الدينية المقدّسة، مما أثار حفيظة السكان، فتجمّعوا على مفترق الطرق الشهيرة في المدينة، يحتجّون ضد الشركة المنتجة للأحذية، وأدّى ذلك إلى خلق زحام كبير من السيّارات الغادية والرائحة في المنطقة، حتى وصلت قوّات الشرطة إلى قلب الحادث، وحاولت إقناع المحتجّين باتخاذ الإجراءات اللازمة ضدّ الشركة المنتجة بعد التأكّد من ولوغها في ذلك.

     (صحيفة «راشتريه سهارا» الأرديّة اليوميّة، دهلي الجديدة، ص5، السنة:19، العدد:64566، الأربعاء:2/جمادى الأولى1440هـ الموافق9/يناير 2019م).

*  *  *

بتهمة بيع لحوم البقرة

أعضاء في منظمة Mباجرانك دالL المتطرفة يحرقون محلا يملكه مسلمة

بنغالور(الوكالات)

     تعرّض محلٌّ لبيع لحوم الدجاج  والجاموس يملكه امرأة مسلمة للإحراق والتدمير على أيدي أعضاء في منظمة «باجرانك دال» المتطرِّفة.

     تفيد التفاصيل بأن أعضاء هذه المنظمة أقدموا على إحراق محل لبيع لحوم الدجاج والجاموس للاشتباه فيه ببيع لحوم البقرة المحظورة.

     ويقول مسؤول في مركز  الشرطة المحلّيّة: إن المدعو/ شميم أحمد زوج صاحبة المحل- تقدم بشكوى ضد أعضاء في منظمة «باجرانك دال» بتهمة ضلوعهم في أعمال حرق وتدمير للمحل، وسجلت الشرطة بلاغًا ضدهم بتهمة الحرق والتدمير والإساءة إلى امرأتين عاملتين في المحل، تحت بنود رقم (323)، و(506) من قانون العقوبات الهندي.

     والجدير بالذكر أن هذه الحالة ليست أولى من نوعها، يتعرّض فيها مسلم للضرب المبرح بتهمة حيازة أو أكل أو نقل لحوم البقرة؛ فقد تعرّض المدعو/ عليم الدين في ولاية «جهارخاندا» للضرب المبرح حتى الموت بتهمة مماثلة. كما تعرّض تاجر مسلم للحوم في مدينة «بريلي» من ولاية أترابراديش للضرب المبرح كذلك، وتمّ نقله إلى المستشفى ولفظ نفسَه الأخير به، وتمّ تسجيل البلاغ بشكوى تقدّمت بها زوجته.

     وفي القضية المنوه بها أعلاه ألقت الشرطة القبض على أربعة نفر، بتهمة ضلوعهم فيها، وكانت المارّة يتفرّجون على الحدث ويلتقطون الصور ويُصوِّرون الفيديو له من غير أن يحرك ما جرى فيهم ساكنًا. وتمّ نقل الجريح جرحًا عميقًا إلى المستشفى لاحقًا.

     (صحيفة «انقلاب» الأرديّة اليوميّة، دهلي الجديدة (ميروت)، ص1، السنة:7، العدد:4، 29/جمادى الأولى 1440هـ الموافق 5/فبراير 2019م).

*  *  *

نعرات طائفية استفزازية حول مسجد في MنريلاL يطلقها منظمةMباجرانك دالL المتطرفة

دهلي الجديدة:

     أثار مشاغبون ضجّة، و أطلقوا نعرات طائفية استفزازية ضد المسلمين قرب مسجد في منطقة «نريلا» من دهلي العاصمة، تسبب ذلك في سيادة التوتّر والفوضى في المنطقة، فقد كان المشاغبون يعترضون على ارتفاع عدد المسلمين في المسجد، واستخدام مكبرات الصوت للأذان، وطالبوا بضرورة فرض الحظر على استخدامها. وأصرّ المدعو/كلديف على مطالبته، وحاول مسؤول الشرطة في المنطقة تهدئة الأمر بعقد الصلح بين الفريقين، والتعايش السلمي بين الفريقين. وفي اليوم التالي قام ثلاث مئة نفر من أعضاء المنظمات المتطرفة بإثارة الضجة وإطلاق النعرات الطائفية الاستفزازية ضد المسلمين أمام المسجد في المنطقة، إلا أن وجوه المنطقة من المسلمين تغلّبوا على الوضع المتأزم بتهدئة المسلمين، تفاديًا من أن تستغلّ القوى المتطرِّفة الأوضاع المرشحة للتدهور لكسب أكبر عدد من أصوات الناخبين نظرًا إلى دنوّ مواعيد الانتخابات في المنطقة.

     (صحيفة «انقلاب» الأرديّة اليوميّة، دهلي الجديدة/ ميروت، ص5، السنة:7، العدد:10، الاثنين: 5/جمادى الآخرة 1440هـ الموافق 11/فبراير 2019م).

       

إلى المحتويات

 

أنباء الجامعــــــــــــة

أستاذ أزهري يزور الجامعة

بقلم:  مساعد التحرير

 

 

     زار الدكتور ياسر إمام محمد- أستاذ في جامعة الأزهر بمصر- برفقة الكاتب الإسلامي البحريني الشيخ خالد بن محمد الأنصاري الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند في الثالث من يناير عام 2019م، واجتمع بفضيلة رئيس الجامعة الشيخ أبو القاسم النعماني حفظه الله. وتجوّل في مرافق الجامعة وشاهد مبانيها القديمة والجديدة، على رأسها جامع رشيد، ومبنى المكتبة المركزية قيد وضع اللمسة الأخيرة، والمكتبة الزاخرة بنوادر المخطوطات.

     وشرح فضيلة الشيخ النعماني -حفظه الله- للضيف المبجل تاريخ الجامعة وأهدافها وخدماتها الدينية والعلمية خلال قرن ونصف فصاعدًا. كما أشار إلى التسهيلات الدراسية التي توفّرها الجامعة لطلّابها البالغ عددهم حاليًا نحو خمسة آلاف طالب: من المقررات الدراسية والسكن والعلاج والمكافآت المالية. ولاتتقاضى رسمًا دراسيًا منهم في مرحلة من المراحل التعليمية. وتغطي ميزانيتها بالتبرعات الشعبية الإسلامية في الهند.

     وبدوره قال الدكتور/محمد: «إنه في جولة في آفاق العالم للاطلاع على المخطوطات العلمية المصونة في المكتبات العالمية. وهذه الرغبة هي التي حدت به إلى زيارة الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند العريقة ومكتبتها العامرة، و الشهيرة في أكناف العالم».

     وأضاف الضيف قائلًا: «نعترف بأن دارالعلوم/ ديوبند سار بذكرها الركبان في العالم، وهي مؤسسة تعليمية عالمية عزيزة المثال. ولقد سُرِرت جدًّا بزيارتها والاجتماع بمسؤوليها وأساتذتها. ولا بد من أمثال هذه المؤسسات لرفع المستوى التعليمي ومحو الأمية.

     وسجّل الدكتور/محمد من انطباعاته في سجل الانطباعات مايلي:

بسم الله الرحمن الرحمن الرحيم

     الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، وبعد:

     بادئ ذي بدء أتقدّم بالشكر والتقدير إلى جامعة دارالعلوم، وأخص بالشكر القائمين على المكتبة المباركة. وقد لمسنا منهم تعاونًا غير مسبوق وأخلاقًا حميدة، كذلك لمسنا منهم حسن الترتيب ودقة العمل من كامل فريق المكتبة، فنسأل الله لهم التوفيق والسداد، ونرجو منهم المزيد من العمل الدؤوب والجهد المشكور. فجزاهم الله خير الجزاء

                                 د: ياسر إمام محمد

                                 26/4/1440هـ

     وسجّل الأستاذ خالد بن محمد من انطباعاته ما يلي:

     الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، محمد وعلى آله وصحبه،

     لقد سعدت بزيارة إخواني في دار الحديث بديوبند، ومالقيته من حفاوة منقطعة النظير وضيافة لاتصدر إلا من كرام القوم.

     قد زرت هذه الجامعة، ولم أكن أتصور وجود مثل هذا المركز وبهذه الإمكانيات، وإن دل فإنما يدل على تمكن الإدارة من إدارة المركز والتي لم أرَ مثلها في بلادنا.

     وقد سعدت أيضا بزيارة المكتبة وقسم المخطوطات وشاهدت العناية بالمخطوطات والفهرست وما حباهم الله من خبرة وتميز، زادهم الله توفيقًا، ويسّر لهم الخير، وأعاننا وإياهم على طاعته.

كتبه

خبير المخطوطات/خالد بن محمد بن علي الأنصاري

26/4/1440هـ الموافق 3/1/2019م

       

إلى المحتويات

 

إشراقة

بين  وساطة  و  وساطة

 

 

     «الوَسَاطَة» كلمة عربية تُعْطِي لغةً معنى الوسيلة والشفاعة. يقال: قَدَّمَ وساطتَه أي مساعيَه الحميدة لتحقيق غرض ما لغيره سواء يمسّ دينَه أوديناه. وشاع استعمالُها اصطلاحًا في المعنى الآتي:

     طلب العون والمساعدة في إنجاز شيء يقوم به إنسان ذو نفوذ لدى من بيده قرار العون والمساعدة على تحقيق المطلوب لإنسان لا يستطيع أن يُحَقِّق مطلوبَه بجهوده الذاتية. كما تُسْتَخْدَم في معنى محاولة فض نزاع قائم بين فريقين أو أكثر عن طريق التفاوض والحوار. يقال: عَرَضَ وساطتَه بين متخاصمين.

     والسعيُ لتحقيق حاجة الآخرين محمودٌ مطلوبٌ في الدين والأخلاق والعُرْف الإنساني، وقد حَضَّ الإسلام عليه بنحو مُؤَكَّد مُتَّصِل لا يمكن دينًا أو دسورًا غيرَه أن يزيد عليه بشيء؛ لأن الإسلام عَدَّه من باب التعاون على البر والتقوى، الذي أَمَرَ اللهُ تعالى به أبناءَ الإسلام قائلًا:

     ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة:2).

     وعن ابن عمر ضي الله عنهما قال: قال رسول الله -- أَحَبُّ الناس إلى الله أَنْفَعُهُم للناس، وأَحَبُّ الأعمال إلى الله سرورٌ تُدْخِله على مسلم، أو تكشف عنه كُرْبَةً، أو تَقْضِي عنه دينًا، أو تَطْرُدَ عنه جوعًا، ولَأن أَمْشِيَ مع أخي المسلم في حاجة أَحَبُّ إِليَّ من أن أعْتَكِف في هذا المسجد المسجد النبوي الشريف شهرًا. ومَن كَفَّ غَضَبَه سَتَرَ اللهُ عورتَه، ومَن كَظَمَ غيظَه ولو شاءَ أن يُمْضِيَه أمضاه، مَلَأَ اللهُ قلبَه رِضًا يومَ القيامة. ومَن مشى مع أخيه المسلم في حاجة حتى تَتَهَيَّأَ له، أَثْبَتَ اللهُ قدمَه يومَ تَزِلّ الأقدامُ. وإن سوءَ الخلق ليُفْسِد العملَ كما يُفْسِد الخَلُّ العسلَ» (الطبراني في الأوسط: 850؛ وفي الكبير: 10777؛ وابن أبي الدنيا في كتاب قضاء الحوائج:36).

     والأحاديث في الباب كثيرة.

     فالوساطةُ لقضاء حاجة أي إنسان، عن طريق صحيح، عمل طيب جليل محمود في نظر الخلق ونظر الله الذي يقابله بأجر جزيل لا يُحَدّ ولا يُحْصَىٰ.

     ولكن الوساطة لتحقيق حاجة أحد عن طريقة غير شرعية، ليست بمحمودة بأي معنى، وإنما هي مذمومة ممقوتة مرفوضة لدى الخلق وربّ الخلق.

     من هنا تنقسم الوساطةُ طبعًا إلى نوعين: وساطةٍ محمودةٍ و وساطةٍ مذمومةٍ. فالوَسَاطَةُ المحمودةُ أن تَتَوَسَّط لمساعدة شخص ما للحصول على حق يستحقّه، أو إعفائه من شرط لايجب عليه الوفاءُ به، أو لمساعدته للحصول على حقّ لا يُلْحِق ضررًا بالآخرين.

     أما الوساطةُ المذمومةُ، فهي أن تقوم بهذا الدور لأحد للحصول على حقّ لايستحقه، أو لإعفائه من حقّ يجب عليه أداؤُه، أو لحصوله على حق يُلْحِق الضررَ بالآخَرِين.

     وهي القِسْمَةُ القرآنيةُ، فقد قال تعالى:

     ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾ (النساء:85).

     ولتكون الوساطة حسنةً محمودةً لاسيِّئةً مذمومةً لابدّ من توافر الشروط التالية:

     1- أولها أن تكون حسنة في الواقع ينطبق عليها قول الله عَزَّ وجلَّ: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا﴾ فالوساطة الحسنة هي السعيُ لحصول غيره على الخير، فيَحْظَىٰ بنصيبه من الثواب والأجر الجزيل.

     2- أن لا تكون الوساطة بحيث تُصَنَّف «شفاعة سَيِّئةً يصدق عليها قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا﴾. فالوساطةُ أو الشفاعة السيِّئة كما صَرَّح المفسرون هي السعي لإيصال الشر إلى غيره فيكون للساعي نصيب من الإثم.

     3- أن لا يُوَرِّط الوسيطَ من خلال ما طلب منه الوساطةَ فيه في موقف حَرجٍ يَضْطَرُّه إلى سلب حقٍ صاحبَه أو إلى مخالفة نظام أو قانون، فيجب على طالب الوساطة أو الشفاعة أن لا يطلب من الوسيط الوساطةَ إلّا في الأمور التي هي بوسعه شرعًا وعُرْفًا.

     4- أن يقوم الوسيط أو الشافع بالوساطة عن رضا قلبه وانبساط صدره؛ لأن ذلك أَدْعَىٰ إلى تحقيق ما يتصدى للتوسط بشأنه، وحتى لا تتكدّر وساطتُه، ولا يشوبها شائبة من الوساطة السيئة.

     وقد منع النبي -- عن الوساطة أو الشفاعة السيئة، حيث قال لأسامة بن زيد رضي الله عنهما -: «أتشفع في حدّ من حدود الله؟!»

     فعن عائشة رضي الله عنها أن قريشًا أَهَمَّهم شأنُ المرأة المخزوميّة التي سرقت، فقالوا: «مَن يُكَلِّم فيها رسول الله --؟». فقالوا: «مَن يجترئ عليه إلّا أسامة بن زيد حِبُّ رسول الله --». فكلّمه أسامة، فقال رسول الله -­-: «أتشفع في حدّ من حدود الله؟».

     ثم قام، فاختطب، ثم قال: «إنما أَهْلَكَ الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سَرَقَ فيهم الشريفُ تركوه، وإذا سَرَقَ فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ، وأيمُ الله لو أن فاطمةَ بنت محمد سَرَقَتْ لقطعتُ يَدَهَا» (صحيح البخاري 3475؛ صحيح مسلم 1688).

     والوساطةُ المحمودةُ، ضرورةُ المجتمع البشري، وحاجتُه المُلِحَّة اللَّازِمَة، التي فقدانُها يضرّه ويُشْقِيه، ووجودُها ينفعه ويُسْعِده.

     وأَضْرِب لك مثالًا حيًّا مُتَمَثِّلًا فيما حدث في مراجعتي الأخيرة لقسم الفحص الطبي الكامل للقلب في مستشفى «إيسكورت» (Escort) بدهلي الجديدة؛ حيثُ ما إن صلتُ بوابةَ القسم بعدما غادرتُ «ديوبند» إلى دهلي في السَّحَر قبل إسفار الصبح  الصادق بساعة واحدة، وفي الساعة الرابعة تمامًا، حتى وجدتُ بها أحدَ معارفنا من الإخوة الخِرِّيجين من جامعتنا المعروفة بـ«دارالعلوم/ديوبند» المعروفين بـ«القاسميين» حسب الموعد الذي وَاعَدْتُه منذ يومين، ينتظرني بفارغ الصبر في تمام الساعة الثامنة والنصف من الصباح الباكر. وكنا أول المراجعين الذين لحقونا في الدخول إلى القسم  بعدنا بنحو نصف ساعة أوساعة.

     وكان الأخ القاسمي الأستاذ شريف أحمد المشار إليه ممن لهم سابقُ تعارف مع العاملين في القسم بما أنه ظلّ منذ سنوات يَتَرَدَّد عليه للتوسط لعلاج مَرْضَىٰ من معارفه، فسهل عليه أن يتعامل معهم في قضيّتي بحيث لم يَسَعْهم أن يُمَاطِلُونا بدورنا ويُؤَخِّرُونا عن معارفهم من المرضى، وأَنْهَوْا جميعَ عمليات فحوصاتي خلال أربع ساعات، وكان الأخ قد راَعَنِي بقوله: لابدّ أن تَضَعُوا يا سيدي! في اعتبارك أنه قد تستغرق العمليات الفحصيّة الوقتَ إلى ما بعد المغرب؛ ولكننا ولله الحمد بفضل مُصانَعَته السابقة الجميعَ بطلاقة وجهه وعذوبة منطقه، انتهينا من الفحوصات ومراجعة الطبيب المَعْنِيّ فيما بين الظهر والعصر، وتَوَجَّهْنا إلى «ديوبند» قبل العصر بنحو نصف ساعة.

     في جامعتنا يُحَدَّد دائمًا الموعدُ النهائيُّ لاستلام استمارات الالتحاق، وبعد انتهائه لا يُتَاح لأحد مهما كان أن يستلم نصيبَه منها؛ فكثيرٌ من الراغبين في الالتحاق يَسْتَعْهِدُون من الطلاب القُدَامَىٰ بأن يَسْتَلمُوها لصالحهم، حتى لا تَفُوتَهم فرصةُ الالتحاق بالجامعة التي ظلّوا يَعُدُّون لانتهازها الأيّامَ.

     كثيرٌ من المُؤَهَّلِين يَتَقَدَّمُون إلى الجهات الرسميّة أو الشركات الخصوصيّة أو المُؤَسَّسَات التجارية، أو المدارس والجامعات، بطلباتهم للعمل فيها؛ فيَتَأَكَّد قبولُ طلبات من يكونون يَسْتَوْفُون الشروطَ إذا كان لهم فيها معارف، أو جيران، أو أقارب، أو ذوو صلات، أو أبناء عمومة؛ لأنهم يَتَوَسَّطُون دون غمطٍ لحقوقهم وتفضيلٍ لغير المُؤَهَّلِين عليهم، فتُسْنَد إليهم الوظائف التي تقدموا لها.

     فهذه كلُّها وغيرُها من الوساطة محمودةٌ مطلوبةٌ في الشرع الإسلامي والمجتمع الإنساني؛ ولكن هناك من المتقدمين للعمل فيها أو في غيرها ربما يكونون غيرَ مُؤَهَّلِين تمامًا؛ ولكنهم يُفَضَّلُون على المُؤَهَّلِين عن طريق الوساطة المذمومة التي تجعل العاملين فيها يُفَضِّلون غيرَ المُؤَهَّلِين على المُؤَهَّلِين المساكين الذين يَفْقِدون وسائطَ محمودةً، في اعتداءٍ صارخٍ على الحقوق الواجبة في الإسلام، والعرف الإنساني، وفي تجاوز وَقِحٍ لعدالة الدين والأخلاق والمروءة الإنسانية والمسؤولية الوطنيّة؛ لأن ذلك يُؤدّي إلى صريح ظلم، وصرف حق إلى غير صاحبه.

     وهذه الظاهرةُ تَفَشَّتِ اليوم في كل مكان، وصار الناسُ ذووالحاجات إلى الدوائر الحكومية خصوصًا، والجهات الخصوصية والشعبية عمومًا، يُفَتِّشون عَمَّن يقوم لهم بدور الوساطة حتى تتحقق حاجاتُهم على ما يرومون وخلالَ الوقت القياسي، ومن لم يجدها لا ينال حاجتَه، ويعود خائبًا حَسْرَانَ، ويلوم حظَّه، ويُعَاتِب المُفْسِدين الذين لايقومون بمسؤولياتهم بشرعيّة ونظام.

     أما الدوائر الحكوميّة عندنا في شبه القارة الهندية فقد ساءت سمعتُها جدًّا في هذا الخصوص؛ حيث إن المواطنين الذين لا يُقَوُّون طلباتهم بـ«فيتامين واو» - كما شاع اليوم في العالم العربي على الألسنة، وهو اختصار كلمة وساطة أو واسطة - لا تُقْبَلُ بحال، لأنها لا تجد طريقها إلى رفعها إلى المسؤولين، حتى تُدْرَس فتُقْبَل أو تُرْفَض؛ لأن الارتشاء تفشَّى في الدوائر الحكومية العالية والسافلة كلها، حتى أصبح المسؤولون يظنون الرشاويَ «حقًّا مشروعًا» بل «حقًّا واجبًا» لهم، فمن لم يُؤَدِّ هذا الحقَّ المشروعَ الواجبَ إليهم، لم يَنَلْ غرضَه منهم.

     كما أن ظاهرة الواسطة أو الوسيط صارت مهنةً يُمَارِسُها الراغبون فيها للتكسّب وكعمل يُزَاوِلونه كشغل وظيفيّ يُدِرُّ الرزقَ بكثرة وبسهولة قد لا تُوجَد في الوظائف الحكوميّة، فربما تُوَاجِه قُبَالَةَ الدوائر الحكوميّة جمعًا من الوُسَطَاء ينتظر ليصطاد المُرَاجِعِين الذين تمسُّهم حاجاتٌ إلى هذه الدوائر فيقوم بدور «سمسار» Broker أو Middleman؛ لأن هذه السماسرة تربطهم علاقاتُ «تقاسم الأرباح» بالمسؤولين داخلَ الدوائر الحكومية أو المكاتب الخصوصية أو المستشفيات أو دور التعليم. فإذا اتصلتَ بهؤلاء الوسطاء السماسرة حَقَّقُوا لك مطلبَك على ما تريد مقابلَ «رسم مُحَدَّد»يطلبونه قبل تحقق المطلب أو بعده.

     وهؤلاء يقدرون «قدرةً خارقةً» على قلب الحقائق، ووضع الوثائق، وإدخال تعديلات على كتابات الأوراق، وتحقيق أعمال مستعصية قد لايقدر عليها إلّا «العفاريت» من الجنّ، وإثبات المُؤَهَّل غيرَ مُؤَهَّل وبالعكس، والإيهامِ بأن الأوراق تستوفي الشروطَ والمستنداتِ، مهما كانت ناقصةً لاتستوفي بعضَ ما يَلْزَم من الاستكمال.

     هؤلاء الوسطاءُ يُفْسِدُون كثيرًا ولا يصلحون إلّا قليلًا؛ لأنهم هم الذين أفسدوا على المسؤولين الشعورَ بالمسؤولية، ودَمَّرُوا ضمائرهم، وجَرَّدُوا صدورهم من القلوب التي كانت تَخْفِق بين جَنْبَيْهِم، فَغدَوْا «ماكيناتٍ» لا حياةَ فيها ولا شعورَ، فضلًا عن الضمير الذي يحمل على التمييز بين الخير والشرّ، فعادوا لا يعرفون إلّا لغةَ «المنافع والأرباح» التي لايُفَرِّقُون فيها بين الحلال والحرام، فلا يعرفون المروءةَ والآدميَّةَ، ولا الوطنيةَ التي يُطَبِّلُون لها كثيرًا.

     ومكافحةُ هذه الظاهرة تحتاج إلى قانون رادع صارم، وإدارةِ تنفيذ عازمةٍ لا تحول دونها أيُّ صخرة، وشعورٍ بالعدالة لا يتمتع بها إلّا من يخاف الله أيًّا كانت ديانتُه.

     وبقي أن نقول: إن الذي يتوسّط بين الفريقين، يقال له: «واسطة» ج: وسائط أو «وسيط» وجمعه: وُسَطَاء.

     (تحريرًا في الساعة الثانية عشرة من نهار يوم الأحد: 19/جمادى الأولى 1440هـ، الموافق 27/يناير 2019م).     

                                                                      أبو أسامة نور     

 nooralamamini@gmail.com

       

إلى المحتويات



====================================

(*)   أستاذ التفسير واللغة العربية وآدابها بالجامعة.

(*)   الأستاذ بجامعة قناة السويس.

(*)    أستاذ سابقًا بالجامعة الإسلامية: دارالعلوم ديوبند- الهند

         وأستاذ حاليًّا بجامعة العلوم الإسلامية كراتشي- باكستان.

(*) عضو هيئة التدريس والأستاذ المساعد، بكلية القرآن الكريم

      بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.

(*)   الأستاذ لمادتي الدراسات الإسلامية واللغة العربية

       بمدرسة التكامل الهندية ـ جليب الشيوخ ـ الكويت