مجلة الداعي، جمادى الأولى 1440هـ = يناير - فبراير 2019م، العدد: 5، السنة: 43

 

 

الدَّاعِيْ

مجلة عربية إسلامية شهرية

تصدر عن الجامعة الإسلامية : دارالعلوم

ديوبند ، يوبي ، الهند

 

 

ISSN 2347-8950

العـــــــــــــــــــــدد : 5 ،    السنـــــــــــــــــــــة :  43

جمادى الأولى 1440هـ ، يناير - فبراير 2019م

تحت إشراف

فضيلة الشيخ أبوالقاسم النعماني

رئيس الجامعة

رئيس التحرير

نـور عـالــم خليـل الأمينـي

أستاذ الأدب العربي بالجامعة

الاشتراكات

·      ثمن النسخة:30 روبية هندية

قيمة الاشتراك السنوي

·      في الهند : 300 روبية هندية

·      وفي خارج الهند للأفراد : 60 دولاراً

·     وللمؤسسات الحكومية : 80 دولاراً

المـراسـلات

رئيس تحرير مجلة الداعي

دارالعلوم ، ديوبند ، يوبي ( الهند )

الرمز البريدي 247554

Chief Editor, AL – DAIE

Arabic Islamic Monthly

Darul – Uloom, Deoband – 247554

(U.P.) INDIA

الهاتف والفاكس

Ph. : (00-91-1336) 222429,         Fax : (00-91-1336) 222768

 

المواد التي تنشرها المجلة تعبر عن وجهة نظر كاتبيها و لا تعبّر – بالضرورة – عن رأي المجلة

 

 

 

 

المحتويات

كلمة المحرر

 

التحرير

كلمة العدد

 

نور عالم خليل الأميني

الفكــر الإسلامي

 

العلامة الشيخ شبير أحمد العثماني الديوبندي رحمه الله

دراسات إسلامية

 

الأستاذ يحيى بن موسى الزهراني

الأستاذ سيد محبوب الرضوي الديوبندي رحمه الله

الأستاذ عبد الرؤوف خان الغزنوي الأفغاني

الدكتور محمد بن عبد الله الهبدان

الأستاذ محمد عبد الحنان القاسمي

محليــــــــــــــــات

 

مساعد التحرير

أنباء الجامعـــة

 

 

مساعد التحرير

إشـــراقــــــــــة

 

أبو أسامة نور

 

 

كلمــة المحــرر

روح الهند الثقافية والاجتماعية تكاد تزهق

عُرِفت الهندُ على

مدى قرون متطاولة بلدًا يمتاز بالتسامح الديني والاجتماعي، والحب والاحترام المتبادلين بين شرائح المجتمع؛ وتتعانق فيه حضارات وثقافات متعددة، تعيش على أرضه متناغمة بعضها مع بعض. و خَلَفَ في حكمه في السنوات الأخيرة خَلْفٌ لم يقيموا لهذه الميزة والخصيصة وزنًا؛ بل سلكوا خطًّا معاكسًا لها، وبالتالي بدأ يضعف نسيج الهند الاجتماعي، وتتشوه صورة هذه البلاد التي كان ينظر إليها العالَـمُ كله نظرةً ملؤها الاحترام والتقدير، فيالها من شقاوة أن كان حظّها هذا المصير المشؤوم!.

     ومن أسوإ مظاهر التخلي عن المبادئ الذهبية التي احتضنتها البلاد من الوحدة والتناغم والتسامح ما تعرضت له الأقليات في البلاد وخاصةً المسلمون الذين يشكلون ٪20 في المئة من عدد السكان من العنف بشتى صوره وأشكاله، مما يُشعرهم بأنهم لامقام لهم في هذه البلاد بعدَ اليوم، في حين أن دستور البلاد يخوِّل للمسلمين من الحقوق ما خوَّل لغيرهم من السكان، و يعتبرهم سواسيةً كأسنان المشط في الحقوق والواجبات.

     وهذه الفعلات الشنيعة التي بدأت بمقتل محمد أخلاق في منطقة متأخمة للعاصمة الهندية: دهلي، لاتُعرف لها نهاية؛ فقد قُتل مالا يُحْصَىٰ من المسلمين بشبهة ذبحِ البقرة أو حملِ لحومها أو أكلها، على أيدي حشود غاضبة جنونية.

     وهذه الأوضاع الحرجة أقلقت مضاجع عامة سكان البلاد حتى دفعت المستر «برناب موخار جي»- رئيس الجمهورية الهندية سابقًا- إلى التعبير عن قلقه الزائد على تدهور مستوى التسامح في البلاد، فقال:«إن البلد الذي لقَّنَ العالَمَ كلَّه الحلمَ والتسامح والمثلَ الحضارية العليا عادت تحتل اليوم عناوينَ الصحف والمجلات العالمية التي تشينها – الهند- بالعصبية الدينية وضيق الصدر واللاتسامح، وغمطر حقوق البشر والتعدي عليها».

     واستطرد قائلا: «البلد في حاجةٍ – أكثر من أي وقت مضى –  إلى برلمان يناقش القضايا ويبتُّ فيها ولايعرقل، وإلى نظام قضائي يهرع إلى توفير العدل والإنصاف وإراحة الحقوق على أصحابها، وإلى قيادة تنذر نفسها لخدمة الأمة الهندية، وإلى مُثُلٍ تجعلنا أمةً ثقافية متحضرة عملاقة، وإلى حكومة تخلق في قلوب الشعب الثقةَ والطمأنينة، وتقدر على التغلب على التحديات التي تواجهها البلاد».

     وهذه المشاعر التي أبداها رئيس الجمهورية الهندية تقدِّم صورةً واقعية للعصر الحاضر، ويوافق عليها الشعب الهندي السليم القلب، بغضِّ النظر عن انتمائه الديني والعرقي واللغوي.                [التحرير]

(تحريرًا في الساعة الحادية عشرة من صباح يوم الأحد: 23/ ربيع الأول 1440هـ = 2/ديسمبر 2018م)

 

إلى المحتويات

 

كلمــــة العــــــدد

لماذا ينتصر ويتقدم الكفار باستمرار وينهزم ويتخلّف المسلمون دائمًا ؟!

 

     كثيرًا ما يتساءل الناسُ اليومَ: لماذا ينتصر الكفارُ ويتقدمون، رغمَ كفرهم وعدائهم ومحاربتهم لدين الله، بكلِّ ما يستطيعونه من حيلة، ويهتدون إليه من أسلوب، وبالتالي لماذا ينهزم المسلمون ويتأخرون رغم إيمانهم بالله وحبّهم له تعالى ولرسوله، وطاعتهم لهما لحدّ مستطاع وبنحو إجمالي، وإن لم ينزلوا على المستوى المطلوب فيما يتعلّق بطاعة الله وعبادته والعبودية له واتباع نبيّه؟.

     إنّ هذا السؤالَ الحائرَ يَرِد كثيرًا على خواطر كثير من المسلمين، ويُرَدِّدُونَه في النوادي، ويقولون في عَجَب وأَسَفَ: مهما كان المسلمون عُصَاةً مذنبين فإنهم أفضل على كل حال، من الكفار الجاحدين الكافرين، المُتَعَدِّين لحدود الله، والمُتَحَدِّين لألوهيّته وعظمته وكبريائه؛ فلماذا يُمَكِّنهم الله تعالى من المسلمين المُحِبِّين له ولرسوله -صلى الله عليه وسلم- على عِلَّاتهم كلّها، ولماذا يُتِيح لهم – الكفار – أن يتقدموا في كل مجال؟!.

     وتقدّمُ الكفار وانتصارُهم – ولا سيما الغرب – رغم كفرهم وتأخّرُ المسلمين وانهزامُهم رغم إيمانهم، قضيةٌ يثيرها كثيرًا حَمَلَةُ الفكر اللادينى والعلمانيّون والملحدون والمتحررون منّا، الذين يُنَادُون بفصل الدين عن الدولة، ويزعمون أن تقدّمَ الغرب خصوصًا والكفار عمومًا إنما يرجع إلى نبذهم للأديان جميعًا، ولجميع تقاليدها وأحكامها وثقافتها وما نَشَأَ في ظلّها من حضارة ومظاهرها؛ فالمسلمون لئن حاولوا الانتصارَ والتقدمَ، فعليهم أن يَطْرَحُوا دينَهم جانبًا، أو أن يكونوا مائعين غيرَ مُتَّصِلِبين في العمل به في كلّ ما يمسّ الحياةَ، ويتَبَنَّوا مثلَ الغرب السفورَ والتَّعَرِّيَ وشربَ الخمر، وممارسةَ الوقاحة والاستهتار، والزنا والشذوذ الجنسي، والرذائل بجميع أنواعها المحسوبة وغير المحسوبة.

     إن التقدمَ والانتصارَ في الكون الذي بَدَعَه الله تعالى مربوطان ربطاً مُحْكَمًا بسنن الله تعالى التي لن تجد لها تبديلًا ولا تحويلًا.

     ومنها – من السنن الإلهية – السَّبَبيَّةُ والمُسَبَّبِيَّةُ؛ فمن تَبَنَّىٰ من الأسباب ما يُسَاعِد على الانتصار والتقدّم انتصر وتَقَدَّم، ومن غَنِيَ عنه – ما يُسَاعِد من الأسباب – وزَهِدَ فيه، انهزم وتَأخَّرَ.وقد ضَرَبَ لذلك بعضُ العلماء مثلًا بارعًا يُغْنِي عن الكثير من الصياغات الكلاميّة الإيضاحيَّة. وهو كما يلي:

     إن رجلين – أحدهما مسلمٌ والآخر هندوسيٌّ – أرادا أن يسافرا من «دهلي» عاصمةِ الهند إلى «مومباي» - أكبر المدن التجارية بالهند، التي كانت تُسَمَّى سابقًا «بومباي» لحد عام 1995م – فعَمِلَ المسلمُ بما أَمَرَه به دينُه، من قراءة أذكار السفر ودعائه، وصَلَّىٰ ركعتي الحاجة بعد ما أَحْسَنَ الوضوءَ، ثم رَكِبَ القطارَ المسافرَ إلى «كولكاتا» متوكلًا على الله مؤمنًا بأن الله على كلّ شيء قدير. بينما الهندوسيُّ رَكِبَ القطارَ المسافرَ إلى «مومباي» - المدينة المقصودة – ولم يقرأ طبعًا الأذكار المسنونةَ في الإسلام؛ لأنه لا يؤمن بها، وإنما تَمْتَمَ ببعض الخرافات التي كان يَعْتَقِدُها، فمن يصل إلى المنزل المطلوب: «مومباي»؟. المسلمُ المُلْتَزم المُتَدَيِّن العابد أو الهندوسي الخُرَافيّ الجاحد؟!. بالطبع سيصل الهندوسيُّ إلى مدينته المقصودة رغم إشراكه بالله وفسقه وعصيانه له تعالى، ولن يصل المسلم رغمَ كلّ ما عليه من التعبّد والتقيّد بأحكام دينه الصادق، وحسن نيّته، وقيامه بالسفر في ضوء السنة النبويّة، واعتقاده أنه خير عند ربه من الهندوسيّ. وهنا يبادر كلُّ مسلم لا يَتَبَيَّن الأمورَ ولا يتعمّق في الحقائق ليَطْرَحَ السؤالَ: كيف يصل الهندوسيُّ المشركُ العاصي إلى هَدَفه، ولا يصل المسلمُ الذي يُوَحِّد اللهَ ويعبده؟!.

     هنا يُسَارِع اللَّادينيّون فيَتَلَقون القضيَّةَ لِيَسْتَغِلَّوها للاعتراض على الإسلام والطَّعْن فيه، قائلين للمسلم: إنك لم تَصِلْ إلى هَدَفك لأنك عِمِلْتَ بأوامر دينك، فقمتَ بالأذكار والأدعية، وصلَّيتَ ركعتي السفر، فكان ذلك هو السبَ في إخفاقك في الوصول إلى المكان المقصود، ولو لم تصنع ما صنعتَ من التوجيهات الدينية لكان بالإمكان أن تصل إلى ما كنتَ تهدف إليه، فالسبب في خيبتك هو الدين وتعليماته.

     أمّا المُنْصف – المسلم وغيرُ المسلم كذلك – فيقول بملء فيه: إن السببَ في تَخَلُّف المسلم عن الوصول إلى «مومباي» أنه أَخْطَأَ القطارَ الذاهبَ إليها ورَكِبَ القطارَ المُتَوَجِّهَ إلى مدينة «كولكاتا» فارتكب الخَطَأَ – ولو عن غير إرادة – في اختيار السبب. ومن تَرَكَ السببَ لم يَحْظَ بالمُسَبَّب مهما كان مسلمًا صالحًا عاقلًا حكيمًا. إن المسلم التاركَ لسبب الوصول إلى الغاية يَعُدُّه الدينُ الإسلاميُّ عاصيًا لله ورسوله؛ لأنه تَغَاضَىٰ عن سُنَنَ الله تعالى الكونيّة والقوانين التي وَضَعَها لإدارة الكون، على حين أنها لم يخلقها تعالى عبثًا، وإنما خَلَقَها لحكمة يعلمها ولا نعلمها نحن البشرَ، وهي جزءٌ من الابتلاء بالإيمان؛ ولذلك أَمَرَ الشرعُ الإسلاميُّ بالركض والسعي لابتغاء الرزق والبحث والنظر في القوانين الطبيعيّة الإلهيّة للإفادة منها، وفي كتاب الله آياتٌ كثيرةٌ تدعو إلى ذلك، منها قوله تعالى:

     «قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ» (يونس:101).

     ولكن الإسلام أَكَّد أنّ هذه القوانينَ والسننَ الطبيعيّة إنما تَعْمَل بأمر الله، وليست مستقلة في العمل والتصرّف، فالمُسَيِّر الحقيقيّ للكون إنما هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي وَضَعَها ورَبَطَ بها دورانَ الكون بإرادته الحكيمة؛ فلا بُدَّ للإنسان أيًّا كان – مسلمًا أو كافرًا عالمًا أو جاهلًا – أن يتعامل معها، حتى لا يَلْقَى الخيبةَ والإخفاقَ في الوصول إلى ما يريده من الهدف؛ فإن خَالَفَ هذه السنن والقوانين الإلهية، كان حظّه الإخفاق لا مَحَالَةَ؛ لأنها –  كما تُقَرِّر العقيدةُ الإسلاميّةُ – مظهرٌ من المظاهر التي تُعَبِّر عن الإرادة الإلهية الفاعلة، التي لم تَسْتَغْن عنها هذه السنن والقوانينُ الطبيعيّةُ في لحظة ما.

     فالكفار – والغرب بصفة خاصة – إنما انتصروا وتقدموا في المجال الطبيعيّ المادّي؛ لأنهم تعاملوا مع القوانين الإلهيّة الطبيعيّة كما تَعَامَلَ معها الهندوسيُّ الذي اختار للوصول إلى «مومباي» القطارَ المسافرَ إليها ولم يركبِ القطارَ المسافرَ إلى «كولكاتا» مخالفًا إيّاها – القوانين الطبيعيّة – إن الغرب الذي نراه قد تَقَدَّمَ أشواطاً بعيدةً في العلوم الطبيعيّة، عَكَفَ طويلًا في المُخْتَبَرَ والمصنعَ يُجْرِي التجاربَ، ويعمل على الاكتشاف، ويَدْرُسَ ويَبْحَثَ علومَ الفيزياء والكيمياء في الكليّات والجامعات، ويُخَرِّج علماءَ ومُخْتَبِرين ومُكْتَشِفِين، ويُنْتِج أفواجًا من الكوادر العلميّة التي غَطَّتْ مجالات العلوم الطبيعيّة كلّها، فكان لديه مصانع متطورة لجميع أنواع المنتجات التي تحتاج إليها الحياة في الكون، وصيدليات متقدمة، ومستشفيات مُزَوَّدَة بأحدث التسهيلات، ومصانع عالية الجودة والكفاءة لإنتاج أحدث ما تَوَصَّلَ إليه العلمُ الطبيعيُّ من الأسلحة الخارقة، فانتصر على المسلمين، وسَخَّرهم في كل مجال سياسيّ وعسكريّ واقتصاديّ واجتماعيّ وعلميّ.

     أمّا المسلمون فظَلُّوا عَبْرَ قرون طويلة مُبْتَعِدِين عن التعامل مع القوانين الطبيعيّة، ولم يميلوا إلى تعلّم العلوم الطبيعيّة، ولم يعملوا بجدّ في المصانع والمُخْتَبَرَات، ولم يهتمّوا بالبحوث العلميّة، واحتضان الكفاءات العلميّة، ولم يخوضوا مجالَ الحداثة والابتكار، والاكتشاف والإنتاج؛ فكانت النتيجةُ أنّهم لايزالون يستوردون كل نوع من المنتجات التي هي من مُعْطَيَات الاكتشافات الحديثة التي تَوَصَّلَ إليها العلم الطبيعي الحديث الذي طوّره الغرب بعد ما كان قد أسسه المسلمون، حتى يستوردون منه – الغرب – المنتجات الاستراتيجية، وعلى رأسها الأسلحة التي لا يُصَدِّر منها الغرب وأمريكا إليهم إلّا ما وَلَّىٰ دورُه، وبشروط تعجيزيّة استعباديّة، وبأسلوب يصيدان به عصافير كثيرة بحجر واحد؛ حيث لا يستنفدان ميزانيتهم فحسب، وإنما يَمْتَصَّان كذلك كلَّ ما عندهم من الثمالة الباقية من الغيرة والكبرياء والنخوة، ويثيران في ديارهم مشكلات تُحَوِّلها جحيمًا لاتطاق، تطال دينَهم وثقافتَهم وتقاليدَهم، وتترك عليهم من الأضرار ما يُخَلِّف الدَّمَارَ لدهر طويل على العباد والبلاد والقضايا المصيرية الجوهريّة. كما يثيران بينهم فِتَنًا كقِطَعِ اللّيل المظلمة، ويشبان داخل بلادهم حروبًا وصراعات داخلية، حتى يُضْطَرُّوا أن يستوردوا منهما باستمرار مزيدًا من الأسلحة والمُعَدَّات الحربيّة.

     إنّنا قَعَدْنَا عن العمل في مجال العلوم الطبيعيّة والغربيون عملوا مستمرين؛ فتقدموا في المجالات المادية كلها، وسَيْطَرُوا علينا عن طريقها؛ لأننا خالفنا دينَنا الذي يأمرنا مُؤَكِّدًا أن نُعِدّ القوّةَ المُسْتَطَاعةَ المُرْهِبَةَ للأعداء جميعًا على الأرض، ولكننا ظِلْنَا قرونًا طويلة لم نهتمّ بإعداد هذه القوة وإنتاج تلك الأسلحة التي تفوق أسلحةَ الأعداء حتى تكون مُرْهِبَةَ لهم؛ بل لم نقدر على إنتاج ما يُمَاثِل أسلحتَهم، فضلًا عن أن يكون أكثر تطوّرًا منها؛ فانتصروا – ولا يزالون – علينا في جميع الحروب والمعارك، فألقينا مسؤوليةَ انتصارهم علينا على الدين، وقلنا: إنـــــــــــه لم يُسَاعِــــدْنا على الانتصار على الأعداء، رغمَ أننا نعبد اللهَ وحده، والكفارُ والمشركون يجحدون بالله ويكفرون به أو يُشْرِكون، ولا نرجع لأنفسنا لندرك أننا عَصَيْنَا اللهَ حينَ لم نأخذ بالأسباب المادِّيَّة التي لابدّ منها في هذا الكون الذي كَبَّلَه اللهُ بالسَّبَبِيَّة والمُسَبَّبِيَّة، كما عصى المسلم الذي أراد أن يسافر إلى «مومباي» لكنّه رَكِبَ القطارَ الذاهبَ إلى «كولكاتا» فلم تُغْنِه أدعيتُه وأذكارُه وصلاتُه في الوصول إلى «مومباي».

     عندما شَنَّتْ أمريكا – بتحالف مع العالم الغربي – حربَها الصليبيّة الغاشمةَ - بكلّ ما في الكلمة من معنًى- على كلّ من «أفغانستان» و«العراق» بحجّة أنّ الأولى تؤوي «أسامة بن لادن» وأن الثاني يُنْتِج الشيءَ الكثيرَ من أسلحة الدمار الشامل ويُؤيّد الإرهابَ، ولا يعمل بشيء من الديموقراطيّة.. أَجْمَعَ العالم على استنكار الخطوة الأمريكية حتى الأمم المتحدةُ التي يتحكّم فنها الصهاينةُ والصليبيُّون. وكان ذلك تعبيرًا عن مسحة من الإنسانية التي تستيقظ حتى في قلوب الغِلَاظ الشِّدَاد من الكفار والمشركين عندما يبلغ الظلمُ والعُدْوَانُ مداهما.

     وكان غضب الشارع الإسلاميّ على ذلك في كلّ مكان في العالم منقطعَ النظير طبعًا، ولاسيّما في شبه القارة الهندية – الذي مُسْلِمُوه ظلّوا – ولا يزالون مُتَمَتِّعِين بالوعي الإسلامي أكثر من مسلمي أي مكان في العالم. وذلك يرجع إلى عوامل نبيلة كثيرة يطول الحديثُ عنها – فعَكَفَ المسلمون عندنا على الدعاء والتضرّع والإنابة إلى الله إلى جانب الإكثار من التصدّق والإنفاق على الفقراء وعمارة المساجد، والمواظبة على النوافل، ولاسيما على صلاة التهجد، وإطعام المساكين، وتوزيع الأطعمة الجاهزة على المارّة وابن السبيل، وكلُّهم سألوا الله تعالى أن ينصر المسلمين في البلدين المُسْلِمَيْن على الكفار الذين هجموا عليهم في عقر دارهم.

     وخلال هذه الأيّام لَقِيَني – بصفتي كما يعتقدون مطلعًا على العالم العربي وأوضاعه وقضاياه لكوني أشتغل بالعربية وأكتب بها – كثيرٌ من أساتذه جامعتنا: دارالعلوم/ديوبند، وسَاءَلُوني: ما رأيُك الآن في الحرب التي فَرَضَها الغربيون والأمريكان بالذات على العراق إثر أفغانستان؛ لأنه اليومَ عَادَ الرأيُ العالميّ عمومًا والرأي الإسلاميّ العامّ خصوصًا يقف بجانب «صدّام حسين» - الرئيس العراقي – بصفته قد تَحَدَّى وَحْدَه أمريكا وقوتها العسكرية الجبارة؟. قلتُ: لا فائدة من وراء ذلك. قالوا: لماذا؟. قلتُ: إن الجيش العراقي لن ينتصر على أمريكا والدول المتحالفة معها، بالقوة العسكرية التي هي أقلّ وأَضْأَل؛ بل أتفه بالنسبة إلى القوة العسكرة الأمريكية الغربية، والجيش العراقي أقلُّ كذلك عددًا من الجحافل الأمريكية الغربية إلى جانب القدرات العسكرية المتطورة والكفاءات الحربية العالية والأسلحة الحديثة الفتاكة من كل نوع، التي هي الأولى اليوم على المستوى العالمي، ثم إن هذه القوات تتسلّح بالتكنولوجيا العسكريّة التي تُعَدُّ «خارقة» في عالم القدرات العسكريّة والاستعدادات الحربيّة.

     قالوا: وهل تضيع هذه الأدعية المُخْلَصَة التي ترتفع بها أَكُفُّ مليارات المسلمين في العالم طَوَالَ لحظات الليل والنهار؟ قلتُ: بالتأكيد؛ لأن الرئيس العراقي ليس من الذين تظهر على أيديهم الكرامات. إنه في دنيا الأسباب لم يصنع شيئًا يقابل به أمريكا وجيشَها المُسَلَّح العَرَمْرَمَ الذي لديه من الأسلحة ما يسعه أن يصنع به «شبهَ المعجزة» - إذا صَحَّ وجاز التعبير – لقد كان بالإمكان أن ينتصر «صدام» إذا صنع من الجيش والمُعَدَّات الحربيّة ما يُضَارِع أو يُقَارِب الجيشَ الأمريكيّ الغربيَّ والأسلحةَ الأمريكيةَ الغربيّة إذا لم يصنع منه ما يفوقها – الأسلحة والمُعَدَّات الأمريكية – وذلك بفضل تلك الأدعية المُخْلَصَة التي كانت لتكون «صَنْجَةً» في ميزان سيئات «صدّام» التي ارتكبها حين قَصَّرَ في إعداد القوة العسكريّة الحديثة اللازمة ونهض ليواجه أمريكا والدول المتحالفة معها، بالقدرة العسكريّة التافهة، والأسلحة الضئيلة الثالمة، المُتَأكِّلَة البالية، التي ليست تُشَكِّل بالقياس إلى الأسلحة الأمريكيّة الغربيّة الضخمة حتى نسبةَ «الملح في الطعام». وأضفتُ: إن خُطْوَتَه نحوَ مواجهة أمريكا بهذا القدر الضئيل من الاستعداد العسكري، كانت بمنزلة الإقدام على «الانتحار» الذي كان حَظَّه الذي ناله، وأرغم شعبَه كلَّه ليذوق الويلات والخسائر في الأرواح والمُمْتَلَكات التي لم تُعَوَّضْ بعد، ولا يمكن تلافيها بأي حيلة من الحُوَّلِين القُلَّبِين من عقلاء المسلمين.

     إن العقيدة الإسلاميّة تُقَرِّر أن نأخذ بالأسباب ونتعامل مع السُّنَن والقوانين الإلهيّة في الطبيعة بنحو صحيح أشار به علينا دينُنا الحنيفُ، بدون أن نعتقد أنها الفاعلة، وإنما نعتقد أن الفاعل الحقيقيّ هو الله الذي وَضَعَ هذه السنن والقوانينَ بحكمته ومشيئته، ثم نتوكل على الله، ونتضرع إليه، ونسأله أن يُسَدِّد خُطَانا، ويُنْجِحَنا في التوصّل إلى الهدف، عن طريق جعله الأسبابَ والحيلَ التي اصْطَنَعْنَاها وتَبَنَّينَاها، تَنْفَعُنا وتُسَاعِدنا على تحقيق الهدف، ولا تتخاذل أو تتخلّف عن إيصالنا إلى الهدف؛ ومن ثم نحتاج إلى الأدعية، والابتهال إلى الله، والثقة به، والتوكل عليه، والإيمان بأنه خالق كلّ شيء، ومُدَبِّر الكون، ومُصَرِّف الأمور، وموجد الأسباب، والمُنْشِئ عنها المُسَبَّبَات، دون احتياج إليها – الأسباب – لأنه تعالى قد يَسْلُب الأسبابَ مفعولَها (effect) عندما تشاء حكمتُه؛ فقد يُمَكِّن الأعداء من المسلمين وينصرهم عليهم، رغم جميع ما يتخذونه من المُعَدَّادت والأسلحة والحيل والأسباب الكفيلة بالنجاح، التي قد تعادل ما عند الأعداء من القوة العسكرية والقدرة الحربية والعَدَد والعُدَد؛ بل قد تفوق ما عندهم، إلى جانب ما من شأنه أن يُرَجِّح بإذن الله كِفَّتَهم – المسلمين – في ميزان التعادل (equality) من الصلاح والدعاء والتوكل على الله والإيمان بنصره وتأييده، الأمر الذي يُفْلِس فيه الأعداءُ؛ بل يكونون خَالِي الوِفَاضِ منه (empty handed) .

     وفي مثل  هذه المواقف يتساءل الكثيرُ من الناس؟ لماذا ينصر الله على المسلمين أعداءَ دينهم، ويجعل المسلمين ينهزمون وهم أنصارُ دينه؟.

     وقد فَصَّلَ الإمام ابن القيم رحمه الله (أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي: 691-751هـ = 1292-1350م) في هذا الموضوع بنحو شافٍ مُشْبِع، وكان مما قال:

     «الأصل الثامن: أنّ ابتلاءَ الله بغلبة عدوّهم لهم، وقهرهم وكسرهم لهم أحيانًا، فيه حكمةٌ عظيمةٌ لا يعلمها على التفصيل إلّا اللهُ عزّ وجلّ.

     «فمنها: استخراجُ عبوديّتهم وذلّهم لله، وانكسارهم له، وافتقارهم إليه، وسؤالهم نصرَهم على أعدائهم. ولو كانوا دائمًا منصورين، قاهرين غالبين، لبَطِرُوا وأَشِرُوا، ولو كانوا دائمًا مقهورين مغلوبين منصورًا عليهم عدوُّهم، لما قامت للدين قائمةٌ، ولا كان للحقّ دَوْلَة؛ فاقتضتْ حكمةُ أحكم الحاكمين أن صَرَفَهم بين غلبهم تارة، وكونهم مغلوبين تارة، فإذا غُلِبُوا تَضَرَّعُوا إلى ربّهم، وأنابوا إليه، وخضعوا له، وانكسروا له، وتابوا إليه. وإذا غَلَبُوا أقاموا دينَه وشعائرَه، وأَمَرُوا بالمعروف ونَهَوْا عن المنكر، وجاهدوا عدوَّه، ونصروا أولياءَه.

     «ومنها: أنهم لو كانوا دائمًا منصورين غالبين قاهرين، لَدَخَل معهم من ليس قصده الدين، ومتابعة الرسول. ولو كانوا مقهورين مغلوبين دائمًا، لم يدخل معهم أحد؛ فاقتضت الحكمة الإلهية أن كانت لهم الدَّوْلَةُ تارة، وعليهم تارة؛ فيُمَيَّزُ بذلك بين من يريد الله ورسولَه، ومن ليس له مُرَادٌ إلّا الدنيا والجاه.

     «إذًا التمييزُ بين الصادق من غيره، من حِكَم ابتلاء الله المؤمنين، تمييزَ الخبيث من الطَّيِّب: « مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ (آل عمران:179). هذا هو الأصل: «حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ» كيف نكتشف إسلامَ هذا الإنسان إلّا بالابتلاءات والفِتَن والشدائد. هنا يتّضح المؤمنون الصادقون، ويَتَّضح المنافقون الذين أصابوا قلوبَهم – المؤمنين – بالخوف والهلع عند الشدائد والمِحَن.

     «ومنها: أنه سبحانه يحب من عباده تكميلَ عبوديّتهم على السَّرَّاء والضَرَّاء، وفي حال العافية والبلاء، وفي حال إدالتهم والإدالة عليهم؛ فللَّه سبحانه على العباد في تينك الحالتين عبوديّةٌ بمُقْتَضَىٰ تلك الحال، لا تحصل إلّا بها، ولا يستقم قلبٌ بدونها، كما لا تستقيم الأبدانُ إلّا بالحَرِّ والبرد، والجوع والعَطَش، والتَعَبِ والنَصَب وأضدادها، تلك المِحَنُ والبلايا شرطٌ في حصول الكمال الإنسانيّ والاستقامة المطلوبة منه؛ ووجودُ الملزوم بدون لازمه مُمْتَنِعٌ.

     «ومنها: أن امتحانَهم بإدالة عدوّهم عليهم، يُمَحِّصُهم ويُخَلِّصُهم ويُهَذِّبهم، كما قال تعالى في حكمة إدالة الكفار على المؤمنين يوم أُحُد: « وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ O إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ» (آل عمران:139-140).

     «إذًا من الحكمة: «وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ O وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ» (آل عمران: 140-141) يُخَلِّصهم من ذنوبهم، من غفلتهم، ممّا تَرَاكَمَ عليهم من الغفلة والذنوب؛ فإنّ في هذه الابتلاءات تمحيصًا وتخليصًا وتهذيبًا لهم من الله عزّ وجلّ، و- أيضًا – اتخاذًا للشهداء منهم في مثل هذه الأمور.

     «ثم يقول سبحانه وتعالى: « أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ O وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ O وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ O» (آل  عمران:142-144).

     «فذكر سبحانه أنواعًا من الْحِكَم التي لأجلها أُدِيلَ عليهم – المؤمنين – الكفارُ بعد أن ثَبَّتَهُم وقَوَّاهُم، وبَشَّرَهُم بأَنهم الأَعْلَون بما أُعْطُوا من الإيمان، وسَلَّاهم بأنهم وإن مَسَّهُم القرحُ بطاعته وطاعة رسوله، فقد مَسَّ أعداءَهم القرحُ في عداوته وعداوة رسوله». (إغاثة اللهفان لابن القيم 2/191. ط: مكتبة المعارف، الرياض).

     ولاشَكَّ أن هذا التثبيت والتقوية والتبشير من قبل الله إنما هو للمؤمنين الصادقين الذين يُوَاجِهون الأعداءَ بعدما يكونون قد اسْتَوْفَوْا الشروطَ التي فَرَضَها اللهُ عليهم من إعداد القوة العسكرية المُسْتَطَاعَة المرهوبة من قبل الكفار، التي تكون على مستوى عصرهم الذين يعيشون فيه. وذلك إلى جانب الإخلاص والتدين والصلاح المطلوب منهم حتى يكونوا «مؤمنين» يستحقون التأييد الإلهي الذي ينزل لصالح عباده الذين إنما يَتَوَخَّوْن من وراء جميع أعمالهم وجهَ الله وحده، ويكون حاديهم إلى محاربة الكفار إعلاءَ كلمة دينه، ونشرَ العدل والحق، وإدالةَ الإسلام على الكفر، وقمعَ الظلم، واستئصالَ العدوانية، ولا يكون داعيهم إلى ذلك الأهواءَ و الاِدِّعائيةَ، والاستبدادَ والدكتاتوريةَ، والاحتلالَ والاستعمارَ، ومجرَّدَ الغلبة والانتصار، والمطامعَ التوسعيّة، وتحدّيَ الخصم القوي العنيد المالك للقوة العسكرية الجبارة الوحيدة على مستوى العالم المُمَدَّة بالتحالف من الدول الكثيرة ذات الحول والطول، وفي غنى عن أي رصيد من الاتصال بالله والإخلاص له والاِطِّراح على عتبته.

     إنّ الواجبَ على المسلمين ليَنْتَصِرُوا على عدوّهم ويَتَقَدَّمُوا في جميع مجالات الحياة أن يأخذوا بالأسباب التي تَضْمَن الانتصارَ والتقدمَ، ثم يتوكلوا على الله، ويسألوه العونَ والتأييدَ، وأن يجعل الأسبابَ ناجعةً لا فاشلةً، وأن يَجْتَنِبُوا المعاصيَ. ومن المعاصي التفريطُ في الأخذِ بالأسباب، والتعاملِ مع السنن الإلهيّة الطبيعيّة، ومن المعاصي كذلك التفريط في تبني الأسباب الدينية إلى جانب الأخذ بالأسباب المادية.

     يقول الله تعالى:

     «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ O» (محمد:7).

     ونصرُ اللهِ للمؤمنين هو تغليبه لهم على الأعداء وتمكينه إياهم منهم، ونصرُ المؤمنين لله هو اتّباعُ شريعته ونصرُ دينه والقيامُ بحقّه، واتباعُ أوامره واجتنابُ نواهيه. ويأتي ضمنَ اتباع أوامره الأخذُ بالأسباب والخضوعُ للقوانين الإلهيّة الطبيعته، ويأتي ضمنَ معاصيه ونواهيه أن يُفَرِّط المسلم في التعامل مع السنن الطبيعيّة والأسباب المادّية في جميع شؤون حياته؛ لأنها هي التي تجعله – بعد التوكل على الله والصبر والتقوى – يَنْتَصِر ويَتَقَدَّم، ويُحَقِّق الغلبةَ على أعدائه وأعداء دينه، ويَحْظَىٰ بالنجاح فيما يتعلّق بدنياه وآخرته.

نور عالم خليل الأميني

nooralamamini@gmail.com

 (تحريرًا في الساعة 12 من نهار يوم الاثنين: 17/ربيع الأول 1440هـ الموافق 26/نوفمبر 2018م).

 

إلى المحتويات

 

الفـكر الإســــــــلامي

من ظلال التفسير

 

بقلم: العلامة الشيخ شبير أحمد العثماني رحمه الله

 (1305-1369هـ/1887-1949م)

تعريب: أبو عائض القاسمي المباركفوري

 

     إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ O

فائدة:

     ساق في هذه الآية - بإزاء أكلة الربا- صفات أهل الإيمان وما أنعم عليهم مما ينافي ويضاد ما عليه آكل الربا من الصفات والمواقف والأحكام. وتبين منه تهديد آكل الربا والتشنيع عليه بكل وضوح.

     يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ O

فائدة:

     أي لا عليكم فيما أكلتم من الربا قبل التحريم، وأما ما كان لكم من الربا بعده فلاتطالبوه به أبدا. 

     فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ O

فائدة:

     أي ما أخذتم من الربا قبل التحريم إذا حسبوه في رأس مالكم فهو ظلم منهم، وأما إذا طلبتم الزيادة بعد التحريم فهو ظلم منكم.

     وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ O

فائدة:

     أي إذ نزلت تحريم الربا، وتوقف أخذه ودفعه، فلاينبغي أن تطالبوا من المدين الفقير مالكم؛ بل أمهلوه، و اتركوا رؤوس أموالكم إلى المعسر إذا أمكنكم ذلك.

     وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ O

فائدة:

     أي يوفَّى جزاء الأعمال كلها يوم القيامة ويعاقَب عليها، فلينظر كل امرء لنفسه، يحسن أويسيء، ويأكل الربا أو يتصدق.

     يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‍O

فائدة:

     ساق أولا فضل الصدقة والإنفاق، وأحكامهما، وأعقبه ببيان الربا وحرمته وذمه، ويذكر في هذه الآية حكم ما إذا تعامل المرء بالدين إلى أجل مسمى، وهو الجواز والإباحة، و بما أن هذه المعاملة مؤجلة إلى أجل في المستقبل، يحتمل الضلال و النسيان، فيجب تحديده والعناية به، حتى لا تنشأ مشكلة أو خلاف فيها لاحقًا. وذلك بأن يكتب على الورقة الأجل المسمى و اسم المتعاقدين، وتفاصيل العقد، بكل وضوح وصراحة. وعلى الذي يتولى الكتابة ألا يأبى الكتابة وفق الحكم الشرعي بالعدل. وعلى المدين أن يكتب بيده أو يملي على الكاتب، ولاينقص من حق صاحبه شيئًا.

فائدة:

     أي إذا كان المدين غير عاقل، جاهلًا بالإملاء، أو ضعيفًا، كالصبي والهرم مثلًا، لايدرك من المعاملة شيئًا، أو لايستطيع أن يملي المعاملة على الكاتب، فعلى وصي المدين ووارثه والقائم بأموره أن يملي بالعدل كاملًا غير منقوص. 

فائدة:

     وعليكم أن تُشهدوا على هذه المعاملة ما لايقل عن رجلين أو رجل وامرأتين، عدلين، أي ثقتين.

فائدة:

     أي ينبغي ألا يأبى الشاهد إذا دعي إلى تحملها أو إلى أدائها، ولاتتكاسلوا في كتابة المعاملة وإملائها صغيرة كانت أو كبيرة، و هو الأدنى والأقرب إلى العدل والإنصاف، وكتابتها أدعى إلى الثقة بالشهادة أيضًا، وأقطع لسبيل النسيان وضياع الحق.

فائدة:

     أي إذا كانت التجارة يدًا بيدٍ، مبادلة العين بالعين، أو كانت نقدًا لا تأجيل فيه، فلاجناح عليكم ألا تكتبوها، إلا أنه ينبغي الإشهاد عليه حينئذ أيضًا، كي تنفع فيما إذا حدث خلاف في خصوصها. ولا يضار كاتب ولا شهيد أي لا يضر المدعي ولا المدعى عليه بعضهما بعضا؛ بل يؤدي كل واحد منهما ما وجب عليه.

     وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ O

فائدة:

     أي إذا تعاملتم بالقرض والدين في السفر، ولم تجدوا من يكتب الوثيقة، فليدفع المدين إلى الدائن رهنًا عوضًا عن الدين.

فائدة:

     الحاجة إلى الرهن في السفر أشد منه في الحضر، فإنه يمكن التوثق من الدين بالكتابة والإشهاد في الحضر، ولذا أمر بالرهن في السفر، ويصح الرهن وإن توفر الكاتب، كما ورد في الحديث، وإن وثق رب الدين بأمانة الغريم فلم يطلب رهنًا منه، وجب عليه أن يؤدي إلى صاحب الدين حقه كاملًا غير منقوص. و ليتقي الله ربه، ولايخونن في حق صاحبه.

     لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ O 

فائدة:

     ساق في هذه السورة بكثرة – الأصول والفروع، والعبادات والمعاملات الخاصة بالنفس والمال بأنواعها كلها، ولعله الدافع إلى تسمية هذه السورة «سنام القرآن»، فأحْرِ بأن يُشبع العباد تاكيدًا وتهديدًا، ليحذروا التقصير في امتثال الأحكام والأوامر، ولذا ساق في نهاية السورة الأحكام، ثم أتبعها هذه الآية تهديدًا وتنبيهًا، وحملًا لهم جميعًا على المواظبة على كافة الأحكام المذكورة سابقًا. وحذّرت الآية تحذيرًا شديدًا الذين يُعملون حيلهم المخترعة ومكايدهم المختلقة بكثرة- في الطلاق والنكاح والقصاص والزكاة والبيع والربا ونحوها، معجبين بأنفسهم ومتحكمين في استحلال الحرام، ألا ترى أن الذي يستحق العبادة منا يجب أن يملكنا، والذي يسعه محاسبة ما نخفي وما نعلن كله يجب أن يكون عالمًا بالأمور كلها، والذي يسعه أن يحاسبنا على كل صغيرة وكبيرة و يعاقب ويجازي عليها، يجب أن يكون قادرًا على كل شيء، فساق هنا هذه الكمالات الثلاثة: الملك والعلم والقدرة، وسبق إليها الإشارة في آية الكرسي، والمعنى أن الله تعالى مالك كل شيء، وخالقه، يحيط بكل شيءعلمًا، وقدرةً، فهل من مناص للعبد إذا عصاه فيما ظهر أو خفي.

     آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ O

فائدة:

     نزلت الآية الأولى فدلت على أن الله تعالى يحاسب ويعاقب على ما خطر على القلب، فخافوا واشتدت عليهم ما لم يشتد عليهم آية أخرى، فشكَوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: قولوا ﴿ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، أي اخضعوا لأمر الله تعالى وامتثلوه من غير تردد و تلكإ وإن أشكل وشق، ففعلوا، فانشرحت قلوبهم وذلت ألسنتهم بهذه الكلمات بصورة عفوية، والمعنى أننا آمنا، وأطعنا الله تعالى، أي أعربنا عن استعدادنا لامتثاله بغض النظر عما أشكل علينا أوشق وصعب. فأعجِب ربهم سبحانه بصنيعهم هذا. فنزلت الآيتان: الأولى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ الخ﴾، حيث أثنى الله تعالى فيها على إيمان الرسول وعلى إيمان أصحابه الذين أشكل عليهم ذلك-بالتفصيل. فازدادت قلوبهم طمانينة، وزال ما أشكل عليهم. ونزلت الآية الثانية: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا﴾ الآية، حيث نبه فيها على أنه لايكلف نفسًا إلا وسعها، فإذا خطر على قلب أحد ذنب من الذنوب، ولم يعمل به فلا إثم عليه، كما أنه عفى عن الخطإ والنسيان. وجماع القول أن الله تعالى صرح تصريحًا بأن ما لايسع العبد اجتنابه والحذر منه كحديث النفس بذنب وكالخطإ والنسيان لا يؤاخذ عليه، وأما مايدخل في إرادة العبد و اختياره، فيؤاخذ عليه. وما اشتد على الصحابة بعد نزول الآية السابقة يجب أن يحمل على هذه القاعدة الضابطة، وفعلًا تحقق ذلك، وزال الإشكال المذكور سابقًا نهائيًا!

فائدة:

     (لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ اَحَدٍ مِّنْ رُّسُلِه) أي لانؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى.

     لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَO

فائدة:

     نزلت الآية السابقة فاشتد على الصحابة رضي الله عنهم، فتنزلت هاتان الآيتان: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾، و ﴿لَايُکَلِّفُ اللهُ نَفْسًا﴾ تسليةً لهم، ثم نزل قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ الآية، فشرح صدورهم شرحًا لم يدع لخوف الشدة والصعوبة يتطرق إليها سبيلًا؛ لأن الأدعية التي أمرنا بها تهدف إلى الاعتراف بأن الله تعالى له الحكم وهو الذي يستحق العبادة منا.

     والدعاء بأن يكلفنا الله تعالى – بمنه وكرمه- من الأحكام مالا يشق علينا امتثالها و العمل بها، ولايؤاخذنا على الخطإ والنسيان، ولاينزل علينا أحكامًا شاقةً كما نزلت على الأمم السابقة، ولايكلفنا ما يفوق طاقتنا و وسعنا، ثم على هذا التيسير والتسهيل – أن يغفر لنا ويعفو عنا ويرحمنا. وورد في الحديث أن الله تعالى استجاب لهم ذلك كله. وقوله: ﴿اَنْتَ مَوْلىٰنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكٰفِرِيْنَ﴾ أي حيث أمنتنا يار بنا برحمتك من كل صعوبة – بعد ما نزل على الصحابة من الشدائد-، فانصرنا على الكفرة.

 

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (1)

العفو... حسنات وجنات

 

بقلم:  الأستاذ يحيى بن موسى الزهراني

 

     إننا أمة العفو والصفح، والتنازل والغفران والتسامح، فهي سمات حميدة، وصفات مجيدة، في أمة تليدة. العفو خلق كريم، خلق نبيل، خلق أصيل تأصل في نفوس المسلمين، وضرب أطنابه منذ القديم في قلوب المؤمنين. ما أعظم الإنسان، وما أكمل خلقه، وما أعلى منزلته عندما يعفو عن قاتل قريبه وحبيبه، ويحتسب ذلك عند الله عز وجل، رجاء المغفرة العظمى، والمنة الكبرى، من الله تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، فيأتي العفو عن الجاني، ويحصد من الحسنات حتى يرضى، وهل بعد دخول الجنة مطمع.

     الله سبحانه وتعالى أرشدنا إلى العفو وأنه من تقوى الله تعالى، وهو مما يحبه الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة:237].

     فالأفضل للإنسان إذا تمكن من القصاص من غريمه، وخُيِّر بين العفو والقصاص، أن يختار العفو، لأنه الخيار الذي اختاره الله تعالى، والخيرة فيما اختاره الله عز وجل.

     الله جل وعلا يحب العافين، أفلا نكون من العافين، من الذين يحبون العفو، من الذين يحبون ربهم وينفذون أمره، ويقبلون إرشاده وتوجيهه، أفلا نرغب في جنة عرضها السموات والأرض أعدت للعافين عن الناس، والمتنازلين عن الحقوق، اسمعوا قول الله تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمٰوٰتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكـٰظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (آل عمران: 133-134).

     سبحان الله العظيم! ربنا تبارك وتعالى غني عنا، ونحن الفقراء إليه، ونحن الضعفاء المنكسرين بين يديه، يدعونا للعفو، ويبين لنا أن العفو من تقواه، فهل يجدر بنا أن نخالف توجيه الخالق سبحانه، ما أعظم العفو والصفح عن الجناة، ونحيل أمرهم إلى الله.

     لا إله إلا الله! وهل القصاص وعدم العفو سيعيد ما ذهب؟ كلا والله، لن يعيد شيئًا، بل سيزيد الأمة جراحًا، وتضيعَ أسر، ويتشرد أبناء وبنات، وتترمل نساء، ويعم الحزن بيوتًا بدل بيتٍ واحد.

     فماذا يجني من لا يعفو؟ واللهِ لن يجني شيئًا يحبه ويتمناه، بل سيجني كراهية الناس له ما بقي حيًا، وهذا أمرٌ مشاهد ملموس معروف.

     بينما يجني العافي محبة الناس، واللهِ يجني محبة من يعرفه ومن لا يعرفه، يجني الدعاء الذي ينطلق من الألسن والشفاه، فكم من إنسان دُفعت عنه نقم وفتن ومحن بسبب دعاء الناس له، وكم للعافي من فضيلة على المعفو عنه وأهله وعشيرته؛ بل حتى على الأمة، حري به إن طلب شيئًا، أُجيب إليه، وإن شفع أن يُشفَّع، وإن سأل أن يُعطى، وإن جلس أن يفسح له، إذا دخل رحَّب الناس به، وإذا خرج دعوا له، يا لها من ثمار يانعة يتمتع بها العافي عن الجاني مدى الحياة، ويوم القيامة يزيده الله رفعةً ومنزلةً وقربًا منه -عز وجل-، فهل من عاقل يتدبر ذلك، ويتنازل ويعفو ويصفح، قال تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجٰهِلِينَ﴾(الأعراف:199).

     عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه-، عَنْ رَسُولِ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلّهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللّهُ» [أخرجه مسلم].

معنى العفو:

     معنى العفو أي: التجاوز عن الذنب، وترك العقاب عليه، وأصله المحو والطَّمْسُ [المطلع على أبواب المقنع 360].

     قال القرطبي رحمه الله: «العفو عفو الله - جل وعز- عن خلقه، وقد يكون بعد العقوبة وقبلها بخلاف الغفران فإنه لا يكون معه عقوبة البتة، وكل من استحق عقوبة فتركت له فقد عفي عنه، فالعفو محو الذنب».

     والمقصود بمحو الذنب: محو الوزر الموضوع على فعل الذنب، فتكون أفعال العبد مخالفات أو كبائر ومحرمات ثم بالتوبة الصادقة يبدل الله سيئاته حسنات، قال تعالى: ﴿إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَـٰتهِمْ حَسَنٰتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (الفرقان:70) فتمحى السيئات عفوًا وتستبدل بالحسنات، أما الأفعال فهي في كتاب العبد حتى يلقى ربه فيدنيه منه، ويعرفه بذنبه وسوء فعله، ثم يسترها عليه، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ اللَّهَ يُدْنِى الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ، وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [أخرجه البخاري].

     فالوزر أو عدد السيئات هو الذي يُعفى ويُمحى من الكتاب، أما الفعل ذاته المحسوب بالحركات والسكنات أو مقياسه في مثقال الذرات، فهذا على الدوام مسجل مكتوب، ومرصود محسوب بالزمان والمكان، ومقدار الإرادة والعلم والاستطاعة، قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتٰبُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰـوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتٰبِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصٰــهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (الكهف:49).

     إن الذي يجود بالعفو عبدٌ كرمت عليه نفسه، وعلت همته وعظم حلمه وصبره، قال معاوية -رضي الله عنه-: «عليكم بالحلم والاحتمال حتى تمكنكم الفرصةُ، فإذا أمكنتكم فعليكم بالصفح والإفضال».

     إن العفو هو خلق الأقوياء الذين إذا قدروا وأمكنهم الله ممن أساء إليهم عفوًا.

الفرق بين العفو والصفح:

     العفو والصفح متقاربان في المعنى فيقال:

     صفحت عنه: أعرضت عن ذنبه وعن تثريبه، كما يقال: عفوت عنه.

     إلا أن الصفح أبلغ من العفو فقد يعفو الإنسان ولا يصفح.

     فالصفح ترك المؤاخذة، وتصفية القلب ظاهرًا وباطنًا، ولقد دعا الله -جل وعلا- إلى الصفح ودعاه بالجميل، فقال - سبحانه وتعالى-: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (الحجر:85).

     والصفح أبلغ من العفو، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتّٰى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (البقرة:109) [الموسوعة الفقهية: 30/167، نضرة النعيم: 7/2890].

     إنّ العفو والتجاوز لا يقتضِي الذّلَّةَ والضعف، بل إنه قمَّة الشجاعة والامتنانِ وغلَبَة الهوى، لاسيَّما إذا كان العفوُ عند المقدِرَة على الانتصار، فقد بوَّب البخاريّ -رحمه الله- في صحيحه بابًا عن الانتصارِ من الظالم لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾ (الشورى:39)، وذُكِرَ عن إبراهيم النخعيّ قوله: «كانوا يكرَهون أن يُستَذَلّوا، فإذا قدروا عفَوا» [أخرجه البخاري]، قال الحسن بنُ علي -رضي الله تعالى عنهما-: «لو أنَّ رجلًا شتَمني في أذني هذه، واعتذر في أُذني الأخرَى، لقبِلتُ عذرَه» [الآداب الشرعية لابن مفلح: 1/319]، وقال جعفرُ الصادِق -رحمه الله-: «لأن أندمَ على العفوِ عشرين مرّةً، أحبُّ إليَّ من أندَم على العقوبة مرةً واحدةً» [أدب المجالسة لابن عبد البر: 116]، وقال الفضيل بنُ عياض -رحمه الله-: «إذا أتاك رجلٌ يشكو إليك رجلًا فقل: يا أخي، اعفُ عنه ؛ فإنَّ العفو أقرب للتقوى، فإن قال: لا يحتمِل قلبي العفوَ، ولكن أنتصر كما أمرَني الله عزّ وجلّ فقل له: إن كنتَ تحسِن أن تنتَصِر، وإلاّ فارجع إلى بابِ العفو؛ فإنّه باب واسع، فإنه من عفَا وأصلحَ فأجره على الله، وصاحِبُ العفو ينام علَى فراشه باللّيل، وصاحب الانتصار يقلِّب الأمور؛ لأنّ الفُتُوَّة هي العفوُ عن الإخوان».

     والصّفح والعفو هما خلُقُ النبيّ -صلى الله عليه وسلم-، فأين المشمِّرون المقتَدون؟! أين من يغالِبهم حبُّ الانتصار والانتقام؟! أين هم من خلُق سيِّد المرسَلين -صلى الله عليه وسلم-؟! سُئِلَت عائشة -رضي الله عنها- عن خلُق رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- فقالت: «لم يكن فاحِشًا ولا متفحِّشًا ولا صخَّابًا في الأسواق، ولا يجزِي بالسيِّئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح» [أخرجه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح وأصله في الصحيحين].

     وقد جاءتِ الآيات متضَافِرةً في ذكرِ الصفح والجمعِ بينه وبين العفو كما في قولِه تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ (المائدة: 13)، وقوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ﴾ (البقرة:109)، وقوله سبحانه: ﴿يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوَهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (التغابن:14).

الله - جل جلاله - العفوُّ:

     العفوُّ: اسم من أسماء الله الحسنى، العَفوُّ في اللغة على وزن فعُول من العَفوِ، وهو من صيغ المبالغةِ، يقال: عَفا يَعْفو عَفوًا فهو عاف وعَفوٌّ.

     والعفو: هو التجاوُزُ عن الذنب وتَرْك العِقاب عليه، وأَصله المَحْوُ والطمْس، مأْخوذ من قولهم عَفَت الرياحُ الآثارَ إِذا دَرَسَتْها ومَحَتْها، وكل من اسْتَحقَّ عندك عُقوبةً فتَرَكتَها فقد عَفَوْتَ عنه، وعند أبي داود وصححه الألباني من حديث عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو -رضي الله عنه- قال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَمْ نَعْفُو عَنِ الْخَادِمِ؟ فَصَمَتَ، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ الْكَلاَمَ، فَصَمَتَ، فَلَمَّا كَانَ فِي الثَّالِثَةِ قَالَ: «اعْفُوا عَنْهُ فِي كُل يَوْمٍ سَبْعِينَ مَرَّة» [أخرجه أبوداود وصححه الألباني]، فالعفو هو ترك الشيء وإزالته، وقوله تعالى: ﴿عَفَا الله عَنْكَ﴾ (التوبة: 43)، أي مَحا الله عنك هذا الأمر وغفر لك.

     والعفو يأتي أيضًا على معنى الكثرة والزيادة، فعَفوُ المالِ هو ما يَفضُل عن النَّفقة كما في قوله تعالى: ﴿وَيَسْئَلُوْنَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ (البقرة: 219)، وعَفا القوم كثرُوا وعَفا النَّبتُ والشَّعرُ وغيرُه يعني كثرَ وطال، ومنه الأَمر بإِعْفاءِ اللحَى.

     والعفوُّ سبحانه: هو الذي يحب العفو والستر، ويصفح عن الذنوب مهما كان شأنها، ويستر العيوب ولا يحب الجهر بها، يعفو عن المسيء كَرَمًا وإحسانًا، ويفتح واسع رحمته فضلًا وإنعامًا، حتى يزول اليأس من القلوب، وتتعلق في رجائها بمقلب القلوب.

 النبي صلى الله عليه وسلم يعفو:

     ما أعظم عفو وصفح الحبيب محمد-صلى الله عليه وسلم- عندما دعا قومه إلى دين الحق، والصراط المستقيم، عندما دعاهم لما يحييهم، وينقذهم من عذاب أليم، دعاهم شفقةً ورحمةً بهم، فما كان منهم إلا أن كذّبوه، واتهموه بالسحر، والكذب، والجنون، وسلطوا عليه سفهاءهم، فخرج من ثقيف حزينًا كئيبًا، لأن قومه لم يعلموا صدقه، لم يعلموا حقيقة ما يدعوهم إليه فكذبوه، ولو علموا لاهتدوا، ولكن كما قال الله -عز وجل-: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (القصص:56).

     عندما خرج منكسرًا، بعدما بقي يدعو قومه خوفًا عليهم من أن يصيبهم مثل ما أصاب الأقوام من قبلهم لما كذبوا رسلهم من العذاب والعقاب، حيث قال الواحد القهار سبحانه: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنبِهِ فَمِنْهُم مَّنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُم مَّنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُم مَّنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُم مَّنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (العنكبوت:40).

     كان خوفه -صلى الله عليه وسلم- على قومه من انتقام الجبار -جل وعلا- لتكذيبهم دعوته، يجعله يهتم أشد الهم، ولكنه سيدافع عن قومه؛ لأنهم لا يعلمون، فلما خرج من ثقيف أتاه ملك الجبال للانتقام، عن عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ-رضي الله عنه-؛ أَنَّ عَائِشَةَ –رضي الله عنها- حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللّهِ-صلى الله عليه وسلم-: يَا رَسُولَ اللّهِ، هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ، وَكَانَ أَشَدُّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلاَلٍ، فَلَمْ يُحِبْنِي إلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إلاَّ بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ - قرن المنازل - فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إنَّ اللّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، قَالَ: فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّ اللّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَأَنَا مَلَكُ الْجِبَالِ، وَقَدْ بَعَثَنِي رَبُّكَ إِلَيْكَ لِتَأْمُرَنِي بِأَمْرِكَ، فَمَا شِئْتَ؟ إنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ» فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللّهُ مِنْ أَصْلاَبِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللّهَ وَحْدَهُ، لاَ يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» [متفق عليه].

     يا له من نبي رحيم، عفو كريم، عفا عن قومه بعدما كذبوه وأدموا عقبيه، فاخضبت رجلاه من الدم- بأبي وأمي ونفسي هو-صلى الله عليه وسلم-.

     ولم يُخيَّر النبي -صلى الله عليه وسلم- بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، وفي غزوة بدر الكبرى عندما أسر المسلمون سبعين من المشركين كان رأي الله -جل وعلا- الإثخان في الأرض وقتال العدو حتى نهاية المعركة، والكف عن أخذ الأسرى قبل أن تضع الحرب أوزارها، ولم يعلم بذلك الأمر النبي -صلى الله عليه وسلم-، فاستشار الصحابة -رضوان الله عليهم- في أمر الأسارى، فاختلفت الآراء، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَلَمَّا أَسَرُوا الأُسَارَى قَالَ رَسُولُ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم- لأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ: «مَا تَرَوْنَ فِي هؤلاء الأُسَارَى؟» فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ-رضي الله عنه-: يَا نَبِيَّ اللّهِ، هُمْ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةِ، أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً، فَتَكُونُ لَنَا قُوَّةً عَلَى الْكُفَّارِ، فَعَسَى اللّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ لِلإِسْلاَمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟» قُلْتُ: لاَ، وَاللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ، مَا أَرَى الَّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ، وَلكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَّا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ، فَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنِّي مِنْ فُلاَنٍ (نَسِيبًا لِعُمَرَ) فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَإنَّ هؤلاء أَئِمَّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا، فَهَوِيَ رَسُولُ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم- مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَبُو بَكْرٍ قَاعِدَيْنِ يَبْكِيَانِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ أَخْبِرْنِي مِنْ أَيِّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ، فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ، وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «أَبْكِي لِلَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنْ أَخْذِهِمُ الْفِدَاءَ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى منْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ» (شَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ مِنْ نَبِيِّ اللّهِ -صلى الله عليه وسلم-) وَأَنْزَلَ اللّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرٰى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلًا طَيِّبًا﴾ (الأنفال: 69-67]، فَأَحَلَّ اللّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ» [أخرجه مسلم].

     فانظر إلى عفو النبي صلى الله عليه وسلم عن صناديد قريش مع كفرهم وشركهم وكراهتهم للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وما جاء به من الدين الصحيح، وهمهم بقتله يوم بدر، ومع ذلك ظهرت رحمته ورأفته وكرمه وجوده، فعفا عنهم مقابل الفدية.

     وعندما فتح مكة، فقد آذاه قومه في بداية الدعوة، واتهموه باتهامات باطلة كالكذب والسحر والجنون والشعر، ووضعوا سلا الجزور على رقبته الشريفة، ومنهم من خنقه حتى كاد يقتله، وتآمروا على قتله، لكن نجاه الله -عز وجل-، وقتلوا أصحابه، وضيقوا عليهم الخناق في مكة إبان الدعوة المحمدية الجهرية، مما اضطر الصحابة الكرام إلى الهجرة إلى الحبشة مرتين هروبًا من الظلم والجور والعذاب الواقع بهم من قبل كفار قريش بمكة المكرمة، وحدث فيها من الأحداث ما يجعل الحليم غضبان، بل ما يجعل العاقل المفكر الممعن النظر يتمنى رد الكرة عليهم ولو طال الزمان، ولكنه محمد بن عبد الله - صلوات الله وسلامه عليه - لا ينتقم لنفسه أبدًا، إلا إذا انتهكت محارم الله تعالى.

     فلما كان فتح مكة قال مقولته المشهورة: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَهُوَ آمِنٌ، فَتَفَرَّقَ النَّاسُ إِلَى دُورِهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ».

     فهرب أكثر الناس إلى المسجد الحرام، ثم دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- وطاف على بعيره حول الكعبة المشرفة، ثم دخل البيت، وكبر في نواحيه، ووحد الله ثم فتح باب الكعبة، وقريش قد ملأت المسجد صفوفًا ينتظرون اللحظة الحاسمة، فكل ينتظر قدره المحتوم، فخرج ووقف على باب الكعبة فقال: «لا إله إلا الله وحده لا شريك، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم قال: يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، قال: «فإني أقول لكم كما قال يوسف لإخوته: ﴿لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ (يوسف:92)، اذهبوا فأنتم الطلقاء.

     ولو أردنا تقصي مواقف الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم- في العفو والصفح عمن أساء إليه لاحتجنا وقتًا وجهدًا، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق، والله سبحانه الموفق.

     فلنا في رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة، وقدوة طيبة، يجب أن نحتذي بها، ونقتفي أثرها، لاسيما في العفو والغفران، والتجاوز عن الآخرين فيما إذا أساءوا لنا، وندخر ذلك ذخرًا لنا عند الله العفوِّ الغفور الرحيم، الذي تجاوز عن كثير من سيئاتنا، وأمهلنا وأمد لنا في العمر ولم يأخذنا بالتقصير والتفريط في جنبه سبحانه، فكم عصينا ربنا، وكم تمردنا على علام الغيوب، وهو يستر العيوب، ألا نغفر ونعفو نحن ونتنازل لمرضاة الله تعالى، رجاء مغفرته يوم القيامة، يوم العرض والحساب، يوم أن يحتاج العبد إلى حسنة واحدة تدخله الجنة فلا يجد، فربما وجد أثر العفو والصفح حسنات كالجبال، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنه سمع النبي -صلى الله عليه وسلم- على منبره يقول: «ارحموا تُرحموا، واغفروا يغفر الله لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون» [أخرجه أحمد، وصحح إسناده الشيخ/ أحمد شاكر رحمه الله].

 

إلى المحتويات

 

دراسات إسلاميـــــــة (2)

من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند

(الحلقة 66)

 

بقلم: الأستاذ/ سيد محبوب الرضوي الديوبندي -رحمه اللّه-

 (المتوفى 1399هـ / 1979م)

ترجمة وتعليق: محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري(*)

 

بصمات دارالعلوم، الواضحة على حياة المسلمين:

     تركت دارالعلوم ديوبند بصمات واضحة على حياة المسلمين العلمية والدينية والسياسية والثقافية عن طريق المدارس الدينية. وقام أبناؤها بخدمات مشكورة في سبيل إرشاد المسلمين في مختلف مجالات الحياة، حتى صارت أكبر مصدر لحركة نشأة المسلمين نشأة ثانية.

     وأخرجت دارالعلوم جماعة من مجاهدي الحرية وخدمة الأمة أورثوها بريقا وضياءً. وقدموا تضحيات جبارة فاعلة في إخراج البلاد من الرق وحياة العبودية ورفعها إلى مصاف الأمم الحرة. وكانوا في طليعة الذين قاموا بالخدمات المشكورة في طول البلاد وعرضها. فكان من أبنائها و خريجيها كثيرون من الخطباء المصاقع، والمؤلفين البارعين، والصحفيين والكتاب. وهل أنشأ ندوة المصنفين –تلك المؤسسة العلمية والأكاديمية إلا من نهل من منهل دارالعلوم واستقى من نميرها الفياض.

جاء في مجلة كلية الحكومة الوطنية «علم وآكهي»:

     «ليست دارالعلوم مؤسسة تعليمية قديمة للعلوم الإسلامية فحسب؛ بل هي عبارة عن حركة شامخة لإحياء الإسلام، وامتداد الملة الإسلامية. كانت دارالعلوم/ديوبند نقطة الثورة ومعهد التربية السياسية. أخرجت جماعة من مناضلي الإسلام، وناصحي الملة الإسلامية التي بكت على الملة وأبكت آخرين، قلقت واضطربت لرفع كلمة المسلمين واستعادة مجدهم الغابر وأقلقت آخرين، ضحت بنفسها في سبيل نيل الحياة السعيدة، ولقَّنت آخرين تقديم التضحيات والإيثار في هذه السبيل، عارضت جمود المسلمين العقلي، وأبطلت سحر الاستعمار البريطاني، وقاوموا القوات المستبدة آنذاك، وطردوا الخوف والهيبة من قلوب المواطنين؛ بل أضاءوا شمعة النور في خراب علي كره، وأخرجوا الناس من الأهداف الحضيضة، وأشعروهم بجد سطحية الأغراض، ونفخوا صور الثورة في البيئة التي كان يسودها تكميم الأفواه، وتُقطع الألسنة، وتُضرب على العقول الأحراسُ. وأخرجت مجموعة كبيرة من الشباب من أقذار حياة التكفف والمسألة ورفعتهم إلى مقام القيادة في سبيل تحرير البلاد. ومن الحقائق التي لاتجحد أن ما شهدته علي كره في فاتحة القرن العشرين من الوعي السياسي، يرجع فضله إلى دارالعلوم ديوبند وغيرها من الحركات السياسية الثورية. وأنصار الحرية الذين نهضوا من أرضها استقوا من مصدر دارالعلوم الفكري.

     وساهم مشايخ دارالعلوم في تحرير البلاد أكثر فأكثر، وتحملوا ما لقوا من الصعوبات في هذه السبيل، وارتقوا إلى المستوى المطلوب في كل اختبار وامتحان. ويشكل عهد شيخ الهند محمود حسن الديوبندي (1268-1339هـ/1851-1920م) فاتحة عهد المساهمة في السياسة الوطنية. واعتبر الشيخ عبيد الله السندي (1289-1363هـ/ 1872- 1944م) حياة شيخ الهند عهدًا مفردًا لحركة ولي الله الدهلوي. وقافلة العزيمة التي تهيأت بإشراف شيخ الهند محمود حسن الديوبندي -رحمه الله- ضمَّت كلًا من الشيخ عبيد الله السندي، والشيخ محمد ميان منصور الأنصاري (...-1365هـ/...-1946م)، والشيخ فضل ربي (عضو هيئة التمييز بأفغانستان)(1)، والشيخ سيف الرحمن الكابلي(2)، والشيخ محمد صادق الكراتشوي(3)، والمفتي كفايت الله الدهلوي (1292-1372هـ/ 1875-1953م)، والشيخ حسين أحمد المدني (1296-1377هـ =1879-1957م)، والشيخ أحمد علي اللاهوري(4)، وكثيرون غيرهم. ولا زالت خريجو دارالعلوم/ديوبند يوجهون الدولة والأمة في مجال السياسة في الهند إلى باكستان. والموقف الذي اتخذه أحد أشهر خريجي دارالعلوم/ ديوبند وهو الشيخ أشرف علي التهانوي من بعض القضايا، استفاد به قيادات حركة باكستان. وكان الشيخ شبير أحمد -رحمه الله- (1305-1369هـ/1887-1949م)، من قادة حركة باكستان. وحاول –بقدراته العلمية – حمل العصبة الإسلامية على الاستمرار على الهدف المتمثل في الدولة الإسلامية، ومواصلته. ثم قام القيادات الدينية الديوبندية في الهند بتوجيه المسلمين ورفع معنوياتهم في أحلك الأوضاع وأحرجها. وأخذ مشايخ هذه الحلقة في باكستان على عواتقهم مسؤولية تعمير البلاد وخدمتها بعزيمة صادقة جديدة. وقاموا بتوجيه الأمة بقدراتهم وصلاحياتهم في كافة نواحي الحياة الباكستانية.

     ولم يتخلف مشايخ دارالعلوم وخريجوها عن أحد في مجال الخدمة العلمية والأدبية. فالحاج إمداد الله(1233-1317هـ/1817-1899م)، والشيخ محمد قاسم النانوتوي(1248-1297هـ/1833-1880م) - وهما من مؤسسي هذه الدار-كانا أديبين بارعين في اللغة الأردية، ولهما أعمال علمية. وهذا شيخ الهند محمود حسن الديوبندي (1268-1339هـ/1851-1920م) من أبناء ديوبند المشهورين وقياداتها. له قلم رشيق سيال. وتعتبر ترجمته لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الأردية عملًا عبقريًا في الأدب الأردي. وعلاوة على ذلك كان العلامة أنور شاه الكشميري، والعلامة شبير أحمد العثماني، والشيخ بدر عالم الميروتي (1316-1385هـ/1898-1965م)، والشيخ سيد محمد ميان (...-1365هـ/...-1946م)، والشيخ مناظر أحسن الكيلاني(5) والشيخ حفظ الرحمن(1318-1382هـ/1901-1962م)، والشيخ سعيد أحمد الأكبر آبادي،(6) والمقرئ محمد طيب(1315- 1403هـ/1897-1983م) كتاباتهم جميعًا علمية وأكاديمية بل كانت من الكتابات الراقية في ذلك الوقت لغةً وأسلوبًا وبيانًا. وأما تاجور النجيب آبادي ومظهر الدين البجنوري(7)، وحامد الأنصاري غازي (1327-هـ/1909-...م)، وشائق أحمد العثماني(8) فهل اشتهروا في الأوساط الأدبية والشعرية إلا بمكانتهم الأدبية. وأما الشيخ أشرف علي التهانوي والشيخ حسين أحمد المدني (1296-1377هـ= 1879-1957م) – و إن لم يشتهرا بالأدب-كانا من الشخصيات العلمية الأدبية المعروفة نظرًا إلى كثرة تصانيفهما أو مكانتها العلمية والتاريخية و السياسية. وغير خاف على أحد خدماتهما. وإذا كانت دارالعلوم ندوة العلماء يحق لها أن تفتخر بالأعمال العلمية التي تمت في دارالمصنفين بأعظم كره، فإن دارالعلوم/ديوبند تستحق أن تعتز بما قام به خريجوها في ندوة المصنفين في دهلي من الأعمال العلمية والأدبية والأكاديمية، أو تسوق ما قام به أبناؤها من الأعمال العلمية والأدبية سواء في مجال العلم والأدب، أو في زاوية من زوايا مؤسسة علمية أو في مجلة أو صحيفة علمية.

     ولايخفى أن دارالعلوم مؤسسة تعليمية من الطراز القديم، تقوم بتدريس العلوم والفنون الإسلامية بأسلوب خاص، ولايحق لنا أن نقارن بين تعليمها ونتائجها وبين مؤسسة تعليمية جديدة؛ ولكن يجب أن نعترف بأن دارالعلوم تمتاز بأن خريجيها فوق معايير العقل والأخلاق والسيرة التي يمكن أن نتصورها. فهم أوسع قلبًا، وأبعد نظرًا، وأرحب صدرًا، وأكثر إخلاصًا وكفاءةً وعملًا من خريجي المدارس والمؤسسات الفكرية الأخرى. وكانوا في كل عصر ودهر أيقظَ قلبًا من علماء المدارس الفكرية الأخرى، وربما يرجع ذلك فيما يبدو– على مذاقه العرفاني- إلى المنهج التعليمي المتبع في دارالعلوم ليس جامدًا؛ بل ظل يشهد التطور والتعديل حينًا بعد حين. ولم يحجز مشايخ دارالعلوم طلابها عن مطالعة العلوم والفنون الجديدة وحرية التفكير والرأي. ووجهوهم إلى ذلك. دعوهم إلى دراسة علوم الهيئة الجديدة، والفلسفة والعلم الطبيعي والاقتصاد والسياسة والاجتماع ونحوها من المواد التي لاتدخل ضمن المقررات الدراسية. ومما ذلل هذه المشكلة أن بعض خريجيها البارزين عالجوا الموضوعات المختلفة بكل حذر، وخرجوا بتصانيف تحمل الفكر الإسلامي في جانب، وفي جانب آخر ارتقت إلى المستوى العلمي والفني الراقي. ومما يرجع إليه رحابة صدر أبناء دارالعلوم أنها لم تندب طلابها إلى أن يكونوا مجرد معلمي الكتاتيب، ولم يرضوا لهم بدناء الأهداف. أضف إلى ذلك أنهم هيأوا فرص تعلم الحرف والصنائع المختلفة للطلاب مما أعان على تذليل كثير من المشاكل المادية والمعيشية، التي تدفع المرء إلى انهيار الأخلاق والمثل إذا لم يتم معالجتها على الوجه المطلوب(9).

*  *  *

الهوامش:

(1)  فضل ربي البيشاوري (...-...)، من العلماء الصالحين، تخرج في دارالعلوم/ديوبند عام 1327هـ، ثم اشتغل بالتدريس و الإفادة في بلده، هاجر بداية الحرب العالمية الأولى إلى «ياغستان» بأمر شيخه شيخ الهند، وأخذ يعبئ الناس ضد الحكومة الإنجليزية، وقام الحاج ترنك زئي بالثورة على الإنجليز فشاركه في الحرب، وسار إلى أفغانستان عقب نهاية الثورة. و توظف في مصلحة التعليم بها وشغل  عدة مناصب حكومية بناء على كفاءاته المتنوعة. وكان عضوًا بارزًا في جمعية علماء أفغانستان، قضى معظم حياته في الأعمال العلمية والسياسية. وكان على منصب «العقيد» في الجنود الربانية التي تشكلت للحرب ضد الاستعمار البريطاني. للاستزادة منه راجع: موسوعة علماء ديوبند.

(2)  سيف الرحمن بن غلام خان البيشاوري (1277-1369هـ/ 1860-1950م)، ولد في «متهر» في منطقة «هشتنغر» من أعمال «بيشاور» باكستان، قرأ مبادئ العلوم في منطقته، ثم توجه إلى الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي لتلقي الدراسات العليا، وقرأ عليه  الصحاح الستة وتخرج عليه في الحديث ليعود إلى مسقط رأسه. ثم ولي رئاسة التدريس في مدرسة في «تونك»، ثم ولي شياخة الحديث في مدرسة الفتحوري بدهلي، ثم استقال منها وسعى سعيه مع الحاج فضل واحد واستقطب الناس بمواعظه وخطبه ضد الاستعمار البريطاني، ونفخ فيهم روح الكفاح ضده، وأبلى في ذلك بلاءً حسنًا، وكان أصله من قندهار وانتقل آباؤه إلى بيشاور، كان عالمًا متمكنًا وخطيبًا مصقعًا، وقائدًا سياسيًا محنكًا، كثير البغض للإنجليز. للاستزادة منه راجع: موسوعة علماء ديوبند.

(3)  محمد صادق بن عبد الله بن عبد الكريم بن ميا عبد اللطيف الكراتشوي (1291-1372هـ/1874-1953م)، من العلماء الأفذاذ البارزين، ولد في منطقة «كهده» في كراتشي، تلقى مبادئ العلم على والده ثم قرأ على الشيخ محمد دين الجكوالي في مدرسة مظهرالعلوم التي أسسها والده – العلوم والفنون. وفي عا1308هـ زار الشيخ عبيد الله السندي والده فأشار عليه أن يرسل ابنه – محمد صادق- إلى دارالعلوم/ديوبند، فالتحق بها عام م1311هـ/ 1894م، وتخرج فيها عام 1313هـ في الحديث على شيخ  الهند محمود حسن الديوبند، وقرأ الطب أيضًا.ثم ولي التدريس في مدرسة مظهر العلوم بكراتشي، وخلف أبوه في إدارة المدرسة، وأبلى بلاءً حسنًا في تحرير البلاد من الاستعمار البريطاني، واستولى الإنجليز في الحرب العالمية، فخرج هو وأصحابه في بلوشستان مما قطع الإمدادات التي كانت تساعد القوا ت الإنجليزية في الإيغال على الأراضي العراقية و انصرفت إلى القضاء على الفتنة الداخلية في بلوشستان. وتعرض للاعتقالات والسجن عدة مرات. وكان يشغل منصب «العقيد» في الجنود الربانية المشكلة لتحرير الهند من الاستعمار البريطاني. وكان عضوًا في المجلس الاستشاري بدارالعلوم/ ديوبند حتى انقسمت إلى دولتين. وولي رئاسة جمعية علماء باكستان عام 1948م. للاستزادة منه راجع: موسوعة علماء ديوبند.

(4)  أحمد علي  بن حبيب الله اللاهوري (1303-1381هـ/1886-1962م) ولد في قصبة «جلال آباد» من مديرية «غوجرانواله» –باكستان-، قرأ على الشيخ عبد الحق، والشيخ عبيد الله السندي، وفي عام 1917م تحول الشيخ إلى لاهور، واستوطنها، وبدأ تدريس القرآن الكريم في بعض مساجدها ثم هاجر إلى أفغانستان عام1921م، ثم عاد إلى لاهور وانصرف إلى التدريس، وكان عالي الكعب في علم التفسير فتولى التدريس في مدرسة «قاسم العلوم» حين أسست عام 1924م، وذاع صيته سريعًا فتوجه إليها الطلاب من كل صوب وحدب، ويبلغ عدد طلابه حوالي خمسة آلاف طالب استفادوا من دروسه في التفسير، ويعتبر تفسيره للقرآن الكريم من أوثق كتب التفاسير، وله نشاطات واسعة في حرب التحرير وزج به في السجن سبع مرات، توفي في لاهور في 22/فبراير. وخلف أبناء كانوا شموس الهدى واليقين وفرسان التدريس والتأليف والخدمات الدينية. للاستزادة منه راجع: موسوعة علماء ديوبند.

(5)  مَنَاظر أحسن بن الحافظ أبي الخير بن السيد محمد أحسن الكيلاني (1309-1375هـ/1892-1956م)، من العلماء العباقرة والكتاب الأفذاذ، بدأ دراسته في بيته، ثم أرسل إلى «طوك» حيث قرأ العلوم الدينية والفلسفة والمنطق على الشيخ بركات أحمد، كما استفاد من الشيخ معين الدين الأجميري، ثم التحق بدارالعلوم/ديوبند  وتخرج في الحديث على شيخ الهند محمود حسن الديوبندي والعلامة شبيرأحمد العثماني، وغيرهما، ثم انضم إلى مجلة «القاسم» حتى عام1339هـ، وولي أستاذًا للعلوم الدينية في الجامعة العثمانية بحيدرآباد عام 1920م، كما ولي رئاسة هذا القسم زمنًا طويلًا، عرف الشيخ بدقة نظره، وسعة أفقه وتضلعه من العلوم الدينية، وكتاباته الفريدة، وتقاعد من الجامعة فعاد إلى بلده واعتزل وانصرف إلى التصنيف والتأليف، كان كثير الكتابة فلم يدع مجلة وجريدة صادرة في الهند إلا كتب فيها،من آثاره: «أبوذر الغفاري» و«تذكير بسورة الكهف»(6)، و«تدوين السنة» و«تدوين القرآن»، و«الدين القيم» و«النبي الخاتم» و«الاقتصاد الإسلامي» و«تذكره شاه ولي الله الدهلوي» – ترجمة الشاه ولي الله-، و«حياة الإمام أبي حنيفة السياسية» وعشرات أمثالها. للاستزادة منه راجع: موسوعة علماء ديوبند.

(6)  سعيد أحمد الأكبر آبادي (...-1405هـ/...-1985م)، العالم الذكي، الشهير، من خريجي دارالعلوم/ديوبند، من مؤسسي ندوة المصنفين في دهلي، ظل مديرًا لجريدتها المسماة بـ«برهان.سعد» بعضوية المجلس الاستشاري بدارالعلوم/ديوبند، ولي نظارة قسم الدراسات الدينية في جامعة المسلمين في علي كره، ثم ارتقى إلى رئاسته حتى تقاعد من الجامعة. مرض وانتقل إلى كراتشي، وبها توفي. من أعماله: صديق أكبر، وفهم قرآن، وعثمان ذوالنورين، وغلامان إسلام. وهي أعمال شهيرة غنية بالمواد في موضوعها الذي تناولته. للاستزادة منه راجع: موسوعة علماء ديوبند.

(7)  مظهر الدين الشيركوتي  (...-1358-هـ/...-1938م)، من العلماء الكتاب والخطباء البارزين، ولد في «شيركوت» من أعمال بجنور بالهند، تخرج في دارالعلوم/ديوبند عام 1326هـ، ثم أصدر عدة جرائد وصحف، منها «الأمان» و «الوحدة» في دهلي، وجريدة «مدينه» في بجنور. نشط إبان حركة الخلافة بهمة عالية، وكان من الأنصار  المتحمسين للعصبة الإسلامية، وولي التدريس في دارالإرشاد في « كالكوته»، إدارة «البلاغ». من آثاره: عدة روايات تاريخية لقيت قبولًا واسعًا. للاستزادة منه راجع: موسوعة علماء ديوبند.

(8)  شائق أحمد العثماني الكراتشوي (1311-...هـ/1893-...م)، من العلماء والكتاب والصحفيين البارزين، ولد في «باغلبور» بولاية «بيهار» الهند، توفي أبوه وهو ابن سنتين ونصف، قرأ الأردية والفارسية والإنجلزية، ثم التحق بدارالعلوم/ديوبند، وتخرج في العلوم الإسلامية على أساتذتها البارزين أمثال شيخ الهند محمود حسن الديوبندي، والعلامة أنورشاه الكشميري. ثم لازم الشيخ عبيد الله السندي أربع سنوات وتخرج عليه في الحقائق القرآنية العليا، نشط في سياسة البلاد، وقضى سنة في السجن عام 1922م. وأنشأ جريدته «عصرجديد» من كالكوتا، واستمرت قرابة ثلاثين سنة. وانقسمت الهند بين دولتين، فهاجر إلى كراتشي، باكستان، وأنشأ بعض الجرائد. وكف بصره عام 1963م. له «تفسير بعض سور القرآن الكريم»، ورواية بعنوان «ليلى»، وملفات لجريدة «عصرجديد» فيها عصارة فكره وجهوده أعوامًا طوالًا، يقول العلامة شبير أحمد العثماني عن هذه الملفات: «إنها ليست ملفات جريدة من الجرائد، وإنما أعتبرها مؤسسة دعوية».

(9)  مجلة «علم وآكهي» الصادرة في كراتشي، العدد الخاص،74-1973م، ترتيب: أبوسليمان، الناشر: كلية الحكومة الوطنية، كراتشي، ص 71-73.

-------------------------

(*)   أستاذ التفسير واللغة العربية وآدابها بالجامعة.

*  *  *

إلى المحتويات

 

دراسات اسلامية (3)

خُطُورَةُ الرياء وحقيقتُه وعلاماتُه وطريقُ معالَجَتِه

 

                                                                      بقلم:   الأستاذ عبد الرؤوف خـان الغزنوي الأفغاني(*)

 

     إن من المآثم الخَطِرة التي تتسرّب في القلوب وتستهدِف الأعمالَ الصالحةَ فتجعلها هباءً منثورًا، معصيةَ الرياء، وهي معصية تدخل أفئدةَ كثير من الناس الخاصّةِ منهم والعامّة من منافذَ خفيّة فلايفطنون لها، وقلّما ينجو من آثارها الخبيثة أحدٌ إلاّ من عصمه الله.

     ومن ميزات هٰذه المعصية أنها تعتري العُبَّادَ والزُّهَّادَ وأصحابَ الخير وأهلَ العلم أكثر من اعترائها عامّةَ المسلمين؛ فإن حقيقةَ الرّياء طلبُ المنزلة في قلوب الناس عن طريق القيام بالعبادات وخصال الخير، فيهتمّ المرائي بالعبادات والأعمال الصالحة المتنوّعة؛ لكي يُطْلِق الناسُ ألسنَتَهم بمدحه والثناء عليه، وينظروا إليه بعين ملؤها التوقير والاحترام، ويتبرّكوا بمشاهدته ولقائه، ويرغبوا في دعائه لهم بالبركة في الأموال والأولاد وبالفوز في الدارين، ويقوموا بإكرامه في المحافل والتجمّعات، ويولّوه الرئاسةَ في الحَفَلات والمناسبات.ثمّ يتيسّر له من وراء احتلاله تلك المكانةَ العاليةَ في أعين الناس الوصولُ إلى ما يخفيه من الأغراض الدنيويّة، فيقوم الناس بتقديم الهدايا الثمينة إليه، ويدعونه إلى مآدِبَ شهيّةٍ، ويتمنّى معتقدوه ومحبّوه من البلاد البعيدة أن يسافر إلى بلادهم؛ لكي يستفيدوا من فيوضه وعلومه، فيرسلون إليه تذكرةَ السفر الجوّي، ويُعِدّون له التسهيلات الأخرى، ثمّ يزوِّدونه عند الرجوع بالهدايا الغالية من النقود والأمتعة الثمينة.

     وإذا كسَبَ المرائي إعجابَ الناس به، ولاقىٰ إقبالًا ورَوَاجًا بينهم، فمن هنا يتطرّق الشيطان إلى قلبه ويزيّن له أعمالَه قائلًا: تمسَّكْ بهذه العبادات والأعمال الصالحة بمحضر من الناس؛ ليشاهدوك ويعتقدوا فيك الخيرَ والبركةَ أكثرَ فأكثرَ، ويزيدوك توقيرًا واحترامًا، ويزيدوا من كمّيّة الهدايا التي يقدّمونها إليك، ويوفّروا لك ما تريده من متاع الدنيا، فيغترّ المرائي بذلك ويرتكب هٰذا الشركَ الخفي بالاستمرار، فيُضَيِّع بذلك كلَّ ما يعمله من الصالحات – والعياذ بالله-، ويغفل عن إصلاح نفسه، ولذلك قال أصحابُ التزكية والإحسان «آخر ما يخرج من رؤوس الصدّيقين حبُّ الرئاسة والرياء».

     ومن خطورة الرياء أن الله سبحانه وتعالىٰ قد عبّر عنه في كتابه الكريم بالإشراك بعبادته قائلًا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰلِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (الكهف:110) وقد فسّر ابنُ كثير وغيرُه من المفسّرين الإشراكَ في هذه الآية بالرياء، وروَوْا عن طاوس ومجاهد وغيرهما أن هٰذه الآية نزلت في الرياء، وكذلك من خطورته أن الله سبحانه وتعالىٰ قد عدّه من سِمَات المنافقين قائلًا: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلىٰ الصَّلوٰةِ قَامُوا كُسَالىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (النساء:142)، وأوعَدَ المصلين المرائين بالوَيل فقال: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُـــــــرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (الماعون:4-7).

     وعن محمود بن لبيد -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن أخوَفَ ما أخاف عليكم الشركُ الأصغرُ، قالوا يا رسول الله، وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء» (رواه أحمد في مسنده). وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: خرج علينا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن نتذاكر المسيحَ الدجّال فقال: ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجّال؟ فقلنا: بلىٰ يا رسول الله، قال: «الشرك الخفيُّ أن يقوم الرجل فيصلي فيزيد صلاتَه لِـما يرىٰ من نظر رجل» (رواه ابن ماجه).

علامات الرياء

     هناك علامات للرياء يُعرَفُ بها، فينبغي لكل مسلم أن يتفقَّدَ أحوالَ نفسه ويتابعَها، فإن وجد فيها علامةً من تلك العلامات فعليه أن يتوبَ إلى الله ويقومَ بإصلاح نفسه، وسنذكر بتوفيق الله عزّ وجلّ فيما يلي عددًا من تلك العلامات على سبيل الأنموذج:

العلامة الأولى

     إن إذا صلى المرء بمعزل عن الناس خفَّفَ من صلاته، فلايُعدِّل الأركان ولايهتمّ بآداب الصلاة وسُنَنها ولا بالخشوع فيها، وأما إذا كان يصلّي بمراٰى من الناس فيُطِيلها ويهتمّ بالسنن والآداب وتعديل الأركان ويتظاهر بالخشوع والخضـوع، فهٰذه علامـة على أنه مصاب بمعصية الرياء – والعياذ بالله-.

العلامة الثانية

     يصوم صيامَ التطوّع فيرغب أن لايبقىٰ صومُه في الخَفَاء، فيُظْهِر هيئةَ الصائمين بشكلٍ أو بآخر أمامَ الناس في النهار، فإذا أتىٰ وقت الإفطار اجتهد في أن يُفطِر أمامَهم ليعلموا أنه رجل يصوم صيامَ التطوّع فيمدحوه ويُكرِموه ويحترموه.

العلامة الثالثة

     إذا كانتْ لديه أموال فهو ينفق منها في سُبُل الخير مثل تعمير المساجد والمدارس الدينيّة وسدِّ حاجات الفقراء والمساكين وما إلى ذلك من وجوه الخير؛ ولٰكنّه يخفي وراءَ جميع تلك الأعمال إراءةَ الناس ويجتهد في أن يُطْلِعَهم عليها؛ فأحيانًا يشترط على من يتولَّى مسؤوليّةَ شؤون المسجد أو المدرسة أن يُعْلِن باسمه أو يكتبه في لوحةٍ فيُرَكِّبها في الجهة الأَمَاميّة للعمارة، وأحيانًا يجتهد في نشر خبر إنفاقه في الصحف والجرائد ووسائل الإعلام الأخرىٰ مع نشر صورته مُعْطِيًا فقيرًا أو مؤسَّسَةً خيريةً شيكًا مصرفيًّا أو متاعًا أو نقودًا، يفعل كلَّ ذلك لا لأجل أن يقتدي به الناس في الإنفاق؛ بل ليكتسبَ سُمْعةً طيّبةً ويُحْرِزَ شهرةً واسعةً بين الناس فيقولوا: إنه رجل جواد كريم.

العلامة الرابعة

     إذا كان شخصيّةً بارزةً في العلوم الدينية يرجع إليه الطلاب للاستفادة، فيدرِّسهم تلك العلومَ، ويقوم بتربيتهم تربيةً إسلاميّةً، أو يكون شيخًا ومرشدًا يبايعه الناس خاصَّتُهم وعامَّتُهم على التمسك بالأعمال الصالحة واجتناب المعاصي، ويتلقَّون منه التعليمات في التزكية والإحسان، فإضاعةُ أعمال مثل هاتَين الشخصيَّتَين وأمثالهما بإيقاعهم في حُفْرة الرياء تكون هَدَفًا أساسيًّا للشيطان، فعليهم أن يستعرضوا أحوالَ أنفسهم ويقوموا بفحص قلوبهم؛ فإن تبيّن لهم أنهم إذا كانوا أَمَامَ طلاّبهم أوأَمَامَ مُرِيديهم ومحبّيهم فهم يهتمّون بالأعمال الصالحة وسنن النبي -صلى الله عليه وسلم- والآداب الإسلامية، ويجتهدون في اجتناب الآثام صغارِها وكبارِها، ويبكون (أويتباكون) عند ذكر أحوال الموت والقبر ومنازل الآخرة، ويُظهِرون هيئةَ الزُّهّاد والعُبَّاد، وأما إذا كانوا في الخلوة حيث لايعلم أحوالَهم أحدٌ إلا العليم بذات الصدور الذي لايخفىٰ عليه مثقالُ ذرّة في الأرض ولا في السماء، فلايهتمّون بالأعمال الصالحة ذاك الاهتمامَ، ولايجتنبون المعاصيَ ذاك الاجتنابَ، ولايذكرون الآخرةَ ومنازلَـها فيبكون ذاك البُكاءَ، فهٰذه علامة الرياء يجب عليهم أن يكونوا على حَذَرٍ منه.

صُوَرٌ من معالَـجَة الرياء

     نذكر فيما يلي بتوفيق الله – عزّ وجلّ- صُوَرًا من معالجة الرياء رجاء أن ينتفع بها من يحذر الوقوعَ في هٰذه المعصية الخفيّة الخَطِرة:

الصورة الأولىٰ

     على الذي يحثُّه الشيطان على ارتكاب الرياء أن يفكّر في تقصيراته ونقائصه التي أخفاها الله تعالىٰ وجَعَلها وراءَ السِّتار، وهو يرغب أن تبقىٰ تلك التقصيرات هٰكذا وراءَ الستار في هٰذه الدنيا ويومَ القيامة، وأن يفكّر في أن الرّياء قد يؤدّي به إلى سَخَط الله، فيُذِلّه في الدنيا والآخرة بإزاحة الستار عنها، وقدروى الإمامُ مسلمٌ –رحمه الله- في صحيحه بسنده عن جندب بن عبد الله بن سفيان –رضي الله عنه– قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من سمَّع سمَّع الله به، ومن راءٰى رَاءٰى الله به» (متفق عليه).

     فلو أَزاحَ اللهُ السِّتَارَ عن تقصيراته في هٰذه الدنيا أو فى الآخرة وأَظْهَرَ سريرتَه على رؤوس الخلائق فأينَ تذهب كرامتُه وشَرَفُه؟ وأين يكون مفرُّه من المَذَلّة ومن عذاب الله؟.

الصورة الثانية

     عليه أن يفكّر بالاستمرار في الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة التي وردَتْ في ذمّ الرياء، ومنها: حديث أبي هريرة الآتي الذي له أثرٌ ملموسٌ في إزالة الرياء من القلوب:

     «عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسولَ الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: إن أوّلَ الناس يُقضىٰ يومَ القيامة عليه، رجلٌ اسْتُشْهِدَ فأُتِيَ به، فعرَّفَه نعمتَه، فعَرَفها، قال: فماعملتَ فيها؟ قال: قاتلتُ فيكَ حتى استُشْهِدتُ، قال: كذبتَ، ولكنّك قاتلتَ لأن يقال: جريء، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فسُحِب على وجهه حتى أُلقِيَ في النار. ورجلٌ تعلَّمَ العلمَ وعلَّمه، وقرأ القرآنَ، فأُتِيَ به، فعرَّفَه نِعَمَه فعَرَفَها، قال: فما علمتَ فيها؟ قال: تعلّمتُ العلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيك القرآنَ، قال: كذبتَ، ولكنّك تعلّمتَ ليقال: عالمٌ، وقرأتَ القرآنَ ليقال: قارئٌ، فقد قيل، ثم أُمِرَ به فسُحِب على وجهه حتى أُلقِيَ في النار. ورجلٌ وسّع الله عليه، وأعطاه من أصناف المال، فأُتِيَ به، فعرَّفَه نِعَمَه فعَرَفَها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيل تحبّ أن يُنْفَقَ فيها إلّا أنفقتُ فيها لك، قال: كذبتَ، ولكنّك فعلتَ ليقال: جَوَادٌ، فقد قيل، ثمّ أُمِرَ به، فسُحِب على وجهه حتى أُلْقِيَ في النار» (رواه مسلم).

الصورة الثالثة

     إن كان الرجل المسلم بحيث إذا كان بمحضر من الناس فهو يهتمّ بالأعمال الصالحة، ويأمر بالمعروف وينهىٰ عن المنكر، ويبكي أو يتباكىٰ؛ ليُرِيَهم أنه رجلٌ تقيٌّ وورِعٌ، وأما إذا كان وحدَه فلا اهتمامَ بالأعمال ولاتقوىٰ ولاوَرَعَ ولا بكاءَ، فعليه أن يفكّر في أن الله لايخفى عليه شيءٌ، وهو يعلم أن هٰذا الرجل ما عَمِل لِـوجه الله؛ بل عَمِل للناس؛ ليعترفوا بأنه من عباد الله المقرّبين، فسوف يعذّبه يومَ لاينفع مال ولابنون، ولاتُنجيه الشهرةُ الدنيويّة ولا المكانةُ الفائقةُ المُصْطَنَعة التي كان يحتلّها في أعين الناس في الدنيا من معاقَبَة الله وتنكيله يوم القيامة، وقد ورد في حديث صحيح عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- قال «سمعت رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «يُجاءُ برجل فيُطْرَح في النار فيُطحَن فيها كطحن الحمار برَحاه فيُطيف به أهلُ النار، فيقولون: أي فلان، ألستَ كنتَ تأمر بالمعروف وتنهىٰ عن المنكر؟ فيقول: إني كنت آمرُ بالمعروف ولا أفعله، وأنهىٰ عن المنكر وأفعله» (رواه البخاريّ في صحيحه في كتاب الفِتن:2/1052).

الصورة الرابعة

     من صور معالجة الرياء مصاحبةُ أهل التقوىٰ والتربية بالطريق المباشر إذا تيسّرتْ، أو عن طريق الاستماع إلى محاضراتهم القيّمة التربويّة المحفوظة في الآلات الجديدة، أو عن طريق المراجَعَة إلى مؤلَّفاتهم الإصلاحيّة ومطالَعَتها مثل مؤلَّفات الإمام الهمام أبي حامد الغزالي وحكيم الأمّة سماحة الشيخ/ أشرف علي التهانوي وأمثالهما من سلفنا الصالحين – رحمهم الله تعالىٰ-.

     وإليك قصَّةً مُدْهِشةً من قصص شيخ الهند/محمود الحسن الديوبندي رئيس هيئة التدريس سابقًا بالجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند، الهند (المتوفى عام 1339هـ) –رحمه الله-، تتعلّق بتجنّبه الرياءَ وشوائبَه، بعد نقلها من الأردية إلى العربيّة من كتاب فضيلة الشيخ/محمد تقي العثماني – حفظه الله وبَارَك في صحته وحياته- «كيف كان عظماءُ ديوبند؟»:

     «كان حكيم الأمة الشيخ/أشرف علي التهانوي (المتوفى عام 1362هـ) –رحمه الله- في زمن شبابه مدرّسًا في «جامع العلوم بكانفور» فدعا شيخَه محمود الحسن الديوبندي للمشاركة في حفلة من حفلات المدرسة وإلقاء المحاضرة فيها. الجدير بالذكر أن بعض أهل العلم من بلدة «كانفور» كانت لديهم مهارةٌ في العلوم العقلية المتداوَلَة وإلمامٌ بها، وأمّا علماء جامعة ديوبند الإسلاميّة فكان جُلُّ اهتمامهم بالعلوم النقليّة من علوم الكتاب والسنة والفقه والعقيدة وما يتعلق بها، فتردَّدَ على ألسنة علماء «كانفور» أن علماء «ديوبند» ليست لديهم ضَلاَعةٌ في العلوم العقلية المتداوَلَة، فكان فضيلةُ الشيخ: أشرف علي التهانوي يودّ ويرغب في أن تنكشف الحقيقة لعلماء «كانفور» من أن علماء «ديوبند» كما أنهم ذَوُوْا مهارة في العلوم النقلية كذلك لديهم جَدَارةٌ فائقةٌ في العلوم العقلية، فلمّا انعقدتْ الحفلةُ وجاء دور محاضرة شيخ الهند/محمود الحسن الديوبندي بدأ يلقي محاضرتَه الإصلاحيّةَ على الحضور، وفي أثناء المحاضرة تناول مسألةً من مسائل العلوم العقلية ذات العلاقة بالموضوع دون تحضيرها المُسْبَق فأصبح يلقي الضَوءَ عليها، ويبيّن بأسلوبه العلمي الدقيق الممتاز جوانبَها المختلفة، ويأتي بنُكْتَةٍ علميّةٍ فوق نُكْتةٍ، فبينما هو كذٰلك إذ حضر عددٌ من علماء «كانفور» للمشاركة في الحفلة، فَسُرَّ بذلك حكيمُ الأمة الشيخ/أشرف علي التهانوي في نفسه؛ حيث كان يودّ أن تنكشفَ الحقيقةُ لهم ويزولَ سوءُ الظن بعلماء «ديوبند» عنهم؛ ولكن شيخ الهند لما رآى أولئك العلماءَ أوجز محاضَرَتَه العلميّةَ الدقيقةَ فأَنْهاهَا بسرعة وجَلَس، وكان الشيخ/فخر الحسن الكنكوهي متواجدًا في الحفلة ويتابِعُ محاضرتَه الفائقةَ ويستفيد منها، فسأله متعجِّبًا: يا سماحة الشيخ، لِماذا أنهيتَ المحاضَرةَ فجأةً وقدجاء أوانُها الأساسيّ بوصول علماء «كانفور» إلى الحفلة؟ فأجاب شيخ الهند – رحمه الله-: نعم، وقد خَطَرتْ ببالي أيضًا تلك الفكرةُ، فَأَوْجَزْتُ الحديثَ وقلتُ في نفسي: إن المحاضرةَ كانت تلقىٰ لِوجه الله من البداية، وأمّا الآن فقد أصبحتْ تخالطها شائبةٌ من المراءاة فلاخير فيها (كيف كان عظماء ديوبند؟ ص:20-21).

لاينبغي للإنسان أن يترك العملَ الصالحَ

مخافةَ الرياء إذا لم يقصده

     إذا كان الإنسان مخلِصًا في أعماله الصالحة، ولايهتمّ بها إلاّ لوجه الله، ثمّ اطّلع الناس على تلك الأعمال أو شاهدوها، فبدأوا يمدحونه ويحترمونه وهو لايريد بأعماله إراءَتَهم ولايرغب من ورائها في مدحهم واحترامهم، فهذا ليس برياء ولايُترَك لأجله العملُ الصالح، فإن بَدَأَ الشيطان يوسوس في صدره ويسوّل له أنه قد ضاع عملُه ولم يبق له أجر؛ حيث اطّلع عليه الناس أو شاهدوه، فليعلم أن هٰذه مكيدة من مكايد الشيطان يريد من ورائها منعَه عن الطاعات والأعمال الصالحة، فلايَتْرُك العملَ ولايبالِ بالشيطان وليستمرّ في ماكان يفعله خالصًا لِوجه الله الكريم، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كنت أصلّي فدخل عليّ رجلٌ فأعجبني ذلك، فذكرتُه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: كُتِبَ لك أجران أجرُ السِّرِّ وأجرُ العلانية» (ذكره ابن كثير في تفسير ســورة الماعــون مشيرًا إلى مسند أبي يعلى الموصلي)، وعــن أبي ذرّ -رضي الله عنه- قال: «قيل لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- أرأيتَ الرجلَ يعمل العملَ من الخير ويحمده الناس عليه، وفي رواية ويحبّه الناس عليه، قال: تلك عاجلُ بشرىٰ المؤمن» (رواه مسلم في صحيحه:2/232).

     وكذلك إذا كان الإنسان مخلِصًا في عمله لايريد به إلاّ وجهَ الله، ويُظْهِره أحيانًا ترغيبًا للآخرين وتحريضًا لهم على المساهَمَة فيه؛ لكي يحصلوا على الأجر عند الله، ولكي يتفشّٰى ويُرَوَّجَ ذاك العملُ الصالح في عامّة الناس، فهذا أيضًا لايُعَدُّ رياء، ولذلك قد أثنى الله سبحانه وتعالىٰ على التصدّق في العلانية كما أثنى عليه في السّرِّ قائلًا: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقٰتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة:271).

     وكذلك كل عمل لايمكن إخفاؤه كالذهابِ إلى المسجد مبَكِّرًا لأداء الصَّلَوات الخمس والجمعة، والخروج للجهاد ولأداء الحج والعمرة، فإظهاره تشويقًا للآخرين ليس محظورًا بشرط أن تكون نيةُ العامل خالصةً لـلّٰه ونقيَّةً من شوائب الرياء.

الاحتراز من إساءة الظنّ بشخص معيّن ورميه بالرياء

     وليُعْلَم أن مكايدَ الشيطان متنوّعة، ودسائسَه مختلفة يخدع بها كلَّ إنسان حسب حاله، فيُوْقِع البعضَ في معصية الرياء؛ ليُضيع به عملَه، ويُزيِّن للآخر إساءَةَ الظن بالصالحين ورمْيَهم بالرياء بدون دليل، فكما يجب على المسلم أن يكون على حذرٍ من الرياء، كذلك يجب عليه أن يحترز من إساءة الظن بأخيه إذا لم يكن لديه دليلٌ واضح أو علامةٌ جليّةٌ؛ فإن المسلم مأمور باجتنابه كثيرًا من الظن، يقول الله سبحانه وتعالىٰ: ﴿يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (الحجرات:12)، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إياكم والظنَّ فإن الظنَّ أكذب الحديث» (متفق عليه).

--------------------

(*)   أستاذ سابقًا بالجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند- الهند

     وأستاذ حاليًّا بجامعة العلوم الإسلامية كراتشي- باكستان

 

إلى المحتويات

 

دراسات إسلامية (4)

تأمـــلاتٌ وَ وقفاتٌ

 

بقلم:  الدكتور محمد بن عبد الله الهبدان

 

     لقد كثرتْ في هَذَا الزمانِ الفتنُ وتكاثرتِ المحنُ، وتنوعتِ الأساليبُ الماكرةُ، والحيلُ الفاجرةُ التي تصدُّ المسلمَ عن دينِه وتجعلهُ ينكصُ على عقِبيهِ عياذًا باللهِ من ذلكَ، ومن تلكَ الفِتن التي عظُمَ فيها الخطبُ واشتدَّ فيها الكربُ، وسائلُ الإعلامِ؛ مقروءةً كانتْ أو مرئيةً، تلك الفتنةُ التي عكفَ عليها الكثيرونَ، وانفتن بها آخرونَ، فأصبحتْ حديثَ مجالسِهم، وأنيسَ وحدتِهم، ومصدَرَ عِلمهم، لا همَّ لهمْ إلا تقليبُ صَفحَاتِها، والنظرُ في أخبارِها، ولا ضيرَ في ذلك.. نعم لا ضيرَ! إذا كانت تلكَ المجلاتُ و الصحفُ التي تقلِّبها ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشِّمالِ وسائلَ فعّالةً في ترسيخِ بناءِ العقيدةِ في القُلوبِ، وتربيةِ النفوسِ، وتبصيرِ الناسِ معالمَ  دينهم وأمورَ دُيناهم، لا ضيرَ لو كانتْ تكتُبُ عن الغزوِ الفكريِّ وأهدافِهِ الخفيَّةِ التي يُرادُ منها صَرفُ الأمةِ عن دينها.. لا ضيرَ لو كانتْ تكتُبُ عن الفسادِ الأخلاقيِّ في الغربِ الكافرِ وما يجرُّه على الناسِ من آثارٍ سيئةٍ في حياتهم.. لا ضَيرَ لو كانتْ تكتبُ عن الرِّبا، وكيف يحدثُ الظلمُ الاقتصاديُّ والاجتماعيُّ عن إدارةِ المالِ بطريقِ الرِّبا.. لا ضيرَ لو كانت تكتبُ عن كشفِ المؤامراتِ التي يرادُ منها القضاءُ على الإسلام وأهلهِ.. إنَّها لو كانت بهذه المثابةِ لكان فيها من النَّفع ما لا يخطرُ على بالٍ ولتغيَّرَ الحالُ وتبدَّل المقالُ ولكُنَّا على أجملِ حالٍ(1)، ولكنْ يا حسرةً على العبادِ فإنَّ الناظرَ في أحوالِ بعضِ الصُّحفِ والمجلاتِ التي تباعُ في أسواقِنا، يجدُ فيها ما يندى لهُ القلبُ وتحزنُ له النفسُ، و تتفطرُ له الكبدُ، عن ماذا أتحدَّث وماذا أدعُ؟ وماذا أخذُ وماذا أتركُ؟ من الغُثاء الذي تُطالعنا به تلكَ الصُّحفُ والمجلاتُ.. هل أتكلَّم عن سُخفهم وضَلالاتهم.. أم أتكلَّم عن الإباحيةِ.. أم عن السخريةِ والاستهزاءِ.. أم عنِ الشركِ والكفرِ باللهِ عزَّ وجلَّ.. أم عن تِلكَ الفتاوَى التي يصدُرُها من لا خلاقَ لهُ من الفنانينَ وأذنابِهم..

     دعني يا أُخيَّ أسمعكَ طرفًا من كلامهم حتَّى تعلمَ خُطورةَ الأمرِ وهولَ الكارثةِ وفداحة المُصيبةِ:

     ففي مجلة زينة عددِ (82) تقولُ إحدى الكاتِبات: (أنا لا أعتقدُ بالحسدِ رغمَ أنَّ المجتمعَ من حولِكَ يُرغمكَ على الاعترافِ بِوجوده، ومعَ ذلكَ (قبلَ افتتاحَ مَعرضي طلبتُ من التلاميذِ أن ينحروا لي وأنْ يتصدَّقوا بخروفٍ خوفًا من الحسَدِ) فهذه الضالةُ لا تعترفُ بالقرآنِ ولكنها تُسايرُ المجتمعَ كما تقولُ وإلا فالقُرآن يُثبتُ هذه الحقيقةَ ﴿ومن شرِّ حاسدٍ إذا حَسَدَ﴾ أضفْ إلى ذلكَ الذبح لغيرِ اللهِ وقد جاءَ في الحديثِ: (لعنَ اللهُ من ذبحَ لغيرِ اللهِ) وفي مجلةِ نصفِ الدُّنيا عددِ (112) تقولُ فيها الكاتبةُ (نشأتُ في بلدٍ يتعانقُ فيهِ الإسلامُ والمسيحيةُ، ويتفقُ الناسُ على ألايختلِفوا على وُجودِ اللهِ) فيا للهِ – للمسلمينَ - من هذا الكلامِ فهل كان أبوجهلٍ وغيرهُ من صناديد قريشٍ ينكرونَ وجودَ اللهِ! فما الفرقُ بينهمْ وبينَ هؤلاءِ؟!

     وفي مجلةِ المختلفِ عددِ (12) قالوا: (لعنةٌ.. يا كُلَّ مخلوقٍ يموتُ بداخلِه خالقُ!!!) فأي إلحادٍ بعدَ هذا فما أحلمَ اللهَ. وفي ملحقِ جريدةِ الرياضِ الثقافي في تاريخِ 10/1/1419هـ جاءَ وصفٌ لنبيِّ اللهِ نوحٍ عليهِ السلام ومن معه بأنهم أُناسٌ جبناءُ فيقولُ: (هاهم الجبناءُ بفرون نحوَ السفينة..) وبدأ يُمجِّد ابنَ نوحٍ الكافرَ الذي أبى أن يَركبَ مع والدهِ واعتبرَ ذلك تضحيةً كُبرى من أجلِ الوطنِ الغالي!!

وفي مجلةِ المجالسِ عددِ (1056) قالوا فيها (عَلينا أن نحتكمَ إلى العَقِل دائمًا فهوَ السَّيِّد المنتصِرُ) والله يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:65]

     وفي جريدةِ الحياة عددِ (10742) فتاوى لمِثلِ هؤلاءِ تقولُ فاتِن حمامة ردا على سؤالٍ عن توبةِ الممثلاتِ: (الفنُّ مِشْ حرامْ وعُمْرُه ما كان حَرام!!؟) وفي مجلةِ فيديو 2000 عددِ (61) تُسأل راقصةٌ عن الغناءِ فتقولُ: (الغناءُ في الملاهي الليليةِ ليسَ عَيبا!!) اللهُ أكبرُ إذًا ما هو العَيبُ؟ ومَا الحَرام؟

وفي مجلةِ روز اليوسف عددِ (3326) تقولُ مفتيةُ العصر د. ثُريا مرغَنِي: (الدينُ للهِ والوطنُ للجميعِ شعارٌ إسلاميٌّ!!) وتقولُ: (لا مَانعَ من الاختلاطِ تحتَ سِتارِ الشَّرعِ؛ لأن عائشةَ عندما كَانتْ تُعلِّمَ الرِّجالَ تختلطُ بهمْ طَبعًا) وتقولُ: (حفلاتُ الجامعةِ المختلطةِ لا غُبارَ عَليها!!) فرحمَ اللهُ العِلمَ وأهلَهُ!

     وفي جريدةِ عكاظ عددِ (7813) يقولُ أحدُ الُكُتَّابِ فيها: (من شِدَّةِ احترامي لأوتارِ الكمانِ آمنتُ بتعدُّدِ الزَّوجاتِ) وفي مجلةِ زهرةِ الخليجِ عددُ (710) قالوا (تَعالي نُغامِر سويا في هذه الدُّنيا.. نتحدّى ظُلمَ القدرِ لنا) وقَالوا: (المرأةُ مظلومةٌ في كُلِّ الأحوالِ) واللهُ تعالى يقولُ: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء:40] فمن نُصدِّقُ؟

     وفي مجلة نصفِ الدُّنيا عددِ (112) قالوا: (عَفوا..صداقةُ الرجالِ أفضلُ!!) يعني للنِّساء.

     وفي جريدةِ الهدفِ عددِ (1246) قالوا: (غِيرةُ الرجلِ تعرقلُ تقدمَ المَرأة..)

     وفي جريدةِ الشرقِ الأوسطِ عددِ (5104) قالُوا (حِلاقةُ الذقنِ سلوكٌ حضاريٌّ) مع أنَّ الرسولَ -صلى الله عليه وسلم- يقولُ: (خَالِفُوا المشركينَ أعفُو اللِّحَى..(2) فمن نطيعُ؟!

     ولم يبقَ من مشاكلِ الأُمَّةِ إلا ما نشرتهُ جريدةُ الرياضيةُ عددِ 16/3/1413هـ قالوا (تُراسلُني وتُراسِلهُ فهلْ أُحبُّها؟!)

     وفي مجلةِ اليمامةِ عددِ (1234) واستمِع إلى ركاكةِ الألفاظِ وتحطيمِ عقيدةِ الولاءِ والبراءِ (اتفَقَ جميعُنا مع اللبنانيِّين على حُبِّ فيروزَ؛ لأنَّنا كأناسٍ نحبُّ البساطَةَ وكلَّ ما يَصِلنا بالإنسانيةِ ويعبرُ عنَها!!

     وفي مجلةِ كلِّ الناس عددِ (172) قالوا (الزواجُ عبءٌ رهيبٌ وكارثةٌ اقتصاديةٌ) هكذا يقولونَ. أما صداقةُ النساء للرجالِ فهي أفضلُ.. قاتلهمُ اللهُ أنى يؤفكونَ؟!.

     و أخيرًا هل اكتفوا بذلك؟ كلا؛ فما تخلو مجلةٌ من المجلاتِ أو جريدةٌ وإلا ويعرضُ فيها صورًا للنساءِ الساقطاتِ من الممثلاتِ والمغنياتِ والراقصاتِ، ويتمُّ العرضُ بأبهى الصُّورِ وأكثرِها إثارةً وفتنةً. أضف إلى ذلك تتبع أخبارِ الساقطاتِ على أنهنَّ قدواتٌ لغيرهنَّ من النساءِ، ممَّا يثيرُ في النفوسِ الخاويةِ الرغبة في تقليدهنَّ في اللباسِ والزينةِ وأسلوبِ الحياةِ، وقد حصلَ بالفعلِ من بعضِ نسائِنا ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلا باللهِ. قال العلامَّةُ ابنُ عثيمينَ في خطبِتِه الشهيرةِ: (..أقسمُ باللهِ في هذا المكانِ وأنتم تشهدونَ، واللهُ من فوقِنا شهيدٌ على ما أقولُ وعلى ما تسمعونَ، وجدتُ هذه المجلاتِ هدامةً للأخلاقِ مفسدةً للأمةِ لا يشكُ عاقلٌ فاحصٌ ماذا يُريدهُ مروجوها بمجتمعٍ إسلاميٍّ محافظٍ، وجدتُ النظرَ شرًا منَ المَسمَعِ..)(3).

     هذا غيضٌ من فيضٍ من قاذوراتِ الصحفِ والمجلاتِ وعفنِها ونتنِها التي صمَّتِ الأذانَ وأعمتِ العُيونَ والهدفُ من ذلكَ واضحٌ وضوحَ الشمسِ في رابعةِ النهارِ فحينَ تُعرضُ مثلُ تلكَ الأقوالِ وهاتيكَ القصصِ والأشعارِ الغراميةِ والصُّور الفاتنة هي من أجل إشاعة السفور، ومن ثم إشاعة الفاحشةِ.. فالشابُ حينَ يقرأُ مثل تلك القصصِ والأقوالِ والأشعارِ الغراميَّةِ ويُصور هذا الزخم المنتن بصورة جذابة فإنه سيتمنىَّ في دخيلة نفسه أن يجيء اليومُ الذي تتحطم فيه تقاليد مجتمعه، التي تعتبر هي السَّدّ بينه وبين الاستمتاعِ على النحوِ الذي يتمُّ في المجتمعات الأخرى، التي تحرَّرت من مثل تلك التقاليد، فإذا جاء اليوم الذي تُحطمُ فيه هذه التقاليدِ، فلن يكونَ هذا الفتى من المعارضينَ! بل سيكونُ أوَّل المُرحبينَ!

     إن ما يُنشرُ في بعضِ الصحفِ والمجلاتِ من قضايا الاختلاط والعلاقات المشبوهة، وقضيَّة المرأة و دورِ الدِّين في الحياة العصرية والعلمانيةِ والصور الفاتنةِ.. المُرد منها تغييبُ الحسِّ الإسلامي الذي ينفرُ من مثلِ هاتيكَ القضايا، حتى إذا جاء اليومُ المنشودُ، لم تكن النفوس نافِرةً، ولا القلوبُ منكرةً، إنما كان هناك تقبلٌ مسبقٌ لهذه الأمورِ! وكانَ المعارضونَ لها هُم المتزمتينَ، الجامدينَ، المتحجرينَ الذين لا يريدونَ أن يُسايِرُوا ركبَ الحضارةِ، و لا روحَ التطورِ الساريةِ في العالمِ كُلِّهِ!

     لقد أدت هذه الصحافةُ دورًا خطيرًا في حياةِ المُسلمينَ.. على محورينِ رئيسينِ: تقليصُ دورِ الإسلامِ، فالإسلامُ أصبحَ حديثَ المناسباتِ الدينيةِ فقط، أما أن يُتحدثَ عنه على أنه نِظامُ حياةٍ أو شريعةٌ يحتوي على حلولِ المشاكلِ فلا! والأمرُ الثاني: ليُّ الأعناق ليًّا إلى أورُوبا بحيث تصبحُ تدريجيًا هي الوجهةُ التي يتجهُ المسلمونَ إليها بدلًا من الإسلامِ، والتي يتوسمونَ فيها طريقَ الخلاصِ من حاضِرهمُ السيئِ الذي يعيشونهُ، ويتطلعونَ من خلالها إلى مستقبلٍ سعيدٍ باسمٍ يُلحقهمْ بركبِ الحضارةِ، ويدفعُ عنهم وصمةَ التأخُّر والانحطاطِ، فأنت تلحظُ الذكرَ اليوميَّ الدائمَ للغربِ الكافِرِ، وفي كلِّ مناسبةٍ من المناسباتِ، وقد يبدو ذِكرها أمرًا طبيعيًا لا غرابةَ فيه البتةَ.. لأنَّ مهمةَ الصحفِ أن تطلعَ قارئَها على أخبارِ العالمِ الذي يعيشُ فيهِ، وليس فقط؛ لأنَّ الغربَ الكافرَ يعتبرُ مركزَ النشاطِ الدائبِ الذي لا يفترُ في جميعِ الاتجاهاتِ؛ بل لأن الحقيقةَ الواقعةَ - رضينا أم أبينَا- أن الغربَ يمسكُ بيدهِ أزمَّة الأمورِ، ويقررُ للعالمِ ما يقولُهُ وما يفعلُهُ، بحكمِ غلبتِهِ الظاهِرةِ في الجوانِبِ العسكريِةِ والسياسيةِ والعلميةِ والحضاريةِ..

دورنا تجاه هذه القضية

     هذه هي قصة الصحافة والمجلات وبعد، فما هو دورنا؟ وما هو واجبنا تجاه مثل هذه القضية الجلل، التي عرفنا خطرها و أثرها على الأمةِ؟ بادئ ذي بدءٍ يجب على الجميع مقاطعة تلكَ المجلاتِ الداعية إلى الرذيلة والسُّفور والتحذير منها وترك شرائها،لأنَّ في شرائك لها دعمًا لمسيرتها الباطلة، و إعانةً منك على استمرار عطائها العفنِ، وتقويةً لرصيدها المالي الذي من خلاله يستطيعون أن ينشروا ما هو أفظع من ذلك وأقبح متى سنحت لهم الفرصة فتكون ممَّا أعان على نشرِ الفسادِ ويصيبكَ من الإثمِ بقدر مساهمتك في مثل هذا البلاء قال عليه الصَّلاة والسَّلام: «ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا»(4). واحذر يا رعاكَ اللهُ من أن تسقط إحدى هذه المجلاَّت في أيدي أفراد أسرتِكَ أو تتسرَّب إليهم فإنها تصرِفهُم عن صراط ربهم وتؤُثر على أفكارهم. ولقدْ علمتَ الآنَ ما يُعرض فيها من الفتن والأفكار المضللةِ المنحرفةِ. وقد أفتت هيئةُ كبارِ العلماءِ بتحريمِ اقتنائِها فقالتْ: (لايجوزُ للمسلم أن يُدخل في بيته مجلاَّت أو روايات فيها مقالاتٌ إلحاديةٌ أو مقالاتٌ تدعو إلى البِدع والضلالِ أو تدعُو إلى المجونِ والخلاعةِ فإنها مفسدةٌ للعقيدةِ والأخلاقِ وكبيرُ الأسرةِ مسؤولٌ عن أسرتِهِ لقولِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «الرجل راع في بيته وهو مسئول عن رعيته»(5)(6).

     ثانيا: إن كنتَ من أصحابِ المحلاتِ التجاريَّةِ فإنه يجبُ عليكَ أن تقلعَ عن بيعِها وتسويقِها على الناسِ طاعةً للهِ تعالى وامتثالًا لأمرهِ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:2] ولا أظنُّك ستتجرَّأُ على بيعها بعدَ أن علمت ما فيها من الكفر والإلحادِ وإلا فكيف تُسوِّقُ بين إخوانكَ ما فيه فسادُهم وانحرافُهم عن منهجٍ ربِّهم؟ هذا من جهةٍ، ومن جهةٍ أخرى كيف يمكن أن يتصوَّر أن تسوِّق من يسبُّ إلهك ويتجرأُ على دينك وينخرُ في عقيدتك؟ لو كان هذا الكلامُ الذي سمعتهُ قيلَ في أحدِ آبائك أو في نفسكَ أنتَ، أكنتَ ترضَى لأحدٍ من الناسِ أن ينشرَهُ وأن يُذيعهُ؟ لا أظُّنك ترضى، فإذا كان هذا في حقكَ أنتَ فكيفَ بحقِّ الجبار -جلَّ جلالُهُ-! فكيف بحقِّ المُنعم عليكَ، المسبغِ عليكَ من فضله وجوده! و لا أظنُّ أحدًا سيسأل عن حكم مثل هذه المجلاَّت بعد أن عَرَف ما يُنشرُ فيها ويُكتب..

     وقد أفتى العلامةُ ابنُ جبرينَ بتحريمها فقال: (فإنَّ الصحفَ والمجلاتِ التي تنشرُ ذلك -أي صورَ النساءِ العارياتِ- قد دعت إلى الفتنة والفساد والدَّعارة وما هو وسيلةٌ إلى فعل الجرائم والمنكرات، فمن أصدرَ هذه المجلاَّت بهذه الصِّفة أو بَاعَها أو أهداهَا أو اشتراها أو اقتناها، فقد شارك في الإثم فقد لَعَنَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الخمر وبائعهَا ومشتريها وعاصرهَا ومعتصرهَا وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولةُ إليهِ وآكلِ ثمنِها(7)، وكذلك هذه المجلاتُ فإن مفسدتها على الأخلاقِ والعفافِ والأديانِ أعظمُ من مفسدةِ الخمرِ أحيانًا لاسيَّما إذا اشتملت على الأفكار المنحرفةِ والإعلان عن الفناناتِ والمتبرجاتِ تبرجَ الجاهليةِ الأولى، فنشرُها على هذه الصفةِ، وكتابةُ مقالاتِها، واستيرادُها، والترغيبُ فيها مشاركةٌ في الفسادِ، وإشاعةٌ للفاحشةِ، ونشرٌ للرذيلةِ، ودعوةٌ إلى الخلاعةِ والتفسخِ، والانحلالِ من الأخلاقِ والحياءِ..) إلى أن قالَ: (فنصحيتي لمن أرادَ النجاةَ أن يبتعدَ عن هذه الصُّحفِ، ولا يشاركَ فيهن أدنى مُشاركةٍ، رجاءَ أن ينجوَ بنفسِهِ، ويستبرأ لديِنهِ وعِرضه، واللهُ أعلمُ)(8).

     ثالثا: إن الكثيرَ منا لاشكَّ أنه يطالعُ تلكَ الصُّحفَ وقد يلمسُ أحيانا أنَّ هذه الصحيفةَ نحتْ منحىً خاطئا كأن يكونَ هناك دعوةٌ إلى شيءٍ محرمٍ أو تحايلٌ لفعلِ شيءٍ محرمٍ أو نحوِ ذلكَ، فإنَّ مِنَ الواجبِ أن يُبادرَ الإنسانُ بالإنكارِ وعدمِ السكوتِ، وذلكَ بالمكاتبةِ للجريدةِ أو الاتصالِ هاتفيًا ومناصحتهم بالتي هي أحسنُ، ولا يقولونَّ قائلٌ هذه مسؤوليةُ العلماءِ أو رجالِ الحسبةِ، فالأمرُ بالمعروفِ يشملُ الجميعَ كما في حديثِ أبي سعيدٍ الخُدريِّ الذي رواهُ مسلم في صحيحه قالَ -صلى الله عليه وسلم-: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطيع فبلسانه فإن لم يستطيع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان»(9) وإن في إنكار أفراد المجتمع كافةً ردعًا لمثل هؤلاءِ، حتى يعلموا أن المجتمعَ لا تُعجبه تصرُّفاتهم، ولا يُقرُّ ذلك النشازُ الذي يكتبونه وينشرونه، وإن لم يستطع الإنكار هو فإنَّ أقلَّ الأحوالِ أن يوصلَ هذا الأمرَ إلى مَنْ يستطيعُ إنكارهُ من العلماءِ والدعاة وغيرِهم(10).

     رابعا: وللهِ الحمدُ والمنةُ أن المسلمَ في هذهِ البلادِ قد وجدَ البديلَ المناسب الذي يُمكن من خلاله أن يعرفَ ما يريدُ معرفتهُ من أخبار ونَحوها من خلالِ المجلات الإسلامية وهي كثيرةٌ وللهِ الحمدِ فهناكَ مجلاتٌ متخصصةٌ بأمورِ العالمِ وأحواله وتعرضُ لكَ الموضوعاتِ بمنظارٍ إسلاميٍّ، ومجلاتٌ متخصصةٌ بالأسرةِ ومعالجةِ قضاياها، ومجلاتٌ متخصصةٌ بالأمورِ العلميةِ والدراساتِ الشرعيةِ وغيرها كثيرٌ، وأنتَ مطالبٌ بدعمِ تلكَ المجلاتِ التي سدَّت ثغرةً من ثغورِ الإسلامِ وذلك بالاشتراكِ فيها وحثِّ أقاربكَ وزملائِكَ على المشاركةِ فيها وشرائِها.

     خامسًا: يقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوٰى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ﴾ [المائدة:2] وإنَّ من سبلِ التعاونِ المطلوبةِ شرعًا من جهتينِ:

     الأولى: عدم تأجير المحلاتِ على أولئك الذين يصرُّونَ على بيعِ تلكَ المجلاتِ وغيرها من المحرماتِ قالَ العلامةُ ابنُ عثيمينَ (تأجيرُ المحلاتِ والمستودعاتِ لمن يبيعُ فيها أو يودعُ الأشياءَ المحرمةَ حرامٌ، لأنَّ ذلكَ من التعاونِ على الإثمِ والعدوانِ الذي نهى اللهُ عنه في قولِهِ: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة:2] فليتقِ اللهَ أصحابُ الأملاكِ ومكاتبُ العقارِ في أبناءِ المسلمينَ وبناتهم وليعلموا أنهم مسئولونَ يومَ القيامةِ عن ذلك، ولا شكَّ أنَّ الآخرةَ أعظمُ في قلبكَ من الدُّنيا، وأن دينَكَ وأمتَّك أكبرُ في نفسِكَ من أن تُضحِّيَ بجزءٍ منه مقابلَ دراهمَ معدودةٍ لكنها الغفلةُ عن حقارةِ هذه الدارِ وعظمةِ الواحدِ القهار، وإلا فأيُّ عاقلٍ يرضى بأن يقتحمَ من الذنوبِ ما يعرضه لعذابِ النارِ التي أخبر الصادقُ -صلى الله عليه وسلم- أنَّ أهونَ أهلها عذابًا من يوضعُ تحتَ قدميهِ جمرتانِ يَغلي منهما دماغُهُ(11).

     الثانية: مقاطعة من يبيع مثلِ هذهِ المجلاتِ وعدم الشِّراء منه وإشعارُهُ بأن المانعَ من الشراءِ منه استمرارُهُ على بيعِ ما حرَّم اللهُ عز وجلَّ، وبالمقابلِ الحرصُ على الشراءِ من المحلاتِ التي امتنعت عن بيعِ تلك المجلاتِ الفاسدةِ ومساندتهمْ و حثَّهم على المواصلةِ والاستمرارِ على هذا الخيرِ العظيمِ.

     وأخيرًا ينبغي أن يعلمَ الجميعَ أنَّ هذه المجلاتِ والصحفَ يصدقُ عليها قولُ اللهِ عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:6] خاصةً فيما يتعلق بقضايا الإسلامِ والمسلمينَ، فلا تأخذُ أخبارُها على وجهِ التسليمِ والصحةِ فالأصلُ خلافُ ذلك بناءً على هذه الآيةِ العظيمةِ، وأيضا كيف يُصدَّقُ من يثلمُ في الإسلامِ ليلًا ونهارًا سرًا وجهارًا، كيف يصدقُ من يميِّع قضايا الإسلامِ الكبرى! كيف يصدقُ من يتحايلُ على أحكامِ الشريعةِ الغراءِ! كيف يصدقُ من يمجدُ أهل الفسقِ والمجونِ ويعتبِرُهمْ النجومَ! فاحذَرْ يا رعاكَ اللهُ من هَذا السُّمِّ الزعافِ أعوذُ باللهِ من الشيطانِ الرجيمِ ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال:65]

*  *  *

الهوامش:

(1)  انظر فتاوى الشيخ العلامة ابن جبرين في بيان جواز ذلك فتاوى إسلامية (4/387-388).

(2)  رواه مسلم(259) من حديث ابن عمر - رضي الله عنه -.

(3)  فتاوى إسلامية (4/380).

(4)  رواه مسلم ورقمه (2674) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(5)  رواه مسلم (893) من حديث عبدالله بن عمررضي الله عنهما.

(6)  فتاوى إسلامية (4/387).

(7)  رواه أبوداود (3674) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.

(8)  فتاوى إسلامية (4/385).

(9)  رواه مسلم ورقمه (49).

(10) قالت اللجنة الدائمة ما نصه (يحرم على كل مكلف ذكرا أو أنثى أن يقرأ في كتب البدع والضلال والمجلات التي تنشر الخرافات وتقوم بالدعايات الكاذبة وتدعو إلى الانحراف عن الأخلاق الفاضلة، إلا إذا كان من يقرأها يقوم بالرد على ما فيها من إلحاد وانحراف، وينصح أهلها بالاستقامة وينكر عليهم صنيعهم ويحذر الناس من شرهم.) فتاوى إسلامية (4/386).

(11) كما جاء ذلك في حديث أبي سعيد الخدري عند البخاري ورقمه (3885).

 

إلى المحتويات

 

دراسات إسلامية (5)

فضيلة الشيخ عبد الجليل الراغبي: حياته وخدماته

(1936-2016م)

 

بقلم:   الأستاذ محمد عبد الحنان القاسمي(*)

 

     يفقد العالم الإسلامي القائدين والمفكرين والعلماء والسياسيين والمخططين الذين يمتلكون المؤهلات العلمية والسياسية والاجتماعية والفلسفية، ويتملكون الدراية الدقيقة والخطة الشاملة والسياسات الحرفية والاستراتيجية الواعية لحل الأزمات والمشاكل التي سادت الأمة المسلمة من القرون الماضية والتي بددت تاريخها في مجال العلم والثقافة، ودمرت جميع أسسها الإنسانية وسلوكها الأخلاقي، وتعاليمها العادلة في المساواة والأخوة، وشططت جمعها وشملها، وتركت أثرًا سلبيًا عميقًا في نفوس أفرادها في جميع أنحاء العالم.

     ففي مثل هذه الأزمات والأوضاع المتوترة والظروف الشاقة، ولد في القرن الماضي عالم كبير، وصحفي بارع، وسياسي محكن، وفلسفي حاذق، وناشط اجتماعي، أستاذ للحديث، الشيخ عبد الجليل الراغبي القاسمي – رحمه الله- في ولاية آسام، وترعرع في أسرة فقيرة، وأكمل دراسته، وعمل في مجالات مختلفة من التعليم والتعلم والسياسة والاجتماع والدين، وتوفي عام 2016م، وترك لنا خدمات قيمة. 

     نرى من المناسب أن نرسم محاولاته العلمية والسياسية والإصلاحية والدينية في سطور، ونبحث عن الدور الذي لعبه في حياته للنهوض بالأمة الإسلامية، ونحللها في ضوء الأوضاع والظروف التي عاش فيها. ونحمل على كواهلنا إدارة تلك المحاولات والمجاهدات، ونستأنف تنظيم المؤسسات والمدارس والجمعيات والمجلات والصحف التي أنشأها، ونحمل الحب والإخلاص والصداق في نقلها إلى الجيل القادم، ونجاهد في استمرارها. ونسأل الله عز وجل أن يجعلنا ورثة الأنبياء، ويحفظنا من أن نكون خلفًا نضيع الحق ونتبع الشهوات.

حياته ودراسته:

     ولد الشيخ عبد الجليل الراغبي القاسمي بن مبارك علي خانحوالي عام 1936م في قرية «شاهفور» في ولاية آسام، الهند. وهي قرية صغيرة في منطقة تعد من المناطق المتخلفة في العلم والثقافة، وتفقد وسائل الاتصال والمراسلة، وترعرع في أسرة فقيرة كريمة غير مثقفة، متدينة ومحافظة على التقاليد الإسلامية. وكان أبوه الشيخ مبارك علي - رحمه الله تعالى- رجلًا متدينًا، متمسكًا بالتقاليد الحسنة السائدة في المنطقة، ويحرص على أن يكون ابنه عالمًا ينشر الإسلام ويخدم الأمة الإسلامية.

     وكانت أمه عابدة ومحِبَّةً للرسول – –، وكانت من أمنياتها أن يدرُس ابنه في المدرسة الدينية، ويكون مع جماعة الشيخ مصدر علي – رحمه الله-(1). ويحصل على العلوم الشريعة، ويعرف الله معرفة أشاد بها أولياء الله تعالى وأعزاءه، ويغترف حظًا كبيرًا من العلوم القرآنية والأحاديث النبوية، وينشر الدين، ويبذل جهوده في تعليم القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة والعلوم التي تتعلق بهما، ولذا كانت تسميه بـ«منور» حبًا، ولاتسميه بعبد الجليل.

التحاقه بالمدرسة:

     بدأ الشيخ رحلته الدراسية بالالتحاق بالمكتب الصباحي(2) في الطفولة، وتلمذعلى الشيخ مصدر علي فيه، وكان الشيخ مصدر علي يبذل جهوده الجبارة في نشر العلوم الدينية، ويوفر الجو الديني والأوضاع الملائمة للأطفال غرس الأخلاق الحسنة والقيم الجميلة في نفوسهم البيضاء الخالية، ويربيهم تربيةً إسلامية صالحة، ويرسم في نفوسهم الحب الديني الذي يعينهم في الحفاظ على الشريعة الإسلامية السديدة.

     ولما بلغ الشيخ السابعة من عمره التحق بمدرسة جيئ نغر عام 1942م، إنضم إلى جماعة مصدر علي، وتلمذ على الشيخ إلياس أحمد، وأتم مراحل الدراسة الابتدائية والثانوية في تلك المدرسة، ثم ارتحل إلى دار العلوم بديوبند عام 1950م.

ذاكرته:

     ويتمتع الشيخ بذاكرة استثنائية حادة قلما يهب الله تعالى أحدًا مثلها كما أنه يمتلك ذهنًا ذكيًا ووعيًا بارعا. ففي رحاب دارالعلوم، فتحت الأوضاع العلمية والجو الدني قريحته الطبيعية، وقدمت أمامه أفاقًا واسعة يتحلق فيها جميع حواسه الفطرية القوية، واكتشف نظره الدقيق أسرار الحياة ورموز الشريعة، فهذه المؤهلات حثته على مسيرته العلمية بعد التحاقه بدار العلوم ليحقق جميع آماله ورجائه وتطلّعاته، وشجعته على أن ينجز رغبة أهل قريته، وجعلته واحدًا من عباقرة العلماء والمفكرين والسياسيين، وواحدًا من الباحثين في العقليات والنقليات.

     يقول الشيخ عن ذاكرته: «قرأت في ترجمة بعض المشايخ وأولياء الله تعالى بأنهم يعرفون الحوادث والوقائع التي شهدوها في صغر سنهم حين بلغوا الثالثة وما يناهزها. وقد منح الله تعالى هذا الفقير هذه النعمة (الحافظة القوية) قبل ذلك العمر. فأنا أتذكر الحوادث والمشاهدالتي شهدتها حين كنت في الشهر السادس أوالسابع من عمري. وأنا أتذكرها كأني شهدتها بالأمس وقد تجاوزت السبعين من عمري»(3). ويقول: «تذكرت حادثة رأيتها في صغر سني، تخاصم الوالدان في شيء، فغضب أبي على أمي، وأخذني في حضنه قائلًا: «سأسافر إلى سلهات (ولاية في بنجلاديش وهي موطن آباء الشيخ قبل تقسيم الهند). وخرج من البيت، وكانت الشمس طالعة، والحر شديد، فبدأت أبكي، فلم يتمكن أبي من أن يتحمل ألم بكائي وآهتي، فعادإلى البيت. ولما وصلت سن البلوغ، سألت أمي لما ذا غضب أبي عليك؟ فقالت من أخبرك؟ وقد كنت في الشهر السادس من عمرك حينذاك، فقلت لها: «أنا رأيتها بنفسي»(4).

في رحاب دار العلوم بديوبند:

     التحق الشيخ بدار العلوم بديوبند عام 1950م وهو في الرابعة عشر من عمره، وكانت الأوضاع متوترة سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا ودينيًا حينذاك، انقسمت الهند في تلك الفترة مع استقلالها، وانتشرت العنف الطائفي في جميع أنحاء البلاد، ووقعت مجازر في كثير من أصقاعها، وهدمت المساجد والمكاتب والمدارس والمراكز الدينية ومعابد الهندوس، وكانت لدار العلوم مساهمة كبيرة في تحريرها من سلطة الإنكليز، فوقعت على كاهل المسؤولين مسؤولية تسلية الناس، ومحاولة تهدئة الأوضاع المضطربة، ونشر الفهم السليم الذي يؤيد الانسجام بين أفراد الأديان المختلفة والطبقات المنقسمة، ولذا كانت الأساتذة الكبار يبذلون جهودهم الجبارة في استقرار البلاد وتهدئة أحوالها، وفي التوفيق بين المواقف المضادة في الفرق والطوائف في المجتمع.

     ففي تلك الظروف العنيفة، بدأ الشيخ أهم مرحلته الدراسية في أكبر مدرسة دينية شهيرة عريقة في شبه القارة الهندية التي تمتاز بدورها الرئيس في استقلال الهند، وبدورهافي محاولة الحفاظ على الخلافة العثمانية، وبتفوقها على المراكز المعاصرة الدينية والاجتماعية في قمع البدع والخرافات والضلالة بتأسيس شبكة كبيرة من المدارس الدينية في مختلف أنحاء العالم. فتلمذ على أساتذة كبار ودعاة عباقرة مثل الشيخ حسين أحمد المدني، ومفتي كفيل الرحمان ومشائخ بارعين، وتلقي من العلوم الدينية والشؤون الاجتماعية والثقافية والسياسية والفنون الأدبية حظًا كبيرًا حتى أصبح فيما بعد محدثًا كبيرًا وسياسيًا حاذقًا وصحفيًا بارعًا ومنظمًا حكيمًا ومناظرًا فائقًا، وبرع في المعقولات والمنقولات والأدب الأردي والأدب العربي والأدب الفارسي. وأتم دراسته العليا والتخصصات في العلوم المختلفة والفنون الكثيرة.

     واشترك الشيخ – فترة قيامه في دار العلوم- في جميع الحركات السياسية والاجتماعية والمجالس الدينية التي توفر للمساهمين العلم والفن والتجربة ويحثهم على وفاء متطلبات العصر وتحدياته، وهو يقول: «أنا لم أهمل لحظة في السنوات السبع التي كنت أتدرس فيها في دارالعلوم، وقد طالعت جميع الكتب منها: المسامرة وشرح الجامي على الكافية وكتب الأحاديث والتفاسير والعلوم القرآنية والأصول الشرعية والمنطق والفلسفة.

     وكانت أحوالي غريبة في السنوات الدراسية في دار العلوم، وكنت أستغرق في المطالعة في الفوقانية تارة، وتارة أقعدتحت أي شجرة في مقبرة شاه ولايت علي، وفي بعض الأحيان أجلس جوار أي مقبرة أخرى... وكنت أحصل على منحة دراسية مبلغها 13 بيسة (13 آنا) من دار العلوم، وهذه المنحة كانت تكفي لتغطية جميع تكاليفي»(5). وهكذا وكان الشيخ يستوعب جميع أوقاته بمطالعة الكتب المختلفة، ويشترك في الحلقات الدراسية، ويساهم في الحركات السياسية والاجتماعية والدينية.

     ويقول الشيخ رياست علي البجنوري- رحمه الله- (كنت أنا وهو من أساتذة دارالعلوم) في مقدمة «واردات»: «من الجليل حينذاك؟ فهو منهمك في الدراسة، ومواظب في الدروس والحلقات الدراسية، ومهتم باحترام الأساتذة والمعلمين رغم كونه مشاركًا في جميع الحركات السياسية والاجتماعية والدينية. وكان مولعًا بالأدب العربي والأردي ومدمنًا بالمعقولات والمنطق. وكان يحرّر المجلة العربية «الأزهار»، وتارة يكون رئيس التحرير للمجلة الأردية «آهنغ» (آهنگ). وتارة نراه يتولى مسؤولية «الأمين العام» لجمعية الطلباء المركزية، وتارة نراه يرأس منظمة طلبة ولاية آسام. وتارة نشهده منهمكًا في المطالعة في رحاب نودرا داخل محيط دار العلوم، وتارة في مقبرة خارج محيطها. وحين يقرض الشعر ويقرأه يتمتع المستمعون بدوي صوته وتأثير كلماته. وحين يرثي على شيء يقطر الدموع من العيون. والحاصل أنه كان قائدا لنفسه مشيرا لذاته(6).

     وكان الشيخ عزيزا في نفوس أقرانه ومحبوبا بين أصدقائه، ومستشارًا أمينًا في حلقاته. يقول الشيخ الأستاذ حبيب الرحمان الأعظمي – أستاذ الحديث في دار العلوم بديوبند–: «كان الشيخ عبد الجليل الراغبي الآسامي عالمًا بارعًا متدينًا وأستاذًا محبوبًا في الطلبة، وفي نفس الوقت كان له مكان مرموق في الشعر والأدب، فهو محقق كبير ومصنف شهير. وله خدمات في المجال السياسي كما أنه أدى دورًا بارزًا في المجال الاجتماعي والسياسي والديني في نشر الوعي الإسلامي والعلوم الدينية»(7).

عودته من دار العلوم إلى موطنه

وبداية خدماته الدينية والملية:

     وفي الحقيقة هذه فاتحة البحث، لأن معرفة شخصيته تعتمد على تفقّد أعماله وخدماته وتعرف الأدوار التي لعبها في حياته، فيجب علينا أن نذكرها ثم نحللها لنصل إلى نتيجة تساعدنا في استتمام أحلامه الباقية وتحقيق مرامه وهدفه بتكميل مقترحاته ومعرضاته. ويمكن لنا أن نقسم أعماله وخدماته إلى أربعة أقسام رئيسة نشير خلالها إلى أهم نقاطها في البحث.

     عاد الشيخ إلى بيته عام 1958م، يُكنّ في قلبه أمنيات وأحلامًا وحرصًا وتطلعات، وكانت أمامه تحديات ومشاكل قلقة وأوضاع متوترة، فكانت المدارس الإسلامية في أسوء حالة اقتصاديا، وخمدت جذوة النيران التي كانت تجيش في قلوب المسلمين ضـد الإنكليز، وفشلت محاولة «جمعية علماء الهند» التي شنت الحرب ضد تقسيم الهند ثم ضد انفصال باكستان الشرقية من الهند (الآن البنجلا ديش)، لأن الشيخ أحمد علي -رحمه الله- كان على إيمان كامل بأن هذا الانفصال يترك مشاكل وعراقيل ومعمعة لاتَنحلّ عقدها؛ لأن المسلمين البنجاليين كانوا أكثر بكثير من مجموعة السكان. ولذا سافر الشيخ حسين أحمد المدني -رحمه الله- تحت رايــــــــــة جمعيـــــــــة العلمـــــاء إلى البنجــــلاديش (الآن) في الأربعينات من القرن الماضي يخاطب الناس بأن لا يختاروا الانفصال والانقسام، وفشلت المحاولة، وانفصلت باكستان الشرقية من الهند، وخلقت مشاكل وعراقيل التي يعانيها المسلمون كل يوم يعقبه في ولاية آسام في ثوب جديد حتى الآن، وتفرقت جمعية العلماء مع التقسيم، فكان من أولوياته مع العلماء الآخرين تأسيس الجمعية من جديد، ثم إصلاح أوضاع المدارس، ونشر الأفكار الإسلامية والثقافة الدينية، وتركيب التعاون بين أفراد المدارس الدينية والمدارس الحكومية مع استقلال مسارهما، كما كان من مقاصده الهامة نشأ الجيل الجديد المثقف من الأبناء والبنات القادر على أن يتـــولى المسؤوليــــــة العظيمــــــة في الأيام القادمة، ونشأ الجيل القادر من العلماء الذين لهم قدرات في قمع البدع والخــــرافات بعيـــــدًا عن المناظـــــرة والمجادلـــــة العلميــــــة، وتأسيس شبكــــة واسعة في مجال الصحافــــة، وإحياء التراث الإسلامي، ونقله إلى اللغات المحلية ونشرها في الناس. وقد نجح الشيخ في كثير من خطواته، ولقي قبولًا حسنًا في الأوساط العلمية ولقي نجاحًا ملموسًا في العامة والخاصة.

خدماته في المدارس:

     بدأ الشيخ مهمة التدريس في «المدرسة الرحيمية في منطقة مورازار» التي تقع على مسافة 7 كلومترات من بيته، ثم درّس في مدرسة آسام دارالحديث جيئ نغر، ثم درّس في مدرسة مصباح العلوم حينذاك، وغيّر اسمه بالجامعة الإسلامية الجلالية هوجائي. ودرّس اللغة العربية في المدرسة الوسطى الحكومية «نني شنكر ديو» لسنوات في مدينة نوغاؤن، وفي سنواته الأخيرة درس في دارالحديث جيئ نغر، وواصل تدريسه إلى مرض وفاته الذي يستغرق أكثر من نصف قرن من عام 1958م إلى 2016م.

خدماته الصحفية:

     كان الشيخ رحمه الله صحفيًا كبيرًا، وأعانته في مجال الصحافة سعته العلمية، ومؤهلاته في تحليل الأمور حسب ما يقتضيه الحال وتتطلبه الأوضاع، وذاكرته القوية وذهنه الذكي. فحين رجع الشيخ من دار العلوم بديوبند، عيّنه الشيخ أحمد علي الباسكاندوي- أحد كبار المصلحين والمجددين – أمينًا عامًا لجمعية العلماء لولاية آسام. ففي يوم من الأيام بدأت الدموع تقطر من عينيه أمام الشيخ أحمد علي، وقال: إن مسلمي ولاية آسام مظلومين ومغلوبين على أمرهم، وقد مارست عليهم الحكومة الضغوطات ونسجت المؤامرات، وليس عندهم من وسائل الإعلام ما يمثلهم، وينشر الحقائق والصدق في قضاياهم، ويجيب عن الأسئلة البذيئة المنشورة بسوء النية من قبل وكالات الحكومة والصحف والمجلات ووسائل الأعلام الأخرى، فوعده الشيخ أحمد علي بأنه سينشئى مجلة أسبوعية.

مجلة الجمعية الأسبوعية:

     أصدرت جمعية العلماء لولاية آسام المجلة الأسبوعية في اللغة الآسامية، وعُين الشيخ رحمه الله رئيسًا لتحريرها، واشتهرت المجلة في جميع أنحاء آسام. ورأينا في أيام دراستنا أن المجلة لقيت قبولًا واسعًا من أهل العلم. ثم أصدر الشيخ كثيرًا من الصحف والمجلات وغيرها، ومنها:

قرآن جوتي (نور القرآن):

     كانت المجلة تصدر من مدرسة غاري غاون، غواهاتي، آسام. وكان من هدفها بث العلوم الدينية في المسلمين، ونشر الوعي الإسلامي السليم في الناس، وبث الوعي العام في الأمور الاجتماعية والسياسية والدينية، وكان الشيخ رئيسًا للتحرير لهذه المجلة، وكانت المجلة تصدر مرة في كل شهر.

هفت رزه ملن (لقاء في أيام سبعة):

     أصدر الشيخ -رحمه الله- هذه المجلة لبثّ الوعي العام في المسلمين في جميع مجالات الحياة، ولكشف المؤامرات التي تستهدف المسلمين غير مباشرة، وكان الشيخ -رحمه الله- يجهز المجلة ويهيئها ويرسلها بنفسه. وانقطع صدورها بسبب فرض الحظر من قبل الحكومة لاكتشاف مؤامرات الحكومة ضد المسلمين. وكانت تصدر أسبوعية كما يشير إليه الاسم.

بيام حرم (رسالة الحرم):

     وحين التحق الشيخ بالجامعة الإسلامية الجلالية هوجائي، أصدرمجلة شهرية ليعين طلبة المدارس والمدرسين في تعيين هدفهم، وليرشدهم إلى تخطيط المستقبل، وعين منصور أحمد، ومعين الحق رئيسين للتحرير(8).

هفت رزه جن جاكرن

(النهضة العامة في أيام سبعة):

     أصدر الشيخ هذه المجلة عام 1991م حين كان عضوًا في المجلس التشريعي، وكان رئيسًا لتحريرها بتغيير اسمه هو «حيدر كمال» بسبب مشاكل قانونية، لأن الحكومة قد فرضت الحَظر على اشتراكه في الصحافة، وانقطع إصدارها للمشاكل القانونية. وقد عانى الشيخ معاناة قانونية كبيرة في نشر هاتين المجلتين.

     وفي هذا الصدد، يقول بهار الدين: «هناك يحق لي أن أشير إلى أن إمام الهند الشيخ أبوالكلام آزاد، والشيخ عبد الجليل الراغبي كانا يشتركان في أمور عديدة. كانا عالمَين في الدين، راسخَين في الشريعة، و من عباقرة السياسة، وكانا شاعرَين، أديبين، وخادمَين مخلصَين. واختارا الصحافة وسيلة لترويج الوعي الإسلامي والديني والسياسي. فأصدر أبوالكلام آزاد مجلات مثل الهلال، والبلاغ وغيرهما، وأما عبد الجليل الراغبي فأصدر المجلات المذكورة في حياته(9). وكانا يشتركان في الملبس وفي أسلوب الكتابة، والعلاقة السياسية، والعلاقة مع «جمعيةعلماء الهند»، وفي نقد الحكومة التي يحكمها حزبهما، وأشار  كثير من أصحاب السياسة على أبوالكلام آزاد أن يقطع العلاقة مع «جمعية علماء الهند» أو مع الحزب، فكان يقول: يمكنني أن أترك الحزب السياسي؛ لكن لا يمكنني أن أترك الجمعية، وكان الشيخ يجيب أصحاب السياسةنفس الجواب.

غيان سنبهار (رسالة العلم والمنطق):

     صدرت هذه المجلة الشهرية من «مركز المعارف» هوجائي، وكان الشيخ مؤسسًا لمركز المعارف والمجلة بتعاون من الشيخ بدر الدين أجمل القاسمي حفظه الله.

     وكان الشيخ يرسل مقالات عديدة في مجلات مختلفة في أنحاء البلاد. وطبعت هذه المقالات في مجموعة باسم «مقالات ومراسلات».

خدماته السياسية والاجتماعية:

حزب كانغريس(The Indian National Congress):

     تشهد ولاية آسام الأوضاع السياسية المتوترة منذ 1930م حتى اليوم. واشتدت في السبعينات ووقعت مجازر جماعية في كثير من أماكنها. وكانت المجزرة الكبرى هي مجزرة نيلي في 14/فبرائر عام 1984م التي حدثت بسبب مؤامرة ضد المسلمين كما صرح بها تقرير تي بي تيواري. وقتل في تلك المجزرة أكثر من عشرة آلاف من المسلمين.

     ففي تلك الفترة، سافر الشيخ عبد الجليل الراغبي مع الشيخ أحمد علي إلى جميع أنحاء ولاية آسام، وأعان المسلمين والهنادكة الذين عانوا المشاكل، وحثهم على أن يتمسكوا بالوحدة القومية، ويرفضوا كل المؤامرات المنسوجة ضدهم. فهذه التجارب علّمته أن مقاومة هذه المؤامرات، ومساعدة المصيبين لن تتأتى إلا بخوضه في السياسة.

     وبعد سنتين قرر  الخوض في السياسة، ففي عام 1985م ساهم في الانتخاب من دائرة انتخابية «جمونا موخ»، وفاز كمرشح مستقل، ثم التحق بحزب بكونغريس في الانتخاب القادم. وفاز للمرة الثانية، وشن الحرب ضد القوات الفاشية داخل المجلس التشريعي وخارجه، وأعان المصابين حسب ما وفقه الله تبارك وتعالى.

جمعية علماء الهند:

     حين رجع الشيخ من دار العلوم عام 1958م عينه الشيخ أحمد علي أمينًا عامًا لجمعية علماء آسام. وخدمها طول حياته، وساهم في تنظيمها واشترك في نشاطاتها. ولم يقطع الشيخ صلته بها في حياته قط حتى مات رئيسًا لجمعية علماء آسام، وكان عضوًا لجمعية علماء الهند المركزية لسنوات.

مركز المعارف هوجائي:

     استقل الشيخ من الجامعة الجلالية هوجائي عام 1981م، ففي عام 1982م أسس مركز المعارف هوجائي – أحد أكبر المؤسسات التي يديرها المسلمون في الهند – مع الشيخ بدر الدين أجمل القاسمي – عضو البرلمان الهندي، وعضو مجلس الشورى في دار العلوم بديوبند ورئيس عدد من المدارس والمنظمات – في هوجائي، آسام. وعمل فيه سنوات متوالية. وتحتاج حياته السياسية إلى بحث كامل، وتحليل دقيق. سأحاول فيما بعد أن أسلط الضوء على بعض جوانب أعماله لنكون على بينة من أمره.

كتبه:

     أعدّ الشيخ عددا من الكتب القيمة. فمن أهم كتبها:

     *    شهباز قدس *  مشاهير علماء ومشائيخ آسام *  واردات *  حياة راغب *  طلب علم كا بنيادي مقصد *  تربيت أولاد إسلام كي نظر مين * شادي كي بندهن إسلام كي نظر مين *  إسلام كي نظر مين أخلاق كي تصوير كشي  *  چمپا بنکے سائے ميں *  إحساسات كي دستاويز *  شرق هند كا ولي كامل *  تفسير سورة الفاتحة.

شغفه بالمطالعة والدراسة والبحث والتحقيق:

     وكان للشيخ رحمه الله شغف كبير بالمطالعة والأعمال الدراسية، قلما نجد العلماء يحبون المطالعة في زمن الجوجول(Google)، فكان الشيخ يطالع الكتب بالمواظبة، ودائمًا يأخذ معه الكتب حتى في الفترة التي كان فيها عضوًا في المجلس التشريعي في ولاية آسام (Assam Legislative Assembly)، فكان الشيخ مولعًا بالمطالعة والدراسة والكتابة والبحث والتحقيق من طفولته إلى مرض وفاته. وكان يقول كثيرًا في مجالسه: «لا يمكن أحدًا أن يدرك مسؤوليته الملية والقومية والدينية حتى يعرف ما ترك أسلافه من تراث العلوم والفنون والثقافة والأدب، ويعلم ما قدموا من الخدمات الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية والطبية، ويطلع على الأعمال والمغامرات والحركات الجليلة القيمة التي قام بها آباؤه وأجداده. ولذا كان الشيخ في أسف كبير على الأوضاع العلمية في ولاية آسام، وعلى أحوال العلماء في تلك المنطقة لعدم شغفهم بالدراسة والمطالعة والبحث والتحقيق»(10). وفي مثل هذه المنطقة التي تتميز بجهالتها وأميتها طلع مثل هذه العباقرة. فالشيخ كاتب كبير في الموضوعات التي تحتاجها هذه المنطقة. ويكتب في اللغة الآسامية والبنجالية والأردية. فهو كاتب شهير في الأردية وشاعر كبير فيها، وفي نفس الوقت له مكانة مرموقة في حلقة اللغة الآسامية. وأما البنجالية فهي لغته المحلية.

     ترك الشيخ نفسه عديم المثال، فهوولي، ومحدث وعالم وصحافي وناشط اجتماعي وكاتب كبير وأمين صالح ومجاهد مجتهد، كما أنه فقير لا يحب إلا الكتب، فلم يشتر في حياته إلا الكتب، ولم يترك في خزانته سوى الكتب التي اشتراها في حياته، و كان عضوًا في المجلس التشريعي في ولاية آسام لمدة عشر سنوات، ولم يدخر من المال ما يكفي حاجاته في آخر حياته وما يصرفه في علاجه. فكفل الشيخ بدر الدين أجمل القاسمي – حفظه الله تعالى –، وأنفق مبلغًا في علاجه، وكل ما تركه هو كتبه التي اشتراها وما صنفه. يقول صديقي محمد بهار الدين الذي قضى سنوات عديدة مع الشيخ عبدالجليل في أيام دراسته وفي أيام تدريسه: «حياة الشيخ عبد الجليل الراغبي نموذجة مثالية غريبة، فكان مولعًا باشتراء الكتب، حين يحصل على مبلغ من المال، يشتري كتبًا قيمة، فمجموعة الكتب في مكتبته الخاصة تزيد كثيرًا من مكتبات المدارس. وهذه الكتب هي خزانته التي تركها.

وفاته:

     وقد اصطفاه الله تعالي لجواره في 6/ديسمبر عام 2016م، ولقي الله تبارك وتعالى، تغمده الله تعالى بنعمه وكرمه، ورفع مكانته في جنات النعيم. وقد كتب المفكرون والعلماء والسياسيون وغيرهم في رثائه كثيرًا و أكتفي بنقل رثاء كبير الوزراء السابق لولاية آسام المستر ترون غوغوئي:

     «أنا أعرب عن أعمق التعازي والرثاء في وفاة الرحيل السيد عبد الجليل الراغبي– رئيس جمعية العلماء-. إنه لم يكن قائدًا سياسيًا فقط؛ بل كان أديبًا عبقريًا. وكان شاعرًا بارزًا، وكاتبًا للقصص و مهتمًا بحقوق الفقراء والمضطهدين والمظلومين. وكان رمزًا للعلمانية ساهم في بناء الوحدة القومية. لقد فقدنا – بوفاته- ليس فقط رفيقًا عبقريًا؛ بل سياسيًا كبيرًا ونشيطًا ومرشدًا اجتماعيًا».

*  *  *

الهوامش:

(1) بهار، تذكرة جليل 2016، 20.

(2) المكتب الصباحي هو نظام التعليم للأطفال المسلمين وتدرس فيه أصول الدين الأساسية وهذه المكاتب تبدأ بعد صلاة الفجر مباشرة إلى الثامنة صباحا، ثم يوجه الطلاب إلى المدارس الحكومية التي لا تعنى بتدريس الأمور الدينية. والصباحي من الصبح، يعني أن المكاتب تدار في الصباح. وتنظم «هيئة التعليم الدينية» النظام التعليمي والتربوي لهذه المكاتب، وتارة تساعد الهيئة على تربية الأساتذة وهم أئمة المساجد للصلوات المكتوبة الذين يدرسون في هذه المكاتب.

(3) بهار، تذكرة جليل 2016، 26-27.

(4) بهار، تذكرة جليل 2016، 27.

(5) بهار، تذكرة جليل 2016.

(6) مرثية رياست علي بجنوري: مجلة بيام دار الحديث: قسم النشر والطباعة: جامعة آسام دار الحديث جيئ نغر: آسام: 2017.

(7) بهار ، الشيخ عبد الجليل الراغبي 2017.

(8) بهار، تذكرة جليل 2016، 35-36.

(9) بهار، تذكرة جليل 2016، 42.

(10) بهار، تذكرة جليل 2016، 60-61.

---------------------

(*) باحث في الجامعة الملية الإسلامية، دلهي الجديد، الهند.

 

إلى المحتويات

 

محليــــــــــــــــــــــات

وزير في الحكومة المركزية: يجب تعديل الأسماء المنتمية إلى الملوك المغول المسلمين

 

بقلم: مساعد التحرير

بتنه:

     طالب «غري راج سينغ» - وزير في الحكومة المركزية- بضرورة تعديل الأسماء المنتمية إلى الملوك المغول المسلمين في ولاية «بيهار» وفي الهند بصفة عامة. وقال: «إن الحاجة ماسة إلى استبدال أسماء عدد من المدن في ولاية «بيهار»، المنتمية إلى الملوك المسلمين بأسماء غيرها».

     والجدير بالذكر أن الوزير المذكور أعلاه يرجع صيته في المجتمع الهندي إلى إدلاء أمثال هذه البيانات. وقال الوزير وهو يرحب بقرار حكومة «يوغي» - كبير وزراء ولاية أترابراديش- بتعديل اسم مدينة «إله آباد» إلى «برياغ راج»: «يجب تعديل اسم «بختيار فور» – مدينة من مدن ولاية بيهار-». وأضاف قائلًا: «إن «الخلجي» -الملك المسلم-  نهب  ولاية بيهار، ولكن من سوء الحظ سميت مدينة «بهكتي فور» باسمه».

     واستطرد قائلًا: «لقد اتخذت حكومة «أترابراديش» خطوة تستحق التقدير والاستحسان، و أطالب بتعديل الأسماء المنتمية إلى المغول على مستوى البلاد كلها إلى أسماء بديلة عنها.

     وتجدر الإشارة إلى  أن كبير وزراء ولاية أترا براديش أشار باستبدال اسم مدينة «إله آباد» بـ«برياغ راج»، وعلل قراره هذا بأن هذا هو اسم المدينة المذكورة قديمًا، حيث يلتقي نهران معروفان، وهو ما تعنيه كلمة «برياغ» في الهندوسية. فلا عجب أن تسمى المدينة بهذا الاسم. ووافق حاكم الولاية على قرار كبير الوزراء هذا في وقت لاحق، فأصبحت مدينة «إله آباد» مدينة «برياغ راج» من حينه.

(صحيفة «انقلاب» الأردية اليومية، دهلي الجديدة/ ميروت،ص1، السنة:6، العدد:266، الثلاثاء: 13/صفر1440هـ الموافق 23/ أكتوبر 2018م).

*  *  *

وزير في الحكومة المركزية: اهدموا جامع دهلي ستجدون تحت أنقاضه «تماثيل»  وإلا فاقتلوني شنقا

 

دهلي الجديدة ( الوكالات)

     في خضم النشاطات المتنامية لبناء معبد رأس الإله «راما» على أنقاض المسجد البابري أصدر «شاكسي مهاراج»- عضو في البرلمان الهندي من الحزب الحاكم «بي جي بي» - بيانًا استفزازيًا. قال الوزير وهو بخاطب بعض التجمعات-: «اهدموا جامع دهلي الشهير، ستجدون تحت سلالمه «تماثيل» وإلا فاقتلوني شنقًا.

     وأضاف قائلًا: «أول بيان أدليته حين خضت في مجال السياسة، كان في مدينة «مثورا» و ناديت في حينه: «تخلوا –أيها المسلمون- عن مسجد أيودهيا، ومصلى «مثورا»، و انقضوا جامع دهلي»، ستجدون تحت سلالمه تماثيل، وإلا فاقتلوني شنقًا. وأنا مصر على ذلك ليومي هذا.

     وزعم الوزير المذكور أن الملوك المسلمين المغول تلاعبوا بعواطف الهندوس، وقاموا بإقامة أكثر من ثلاثة آلاف مسجد على أنقاض المعابد الهندوسية. وجاء بيان «شاكسي مهاراج» في الوقت الذي اشتعلت فيه الحرب السياسية فيما يخص بناء معبد رأس الإله «راما» على أنقاض المسجد البابري».

     (صحيفة «انقلاب» الأردية اليومية، دهلي الجديدة/ ميروت،ص11، السنة:6، العدد: 297، السبت: 15/ربيع الأول1440هـ الموافق 24/نوفمبر2018م).

*  *  *

رئيس منظمة «وشوا هندو بريشاد»: قد عيل صبرنا، ولقد آن الأوان لشن حركة موسعة

ناغفور(الوكالات)

     في الوقت الذي يعيش البلاد وضعًا حرجًا من جراء تجمع عدد كبير من أنصار المنظمات الهندوسية المتطرفة في مدينة «أيودهيا» حيث يقع المسجد البابري المدمر على أيدي الحشود المتطرفة قبل عقدين فأكثر، مارس رئيس منظمة «وشوا هندو بريشاد» الضغوط على الحكومة من مدينة «ناغفور» مقر المنظمة في الهند. وصرح وهو يخاطب مسيرات للمنظمة بأنه قد عيل صبرنا، ولقد آن الآوان لشن حركة موسعة في هذا الصدد».

     واستطرد قائلًا: «العدل المتكامل لايعني إلا إنشاء المعبد في أقرب وقت ممكن، وحيث إنه ليس من أولويات المحكمة فلتنظر الحكومة كيف تسنُّ قانونًا يقضي بإنشاء المعبد».

     وأضاف قائلًا: «لابد أن يقوم الناس في البلاد قومة واحدة من جديد لإنشاء المعبد، و يجب أن يقام المعبد على النموذج الذي وضعناه... ونحن نطالب بذلك منذ سنوات عدة دون أن يلاقي نداؤنا آذانًا صاغيةً».

(صحيفة «انقلاب» الأردية اليومية، دهلي الجديدة/ ميروت، ص1، السنة:6، العدد: 299، الاثنين: 17/ربيع الأول 1440هـ الموافق 26/نوفمبر 2018م).

 

إلى المحتويات

 

 

أنباء الجامعـة

رئيس الجامعة: على الحكومتين: المحلية والمركزية أن تقوما بمسؤليتهما بكل أمانة وجدية تجاه الوضع المخوف في مدينة «أيودهيا» حيث يقع المسجد البابري المدمر على أيدي حشود متطرفة قبل عقود

بقلم:  مساعد التحرير

 

     دعت بعض المنظمات الهندوسية المتطرفة أمثال آر إيس إيس، ووشوا هندو بريشاد إلى اجتماع ديني موسع، في مدينة «أيودهيا» حيث يقع المسجد البابري وقامت بتعبئة الناس من المناطق القريبة والنائية في البلاد، وذلك بهدف تصعيد نشاطات بناء المعبد على أنقاض المسجد البابري المدمر على أيدي حشود متطرفة قبل عقدين فأكثر، وطالب رئيس الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند فضيلة الشيخ المفتي أبو القاسم النعماني -حفظه الله- الحكومتين المركزية والإقليمية إلى ضرورة قيامهما بمسؤوليتهما تجاه الأوضاع التي تعيشها المدينة والتي تقلق المسلمين المتواجدين في أعقاب توجه عدد هائل من أعضاء هذه المنظمات إليها، وقال فضيلته: «إن أنباء مخيفة تتوالى إلينا فيما يخص الحشود التي تتجمع في المدينة. وتشعر الأقليات وخاصة المسلمون بمخاوف زائدة على أنفسهم وأموالهم، ويعيشون هلعًا وذُعرًا شديدين، كما تفيد بعض الأنباء بمغادرة بعض المسلمين من سكان المدينة إلى أماكن أخرى آمنة، ومن واجب الحكومة والشرطة المحلية أن تقوم بواجبها تجاه تأمين سكانها وبسط الأمن في المنطقة بكل أمانة وجدية.

(صحيفة «انقلاب» الأردية اليومية، دهلي الجديدة/ ميروت، ص3، السنة:6، العدد:298، الأحد: 16/ربيع الأول 1440هـ الموافق 25/نوفمبر 2018م).

*  *  *

أنكر أغروال: لِدار العلوم/ديوبند دور أساسي في تحرير البلاد

 

     زار أنكر أغروال-ضابط في المنطقة- الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند في 22/نوفمبر عام 2018م، واجتمع برئيس الجامعة فضيلة الشيخ المفتي أبو القاسم النعماني -حفظه الله-، في دارالضيافة الجامعية. وأطلعه فضيلة الشيخ النعماني على ما قام به عظماء الجامعة من الخدمات النيرة  الأساسية في تحرير البلاد من الاستعمار البريطاني، وتطويرها ورقيها. وأضاف فضيلته: «يبلغ عدد طلاب الجامعة حاليا نحو خمسة آلاف، تكفل الجامعة لهم الدارسة والسكن والطعام والعلاج، وتتبع الجامعة منهج التعليم المجاني في كافة المراحل التعليمية، وتغطي ميزانيتها بالتبرعات الشعبية الهندية، ولاتقبل مساعدات من الحكومات.

     وأعرب الزائر «أغروال» عن سروره وفرحته بما اطلع عليه من تاريخ الجامعة المجيد وخدماتها النيرة على كافة المستويات التعليمية، وقال: «لقد قامت دارالعلوم بخدمات جليلة لن تنكر ولن تنسى أبد الدهر، ولعبت في تحرير البلاد دورًا رياديًا. واعتبر زيارته للجامعة سعادة له أي سعادة. وقال: لقد وجدت بعد زيارتي لها أكثر مما سمعت عنه قبلُ.

(صحيفة «انقلاب» الأردية اليومية، دهلي الجديدة/ ميروت، ص3، السنة:6، العدد:296، الجمعة: 14/ربيع الأول1440هـ الموافق 23/نوفمبر 2018م).

 

إلى المحتويات

 

إشراقة

قيمة احترام المشاعر في الإسلام

 

     المشاعرُ والأحاسيسُ (Feelings) لها قيمةٌ كبيرةٌ في الدين والأخلاق، ولهذا احْتَرَمَها الإسلامُ كلَّ الاحترام، ورَكَّزَ عليه – احترامها – بتعاليمه وتوجيهاته، ودعا دعوةً قويّةً إلى اجتناب كلٍّ شيء من القول والفعل يجرحها. إن جرحَ المشاعر (Wounded feelings) إنما يعني تحطيم إنسان من الداخل؛ ولذلك عَرَّف النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- المسلم بأنه من سَلِمَ المسلمون من سلوكه الباطن والظاهر فقال: «المسلمُ مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده» (صحيح البخاري: 10؛ صحيح مسلم: 40)

     وذلك لأنّ جرحَ المشاعر إنما يعني الإساءةَ إلى أحد إساءة معنويّة وإصابتَه بصدمة نفسيّة في ضربٍ لكلِّ قيمة خُلُقِيَّة عُرْضَ الحائط؛ فهذا التصرّفُ أي جرحُ المشاعر يتصادم مع التعليم الإسلامي؛ لأن دعائم الإسلام قامت على أساس أخلاقي، وقد قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مُوضِحًا الغرضَ الأوَّلَ الأساسيَّ من بعثته؛ بصياغة صريحة، لا غموضَ فيها ولا مجالَ لتأويلٍ: «إنما بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ» (مالك في مُوَطَّئِه: 1609)

     إنّ جرحَ المشاعر تصرفٌ سلبيٌّ بكل ماتحمله الكلمةُ من معنى، لا يُقْدِم عليه أَيُّ إنسان في صدره قلبٌ حيٌّ نابض بالوعي الصادق والحسّ السليم. واحترامُ مشاعر الآخرين لا يتبنّاه إلا من يحترم مشاعرَه هو، ولا يحترم مشاعره إلّا من يُحِسُّ بها، ولا يُحسِّ بها إلّا من يَتَمَتَّع بالرِّقَّة واللُّطْف، والتعاطف وسُمُوِّ النفس، والصفاء الروحي، والخُلُق السامي.

     إن من أَمَسِّ حاجات الإنسان في الدنيا أن تُقَدَّرَ مشَاعرُه من قبل مَنْ يَحْتَكُّ به، فتقديرُها أَهَمُّ مايُرِيحُ الإنسانَ ويُثْلِج صدرَه، وعدمُ تقديرها أَشَدُّ ما يُزْعِجُه ويُرْبِكه ويُحْرِجُه؛ بل يُحْزِنُه.

     الإنسانُ ينجذب، انجذابًا أَسْرَعَ من انجذاب القِطَع الحديديّة إلى المغناطيس، إلى كل من يدرك مشاعرَه ويَتَفَهَّمُها فيُقَدِّرها ويحترمها ويَصْدُرُ في التعامل معه عن هذا الإدراك والتفهّم والتقدير والاحترام؛ ويُعْرِض كلَّ الإعراض عن كل من لا يدرك مشاعره فلا يُقَدِّرُهَا. وإدراكُ مشاعر الآخرينَ يَتَأَتَّىٰ من خلال قراءة تصرفاتهم وما يترك عليها المشاعرُ من آثار وتداعيات. وتقديرُ المشاعر يتمثل في ثلاثة أمور:

     (ألف) إدراكُ المشاعر: فالمرءُ يرتاح بنحو طبيعي للرجل الذي يراه منزعجًا فيبادر إليه قائلًا: «ما لي أراك منزعجًا بشدة».

     (ب) تَفَهُّمُ المشاعر دون الحكم عليها؛ فالإنسانُ يرتاح عندما يَتَفَهَّم مَنْ حولَه مشاعرَه دون إبداء رأيهم فيها، مُكْتَفِين بمثل القول الآتي: «نُدْرِك جيِّدًا أن هذه القضية التي نَابَتْك مُزْعِجَةٌ لك للغاية؛ لأنها شائكة لحدٍّ لا يوصف» أو «الشغل الذي كنتَ قد تَعَرَّضْتَ له كُنْتَ مُضْطَرًّا للتعرُّض له» أو «الخسارةُ التي لَحِقَتْك لم تَلْحَقْ لدَخَلٍ – عيب – فيك».

     (ج) التعاطف: وهو الإحساسُ بمشاعر الآخرين، والإعرابُ عن ذلك بمثل قولك لهم: «أفهم ما تَشْعُرُ به، فقد سَبَقَ أن مَرَرْتُ بمثل هذا الموقف» أو: «قد وَاجَهَني هذا الشعورُ من قبل، فأنا أفهم شعورَك تمامًا». أو «لا تخجل في إبداء ما يتنتابك من الشعور؛ فإني أفهمه مُسْبَقًا؛ لأني مررتُ به في مواقف كثيرة».

     الإنسان الذي يتعامل مع مشاعر أخيه يَكْسِب ودَّه وأُلفتَه بلا حدود، ويُعَدُّ كريمًا في المجتمع الذي يعيشه؛ لأن هذا السلوك يدلّ على أصالة منبته، ونبل أصله، وطيب منشئه؛ فمراعاةُ المشاعر اعْتُبِرَت من أسمى الأخلاق والقيم الإنسانية العظيمة؛ لأنها مما يزيد الودَّ رسوخًا ويُؤَلِّف بينَ قلوب أفراد المجتمع، ويجعلهم إخوةً متحابين متضامنين.

     وقد وضع الإسلام أُسُسًا ومَبَادِئَ إذا تَقَيَّدَ بها الإنسان تَحَقَّقَ بها عفويًّا احترامُ المشاعر وتقديرُها.

     منها تَبَنِّي أدب الحديثِ، الذي يعني أن يكون الإنسانُ رفيقًا لَيِّنًا في الحديث مع المُخَاطَب، ولايكون فظًّا لَاذِعَ اللسان، قال تعالى:

     «فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ» (آل عمران/159).

     لأن الرفق ما كان في شيء إلّا زانه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الرفق لايكون في شيء إلّا زَانَه، ولا يُنْزَع من شيء إلّا شَانَه» (مسلم:2594) وقال: «إن الله رفيق يُحِبُّ الرفقَ في الأمر كله» (متفق عليه: البخاري:6927؛ ومسلم:2593) وقال: «إنّ الله رفيقٌ يُحِبّ الرفقَ، ويُعْطِي على الرفق ما لا يُعْطِي على العُنْف وما لا يُعْطِي على ما سواه» (مسلم:2593).

     وأمر الله تعالى بإحسان القول للناس، فقال: «وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا» (البقرة/83). و«حُسْنُ القول» تعبير قرآني شامل يجمع بين كل ما يجعل الكلامَ حسنًا جميلًا طيبًا وبين كل ما حَسُنَ وطابَ من الأقوال التي تجلب الخيرَ والفضلَ والصلاحَ وتدفع الشرَّ والفساد والمضرة؛ فعن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس المؤمن بالطعَّان ولا اللّعَّان ولا الفاحش ولا البذيء» (الترمذي: 1977؛ وأحمد:3839؛ والحاكم:29؛ وابن حبان: 129).

     وكان -صلى الله عليه وسلم- يُرَاعِي في الحديث الأسلوبَ الذي يُؤلِف الناسَ ولا يجعلهم ينفرون، فكان يُعَمِّم الخطابَ لدى النهي الذي كان يريد أن يُوَجِّهه إلى أحد من أصحابه ولا يخصّه بالخطاب حتى لا يَشْعُر بالتضايق والخجل والانزعاج والتجرّح أمام الناس؛ فيراعي -صلى الله عليه وسلم- مشاعرَ المُخْطِئ إذا نَبَّهَه إلى خَطَئِه، فكان شعاره -صلى الله عليه وسلم- لمن أَخْطَأَ أن يقول له: «ما بالُ أقوام؟» فعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: «كان النبيّ -صلى الله عليه وسلم- إذا بَلَغَه عن الرجل شيءٌ لم يقل: «ما بال فلان يقول؟» ولكن يقول: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا» (رواه أبوداود: 4788).

     وكذلك وجب على الداعي الناصح – حسب تعليمات الإسلام – أن يُوَجِّهَ النُّصْحَ إلى المنصوح سِرًّا لا علانية وفي الخلوة لا في المجلس؛ لأن توجيهَ النصح إلى المنصوح في الجماعة يكون سببًا مُبَاشِرًا في جرح مشاعره وكسر خاطره وإحزانه وإحراجه. وقد صدق الإمام الشافعي – رحمه الله - عند ما قال يَحُثّ الناصحَ على النصح في الخلوة:

تَعَمَّدْنِي بِنُصْحِكَ فِي انْفِرَادِي
وجَنَّبْنِي النًّصِيحَةَ فِي الجَمَاعَهْ
فَإِنَّ النُّصْحَ بَيْنَ النَّاسِ نَوْعٌ
مِنَ التَّوْبِيخِ لَا أَرْضَى اسْتِمَاعَهْ
وَإِنْ خَالَفْتَنِي و عَصَيْتَ قَوْلِي
فَلَا تَجْزَعْ إِذَا لم تُعْطَ طَاعَهْ

     وإذا اضْطُرَّ الداعي إلى توجيه النصح لمُخْطِىءٍ علانيةً، وَجَبَ عليه أن يتعامل برفق ولين وحكمة ولباقة؛ فقد نَصَحَ النبيُّ في بعض المواقف المُلِحَّة علانيةً؛ ولكنه صَدَرَ فيه – النصح – عن لباقة اجتماعيّة فريدة بحيث كَسَبَ وُدَّ المخطئ وحَفِظَ مشاعره أن تُجْرَحَ، فعن أنس – رضي الله عنه – قال: «بينما نحن في المسجد مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذ جاء أعرابيٌّ، فقام يبول في المسجد، فقال أصحابُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مَهْ مَهْ (ما هذا) فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: لا تَزْرِمُوه (لا تقطعوا بوله) دَعُوه. فتركوه حتى بَالَ. ثم إنّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعاه فقال له: إنّ هذه المساجدَ لا تَصْلُح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله عَزَّ وجلَّ والصلاة وقراءة القرآن. ثم أمر رجلًا من القوم، فجاء بدلوٍ من ماء فصَبَّه عليه» (البخاري: 6025).

     إنّ الأسلوبَ الرفيقَ الرقيقَ الهَيِّن اللَّيِّن النابع من اللَّبَاقَة هو أَفْعَلُ شيء في قلوب المُخَاطَب لا يَتَحَقَّقَ به احترامُ مشاعره فحسبُ؛ بل يتحقق به كسبُ قلبه، وتملّكُ عقله عليه، وامتلاكُ مشاعره، بل استعبادُ شخصه وتسخيره لما يريده المُخَاطِب الذي يُحَاوِره فِي غَرَض من الأغراض. الكلمةُ الصادرةُ عن هذا الأسلوب هي الكلِمَةُ التي تُصَنَّف «طَيِّبَةً» والتي عَدَّها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- صدقةً فقال: «الكلمةُ الطَّيِّبَة صدقة» (البخاري: باب طيب الكلام تعليقا؛ وأحمد: 8083)؛ لأنها تُؤَثِّر حتى في قلوب الأعداء؛ فقد وَرَدَ في الحديث أن عائشة – رضي الله عنها – قالت ذاتَ مرّة لليهود: «وعليكم السامُ واللعنةُ» فقال لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَهْلَا يا عائشة؛ فإنّ اللهَ يُحِبُّ الرفقَ في الأمر كله» (البخاري: 6024؛ ومسلم: 2165).

     ومنها – أي من المبادئ التي إذا تَقَيَّدَ بها الإنسانُ تَحَقَّقَ احترامُ المشاعــــــر – المـدارةُ. وهي – كما قال ابن بطّال (أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال البكري القرطبي المتوفى 449هـ/ 1057م) – من أخلاق المؤمنين، وهي: خفضُ الجَنَاح للنّاس وترك الإغلاظ لهم في القول. وقد قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: «مُدَارَةُ الناسِ صدقةٌ» (الطبراني: 463؛ وابن السني: 325).

     جاء في صحيح البخاري: «أن رجلًا اسْتَأْذَنَ على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فلما رآه قال: بِئْسَ أخو العشيرةِ، فلمّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في وجهه وانْبَسَطَ إليه، فلما انْطَلَق الرجلُ، قالت له عائشةُ: يا رسول الله! حين رأيتَ الرجلَ قلتَ كذا وكذا، ثم تَطَلَّقْتَ في وجهه وانبسطتَ إليه، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: يا عائشة! متى عَهِدْتِنِي فَاحِشًا؟ إن شرَّ الناس عند الله منزلةً يومَ القيامةِ مَنْ تَرَكَه الناسُ لقاءَ فَحْشِه» (صحيح البخاري: 6032).

     قال ابن حجر (شهاب الدين أبو الفضل أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني ثم المصري الشافعي: 773-852هـ = 1372-1449م) في الفتح: «وهذا الحديثُ أصلٌ في المداراة» (10/454).

     ونقل ابن حجر قول القرطبي: (أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي: مابين 600 و610-671هـ = 1203 و1213=1272م) «والفرق بين المُدَارَاة والمُدَاهَنَة أن المداراة بذلُ الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أوهما معًا، وهي مُبَاحَة، وربما اسْتُحِبَّتْ. والمُدَاهَنَةُ تركُ الدين لصلاح الدنيا» (فتح الباري: 10/454).

     وأكثر ما تتجلّى المُدَارَاةُ في التلطّف والاعتذار والبَشَاشَة والتبسّم والثناء على الرجل بما هو فيه مَصْلَحَةٌ شرعيّة.

     ومنها – أي من المبادئ التي إذا تَقَيَّدَ بها الإنسانُ تَحَقَّقَ احترامُ المشاعر – اجتنابُ المُزَاح المُخَالِف للسنّة، فمن المعلوم أن المُزَاحَ مشروعٌ في الإسلام؛ لأنه يعني ترويحًا عن النفس بما يُخَفِّف من الكلمات والصياغات التعبيرية الذكيّة الأدبيّة العفويةِ عنها – النفس – أعباءَ الحياة وهمومَها. ولا حرجَ فيه في شريعتنا ما دام مضبوطًا بهدي النبيّ -صلى الله عليه وسلم- ولا يُؤَدِّي إلى ضرر ماديّ أو معنويّ للمازح أو الممزوح أو جرح مشاعره. وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يُمَارِس المُزَاحَ مع أصحابه ويُدَاعِبُهم؛ ولكنه لا يقول في المُزَاحِ والمُدَاعَبَة إلّا حَقًّا وصِدْقًا، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قالوا: يا رسول الله! إنك تُدَاعِبُنا. قال: «نعم؛ غير أني لا أقول إلّا حقًّا» (الترمذي:1990). وعن يزيد الثقفي – رضي الله عنه – أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يَأْخُذَنَّ أحدُكم متاعَ أخيه لاعبًا ولا جادًّا» (أبوداود: 5003).

     إن المُزَاحَ كثيرًا ما يتجاوز فيه المازحُ الحدودَ الشرعيّة؛ فيعود صنيعُه جارحًا للمشاعر، صادمًا للقلوب، موجعًا لمن يُمَازِحه؛ لأن المازح ربما يتجاوز الخطوطَ الحمراءَ في ممارسته للمُزَاحِ، فيُحْدِث ذلك شرخًا في العلاقات، ويُسَبِّب أضرارًا فادحةً للجانبين، وقد يُعَمِّق العداءَ بين المازح والممزوح، ويُدِيم التباغضَ بينهما؛ لأن المُزَاحَ عندما يتجاوز الحدَّ يدخل إلى الباطل ويَتَرَتَّب عليه الاستهزاءُ بالآخرين، وكشفُ عيوبهم التي ربما يُحَاوِلُون سترَ نفوسهم بشأنها وأن لا يفتضحوا بها، فيأتي المازحُ ويَتَمَادَىٰ في هتك أعراضهم في النوادي وعلى رؤوس الأشهاد؛ فيَتَعَرَّوْن من حيث يريدون التستَّرَ. إن هذا التصرّفَ المُزَاحِيَّ الأخرقَ يُسْفِر عن العداوة والبغضاء والقطيعة بين الناس، وعن إحراجهم وإثارة مشاكل أمامهم.

     ولذلك بينما قال الشاعر في تأييد كونِ المُزَاحِ مشروعًا مُبَاحًا في الإسلام:

يَظُنُّ النَّاسُ أَنَّ المَزْحَ عَيْبٌ
وَقَدْ مَزَحَ النَّبِيُّ بِلَا ارْتِيَابِ
وَكُلُّ مُزَاحِهِ صِدْقٌ وَّ حَقٌّ
وكُلُّ كَلَامِهِ فَصْلُ الْخِطَابِ
وَ تَسْأَلُهُ الْعَجُوزُ عَنِ الْجِنَانِ
فَيَنْفِي سِنَّهَا بَلْ لِلشَّبابِ
ويُخْبِرُهَا بِأَنْ سَتَكُونُ حُوْرًا
فيُبْكِيهَا و تَرْضَىٰ بِالْجَوَابِ

     إذ قال شاعر آخر في التقيد بالاحتياط والقيم الدينية والآداب الشرعية في المُزَاحِ:

مَازِحْ صِدِيقَكَ مَا أَرَادَ مُزَاحًا
فَإِذَا أَبَاهُ فَلَا تَزِدْهُ جِمَاحًا
فَلَرُبَّمَا مَزَحَ الصَّدِيقُ بِمَزْحَةٍ
كَانَتْ لِبَابِ عَدَاوَةٍ مِفْتَاحًا

وقال آخر:

وَلَا تَمْزَحْ؛ فَإِنَّ المَزْحَ جَهْلٌ
وبَعْضُ الشَّرِّ يَبْدَؤُهُ المُزَاحُ

     ومنها – أي من المبادئ التي يجب التَّقَيُّدُ بها احترامًا لمشاعر الآخَرين- : الشعورُ بحاجة المحتاجين قبل مسألتهم غيرَهم قضاءَها؛ فقد حَثَّنَا على ذلك النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: بينما نحن في سفر مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ جاءَ رجلٌ على رَاحِلَة له. قال: فجَعَلَ يصرف بصرَه يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: «من كان معه فضلُ ظهرٍ فَلْيَعُـــدْ بــــــــه على من لا ظهَر لـــــه، ومن كان له فضلٌ من زاد فَلْيَعُدْ بـــــــــه على مــــن لا زادَ لــــه». قال: فَذَكَرَ من أصناف المال ما ذَكَرَ، حتى رأينا أنه لا حَقَّ لأحد منّا في فضل. (مسلم:1728). و«الظهر» الدابّة يركب عليها.

     وقد رَكَّزَ دينُنا الحنيفُ على ذلك تركيزًا لا يُتَصَوَّر فوقَه، ودعا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إلى ذلك بقوله وفعله وبَيَّنَ فضله، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من نَفَّسَ – أزال – عن مؤمن كُرْبَةً من كُرَب الدنيا نَفَّسَ اللهُ عنه كُرْبَةً من كُرَب يوم القيامة، ومن يَسَّرَ على مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللهُ عليه في الدنيا والآخرة، ومن سَتَرَ مسلمًا سَتَرَه اللهُ في الدنيا والآخرة، واللهُ في عَوْن العبدِ ما كان العبدُ في عَوْن أخيه» (مسلم:2699).

     قال الإمام النوويّ – رحمه الله – في شرحه لصحيح مسلم: «وهو حديثٌ عظيمٌ، جامعٌ لأنواع من العلوم والقواعد والآداب. وفيه فضلُ قضاء حوائج المسلمين، ونفعِهم بما تَيَسَّرَ من علم أو مال أو معاونة، أوإشارة بمصلحة، أو نصيحة وغير ذلك». (17/21).

     وقد رَوَىٰ مسلمٌ مثلَ ذلك عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- وروى الطبراني كذلك عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رجلًا جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسولَ الله! أيُّ الناس أحبُّ إلى الله؟ وأيُّ الأعمال أحبُّ إلى الله؟، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أحبُّ الناس إلى الله تعالى أنفعُهم للناس، وأحبُّ الأعمال إلى الله تعالى سرورٌ تُدْخِلُه على مسلم، أو تكشف عنه كُرْبَةً، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أَمْشِيَ مع أخٍ في حاجة أحبُّ إليّ من أن أعتكف في هذا المسجد (أي المسجد النبوي بالمدينة المنورة) شهرًا، ومن كَفَّ غَضبَه سَتَرَ اللهُ عورتَه، ومن كَظَمَ غيظَه – ولو شاء أن يُمْضِيَه أَمْضَاه – مَلَأَ اللهُ قلبَه رجاءً يومَ القيامة، ومن مَشَىٰ مع أخيه في حاجةٍ حتى يُثْبِتَها له أَثْبَتَ اللهُ قدمَه يومَ تزول الأقدامُ» (الطبراني: 861).

     إن قضاء حوائج الناس عبادةٌ في الإسلام ترتفع به الدرجاتُ، وتُمْحَىٰ به السَّيِّئَاتُ، ويَتَقَرَّب به العبدُ إلى ربّه، ويَسُرُّ به قلبَ المحتاج، ويُقَدِّر بذلك مَشَاعِرَه، ويُثْلِج صدرَه، ويُقِرُّ به عينه، ويَتَّبِع به سنّةَ نبيه، ويَصِيرُ به من أولياء الله المُتَّقِين، وعباده الصالحين، فيستحق به بفضل الله جناتِ النعيم، ويزرع به المَحَبَّةَ في المُجْتَمَع الإنسانيّ، ويُؤَلِّف به القلوبَ، ويجمع به الشملَ، ويقضى به على الاختلاف والشتات، ويكسب به القلوبَ، ويَتَحَبَّبُ به إلى الناس وربِّ الناس، ويُرَسِّخ به الأُخُوَّةَ، ويُكَرِّس به الإنسانيةَ والمروءةَ، ويُحَقِّق به مَعْنَى المواساةِ في أجلى صورها، وأبرع دلالاتها، وأروع إشاراتها.

     وفي ذلك قال الشاعر:

أَحْسِنْ إِلَى النَّاسِ تَسْتَعْبِدْ قُلُوبَهُم
فَطَالَمَا اسْتَعْبَدَ الْإِنسَانَ إِحْسَان
وَكُنْ عَلَى الدَّهْرِ مِعْوَانًا لِذِي أَمَلٍ
يَرْجُو نَدَاكَ فَإِنَّ الحُرَّ مِعْوَان
مَنْ جَادَ بِالْمَالِ مَالَ النَّاسُ قَاطِبَةً
إِلَيْهِ وَالْمَالُ لِلْإِنْسَانِ فَتَّان

     وقال أبو العتاهية (إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني أبو إسحاق الشهير بـ«أبي العَتَاهِيَّة»: 130-211هـ = 747-828م).

اِقْضِ الحَوَائِجَ مَا اسْتَطَعْتَ
وَكُنْ لِهَمِّ أَخِيكَ فَارِجْ
فَلَخَيْرُ أَيَّامِ الْفَتَىٰ
يَوْمٌ قَضَىٰ فِيهِ الْحَوَائِجْ

وقال آخر:

النَّاسُ بِالنَّاسِ مَادَامَ الْحَيَاءُ بِهِمْ
وَالسَّعْدُ لَا شَكَّ تَارَاتٌ وهَبَّات
وَأَفْضَلُ النَّاسِ بَيْنَ الْوَرَىٰ رَجُلٌ
تُقْضَىٰ عَلَىٰ يَدِهِ لِلنَّاسِ حَاجَات
لَا تَمْنَعَنَّ يَدَ الْمَعْروفِ عَنْ أَحَدِ
مَا دُمْتَ مُقْتَدِرًا فَالسَّعْدُ تَارَات
وَاشْكُرْ فَضَائِلَ صَنْعِ اللهِ إِذْ جُعِلَتْ
إِلَيْكَ لَا لَكَ عِنْدَ النَّاسِ حَاجات
قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَمَا مَاتَتْ مَكَارِمُهُمْ
وَعَاشَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاسِ أَمْوَات

     ومنها – من المبادئ التي يجب التَّقَيُّدُ بها احترامًا للمشاعر – اجتنابُ التناجي. و«التناجي» هو التَّحَدُّث بين اثنين سِرًّا بصوت مُنْخَفِض وغيرِ مسموعٍ. وقد نهى نبيُّنا المصطفى -صلى الله عليه وسلم- عن التناجي بين اثنين إذا كان الحاضرون ثلاثة. وذلك مراعاةً لشعور الثالث. وقد صَرَّحَ العلماء بأنه يدخل في النهي كذلك أن يتكلم اثنان بلغة أجنبية لا يَفْهَمُها الثالثُ، فقد جاءَ في الحديث الذي رواه عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا كنتم ثلاثةً فلا يَتَنَاجَ اثنانِ دون الثالث» (البخاري: 6290) وجاء في الحديث الذي رواه عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا كنتم ثلاثةً فلا يَتَنَاجَ اثنان دون صاحبهما؛ فإن ذلك يُحْزِنُه» (مسلم:2184).

     قال العلماء: وإنما قال -صلى الله عليه وسلم-: «يُحْزِنه» لأنه قد يَتَوَهَّم أن نجواهما إنما هي سوءُ رأيهما فيه، أو لدسيسة غائلة له. كما قالوا: إن نجوى اثنين دون الآخر تُشْعِرُه بمهانته وذلّه، ويتحرج نفسيًّا ويتأذى شعوريًّا. وإيذاءُ المؤمن حرامٌ لقوله تعالى:

     «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا» (الأحزاب: 58).

     ويجوز أن يَتَنَاجَىٰ اثنان بإذن الثالث، ففي رواية عن ابن عمر – رضي الله عنهما - «إذا كنتم ثلاثةً فلا يَتَنَاجَ اثنانِ دون الثالث، إلّا بإذنه؛ فإن ذلك يُحْزِنُه» (مسند أحمد 6338) أما إذا كان العدد أكثر من ثلاثة فيجوز أن يَتَنَاجَىٰ اثنانِ دون البقيّة، فقد روى أبوداود: «قال أبو صالح: فقلتُ لابن عمر: فأربعة؟. قال: «لا يضرّك» (سنن أبي داود: 4852) قال النووي – رحمه الله – (هو شارح صحيح مسلم أبو زكريا يحيى بن شرف الحزامي النووي الشافعي 631-676هـ = 1233-1277م): «أما إذا كانوا أربعةً، فتَنَاجَىٰ اثنان دون اثنين، فلا بأسَ بالإجماع» (شرح النووي على مسلم 14/167).

     ومنها – أي من المبادئ التي إذا تَقَيَّدَ بها الإنسان تَحَقَّقَ احترامُ المشاعر – اجتنابُ إزعاج الغير بالضوضاء ورفع الصوت زائدًا عن قدر الحاجة. ففي الحديث عن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال: اعتكف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في المسجد، فسَمِعَهم يَجْهَرُون بالقراءة، فكَشَفَ السترَ، وقال: «ألا إنّ كُلَّكم مُنَاجٍ رَبَّه، فلا يُؤْذِيَنَّ بعضُكم بعضًا، ولا يَرْفَعْ بعضُكم على بعض في القراءة، أو قال: في الصلاة» (أبوداود:1332).

     إنّ الحديث دَلَّ على أن المسلمَ مُطَالَبٌ أن لا يُؤْذِيَ أحدًا بأي من السلوك حتى رفع الصوت في التلاوة وذكر الله، فضلًا عن غيره من التصرفات التي تُزْعِج الناسَ وتَسْلُبُهم طمأنينتهم وارتياحَهم وتُخِلّ بما هم فيه من أعمال الدين والدنيا.

     بل إن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- أَمَرَ المسلمَ بأن يلتزم جميعَ الآداب التي تساعد على مراعاة المشاعر، واحترام الإنسانية، وتُجَنِّبُه إزعاج أحد نفسيًّا، وإشعارَه بمُرَكَّبِ النقصِ والدونيّة، واضطرارَه إلى التأذي القلبيّ والتألّم الداخليّ. فأَمَرَ -صلى الله عليه وسلم- بمراعاة أصحاب المِهَنِ والمُسْتَوَيَات الاجتماعيّة الضعيفة، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أتى أحدَكم خادمُه بطعام، فإن لم يُجْلِسْه معه، فليُنَاوِلْه لقمةً أو لُقْمَتَيْنِ» (البخاري:2557).

     وفي رواية لابن ماجه: «فإنّه هو الذي وَلِيَ حَرَّه ودخانَه» أي طبخه. (ابن ماجه: 3291).

     وقد رَاعَى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- مشاعرَ الأمّ تجاهَ طفلها، حتى في الصلاة. ومن خلال سلوكه الكريم هذا عَلَّمَ الأمة أن تقتدي به في ذلك في مراعاة مشاعر الضعفاء، فعن أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال: «إني لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطَالَتَها، فأسمع بكاءَ الصبيّ، فأَتَجَوَّزُ في صلاتي، مما أعلم من شدّة وجدِ أُمِّه من بكائه» (البخاري: 707).

     كما دعا -صلى الله عليه وسلم- إلى احترام مشاعر ذوي الحاجات الخاصّة والمرضى بالأمراض المستعصية التي يستقذر منها الناس في الأغلب، فنهى عن إحداد النظر إليهم، وإحراجهم وجرح مشاعرهم، فعن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تُدِيمُوْا النظرَ إلى المجذومين» (ابن ماجه: 3543) ولذلك أَكَّدَ العلماءُ أن الذكر الواردَ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- عند رؤية المُبْتَلَىٰ بداء عضال وهو: «الحمدُ للهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وفَضَّلَنِي على كثير مِمَّنْ خَلَقَ تفضيلًا» إنّما يُؤَدَّىٰ سِرًّا، لا جهرًا، حتى لا يُحْرَجَ المُبْتَلَىٰ بالعَاهَةِ والمرضِ، ولا تنجرح مَشَاعِرُهُ، فيعود وبالُ ذلك على الصحيح الذي قام بهذا الذكر.

     وترويضًا للأمة على احترام مشاعر الناس في كل موقف وبكل أسلوب ممكن، نهى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن سبّ الأموات مهما كانوا ممن يَسْتَحِقُّونَ السبَّ حين كانوا أحياءَ، وذلك تجنيبًا لأقاربَ الأموات الأحياء التأذيَ، فقالت عائشة – رضي الله عنها -: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تَسُبُّوا الأمواتَ؛ فإنهم قد أَفْضَوْا إلى ما قَدَّموا» (البخاري: 6516).

     وقد أَكَّدَ -صلى الله عليه وسلم- على مُرَاعَاة مشاعر كلّ من الصغير والكبير، فالصغيرُ تُرَاعَىٰ مشاعرُه برحمته، والشفقة عليه، وإشعاره بحبّه، والعطف عليه، والحرصِ على مصالحه، وصونه من كلِّ سوء ومكروه، فيما يتعلق بدينه ودنياه. والكبيرُ تُرَاعَى مَشَاعِرُه بتوقيره، والاهتمام بشخصه، وإشعارِه بتوقيره، واحترام كِبَرِ سنّه، فقد قال أنس بن مالك – رضي الله عنه -: جاء شيخٌ يريد النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فأَبْطَأَ القومُ عنه أن يُوَسِّعُوا له، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ليس منّا من لم يَرْحَمْ صغيرَنا ويُوَقِّر كبيرَنا». (الترمذي:1919).

     إن في حياة النبيّ -صلى الله عليه وسلم- وسيرته العطرة درسًا شَامِلًا لجيمع الآداب التي يستقيم بها مَسَارُ الحياة، وتَتَهَذَّب به النفوسُ البشريّةُ، ويَسْعَدُ به المُجْتَمَعُ، ويكون كلُّ فرد من أعضائه منصهرًا في البوتقة التي يرضاها ربُّ العالمين للإنسان؛ ليكون سعيدًا في نفسه ومُسْعِدًا لغيره، ومُعْطِيًا لكل ذي حَقٍّ حَقَّه، فدعا -صلى الله عليه وسلم- إلى مراعاة حرمة كل إنسان ولا سيما الإنسان المسلم في الجسد والعِرْض والمال والمشاعر، ونهى عن الإساءة إليه بأيّ من التصرف القولي والفعلي، فقال -صلى الله عليه وسلم- في خطبته الشاملة يوم النحر في حجة الوَدَاع: «فإنّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا» (البخاري:67). وقد أعادها النبي -صلى الله عليه وسلم- مرارًا.

     واحترامًا للمشاعر في أدق معانيها نَهَى الإسلام عن الغيبة والنميمة وما إليهما من الأمراض الاجتماعية. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلتُ للنبي -صلى الله عليه وسلم-: حَسْبُك من صفيةَ كذا وكذا – قال بعضُ الرُّوَاة: تعني قصيرةً – فقال -صلى الله عليه وسلم-: «لقد قلتِ كلمةً لو مُزِجَتْ بماء البحر لَمَزَجَتْه» (سنن أبي داود:4875) قال العلماء: معنى «مَزَجَتْه»: خَالَطَتْه مُخَالَطَةً يَتَغَيَّرُ بها طعمُه أو ريحُهه لشدة نَتْنِها. وهذامن أبلغ الزَّوَاجِر عن الغيبة.

     على كل إن الإسلامَ أَوْجَبَ على أبنائه مراعاةَ واحترامَ مشاعر الآخرين، وَعَلَّمَ أدابًا إذا التزموها تَحَقَّقَ هذا الهدفُ الأسمى النبيل على أحسن ما يُرَامُ، وكان على رأسها التلطُّفُ في القول والعمل، ولينُ الكلام، ونعومةُ المنطق، ولباقةُ الحديث، وحسنُ المعاملة، وانتقاءُ الكلمات لدى التحادث، واختيارُ الصياغات التعبيريّة الرشيقة، حتى تتآلَف القلوب، وتجتمع النفوس، ويسود الوئام والتنسيق في المجتمع، ويَسْعَد أبناؤه، وتَصْلُحَ دنيا الإنسان وآخِرَتُه.

 

(تحريرًا في الساعة الرابعة مساءً من يوم الاثنين: 3/ربيع الأول 1440هـ الموافق 12/نوفمبر 2018م).

أبو أسامة نور  

 nooralamamini@gmail.com

إلى المحتويات

 

مجلة الداعي، جمادى الأولى 1440هـ = يناير - فبراير 2019م، العدد: 5، السنة: 43