مجلة الداعي، ربيع الثاني 1440هـ = يناير - فبراير 2019م، العدد: 5، السنة: 43

 

 

الدَّاعِيْ

مجلة عربية إسلامية شهرية

تصدر عن الجامعة الإسلامية : دارالعلوم

ديوبند ، يوبي ، الهند

 

 

ISSN: 2348 – 9472 (Online)

العـــــــــــــــــــــدد : 4 ،    السنـــــــــــــــــــــة :  43

ربيع الآخر 1440هـ = ديسمبر 2018م - يناير 2019م

تحت إشراف

فضيلة الشيخ أبوالقاسم النعماني

رئيس الجامعة

رئيس التحرير

نـور عـالــم خليـل الأمينـي

أستاذ الأدب العربي بالجامعة

الاشتراكات

·      ثمن النسخة:30 روبية هندية

قيمة الاشتراك السنوي

·      في الهند : 300 روبية هندية

·      وفي خارج الهند للأفراد : 60 دولاراً

·     وللمؤسسات الحكومية : 80 دولاراً

المـراسـلات

رئيس تحرير مجلة الداعي

دارالعلوم ، ديوبند ، يوبي ( الهند )

الرمز البريدي 247554

Chief Editor, AL – DAIE

Arabic Islamic Monthly

Darul – Uloom, Deoband – 247554

(U.P.) INDIA

الهاتف والفاكس

Ph. : (00-91-1336) 222429,     Fax : (00-91-1336) 222768

 

المواد التي تنشرها المجلة تعبر عن وجهة نظر كاتبيها و لا تعبّر – بالضرورة – عن رأي المجلة

 

 

المحتويات

 

كلمة المحرر

 

    3    أفحكم الجاهلية يبغون؟

التحرير

كلمة العدد

 

    3    الهندُ تَسْمَح بمُمَارَسَة العَلاقَةِ الجنسيَّةِ خارجَ إطارِ الزَّوَاج

نور عالم خليل الأميني

الفكــر الإسلامي

 

    3    من ظلال التفسير

العلامة الشيخ شبير أحمد العثماني الديوبندي رحمه الله

دراسات إسلامية

 

    3    حاجة البشرية إلى الرسل عليهم السلام

الأستاذ الدكتور إبراهيم عبد الشافي إبراهيم

    3    من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند

الأستاذ سيد محبوب الرضوي الديوبندي رحمه الله

    3    الدعوة الإسلامية في الهند فريضة دينية

عبد الستار الأعظمي القاسمي

3    الشيخ محمد سالم القاسمي رحمه الله ترجمانا للفكر الإسلامي الوسطى

 

الأستاذ محمد شمشاد عالم القاسمي

    3    المال والولد

الأستاذ أحمد سحنون

    3    التجديد والمجددون

الأستاذ قاسم السنبهلي القاسمي

    3    من حقوق المرأة المالية في الإسلام: المهر

الدكتور عبد العظيم أبو زيد

محليــــــــــــــــات

 

3    شاب مسلم يتعرض للضرب على أيدي جموع غاضبة حتى الموت بتهمة سرقة الجاموس

 

مساعد التحرير

أنباء الجامعـــة

 

    3    رئيس الجامعة: من واجبنا توفير نظام تربية وتعليم أحسن

مساعد التحرير

إشـــراقــــــــــة

 

    3    من صفعات الحياة ودروسها

أبو أسامة نور

 

 

كلمة المحرر

أفحكم الجاهلية يبغون؟

 

 

 

    تناقلت بعض الصحف الهندية نبأً يفيد أن الحكومة الجزائرية أصدرت قانونًا يقضي بفرض الحظر على الحجاب الكامل، وحذف البسملة من مقررات المدارس في البلاد، في الوقت الذي تستميت فيه أعداء الثقافة الإسلامية في فرض هيمنة ثقافتهم المعادية للثقافة الإسلامية، على البلاد الغربية والأوربية وخاصةً على الدول المنتمية إلى الإسلام التي بدأت جلُّها إن لم يكن كلها - تنفض يدها مما تبقى من ملامح الإسلام وشعائره البازرة التي تشي بانتمائها الديني. ويلوك أصحاب أمثال هذه القرارات من أذيال الغرب وعملائهم ما أملاه عليهم أسيادهم ومواليهم الغربُ، منها: إن الحجاب هو مصدر البلايا والرزايا والتخلف والتدهور. وقال قائل منهم: إن النسوة اللاتي يرتدين ملابس تغطيهن تمامًا، تجعلهن كالعفاريت.

    ويبدو أن الجزائر تقول بلسان قراراتها السابقة والحاضرة فيما يخص معاداة الثقافة الإسلامية من الحجاب وغيره: إنها ليست بلدًا إسلاميًّا، ولاتريد أن تصير بلدًا إسلاميًّا ولاتستطيع أن تصير بلدًا إسلاميًّا ولو أرادت؛ بل تريد أن تصير أمة بعيدة عن الإسلام كل البعد، في لغتها و ثقافتها ودينها وعنصرها.

    لقد حقق أدعياء الحرية والاستقلال و«التنويريون» في الجزائر ما عجز عنه الاستعمار الفرنسي في سنوات طويلة، لقد كانت الأمة الجزائرية حتى على عهد الاستعمار الفرنسي أمةً أبيةً غَيْرَىٰ على دينها و معتزةً بثقافتها الإسلامية، لاترضى المساومة على مبادئ دينها. ونتذكر هنا موقف أحد العلماء الغيارى آنذاك - وهو ابن باديس- الذي أفشل فكرة اندماج الجزائر في فرنسا، التي خُدع بها كثير من الجزائريين سنة 1353هـ /1936م. ودعا نواب الأمة الجزائريين إلى قطع حبال الأمل في الاتفاق مع الاستعمار، و ضرورة الثقة بالنفس. وقال في حينه: «إن الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولايمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا، ولا تستطيع أن تصير فرنسا لو أرادت؛ بل هي أمة بعيدة عن فرنسا كل البعد، في لغتها، وفي أخلاقها وعنصرها، وفي دينها، لا تريد أن تندمج، ولها وطن محدد معين هو الوطن الجزائري».

    وما أصدق القائل: «إن الحجاب لم يكن ثمرة النكسة بقدر ما كانت النكسة ثمرة التخلي عن الحجاب كمظهر من مظاهر التخلي عن الإسلام».

    ولايملك مسلم غيور على دينه وعقيدته وثقافته إلا أن يتمثل بقول الشاعر الأندلسي أبي البقاء صالح ابن شريف الرندي يرثي الأندلس:

لمثل هذا يذوب القلب من كمد    *    إن كان في القلب إســـــــــــــــــلام وإيمــــــان

[التحرير]

(تحريرًا في الساعة الثانية عشرة من يوم الاثنين: 18/صفر1440هـ = 29/نوفمبر2018م)

 

إلى المحتويات

 

كلمة العدد

الهندُ تَسْمَح بمُمَارَسَة العَلاقَةِ الجنسيَّةِ خارجَ إطارِ الزَّوَاج

 

 

 

    لم يكن الشعبُ الهندي قد أفاق من الحيرة المُرْدِيَة التي لَحِقَتْه من القرار القضائي الذي أَصْدَرَتْه المحكمةُ العليا الهنديّةُ يومَ الخميس: 6/سبتمبر 2018م (الخميس: 25/ذوالحجة 1439هـ)، وسمحت من خلاله بممارسة المثلية الجنسيّة؛ لأن القرارَ كان يتصادم مع الموروثات الخُلُقيّة والتقليديّة والدينيّة التي ظَلَّ يَحْتَضِنُها مُوَاطِنُو هذه البلاد منذ العهد العريق والتي ظَلَّتْ خطًّا فاصلًا بينهم وبين الشعوب الغربيّة التي تَقَبَّلَتْ منذ عهد بعيد كلَّ السوءات التي أَفْسَدَتْ عليها الحياةَ والمجتمعَ وجَعَلَتْها تتعرّض لأمراض جسمانيّة وخُلُقِيّة لا تَقْبَل علاجًا، مما جَعَلَ الحلماء والحكماء منهم يَهْتَمُّون بتوجيههم ونصحهم بأن يعودوا إلى سيرة الإنسان مُجَدَّدَا حتى يَتَخَلَّصُوا من الويلات التي أَخَذَتْ بتلابيبهم من أجل تحوّلهم بهائم لا فرق بينهم وبينها إلّا بصورة اللحم والدم.

    لم يكن يَخْلُصُ من عجبه وارتباكه من القرار الأول، حتى أَصْدَرَ يوم الخميس: 27/سبتمبر 2018م (16/المحرم 1440هـ) الفريق القضائي المُكَوَّن من خمسة قضاة يرأسهم رئيسُ القضاة بالمحكمة العليا الهندية «ديباك مِسْرَا» الذي تقاعد عن منصبه في 2/أكتوبر2018م قرارًا آخر لا يقلّ إحارة وإرباكًا للشعب من القرار الأوّل الآنف الذكر؛ حيث صَرَّح فيه بأن الرجل المُتَزَوِّج إذا مارس العلاقةَ الجنسيّة مع امرأة أخرى عن تَرَاضٍ منها فلا يُعَدُّ ذلك جريمة تستوجب شرعيًّا المؤاخذةَ والعقابَ، وأن امرأةً متزوجة إذا أقامت الاتصال الجنسيّ برجل غير زوجها فلا يُعَدّ ذلك جريمة في نظر القانون الهندي منذ صدور هذا القرار؛ حيث لايكون زوجها مسموحًا له بأن يمنعها من هذا التصرف أو يرفع ضدها شكوى إلى الشرطة أو يُسَجِّل بلاغًا لدى الجهات الإدارية الرسميّة فضلًا عن طرق أبواب المحاكم.

    وقد ألغتِ المحكمةُ العليا بهذا القرار، البندَ 497 من قانون الجزاء الهندي الذي صَدَرَ عام 1960م أَيَّامَ الاستعمار البريطاني، الذي كان يقضي بأنه إذا مارس رجلٌ العلاقةَ الجنسيّة مع امرأة أخرى رغم كونه مُتَزَوِّجًا مع امرأة، فإن ذلك يُعَدّ جريمةً مُوجِبَة للعقاب. وكذلك إذا مارست امرأة متزوجة العلاقةَ الجنسيّةَ مع رجل آخر غير زوجها، يُعَدُّ تصرفُها هذا جريمةً قانونيةً تستوجب العقابَ.

     وكان قد رفع بعضُ المتحررين في البلاد إلى المحكمة العليا الهندية دعوى ضدّ هذا البند من هذا القانون، قائلين: إنه يُضَادُّ الحريّة الشخصية للإنسان، واعتنى قُضَاةُ المحكمة بهذه الدعوى، واستجابوا للاعتراض الذي أوردوه على القانون بأنه إنما يعني تدخلًا سافرًا في الحرية الشخصية للإنسان، وأصدروا قرارًا بإلغاء البند 497 من قانون الجزاء الهندي. وعلى ذلك تَمَهَّدَ الطريقُ إلى ممارسة الفحشاء وارتكاب المنكرات الجنسية والوقاحة والاستهتار بنحو لم يسبق له مثيلٌ في قوانين هذه البلاد ذات الثقافة الدينية والاحتشام.

    علمًا بأن القانون الهندي يسمح من ذي قبل للبالغين من الفتيان والفتيات أن يمارسا العلاقةَ الجنسيةَ عن التراضي منهما. وكذلك إذا أقامت الأرملة أو المُطَلَّقَة اتصالًا جنسيًّا عن رضا منها مع رجل ما، فلا عقابَ عليها بموجب القانون. أما الآن فلم تَعُدْ ممارسةُ العلاقة الجنسية من قِبَل رجلٍ متزوج، مع امرأة أخرى أو من قبل امرأة متزوجة، مع رجل آخر، جريمةً قانونيّة تستوجب المؤاخذةَ والعقابَ.

    وقدصَرَّحَ السادةُ القضاة لدى إصدارهم هذا القرارَ بأن قانون الحظر على ممارسة العلاقة الجنسية في حرية مطلقة الزنا كان مما لايقبله العقل والمنطق، وكان يضادّ استقلالَ المرأة، ووقارها وسِرِّيتها، وكان مما يُهِينها، ويسلبها حريتها الجنسية، وكان مما قد ولّى دوره.

    على كل، إن صدور هذا القرار القضائي، جعل ممارسة الفاحشة الزنا لا تُعَدّ جريمةً إلّا في الحالتين: (الف) أن تُمارس العلاقةُ الجنسية مع من كانت غير بالغة. (ب) أو مع من لم ترض بممارسة الجنس معها، وإنما أُرْغمت عليها.

*  *  *

    إن الهند بإصدارها لهذا الحكم القضائي صارت مثل الدول الغربية التي تسمح بممارسة الزنا والدعارة دونما حد وقيد؛ ولذلك انخفضت فيها مُعَدَّلَات الزواج الشرعي بالنساء بشكل هائل؛ لأن الناس عادوا يُشْبِعُون غريزتَهم الجنسيّةَ عن طريق العلاقة الجنسيّة المحرمة دون أن يتحملوا تبعات التزوّج ونفقات الزوجات والأولاد التي تولد وتتكون نتيجةَ الاتصال الجنسي الشرعي بهن. وصدرت تقارير رسمية عن عدد من الدول الأوربية تقول مُحَذِّرَة: إن مُعَدَّلَات الزواج في هبوط مستمرّ هائل فيها، حتى شكت بعضُها الدول الأوربية أن ما يقرب من ثلثي الولادات حصل خارج مؤسسة الزواج، وصَرَّحت تقارير رسمية في كل من «إيرلندا» و«لوكسمبورغ» و«هنغاريا» و«ليتوانيا» و«هولندا» أن الزواج لديها في هبوط لحد خطير. وقالت «هولندا»: إن العائلات غير الرسمية ذات الوالدين أي المُتَعَايِشَيْنِ دون زواج تزايدت عندها بثلاثة أضعاف حتى صارت متزايدة بعشرة أضعاف عام 2010م. وذكرت بريطانيا أن حالات الزواج لديها هبطت من 313550 عام 2004م إلى 287730 عام 2005م. أي هبطت بنسبة نحو 10٪ .

    وقال تقرير عالمي آخر صَدَرَ عام 2010م: إن مُعَدَّلَات الزَّوَاج في «بريطانيا» هبطت إلى 45٪، وفي «هولندا» إلى 45٪، وفي «ألمانيا» إلى 47٪، وفي «فرنسا» و«بلجيكا» إلى 39٪، وفي «إيطاليا» و«إسبانيا» إلى 36٪ .

*  *  *

    إن الزنا ليس مُحَرَّمًا في الإسلام وحده؛ ولكنه شَنَّعَتْ عليه جميعُ الأديان والمجتمعات والحضارات البشرية التي لم تَتَجَرَّدْ من الإنسانية. دَعْكَ عن الديانات السماوية، فإن الديانات الأرضية بما فيها الهندوسيّة والبوذية عَدَّتْه أسوأَ  السيئات وأكرهَ المنكرات، وحَذّرت من عواقبه الوخيمة في الحياة وبعد الممات.

    فالكتاب المقدس (التوراة والإنجيل)- اللذان يُدْعَيَانِ اليوم العهد القديم والعهد الجديد - يعتبر الزنا جريمةً لا تُغْتَفَر، وعَدَّ التوراة/ العهد القديم الزنا فاحشة ورجسًا (العهد القديم، ج2، ص32، الفصل 31، الآيات 9-11؛ وكذلك ج1، ص194، الفصل 18، الآيتان 46-47)، وسببًا لهلاك الأمم السابقة (اقرأ العهد القديم، ج2، ص418، الفصل 5، الآيات 7-9؛ وكذلك ج1، ص194، الفصل 8، الآيات 28-30)، فشدّد عقوبة الزنا بما فيها العقوبات الجسديةو العقوبات المعنوية، حتى القتل والإحراق والرجم بالحجارة (العهد القديم 1/197، الفصل 20، الآيتان 10-11؛ وكذلك 1/323، الفصل 22، الآيتان 20-21؛ وأيضًا الآيتان 23-24) فأمر بالتقيد بالتدابير الواقية من الزنا حتى الاقتراب من الأسباب المؤدية إليه، فحَرَّمَ النظرَ إلى المرأة الجميلة، ومنع من محادثة النساء ومجالستهن ومؤالفة المغنية (اقرأ الكتاب المقدس: العهد القديم 1/263، الفصل 9، الآية 5؛ و 1/318، الفصل 9، الآية 908؛ و2/318، الفصل 9، الآية 11؛ و2/308 الفصل 42، الآيتين 12-13؛ و2/263، الفصل 9، الآيتين 11-13؛ و2/263، الفصل 9، الآية4) وأكّد الابتعادَ عن الزناة قائلًا: «لا تَلْقَ المرأة البَغِيَّ لئلا تقع في أشراكها» (العهد القديم 2/263، الفصل 9، الآية 3).

    وأضاف قائلًا: «والذي يخالط الزوانيَ يزداد وقاحةً، السوس والدود يرثانه، والنفس الواقحة تستأصل» (الكتاب المقدس/ العهد القديم، 2/275، الفصل 19، الآية 3).

    وكذلك الإنجيل/ العهد الجديد اعتبر الزنا من الكبائر، فجاء النهيُ عنه ضمن الوصايا العشر المعروفة لدى النصرانية/ المسيحية التي ورد فيها: «لا تقتل، لاتزنِ، لاتسرق، لا تشهد بالزور الخ» (الكتاب المقدس/ العهد الجديد، ج3، ص136 إنجيل لوقا 18/20؛ وص 8 إنجيل متى الآيتان 18/19-20).

    ويقرر القديس بولس أن تقديس النفوس لا يتحقق إلا بالامتناع عن الزنا، فيقول: «فإن مشيئة الله إنما هي تقديس أنفسكم بأن تمتنعوا عن الزنا» (الكتاب المقدس/ العهد الجديد، ج3، ص360، رسالة بولس إلى أهل تسالونيكي، الفصل 4، الآية3).

    وَقَرَّرَ الإنجيل أن الزنا يستوجب غضب الله تعالى، فأكد القديس بولس في رسالته إلى العبرانيين: «فإن الزُّنَاةَ والفُسَّاق سيُدِيْنُهم الله» (الكتاب المقدس/ العهد الجديد 3/400، الفصل 13، الآية4).

    ويذكر بولس أن الزنا كان سببًا لحلّ غضب الله على أبناء الكفر، فيقول: «فأميتوا أعضاءَكم التي على الأرض، الزنا والنجاسة والفجور والشهوة الرديئة والبخل الذي هو عبادة وثن؛ لأنه لأجل هذه يحلّ غضب الله على أبناء الكفر» (الكتاب المقدس/ العهد الجديد، ج3، ص354، رسالة القديس بولس إلى أهل بولس، الفصل 3، الآيتان 5-6).

    كما قرر الإنجيل أن الزناة ليسوا من ورثة ملكوت الله تعالى، فيقول بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنتس: «اهربوا من الزنا فإن كل خطيئة يفعلها الإنسان هي في خارج الجسد، أما الزاني فإنه يجرم إلى جسده» (الكتاب المقدس/ العهد الجديد 3/293، الفصل 6، الآية 18) وأكد بولس قائلاً: «واعلموا وافهموا أنه ليس للزاني أوالنجس أو البخيل الذي هو عابد وثن ميراث في ملكوت المسيح والله» (الكتاب المقدس/ العهد الجديد، 3/341، الفصل 5، الآية 5).

    وأمرت المسيحية باجتناب الأسباب المؤدية إلى الزنا نظرًا لشناعته، وعقوبته الشديدة الأليمة، فجاء في الإنجيل أن المسيح عليه السلام قال: «قد سمعتم أنه قيل للأولين لا تزنِ. أما أنا فأقول لكم إن كل من نظر إلى امرأة لكي يشتهيها فقد زنى بها في قلبه، فإن شككت عينك اليمنى فأقلعها وألقها عنك، فإنه خير لك أن يهلك أحد أعضائك، ولا يلقي جسدك كله في جهنم» (الكتاب المقدس/ العهد الجديد، 3/8، الفصل 5، الآيات 27-29).

    والعقوبة للزنا في الإنجيل/العهد الجديد نفس العقوبة الواردة في التوراة/العهد القديم؛ لأن المسيح عليه السلام ما جاء لنسخ اليهودية؛ بل جاء ليكملها؛ فقد قال هو بنفسه: «لا تظنوا أني أتيتُ لأجل الناموس والأنبياء، إني لم آت لأحِلّ؛ لكن لأتمم» (الكتاب المقدس/ العهد الجديد، 3/392، إنجيل متى، الفصل 5، الآية 11).

    وقد سبق في هذه السطور أن التوراة/ العهد القديم قَرَّرَ عقوبةَ الزناة: القتلَ والتحريقَ والرجمَ بالحجارة.

*  *  *

    أما الإسلام فلم يكتفِ بالنهي عن الزنا، وإنما نهى عن مُجَرَّد الاقتراب منه، فقال تعالى: «وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰٓ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا» (الإسراء/32) وقد قال المفسرون: معنى الآية: لا تقربوا الزنا بمباشرة مبادئه القريبة أو البعيدة، فضلًا عن مباشرته أو بإتيان المقدمات من القبلة والغمزة والنظر بالشهوة.

    ولاشك أن النهي كما أكّدَ العلماء عن قربان الزنا أبلغ وآكد من النهي عن مجرد فعله؛ لأنه يشمل النهي عن جميع مقدماته ودواعيه؛ فإنّ من حام حولَ الحمى بوشك أن يقع فيه.

    وفي هذا الصدد جعل الإسلام حفظَ الفرج عن الوقوع في الزنا من الأمور التي كانت المؤمنات يبايعن النبي –صلى الله عليه وسلم- عليها فقال تعالى:

    «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (الممتحنة/12).

     وقد نهى الإسلام عن إتيان جميع الأسباب المؤدية إلى الزنا، وسَدَّ جميع الأبواب القدامية والخليفة، الصغيرة والكبيرة التي قد يدخل منها الإنسان إلى الفاحشة، فمَنَعَ الله تعالى عن دخول البيوت بدون الاستيذان من أهلها والسلام عليهم، والاستئناس بهم، وأمر بأن يغض المؤمنون والمؤمنات من أبصارهم، وبحفظ فروجهم، وبعدم إبداء الزينات، وأن يضرب المؤمنات بالخمر على الجيوب، واجتنابِ إبداء زينتهن إلا لأزواجهن وغيرهم من المحارم أو الأطفال، والامتناع عن الضرب بالأرجل حتى لا يَتَبَدَّى ما يَخْفَىٰ من زينتهن.

    قال تعالى:

    «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨)لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» (النور/27-31).

    ونهى النبي –صلى الله عليه وسلم- النساء عن التعطّر، فقال: «أيما امرأة استعطرت، فمرّت على قوم ليجدوا ريحَها، فهي زانية» (النسائي: 5126).

    ومنع الرجال عن الدخول على النساء، فقال: «إياكم والدخولَ على النساء» (صحيح البخاري: 5232) وذكر له –صلى الله عليه وسلم- رجلٌ، فقال: أرأيتَ الحموَ يا رسولَ الله!. فقال: «الحمو الموتُ» وحَذَّر الله تعالى من الدخول على النساء، فقال: «وإذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَّراء حجاب» (الأحزاب/53) مُبَيِّنًا الحكمةَ من ذلك «ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وقُلُوبِهِنَّ» (الأحزاب/53) وحَذَّر الله تعالى النساء من السفور والتبرج والتكسر في الكلام وأمرو بالوقور في البيوت، فقال مخاطبًا أمهات المؤمنين، قاصدًا بهن جميع نساء الأمة:

    «وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١)يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا» (الأحزاب/32-33).

    وقال –صلى الله عليه وسلم-: «صنفانِ من أهل النار لم أرهما: «نساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحَها» (سنن الترمذي: 2149).

    ونهى النبي –صلى الله عليه وسلم- النساء عن السفر إلا مع ذي رحم، فقال: «لا تسافر امرأةٌ إلّا مع ذي محرم» (صحيح البخاري:1086) ونهى الرجال عن الخلوة بالنساء، فقال: «لَا يَخْلُوَنَّ رجلٌ بامرأة إلّا كان الشيطان ثالثهما» (مسند أحمد:114) وقال: «لا يَبِيتَنَّ رجلٌ عند امرأة إلّا أن يكون ناكحًا أو ذا محرم» (مسلم:2171).

    وقد عَدَّ الإسلام الزنا من أكبر الكبائر، فقال تعالى:

    «وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ» (الفرقان/68-69).

    فجاء ترتيب الزنا بعد الإشراك بالله تعالى وقتل النفس بغير الحق. قال الإمام القرطبي (ما بين 600-610هـ - 671هـ) رحمه الله في تفسير الآية: «ودَلَّت هذه الآيةُ على أنه ليس بعد الكفر أعظم من قتل النفس بغير الحق إلّا الزنا» (تفسير القرطبي 13/76).

    وفي آية أخرى قدم الله تعالى النهيَ عن الزنا على النهي عن القتل حيث قال:

    «وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا (٣٢) وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ» (الإسراء/32-33).

    وفي آية أخرى أورد الله تعالى النهيَ عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس، فقال:

    «وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (الأنعام/151).

    لأن الزنا هو قتل النفس والأولاد كذلك، يقول سيد قطب (1324-1386هـ = 1906-1966م) رحمه الله: «وبين قتل الأولاد والزنا صلة ومناسبة. وقد تَوَسَّطَ النهي عن الزنا بين النهي عن قتل الأولاد والنهي عن قتل النفس لذات الصلة وذات المناسبة» (في ظلال القرآن:5/321).

    وعَدَّ الله تعالى الزاني والزانية كالمشرك والمشركة، فقال تعالى:

    «الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» (النور/3).

    ومما يُؤَكِّد شناعة الزنا في الإسلام أن الزاني حين يزني يخرج إيمانه، وكذلك لا تُسْتَجَابُ دعوتُه. روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب حين يشرب وهو مؤمن، ولا يقتل وهو مؤمن». قال عكرمة: قلتُ لابن عباس رضي الله عنهما -: كيف يُنْزَعُ الإيمان منه؟. قال: هكذا وشبّك بين أصابعه ثم أخرجها فإن تاب، عاد إليه هكذا وشبّك بين أصابعه (صحيح البخاري:2475).

    وأخرج الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه-: «من زنى أو شرب الخمر، نَزَعَ الله منه الإيمانَ كما يخلع الإنسانُ القميصَ من رأسه» (فتح الباري: 12/61).

    وقد وَرَدَ الحديث بأن الزاني لا تُسْتَجابُ دعوته، فعن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: «تُفْتَحُ أبوابُ السماء نصفَ الليل، فيُنَادِي مُنَادٍ: هل من داع فيُسْتَجَابُ له؟ هل من سائل فيُعْطَىٰ؟ هل من مكروب فيُفَرَّجُ عنه؟ فلا يبقى مسلم يدعو بدعوةٍ إلا استجاب الله عز وجل له، إلا زانية تسعى بفرجها أو عشارًا» (أحمد:3673؛ والطبراني في الأوسط:2769).

    وقد قال النبيُّ –صلى الله عليه وسلم-: «يا معشرَ الناس اتقوا الزنا، فإن فيه ستَّ خصال: ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة. فأما اللّاتي في الدنيا: فيذهب البهاءُ، ويورث الفقرَ، وينقص العمرَ؛ وأما اللاتي في الآخرة: فيوجب السخطةَ، وسوءَ الحساب، والخلودَ في النار» (تفسير الكشاف للزمخشري، الآية:3 من سورة النور؛ شعب الإيمان:5091).

*  *  *

    ولذلك جاءت عقوبة الزنا في شريعة الله أشد وأنكى من عقوبة الجرائم والمعاصي غيره. وهذه العقوبات فردية وجماعية وجسدية ومعنوية معًا. والعقوبة الجماعية لا تقتصر على الزُّنَاة بل تتعداهم إلى الجماعة التي يكثر فيها الزُّنَاةُ، فروى الحاكم بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: إذا ظهر الزنا والربا في قرية، فقد أَحَلُّوا بأنفسهم عذابَ الله» (المستدرك:2261)

    وروى الإمام أحمد عن ميمونة رضي الله عنها زوج النبي –صلى الله عليه وسلم- قالت: سمعتُ رسولَ الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد الزنا، فإذافشا فيهم ولد الزنا، فيوشك أن يعمّهم اللهُ عز وجل بعقاب» (أحمد:26830).

    أما العقوبة الفردية، فهي جسدية ومعنوية معًا. فالجسديةُ أن الزاني والزانية إذا كانا مُحْصِنَيْنِ أي متزوجين يفقدان حقَّ البقاء حَيَّيْنِ، فيُرْجَمَان بالحجارة حتى يموتا، فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «لا يحلّ دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلّا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة» (مسلم:1676)

    ويُجْلَدَان مئة جلدة إذا كانا غير محصنين أي غير متزوجين. قال الله تعالى:

    «الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (النور/2).

    قرّر الإسلام أشدّ العقوبات على الزُنَاة في حالتي الإحصان والبكر معًا باختلاف نوعيّة العقوبة، لكون الزنا من أشنع الكبائر وأسوإ الجرائم؛ لأن فيه اختلاطًا للأنساب، وانتشارًا للرذيلة، وضياعًا وهلاكًا للمواليد الناشئين عن هذه العلاقة المحرمة بين الرجل والمرأة، كما أن فيه نشرًا للأمراض المزمنة التي تنتقل بسبب الاتصال الجنسي المحرم، فقد أكّد الأطباء في العالم ولاسيّما أطبّاء الغرب الذي غرق في الرذائل والفواحش إلى الآذان فالرؤوس أن الانغماس في الزنا يسبب الأمراض الخبيثة المزمنة التي لا تقبل علاجًا كالإيدز والأمراض الزهرية والسيلان البني (Conorhea).

    ومن أجل ممارسة الاتصال الجنسي خارج إطار الزواج وإقامة العلاقة الجنسية المحرمة الزنا تولّدتِ اليوم وفشت في العالم كله أمراض مستعصية على العلاج والتدابير الطبية الحديثة لم تظهر في الأزمنة الماضية ولم يسمع بها السالفون من البشر.

    وقد صدق رسولنا الكريم الصادق المصدوق –­صلى الله عليه وسلم-، إذ قال:

    «ولم تظهر الفاحشة الزنا في قوم قطُّ حتى يُعْلِنوا بها، إلا فَشَا فيهم الطاعونُ والأوجاعُ التي لم تكن مَضَتْ في أسلافهم الذين مَضَوْا» (ابن ماجه:4019).

    قال الإمام ابن القيم (أبو عبد الله شمس الدين محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي 691-751هـ = 1292-1350م) رحمه الله مُبَيِّنًا حكمة الرجم للمحصن: «ولما كان الزنا من أمهات الجرائم وكبائر المعاصي، لما فيه من اختلاط الأنساب الذي يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين، وفي ذلك هلاك الحرث والنسل، فشاكل في معانيه أو في أكثرها القتل الذي فيه هلاك ذلك، فزجر عنه بالقصاص ليرتدع عن مثل فعله من يهم به».. وقال عن جلد البكر: «وزجر بإيلام جميع بدنه بأعلى أنواع الجلد ردعًا عن المعاودة للاستمتاع بالحرام، وبعثًا له على القنع بما رزقه الله من الحلال». (أعلام الموقعين 2/107-108).

    أما العقوبات المعنوية للزناة إلى عقوباتهم الجسدية التي تحدثنا عنها في السطور الماضية، فهي عديدة مؤلمة للغاية إيلامًا نفسيّا رادعًا لكل إنسان حيّ يهمّ بمثل هذه المعصية الشنيعة. منها التغريب؛ حيث يُنْفَى الزاني من مكان إقامته إذا كان غير محصن أي بكرًا، ففي الحديث الذي رواه عبادةُ بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «خذوا عني، خذو عني، قد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مئة ونفي سنة» وبه قال عدد من الصحابة والأئمة من بعدهم؛ وأما أبوحنيفة وحماد بن سليمان ومحمد بن الحسن وغيرهم رحمهم الله فقالوا بتركه.

    وقال صلى الله عليه وسلم في عجز الحديث المذكور:

    «والثيب بالثيب جلد مئة والرجم» (مسلم: 1680).

    ومنها: التفضيح، فقد أمر الله تعالى بتنفيذ عقوبة الزاني على رؤوس الأشهاد علانية، قال تعالى:  «وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» (النور/2).

    ومنها: تحريم مناكحتهم، قال الله تعالى:

    «الزَّانِي لا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُهَا إِلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ» (النور/3).

    ومنها: رَدُّ شهادتهم؛ حيث قَرَّرَ الشرعُ الإسلامي أن الزاني يجعله ارتكابه الزنا يفقد أهلية أداء الشهادة، فعن عمرو بن شعيب عن جده، قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زانٍ ولا زانية ولا ذي غِمْرٍ على أخيه» (أبوداود في سننه: 3601)

    هذا إلى أن وبال الزنا يقع على أهل الزاني وأولاده وبناته إن لم يَتُبْ توبةً صادقةً تغسل الخطايا والذنوب، فقد جاء في الحديث:

    «إن فتًى شابًّا أتى النبيَّ –صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله! ائذنْ لي بالزنا، فأقبل القومُ عليه، فزجروه: قالوا: مَهْ مَهْ، فقال: اُدْنُهْ، فدنا منه قريبًا، قال: فجلس. قال: أَ تُحِبُّه لأمك؟. قال: لا والله جعلني الله فداءَك.قال: ولا الناسُ يحبونه لأمهاتهم. قال أ فتحبه لابنتك؟ قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءَك. قال ولا الناس يحبونه لبناتهم. قال: أ فتحبه لأختك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءَك. قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم. قــال: أ فتحبه لعمتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءَك. قال: ولا الناس يحبونه لعمّاتهم. قال: أ فتحبه لخالتك؟ قال: لا والله جعلني الله فداءَك. قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم. قال: فوضع يده عليه، وقال: اللهم اغفر ذنبَه، وطَهِّرْ قلبَه، وحَصِّنْ فرجَه، فلم يكن بعدُ ذلك الفتى يلتفت إلى شيء» (مسند أحمد: 22211).

    فمن كان يريد حفظَ بيته وأهله وبناته وعامّة أولاده من الفواحش والمنكرات فعليه أن يحفظ نفسه منها، حتى لا تتعدى معصيته هذه الخطيرة إلى أهله وأولاده؛ لأن الجزاء من جنس العمل.

    هذا إلى ما يلاقيه الزناة من العقوبة الأخروية، فعن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: «أتاني الليلة آتيانِ وإنهما ابتعثاني، وإنهما قالا لي: انطلق... فانطلقنا إلى ثقب مثل التنّور، أعلاه ضيق وأسفله واسع، يتوقد تحته نار، فإذا اقترب ارتفعوا حتى كاد أن يخرجوا، فإذا خمدت رجعوا فيها، وفيها رجال ونساء عراة، فقلتُ: من هذا؟... قالا: ... والذي رأيته في الثقب فهم الزناة» (البخاري: 1386).

    وفي رواية أخرى: «قالا لي: ... وأما الرجال والنساء العراة الذين في مثل بناء التنور فهم الزناة والزواني» (البخاري: 7047).

    وأَشَدُّ من ذلك أن الله تعالى لا ينظر إلى الزناة يوم القيامة ولا يكلمهم ولا يزكيهم، قال النبيُّ –صلى الله عليه وسلم-: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زانٍ، ومَلِك كذّاب، وعائل مستكبر» (صحيح مسلم:107).

    وقد ورد في الحديث أن الزناة يتأذى ويتعذب منهم أهل النار كذلك، فقد قال –صلى الله عليه وسلم-: «إن ريح فروج الزناة والزواني يؤذي أهلَ النار من شدة نتنها» (كنز العمال:13005).

*  *  *

    إن الغرب بدوره قد عاد يَتَأوَّه ويَتَعَذَّب ويَتَمَلْمَلُ من كثرة الويلات التي أخذت بتلابيبه من جراء الفواحش والمنكرات التي غرق فيها شبابه وفتياته من أجل الخروج على جميع القيم الإنسانية التي كان قد أمر بها الإسلام منذ ما قبل أكثر من 14 قرنًا من الزمان. وذلك كله بدعوى الحرية المزعومة، والتنوّر الكاذب، والتحضّر الزائف، ومُمَاشاة المُعْطَيَات التقدميّة.

    وقد تَشَجَّعَ الشرقُ بما فيه الهند على محاكاة الغرب خطوةً خطوةً لئلاّ يتخلّف عن ركب التقدم والتنوّر والتحضّر، ولا يوصف بالرجعيّة والجمود، فبدأ يفسح المجال أمام شعوبه لكي تُجَرِّبَ نصيبَها في هذا «اليانصيب التقدمي» الذي ظلّ يشعرالشرق أنه لا يزال متخلفًا فيه بمسافة شاسعة عن الغرب الذي قطع أشواطًا بعيدة في التحرر الجنسي المطلق، والانحلال الخلقي اللامحدود، فـ«تقدم» تقدمًا لا يزال الشرق تَتَحَلَّب له أفواهُه وتَتَلَمَّظ شفاهُه.

    إن الهند التي تكاد حسب مزاعم زعمائها السياسيين تجتاز «مرحلةَ النموّ» إلى «مرحلة التقدم» اقتصاديًّا وتجاريًّا، تحلم في لَذَّةٍ أَيِّ لذّة بأن تتحضر «تحضّرَ الغرب» الذي تعتقد أنها لم تَحْظَ به بعدُ؛ فهي بادرت إلى السماح بالشذوذ الجنسي عن طريق السماح بممارسة المثلية الجنسيّة، واتخذت خطوة أخرى إلى «التقدم» عن طريق السماح بممارسة العلاقة الجنسية بين الذكر والأنثى من الإنسان، وألغت القيود والشروط التي كان يتقيد بها المواطنون لحدِّ أمس.

 

نور عالم خليل الأميني

nooralamamini@gmail.com

(تحريرًا في الساعة الحادية عشرة صباحًا من يوم الأربعاء: 14/صفر 1440هـ الموافق 24/أكتوبر 2018م).

 

إلى المحتويات

 

الفكر الإسلامي

من ظلال التفسير

بقلم: العلامة الشيخ شبير أحمد العثماني رحمه الله

(1305-1369هـ/1887-1949م)

تعريب: أبو عائض القاسمي المباركفوري

 

 

 

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)  

فائدة:

    أي إيذاء الفقير أو المنّ عليه بعد التصدق يحبط ثواب الصدقة، أو يرائي الناس صدقته ليعلموا أنه سخي جواد، فمثل هذه الصدقة لا أجر عليه أيضًا، وقوله: ﴿وَ لَا يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الْاٰخِرِ﴾ فليس قيدًا في إبطال الصدقة، فإنها الصدقة قد تبطل بمجرد الرياء، وإن كان المتصدق مؤمنًا، وإنما زاد هذا القيد لإفادة أن الرياء ينافي شأن المؤمن، وإنما يناسب المنافقين.

فائدة:

    مثل في الآية السابقة للصدقة بأنها مثل حبة ألقيت في الأرض فأخرجت سبع مئة حبة، ويقول هنا: يشترط له النية، فمن تصدق رياءً وسمعةً، فمثله كمثل حبة ألقاها على صخرة، يبدو عليها قليل من التراب، فنزل عليها المطر فتركه أملس صافيًا، لاتراب عليه، فهيهات أن ينبت عليه الحبة، فكذلك لاثواب للمتصدقين على التصدق رياءً وسمعةً.

    وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)

فائدة:

    (وَابِلٌ) المراد به إنفاق المال الكثير، والمراد بـ(فَطَلٌّ) إنفاق المال القليل، والمراد بـ(تَثْبِيْتًا مِّنْ اَنْفُسِهِمْ) تثبيتها على نيل الثواب، أي تكون على يقين بأن ثواب الصدقة لامحالة ينالها صاحبها، إذا صلحت نيته، فالإكثار من التصدق يجلب الثواب الكثير، والصدقة القليلة كذلك لاتخلو من فائدة، ومثاله حديقة على أرض خالصة طيبة، فإنها تريع بالقدر الذي ينزل المطر عليها قليلًا أو كثيرًا، وأما إذا فسدت النية فإنه لايجرُّ عليه إلا ضياع المال مهما بالغ في الإنفاق؛ فإن الرياء يزداد بزيادة الإنفاق، كما أن الحبة النابتة على الصخرة تتضرر بالمطر الغزير بقدره.

    أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)

فائدة:

    هذا مثال من يتصدق رياء الناس، أو يمنُّ على الفقير أو يؤذيه بعد التصدق، كمثل رجل عمل جنةً في شبابه وزمان قوته، ليأكل من ثمرتها في كبره وشيبه، وتنفعه عند حاجته إليها، فلما كبر وضعف وصار أحوج ما يكون إلى الثمرة، احترقت في حين حاجته الشديدة إليها، أي الصدقة مثل الجنة فيها ثمار، فإنها- ثمارها- ستنفعه في الدار الآخرة، ولكن فسدت نيته فاحترقت الجنة، فأنى له ثمارها- الثواب-، كذلك يبين الله تعالى لكم الآيات لعلكم تتفكرون فتتعظون.

    يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)

 فائدة:

    أي يشترط لقبول الصدقة عند الله تعالى أن ينفق من المال الحلال،  لا من الحرام أو المشتبه فيه، و ينفق أطيب ما يجد في سبيل الله، ولايتصدق بالخبيث، الذي لايرضى بقبوله إذا أُعْطِيَه إلا على استحياء، دون رغبة ورضىً، واعلموا أن الله تعالى غني عنكم، وحميد لايقبل إلا إذا أنفق المرء أطيب ما عنده وعن رغبة ورضىً.

    الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨)

فائدة:

    إذا حدثت المرءَ نفسُه بأنه يفلس إذا أنفق، ولم يشجعه على الإنفاق ما يسمعه من تأكيد الله تعالى عليه، و حدثت نفسه بعدم الإنفاق، وزهد في الإنفاق، وأعرض عن الوعد الإلهي إلى الوعد الشيطاني، و وثق به، فليعلم أن ذلك من الشيطان، ولا يقولن: لم أر صورة الشيطان قط، فضلًا أن يأمرني بذلك. وإن حدثته نفسه بأن الصدقة تمحو الذنوب، وتنمِّي المال، وتجلب البركة فيه، فليعلم أن ذلك من الله تعالى، وليشكره عليه؛ فإن خزائن الله تعالى لاينقصها شيء، وهو أعلم بما ظهر وبطن وما نواه المرء من الأعمال.

    يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الألْبَابِ (٢٦٩)

فائدة:

    أي يؤتي من يشاء الحكمة في أمور الدين والفهم في الإنفاق: ما الذي ينوي بإنفاقه؟ ومن أي المال ينفق؟ وعلى من ينفق؟ وكيف ينفق؟ ومن يؤتَ الفهم والحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا ونعمة عظيمة.

    وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٢٧٠)

 فائدة:

    أي ما أنفقتم من قليل أوكثير، بنية حسنة أو فاسدة، في السر أو العلانية، أو نذرتم من نذر بشيء من الأشياء فإن الله تعالى يعلمه كل العلم، (وَ مَا لِلظّــٰلِمِيْنَ مِنْ اَنْصَارٍ) أي يخالفون أمر الله تعالى في إنفاق المال والنذر لاينصرهم أحد، فله سبحانه أن يعذب كيف يشاء. ويجب النذر إذا أوجبه على نفسه، فإن لم يفِ بنذره أثم. و لايجوز النذر لغير الله تعالى، أو يقول: نذرت أن أعطي فلانًا لله تعالى، أو: ليصِلْ ثواب هذا النذر إلى فلان من الناس، فلا بأس به.

إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)  

  فائدة:

    أي إعلان الصدقة للناس خير إذا لم ينو رئاءهم، ليرغبوا فيها، والإسرار أيضًا خير لئلا يتعير الآخذ. و الحاصل أن الإبداء والإخفاء كلاهما خير ولكن يجب مراعاة المحل والحاجة.

    لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)

فائدة:

    منع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه من الصدقة على غير المسلمين مخافةَ أن يرغب الناس في الإسلام حرصًا على المال فحسب، ثم قال: لاينال هذا الأجر والثواب إلا إذا كان الإنفاق ابتغاء مرضاة الله تعالى، فنزلت هذه الآية بحكم عام شامل وهو أن ما أنفقتم في سبيل الله من المال تثابون عليه بغض النظر عن أن يكون الفقير مسلمًا أو غيره. أي لاتخصوا الصدقة بالمسلم، نعم يجب أن تتصدقوا ابتغاء مرضاة الله تعالى.

    لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣)

فائدة:

    أي الإنفاق على الذين حبسوا نفوسهم في سبيل الله تعالى وخدمة الدين، فامتنعوا عن السعي و التقلب وكسب لقمة العيش، ولم يُبدوا حاجاتهم لأحد- ومنهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم-  يجلب الثواب العظيم على صاحبه. وكان أصحاب الصفة فارقوا أهلهم وديارهم ولازموا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتعلموا الدين، وليجاهدوا في سبيل الله تعالى أهل الفتنة والشغب. وكذلك الذين يشتغلون اليوم بحفظ القرآن الكريم، أو علم الدين يجب على المسلمين أن يمدوا يد العون إليهم. ومعنى (تَعْرِفُهُمْ بِسِيْمٰـــهُمْ) أي بصفرة ألوانهم وضعف أبدانهم، وتبدو عليهم آثار الجهد.

فائدة:

    (مَا تُنْفِقُوْا مِنْ خَيْرٍ) على الناس عامة أو على أمثال هؤلاء الذين ذُكِروا بصفة خاصة.

    الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)

 فائدة:

    إلى هنا ذكر التصدق وما له من فضل، وشروط و مواصفات. و بما أن التصدق يعَوِّدُ المرء التيسيرَ في المعاملات، ويُرسخ في القلب كراهية الفظاظة والقسوة في جانب، وفي جانب آخر تُكفر الصدقة ما يصدر من المرء من الذنوب والآثام في المعاملات والأعمال. كما أن الصدقة تزيد من الرغبة في التحلي بالأخلاق الحسنة والمروءة الإنسانية والنصح ونفع خلق الله تعالى. فنظرًا إلى هذه الأمور عرَّج في هذه الآية على ذكره، وبما أن أكل الربا ينافي التصدق والإحسان. فإن الصدقة تشتمل على المروءة والرغبة في نفع العباد بينما تتضمن الربا القسوة وإضرار الناس، وظلمهم. فناسب ذكر ذم الربا والمنع عنها في أعقاب ذكر فضل الصدقة .ولا بد أن يشتمل الربا على الشر بمثل ما تشتمل عليه الصدقة من الخير.

    الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)

 فائدة:

    أي يقوم أكلة الربا يوم القيامة كما يقوم الذي به مس الشيطان أوالجنون، وذلك لأنهم ساووا بين الحلال والحرام، واستحلوا البيع والربا كليهما انطلاقًا من أن المقصود فيهما جميعًا الربحُ، مع أن بينهما- البيع والربا ما بين السماء والأرض؛ فقد أحل الله تعالى البيع وحرم الربا.

فائدة:

    الربح في البيع يقابل المال، مثل أن يبيع ثوبًا قيمته درهم بدرهمين. وأما الربا فلايقابل الربح فيه عوضًا، مثل أن يشتري درهمين بدرهم. ففي الصورة الأولى الدرهم والثوب شيئان مختلفان نوعًا، ويختلف النفع و الغرض من كل واحد عن الآخر، فلايسع المقارنة والمساواة بينهما في حد ذاتهما، ولا وجه للموازنة بينهما إلا الحاجة إلى البيع والشراء وفق حاجة كل واحد من الناس.

    وتختلف الحاجة والرغبة من شخص إلى آخر اختلافًا لامتناهيًا، فمن الناس من يحتاج إلى درهم من المال مالا يقيم معه وزنًا لثوب قيمته عشرة دراهم. ومنهم من يحتاج إلى ثوب قيمته السوقية درهم واحد ما لايحتاج إلى عشرة دراهم ولا يرغب فيها. فإذا اشترى ثوبًا بدرهم فالربا أي الربح لايخلو عن العوض.

    ولو اشترى هذا الثوب على سبيل الفرض بألف درهم لم يكن ربا؛ إذ لا يمكن الموازنة والمساواة بينهما في حد ذاتهما، ولا محك له إلا الرغبة والحاجة الشخصية، ولاتسأل عما بينهما من التفاوت والفرق. فمن لي بتحديد الربا. وأما إذا باع درهمًا بدرهمين، فيمكن المساواة في حد ذاتها، فيتعين درهم مقابل درهم، ويخلو الدرهم الآخر عن العوض، فيكونا ربا، وهو حرام شرعًا.

فائدة:

    (فَلَه مَا سَلَفَ) أي لا تؤمرون برد ما أخذتم من الربا قبل نزول التحريم في الدنيا إلى مالكه، أي لايحق لكم مطالبته، وأما في الآخرة (وَ اَمْرُه اِلَى اللهِ) إن شاء عفا عنه. وأما من لم يرعوِعنه بعد نزول التحريم؛ بل استمر على أخذه وأكله، فهو في النار، والعقاب على معارضة أمر الله تعالى وحكمه بالأدلة العقلية هو ما ذكر.

    يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)

فائدة:

    (يَمْحَقُ اللهُ الرِّبٰوا) أي لايبارك فيه؛ بل يهلك رأس المال، فقد ورد في الحديث: «إِنَّ الرِّبَا وَإِنْ كَثُرَ فَإِنَّ عَاقِبَتَهُ تَصِيرُ إِلَى قُلٍّ». ومعنى: ﴿يُرْبِي الصَّدَقٰتِ﴾ ينميها ويثمرها، ويبارك فيها، ويزيد ثوابها، كما ورد في الحديث.

فائدة:

    المعنى عجز آخذ الربا رغم غناه وثراه- حتى عن إقراض الفقير قرضًا بدون ربًا، وإلا كان عليه أن يتصدق على الفقير المحتاج بماله، فما أكفره لنعمة الله تعالى.

*  *  *

 

إلى المحتويات

دراسات إسلامية

حاجة البشرية إلى الرسل عليهم السلام

 

بقلم:  أ. د. إبراهيم عبد الشافي إبراهيم(*)

 

 

    لقد كان مجيء الرسل عليهم السلام إنقاذًا للبشرية، وأخذًا بأيدي الناس إلى الطريق المستقيم، فإرسالهم نعمة من الله تعالى على الناس؛ لأن الحاجة إليهم ضرورية، فلا ينتظم حال الناس ولا يستقيم لهم دين إلا بإرسال الرسل، ذلك أن الحق سبحانه قد جعل الرسل وسائط بينه وبين خلقه، يعرفونهم بربهم، ويفصلون لهم الشرائع، ويبينون لهم ما يحبه الله سبحانه وما يبغضه، ويوضحون لهم ما يضرهم وما ينفعهم، ولا سبيل لمعرفة ذلك إلا من جهة الرسل؛ بل إن حاجة البشر إلى الرسل أعظم من حاجة المريض إلى الطبيب؛ ذلك أن غاية ما يحدث من عدم وجود الطبيب هو وهن البدن، أما ما يحدث من عدم وجود الرسل فهو موت القلوب وخراب النفوس وفساد الأخلاق.

    وقد بيّن القرآن الكريم الهدف من إرسال الرسل وشدة حاجة البشرية إليهم قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنٰتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتٰبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد:٢٥)، وقد بين القرآن الكريم كذلك أن الناس لو تركوا من غير إرسال رسل لاحتجوا بكفرهم وأفعالهم ومنكراتهم، ولتعللوا بأنهم لم يأتهم من يدلهم على الحق ويرشدهم على الخير، ومن هناجاء الرد الحاسم والقاطع ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (النساء:165)، ويقول جل شأنه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ اٰيٰتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ (طه: ١٣٤).

    لقد كانت دعوة الرسل والأنبياء عليهم السلام إنقاذًا للناس من براثن الشرك والوثنية، وتطهيرًا للمجتمعات الإنسانية من التحلل والفساد، ومن هنا يقول الحق سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتٰبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنٰتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة: ٢١٣)، فالآية الكريمة توضح أن الناس كانوا على الهدى ودين الحق إلا أنهم اختلفوا وتنازعوا وعاثوا في الأرض فسادًا، وحادوا عن الطريق المستقيم فأرسل الله إليهم النبيين مبشرين ومنذرين وجعل سبحانه كل رسول منقذًا لقومه من الضلال والكفر، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِاٰيٰتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمٰتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّـﯩـٰﻢِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاٰيٰتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (إبراهيم:٥).

    يقول الإمام ابن القيم: ومن هنا نعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح، لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم» أ.هـ.

    وهنا سؤال دائمًا يطرح نفسه قديمًا وحديثًا في هذه القضية ومفاده: أن العقل البشري قد وصل إلى درجة عالية من التطور العلمي والتقني فهل من الممكن أن يستغني العقل عن الرسالة والوحي؟

    وللإجابة عن ذلك نقول: إن للعقل البشري ميدانه واختصاصه وطاقته، فإذا خرج عن حدوده أصابه الشطط والتخبط، وإذاخرج عن ميدانه كبا وتعثر، والعقول مهما بلغت من الرفعة والسمو والكمال، لا يمكنها الاهتداء إلى حقيقة الإيمان والمعرفة ووجوه الطاعات، وليس أدل على ذلك ما حدث قبل الرسالات الإلهية من الضلال والبغي؛ الذي شمل العالم في الأزمان الغابرة؛ بل ما حدث بعد أن خفت صوت الرسل وضاعت معالم الرسالات الماضية إلى قرب رسالة خاتم المرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إذ كان الناس يعبدون الأحجار والأشجار، ويؤله بعضهم بعضًا، ويستذل بعضهم بعضا؛ بل إن المصريين القدامى مع ذكائهم وعبقريتهم ألهوا الفراعنة، وعبدوا العجل، وحدث ذلك مع أهل الروم واليونان، كل ذلك مع علو كعبهم وعبقريتهم العلمية في الفلسفة والأخلاق والقانون.

    يقول الدكتور بول كلارنس: «لقد كنت عند بدء دراستي للعلوم شديد الإعجاب بالتفكير الإنساني وبقوة الأساليب العلمية إلى درجة جعلتني أثق كل الثقة بقدرة العلوم على حل أية مشكلة في هذا الكون؛ بل على معرفة منشأ الحياة والعقل وإدراك معنى كل شيء، وعندما تزايد علمي ومعرفتي بالأشياء من الذرة إلى الأجرام السماوية، ومن الميكروب الدقيق إلى الإنسان، تبين لي أن هناك كثيرًا من الأشياء التي لم نستطع حتى اليوم أن نجد لها تفسيرًا حتى يُكشف عن أسرارها النقاب».

    ويؤكد هذا الكلام وليم جيمس الذي يقول أيضًا: «إن علمنا ليس إلا نقطة، ولكن جهلنا بحر زاخر، والأمر الوحيد الذي يمكن أن يقال بشيء من التأكيد هو: أن عالم معرفتنا الطبيعية الحالية محاط بعالم أوسع منه من نوع آخر، لم ندرك خواصه المكونة له».

    وأضيف إلى هاتين الشهادتين السابقتين شهادة العلامة المشهور كميل فلامريون الذي يقول: «إن من التناقض البين أن نرى أن الرقي الذي حصل في العلوم مما لا مثيل له في التاريخ، وأن هذه الفتوحات المتتالية التي تمت للإنسان في الطبيعة... قد رفعت عقولنا إلى الدرجات العالية؛ لكنها أهبطت إنسانيتنا إلى أخس الدركات، ومن المحزن أنه بينما نشعر بنماء قوتنا يومًا بعد يوم تنطفئ حرارة قوتنا، وتنصرم زهرة حياتنا القلبية بتأثير المطامع المادية والشهوات الجسدية».

    ومن هنا يمكننا القول: إن إرسال الرسل فضل ورحمة من الله تعالى للبشرية جمعاء، ولولاهم لظل الناس يهيمون في الضلال والخسران، مهما بلغت حدة ذكائهم، ومهما وصلوا إلى أعلى الدرجات في التطور العلمي والتكنولوجي.

    إن كل ما عرفته البشرية من خير حقيقي مرجعه إلى الوحي الإلهي الذي جاء به الرسل عليهم السلام وإن كل ما أصاب البشر من شر وضلال مرجعه إلى البعد عن تعاليم السماء وعدم الاقتداء بالرسل عليهم السلام وأن ما تزهو به البشرية الآن من الحرية والإخاء والمساواة وحقوق الإنسان مستمد في منبعه الأصيل من منهاج الرسل مع فارق واحد وهو أن هذه المبادئ كانت على يد الرسل الكرام حقائق واقعة، اتخذوها سلوكًا في حياتهم، وطبقوها في مجتمعاتهم، بينما هي على يد المتاجرين بها اليوم كلام جميل يخدعون به الناس، وليس له أدنى رصيد من الواقع، كما نسمع بمنظمات حقوق الإنسان، وجمعيات الرفق بالحيوان ومنظمات العفو والعدل المنتشرة في العالم.

    إن الناظر إلى حال الإنسانية اليوم ليبكي بدل الدموع دمًا لتلك المبادئ الأخلاقية المهدرة حتى أصبحت الضمائر تلبس وتخلع تبعًا للحاجة والمصلحة، والنتيجة الحتمية لهذا المقياس هي تلك الأنانية البشعة التي حولت الإنسان إلى وحش كاسر، يندفع وراء غرور المادة وطغيانها، فلا اعتبار عند ذلك الإنسان لقيم ولا لمبادئ إلا بقدر ما تحققه له من منفعة أو تحقق له غرضًا معينًا.

    إن ما يدعو إليه أنبياء الله -عليهم السلام- من مبادئ وقيم وأخلاق وسلوكيات ليس متأثرًا برؤيتهم الخاصة، أو من زاوية شخصية كشأن المصلحين والزعماء والساسة؛ بل بتوجيه رباني مؤيد بالوحي من قبل الله سبحانه، وهذا التوجيه الرباني لا يمكن أن يقع في الخطأ الفادح، الذي يقع فيه بعض الساسة والقادة، الذين يقدمون الحلول للناس برؤيتهم الخاصة أو بمصالحهم الذاتية كما فعلت الشيوعية من قبل، وفشلت نظرياتها فشلًا ذريعًا.

    وأنبياء الله -عليهم السلام- قبل أن يقدموا الحلول للناس في كل مناحي الحياة كانوا هم بذواتهم قدوةً حيةً لفعل الخير والنموذج الذي يحتذى بهم في الطهر والنقاء، ولايمكن أبدًا أن تجد مفارقةً بين ما يفعلونه وما يدعون إليه، بخلاف ما نجده في حياة الكثير من المصلحين والمفكرين والقادة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب:٢١)، وقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدُُٰ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعٰلَمِينَ﴾ (الأنعام:٩٠).

    ومنهج الرسل يتقرر كذلك دون غيره بالعلم النافع الذي يقرب الإنسان من ربه، وينجيه من العذاب يوم القيامة.

    إن الموجهين والمرشدين فيما عدا القلة المؤمنة منهم قلما يوجهون البشر إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، ذلك أن آفاقهم محدودة ومحصورة في الحياة الدنيا وزينتها ومتاعها، وهذا العلم الذي يقدمونه للناس على فرض أنه نافع، ويحقق المصالح للناس في الأرض إلا أنهم لا يدركون ما في الكون من أسرار أودعها الله سبحانه كلَّ ذرة من ذراته تبرهن على عظمته وقدرته ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيوٰةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غٰفِلُونَ﴾ (الروم:٧).

    إن أنبياء الله يقدمون للبشرية العلم النافع، والذي يكمن في معرفة الله سبحانه معرفة يقينية، معرفة لا تشوبها ريبة ولا يساورها شك، معرفة تورث القلب أمنًا وطمأنينة، معرفة تطمئن الناس على حاضرهم ومستقبلهم فيصلح حاضرهم ويستقيم باتباع منهج الله، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰوةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:٩٧).

    نعم: إنه العلم النافع الذي يصلح الدنيا ويسوق الناس إلى رضوان الله في الآخرة، علم تلقاه الأنبياء تلقيًا مباشرًا من لدن حكيم خبير عن طريق الوحي، يؤمنون به إلى أعلى درجات اليقين ويدعون الناس إلى الإيمان به، لتصلح به دنياهم وآخرتهم، وبدون هذا العلم النافع الذي انفرد به الأنبياء عليهم السلام لن يتم صلاح للبشرية؛ بل العكس هو الصحيح، فقد استخدم الناس كثيرًا من العلوم في إفساد الإنسان وتدميره، وليس أدل على ذلك من مخزونات الأسلحة النووية والكفيلة بتدمير العالم كله أكثر من مرة كما يدعونه.

    لو أننا سرنا على منهج الرسل واقتفينا أثرهم لأصبحت كل العلوم نافعة سواء كانت طبًا أوهندسة أو رياضيات أو كيمياء أو فيزياء.. لأنها حينئذ تحقق المنهج الرباني، الذي أراده الله، وهي في نفس الوقت لا تفتنهم مهما كانت إغراءاتها عن اليوم الآخر، ولن تغرقهم في الضلال والإفساد والتدمير.

    لعلنا نلاحظ في الآونة الأخيرة أن التقدم العلمي الكاسح، والذي أصاب دهشة الناس لم يرافقه أي ارتقاء أدبي أو خلقي يذكر؛ بل على العكس نلاحظ أن الدول التي تقدمت تقدمًا علميًا وتكنولوجيًا تعاني الآن من أزمات خانقة في الدين والأخلاق، فنراها سادرة في غيها، غارقة في مستنقع الشهوات والآثام؛ بل آثر بعض أفرادها العرى، وإباحة الشذوذ، والتفنن في استعباد الأمم الضعيفة وابتزاز خيراتها، ودفعهم الجشع والطمع إلى خوض الحروب من أجل الهيمنة والسيطرة على بعض الدول، ألا ما أحوج البشرية المتردية اليوم إلى منهج الرسل -عليهم السلام- الذي تلقوه من ربهم، الذي خلق الخلق وهو أدرى بما يصلحهم وينفعهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطيفُ الْخَبِير﴾ (الملك:14).

    إنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح والفوز في الدنيا والآخرة إلا بالسير على هذا المنهج، ولا يمكن معرفة الضار والنافع من العلوم إلا على أيديهم، ولا معرفة الطيب من الخبيث إلا من خلال هديهم، ولا ينال رضا الله سبحانه إلا عن طريقهم، ولا يمكننا أبدًا أن نميز بين الهدى والضلال إلا بمعرفة أحوالهم ودراسة تاريخهم واقتفاء آثارهم.

    لقد أعدهم الله سبحانه لهذا الشرف العظيم يذكرون الناس بالله، ويطبقون منهج الله، ويحرسون دينه، ويبطلون حجج المعاندين والمشككين... إنهم السفراء الذين اختارهم الحق سبحانه لأجل وأخطر الأعمال.

    إن النبوة ليست نظرية فلسفية يثرثر بها المثرثرون أو يلوكها المجادلون، وليست قضية لاهوتية يتباحث فيها مؤرخو الأديان، إنما هي اختيار أعلى من خالق البشر جل في علاه واصطفاء لأمر عظيم ممن يعلم السر وأخفى، إن الرسل هم الطريق الأوحد لهدايات السماء، والترجمة العملية لمراد الحق سبحانه من خلقه، وصدق الله العظيم: ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام:124)، ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلٰـــئِكَةِ رُسُلًا وَمِنْ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيْعٌ بَصِيْرٌ﴾ (الحج:75). والله أَعلى وأعلم.

*  *  *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلامية

 

من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند

(الحلقة 65)

بقلم: الأستاذ/ سيد محبوب الرضوي الديوبندي -رحمه اللّه-

(المتوفى 1399هـ / 1979م)

ترجمة وتعليق: محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري(*)

 

 

مساهمة دارالعلوم في تحرير البلاد:

    لِنقُل: إن تاريخ دارالعلوم السياسي يرجع إلى عشر سنوات سبقت بداية نشأتها، وإن المساعي النضالية لتحرير البلاد من براثن الإنجليز، التي بذلها مشايخ دارالعلوم/ديوبند وخاصة شيخ الطائفة الحاج إمداد الله المهاجر المكي (42عامًا)، والإمام محمد قاسم النانوتوي (25عاما)، والشيخ المحدث رشيد أحمد الكنكوهي (29عاما) وغيرهم منذ عام 1274هـ/1857هـ يمثل صفحة أولى من تاريخ دارالعلوم/ديوبند. فإنهم بايعوا الحاج /إمداد الله المهاجر المكي أميرًا في مجلس جمعهم في قصبة «تهانه بهون»(1) من مديرية «مظفر نغر»، وعلى إثره أعلنوا نهاية الحكومة الإنجليزية، وتم تشكيل جماعة نضالية لتحرير البلاد، وولي الحافظ محمد ضامن الشهيد (1233-1317هـ/1817-1899م) قيادة الجماعة الجهادية. ومن المصادفات أن بعض فرسان الجيش الإنجليزي كانوا يحملون كمية من الخراطيش على أكتاف الأجراء من «سهارن فور» إلى «كيرانه»(2)، فاستغلت جماعة المجاهدين هذه الفرصة، فهاجموا الفرسان ونهبوا ما معهم من الأسلحة، وقتلوا الضباط الإنجليز الذين كانوا مع الركب(3). وهذا الانتصار حَدَا بالمجاهدين إلى الهجوم على قصبة قريبة منها وهي «شاملي»، و تحصنت القوات الإنجليزية داخل القصبة بعد أن أغلقت أبوابها، وكان المجاهدون في عراء من الأرض فتعرضوا لكثير من رصاصات الجيش الإنجليزي، وخسروا خسرانًا مبينًا. يقول كتاب «سوانح قاسمي»: «في هذه المرحلة العصيبة خاطر الإمام النانوتوي بنفسه، فتقدم إلى باب القصبة وأضرم فيه النار، وتخلل المجاهدون شعل النار، وتوغلوا في القصبة، وحمي فيها الوطيس، وقاتلوا الجيش وجهًا لوجه، حتى اضطر من بداخلها إلى الاستسلام.

    وفي الوقت الذي كان الجيش الإنجليزي يستسلم قُتِلَ الحافظ محمدضامن شهيدًا برصاص  الإنجليز، وذلك بعد الظهر يوم الاثنين في 24/المحرم الحرام عام 1274هـ(4).

    ويوم «شاملي» 14/سبتمبر هو اليوم الذي دخل فيه القوات الإنجليزية القلعة الحمراء في دهلي، واستولت عليها، ومن سوء الحظ عجز مسلمو الهند يوم ذاك عن استجماع قواهم وتنظيمها، مما أدى إلى تغلب الإنجليز على الهند بُرمَّتها.

    ويقول كتاب: «شاندارماضي» - الماضي المجيد-: استمرت هذه الوقعة ثلاثة أيام، خسر فيها المجاهدون كثيرًا، وتم تدمير بوابة القصبة في اليوم الثالث بنضال الحافظ محمد ضامن شاه، وقتِلَ شهيدا برصاص الجيش الإنجليزي(5).

    ويرى كاتب الوقائع الإنجليزي: هنري جورج كين (Henry George kain)  أن الحرب استمرت سحابة يوم واحد، قتل فيه من المحاصرين 13/نفرًا، قال: «استمرت الحرب سحابة النهار، وكان المهاجمون في عدد كبير، فكانت كفتهم راجحة، وأضرموا النار في كثير من سقوف العمارات المتصلة بجدار الدائرة، وقتل من المحاصرين ثلاثة عشرة شخصًا، منهم: نائب حاكم المدينة: إبراهيم خان»(7).

    وثأر الإنجليز من الهجوم على «شاملي» بشراسة، ودمروا «تهانه بهون» تدميرًا، واضطر الحاج إمداد الله (1233-1317هـ/1817-1899م) إلى الهجرة إلى مكة المكرمة، وقضى الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي (1244-1323هـ/1829-1905م) ستة أشهر في غياهب السجن، وصدر أمر ضبط وإحضار ضد الإمام محمد قاسم النانوتوي (1248-1297هـ/1833-1880م)، غير أنه لم يقع في أيدي الإنجليز، واختفى كثيرون آخرون.

    وكان هؤلاء يكنّون في صدورهم عواطف مرة ضد الإنجليز، وانطلاقًا من هذه العواطف ظل مشايخ دار العلوم/ديوبند يحملون الرغبة الأكيدة في تعمير البلاد و تحريرها منذ نشأة دارالعلوم عام 1283هـ/1866م، حتى عام 1366هـ/1947م. يقول الشيخ محمد طيب (1315- 1403هـ/ 1897-1983م)  رئيس دارالعلوم/ ديوبند في أحد خطباته:

    «ولم تعد بعد عام 1857م غير هذه الجماعة التي أحييت فكرة تحرير الهند، فلم تدع أحدا إلا وقد هام بها وجن جنونه بها. ويقول الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي رحمه الله (1244-1323هـ/1829-1905م): وأعظم من حمل هذه الفكرة الشيخ محمد قاسم النانوتوي (1248-1297هـ/1833-1880م). فقد سلت سيفه بقيادة شيخـــــــــه الحاج إمداد الله قدس سره (1233-1317هـ/1817-1899م)، ونزل ميدان تحرير البلاد وخاطر بنفسه فيه، وكانوا حريصين على مواصلة الحرب بعد ما لقوا من الانتصار في «شاملي» إلا أن الأوضاع انقلبت رأسًا على عقب، واستولى الإنجليز على «دهلي».

    ورغم نكستهم في ميدان الحرب، لم تذهب فكرة تحرير البلاد، التي كانوا يكنّونها في قلوبهم أدراج الرياح. وقال بعض الصلحاء يومئذ وهو ينظر إلى تغلب الإنجليز وقوتهم غير العادية: «لقد أنشب الإنجليز أظفارهم بشدة، لننظر كيف يتم اجتثاثها». فقال الشيخ محمد يعقوب (1249-1302هـ/1834-1886م)- أول رئيس هيئة التدريس بالجامعة، وكان من أعز تلامذته وأشدهم التصاقا بالشيخ النانوتوي رحمه الله- في أسلوب يعلوه الجلال والمهابة: «أين أنت؟ وليس بعيدًا أن تعود الهند صفًا واحدًا، تنام على حكومة الإنجليز وتصبح على سلطة آخرين».

    وكان علماء في طليعة المناضلين لتحرير الهند بعزيمتهم الصادقة وتوكلهم على الله تعالى؛ بل قادوا حركة التحرير في معظم الأحوال. وإذا تأملنا وأنصفنا تبين لنا أنهم أول من فكَّر في تحرير البلاد، وما شهدته عواطف الحرية من الحرارة والقوة والشمولية يرجع فضله إلى هؤلاء العظماء؛ فقد قام عدد منهم بحمل راية الجهاد ضد الحكومة الإنجليزية، وقاتلوا الجيش الإنجليزي وجهًا لوجه. وعدد منهم من قضى معظم شطرٍ من حياته وراء القضبان. والحق أن تاريخ تحرير الهند اختلط بتاريخ العلماء والشخصيات الدينية اختلاطًا يتعذر معه التفريق بينهما. وإن نشأة دار العلوم/ديوبند أورثت المسلمين الطمانينة والراحة وقرارة العين في الوقت الذي أدت نكستهم السياسية بهم إلى هوّة من العجز والبأساء والقلق والاضطراب.

    وأعد الشيخ محمود حسن الديوبندي المعروف بشيخ الهند (1268-1339هـ/1851-1920م) خطة ترمي إلى الثورة ضد الحكومة البريطانية في عام 1333هـ/1913م، وصفها تقرير لجنة رولات (Sir Sidney Arthur Taylor) (8).

    واتفق أن منيت هذه الخطة بالفشل، وتم اعتقال شيخ الهند -رحمه الله- مع أصحابه: الشيخ حسين أحمد المدني (1296-1377هـ/ 1879-1957م) والشيخ عزير كل(9) وآخرين. فلبث سنوات في جزيرة مالطه في بحر الروم. وتعرض تلامذة شيخ الهند: الشيخ عبيد الله السندي (1289-1363هـ/1872-1944م)، والشيخ منصور الأنصاري للعيش في المنفى مدة طويلة.

    وأُطلِقَ سراح شيخ الهند عام 1338هـ/ 1920م من سجن مالطه، وانضم إلى جمعية علماء الهند، التي أنشأها أصحابه وتلامذته عام 1337هـ/1919م. وبذلت جمعية علماء الهند مع حزب المؤتمر الوطني الهندي جنبًا إلى جنب مساعيها في توعية البلاد توعية سياسية واجتماعية. وكان الشيخ حسين أحمد المدني (1296-1377هـ/ 1879-1957م)، والمفتي كفايت الله الدهلوي (1292-1372هـ/1875-1953م)، والسيد فخر الدين أحمد(1310-1392هـ/1893-1972م) وبعدهم: الشيخ حفظ الرحمن(1318-1382هـ/1901-1962م) والمفتي عتيق الرحمن (1319-1404 هـ/1901-1984م)، والشيخ منت الله الرحماني والشيخ حبيب الرحمن اللدهيانوي (1310-1376هـ/1892-1956م)  والسيد محمد ميان الديوبندي (...-1365هـ/...-1946م)، وكثيرون غيرهم سابقين إلى كافة الحركات الرامية إلى تحرير البلاد من براثن الإنجليز؛ بل كانوا سببًا في ظهور عدد من الحركات ، وتحملوا في سبيلها متاعب الاعتقال والسجن.

    وأول من دعا إلى تحرير الهند تحريرًا كليًّا في دورة جمعية علماء الهند المنعقدة في «كالكوتا» عام 1345هـ/1926م هم خريجو دارالعلوم/ديوبند. ثم أعادوا مطالبتهم هذا في دورة بيشاور عام 1346هـ/1927م(10).

    واعلم أن حزب المؤتمر الوطني الهندي أعلن تحرير البلاد في دورته المنعقدة في لاهور بعد ذلك بثلاث سنوات(11).

    وقال عبد الغفار خان لدى(12) زيارته للهند عام 1309هـ/1969م وهو يخاطب طلبة دارالعلوم/ ديوبند: «أنا على صلة بدارالعلوم ديوبند منذ كان شيخ الهند محمود حسن الديوبندي (1268-1339هـ/ 1851-1920م) على قيد الحياة. كنا نعدُّ- ونحن هنا كيف نطرد الإنجليز من الهند، وكيف ننقذ الهند من رقة الاستعمار الإنجليزي؟ لقد سعت هذه المؤسسة لتحرير البلاد سعيها».

    واعتبر السيد ظهير الدين الصديقي خلال كلمته في جامعة المسلمين بعلي كره دارالعلوم/ ديوبند أكبر مراكز التوعية الإسلامية الآسيوية، وقال:

    «ما قامت به دارالعلوم من الخدمات ليس في المجال الديني؛ بل على المستوى السياسي أيضا يعتبر صفحة مشرقة من التاريخ، نعتز بأن دارالعلوم علَّمَتنا كيف نحارب لتحرير البلاد، لقد أرشدنا أساتذتنا إرشادًا عمليًا، ورفعوا الراية ضد الأصولية السياسية، وقدموا إلى المسلمين الهنود فكرة التقدم السياسي، ولم يألوا جهدًا في التضحية في سبيلها. وكانت سياستهم تتسم ببعد النظر المفرط، ونصرة الحق. ونلمس في مواقفهم غاية الثبات والعزيمة والإخلاص(13).

    ولايزال الذين شاهدوا  كيف تحمست دارالعلوم في المساهمة في حركة الخلافة. وكانت المخاوف الشديدة آنذاك قائمة من أن الحكومة البريطانية مستعدة لإغلاق دارالعلوم/ديوبند للحيلولة دون نشاطاتها السياسية. ولكنهم لم يعبؤوا به. وطوَّف أساتذتها وطلابها المدن والقرى وساهموا في حركة توعية الشعب عن طريق خطابات متحمسة ألقوها. ولم يألوا جهدا ما وسعهم. ولانعدو الحق لوقلنا: إن صوت شيخ الهند محمود حسن الديوبندي (1268-1339هـ/1851-1920م)  هو الذي نفخ روح الحرية والرغبة فيها في قلوب عامة المسلمين. الأمر الذي أقض مضاجع الخاصة والعامة حينئذ وجمعهم على رصيف واحد. ولم يكن يهم الأمم الهندية يومئذ إلا قضية الاستقلال. وأما المسلمون فكان يهمهم أمران: تحرير البلاد، والحفاظ على الخلافة وصيانتها. فتضاعفت جهود المسلمين على جهود غيرهم من الأمم بالقدر الذي كانت المسؤوليات والواجبات متضاعفة عليهم.

    وأنشئت إبان حركة الخلافة (عام 1337هـ/ 1919م) جماعة سياسية مفردة للعلماء سميت بـجمعية علماء الهند، التي قامت بخدمات مشكورة في تحرير البلاد. وكانت جمعية علماء الهند معظم أعضائها من علماء دارالعلوم/ديوبند. وعليه يمثل تاريخ جمعية علماء الهند جزءًا من تاريخ دارالعلوم السياسي. وظلت دارالعلوم مصدر قوة وفيض لحملة راية الحرية والاستقلال على مدى الدهور.

    والحاصل أن مشايـــخ دارالعلـــــــــــــوم/ديــــــوبنـــــــــــــــد لم يتقاعسوا عن تلبية حاجة من حاجات البلاد والدين؛ بل سابقوا إلى رفع صوت الحق بصفة دائمة. وأرشدوا الأمة إرشادًا دينيًا إلى حل المشكلات السياسية التي تستعصي على الحل. وبالتالي احتلت آراء دارالعلوم/ديوبند في البلاد أهميةً شرعيةً مدى الدهر.

*  *  *

الهوامش:

(1)  «تهانه بهون» اسمها قديما «تهانه بهيم»، سماها بذلك أبو الفضل في «آئينه أكبري» ثم  أطلق عليها «تهانه بهون» مع تردادها على الألسنة، وهي قصبة قديمة في شمال غربي ولاية أترا براديش. وتقع «تهانه بهون» في مديرية «مظفر نغر». وكان عدد سكانها قبل ثورة عام 1857م يبلغ نحو خمسين ألف نسمة، وكانت القصبة محاطا بالسور به أربعة أبواب. ودمرت على يد الجيش الإنجليزي، وعادت اليوم خرابا يبابا، ولا يتجاوز عدد سكانها اليوم خمسة آلاف نسمة، وتشكل القصبة قلب جهاد مشايخ علماء ديوبند في «شاملي». ولقيت القصبة سمعة واسعة؛ لأنها هي موطن كل من الحاج إمداد الله التهانوي وحكيم الأمة أشرف علي التهانوي رحمهما الله تعالى.

(2)  كيرانه: محكمة المال بمديرية «مظفر نغر»، وكان محكمتها المالية قصبة «شاملي» سابقا.

(3)  سوانح قاسمي 2/134.

(4)  و24/ المحرم الحرام عام 1274هـ يصادف 14/سبتمبر عام 1857م. والمصدر لهذا الاستشهاد التاريخي هو رسالة مخطوطة بقلم الطبيب ضياء الدين الرام فوري المتوفى عام 1313هـ، باسم «مونس مهجوران». ومن الغريب أن قصة معركة «شاملي» وشهادة الحافظ محمد ضامن ذكرها غير واحد من الكتاب بيد أنه لم يشر أحد منهم إلى تاريخ حدوث هذه الشهادة.

      توجد نسخة من رسالة «مونس مهجوران» في مكتبة المدرسة الصولتية بمكة المكرمة. وهي أصل المؤلف، يرجع الفضل في العثور عليها إلى الشيخ نسيم أحمد فريدي الأمروهوي-أحد أصحاب كاتب هذه السطور-. وقام الشيخ فريدي باقتباس مواضع هامة من الرسالة ونشرها في مجلة «تذكره» الصادرة في ديوبند العدد: نوفمبر عام 1961م. وأشارت هذه الرسالة إلى قصة  حرب «شاملي» وقعت يوم 24/المحرم الحرام عام 1274هـ، ويؤيده كتابات السر سيد رحمه الله وكُتَّاب السير والوقائع الإنجليز أيضًا. (سيد محبوب الرضوي).

(5)  جان بازان حريت-مناضلو التحرير- المجلد الرابع.

(7)  راجع: كين، نقلا عن كتاب «الشيخ محمد التهانوي» لصاحبه: ثناء الحق الديوبندي ثم الكراتشوي، ص 53، ط: أكاديمية باكستان/ كراتشي عام1963م.

(8)  كان السير سيدني آرثر تايلور رولات)( Sir Sidney Arthur Taylor Rowlatt KC  KCSI  PC 20 يوليو 1862 - 1 مارس 1945) محاميًا وقاضيًا إنجليزيًا. اشتهر برئاسته المثيرة للجدل للجنة Rowlatt ، وهي اللجنة التي تم تشكيلها في عام 1918م من قبل الحكومة الهندية البريطانية لتقييم الروابط بين الإرهاب السياسي في الهند، وخاصة بنغال وبنجاب، والحكومة الألمانية والبلاشفة في روسيا. وأدت اللجنة إلى قانون Rowlatt ، وهو امتداد لقانون الدفاع عن الهند لعام 1915. رولات كان ابن أ. هـ. رولات من الإسكندرية. تلقى تعليمه في كلية Fettes وكلية King's College في كامبردج، حيث كان عالمًا مميّزًا في العالم الكلاسيكي. بعد التخرج  أصبح زميلاً في كليته وعلّم كلاسيكيات عالية لفترة من الوقت في إيتون حيث كان يحظى بشعبية بين طلابه. انضم إلى حلبة أكسفورد؛ لكنها حققت تقدمًا بطيئًا ، أصبح عضوًا في المعبد الداخلي في عام 1906م، وأخيرًا أمين الصندوق. (https:/ /en. Wikipedia .org/ wiki /Main _Page)

(9)  عزير كل البيشاوري(...-...)، من سكان «زيارت كاكا صاحب» من أعمال «بيشاور» باكستان، تخرج في دارالعلوم/ ديوبند، عام 1331هـ، وانضم إلى حركة التحرير التي كان يقودها شيخ الهند محمود حسن الديوبندي، وكان عضوًا فاعلًا نشيطًا في هذه الحركة. وكان عليه إبلاغ الرسائل إلى حاجي ترنك زيئ وغيره من أعضاء الحركة، رافق شيخ الهند عام 1333هـ إلى الحجاز واعتُقل وأُسِرَ في «مالطه»، وكان في منصب العقيد (Colonel) في الجنود الربانية التي شكلت لتحرير الهند. ورأس حركة الخلافة فرع ديوبند، وولي رئاسة التدريس في المدرسة الرحمانية قبل الحرب العالمية الثانية، تزوج امرأة إنجليزية حديثة العهد بالإسلام، وكانت من العائلة الملكية البريطانية، وتدرس الإسلام، ويشكل عليها بعض الأشياء فكانت تراجع في ذلك الشيخ البيشاوري، فيكشف شبهاتها. ثم عاد إلى بيشاور زمن تقسيم الهند. للاستزادة منه راجع: موسوعة علماء ديوبند.

(10)      روشن باب – باب مشرق-الباب التاسع، ص 490،ط: مطبعة نظامي، بدايون، عام1943م.

(11)      نفس المصدر.

(12)      عبد الغفار خان (English, Abdul Gaffar Khan) (1308- 1409هـ= 1890-1988م)، ولد في هاشتناغار في وتمانزاي في بيشاور، مقاطعة في الحدود الشمالية الغربية للهند، وتوفي في بيشاور، بلوشستان، في باكستان ، 20/يناير، زعيم سياسي وروحي معروف بالمقاومة اللاعنفية التي عارض من خلالها الاحتلال البريطاني للهند خلال السنوات الأخيرة من حكم الإمبراطورية في شبه القارة الهندية. مد الله في عمره فعاش سلميًا ومسلمًا على الدوام. ويذكر أحيانًا تحت اسم «بادشاه خان»، ملك الزعماء، ومن المكافحين في زمن غاندي. ترعرع عبد الغفار خان في أسرة هادئة ومتنعمة في وادي بيشاور. كان والده بهرام خان، مزارعًا صاحب أرض، ورئيس جماعة (أولاد محمد) من قبائل البشتون (باثان). التحق عبد الغفار خان ثاني أبناء بهرام بالمدرسة التابعة للبعثة البريطانية، وهو أمر غير اعتيادي، إذ عادة ما حض الناس على عدم الالتحاق بتلك المدارس. لقد جد عبد الغفار في دراسته وساعده مرشده في ذلك، وبين له أهمية التعليم في سبيل خدمة المجتمع. في سنته العاشرة والأخيرة في الثانوية قدمت له منحة رفيعة المستوى، لكنه رفضها حين وجد أن الخريجين منها يظلون في الطبقة الثانية في المجتمع. للاستزادة من ترجمته راجع: /ar.wikipedia.org/wiki/عبد_الغفار_خان.

(13)      صحيفة «الجمعية»دهلي،13/ديسمبر عام1952م.

*  *  *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلامية

الدعوة الإسلامية في الهند – فريضة دينية

بقلم:  عبدالستار الأعظمي القاسمي(*)

 

 

كان التجار العرب قبل الإسلام يرحلون إلى الهند عبر شاطئ «غجرات» من «مالابار» إلى «سري لانكا» ومنها يتم نقل التوابل وغيرها إلى بلاد الشام والجزيرة العربية، وتُشحنُ هذه الأشياء من هناك إلى قارتي: «أروبا» و«أفريقيا»(1).

    وكان شعراء العرب في العصر الجاهلي يذكرون في أشعارهم ألفاظًا مثل: «قُرنفل»، «فُلفل» التي تعربت من: «كَرَنبو»، «پلپل» في اللغة المالية.

    ونستنتج من الشواهد العديدة أن مكة المكرمة كانت مركز التجارة العربية والتي أشار إليها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿لِإِيلٰفِ قُرَيْشٍ* إِيلٰفِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَآءِ وَالصَّيْفِ﴾ [قريش:1-2].

    كما ورد في بعض كتب التفاسير أن الكعبة المشرَّفة تقع في سُرَّة الأرض: أي مركزها(2).

    ويظهر من  الكتاب المقدس عند الهندوسية «الفيدا» أن النبي الآخر سيُبعث إلى سُرة الأرض(3).

    فأهل مكة المكرمة الذين يقطنون سرة الأرض وهي محور الدائرة المركزية للعالم، ولاسيما تلك المنطقة التي كانت الملتقى، ومحور الاتصال، ومدار السفر للقارات العديدة من آسيا وأوربا وأفريقيا؛ ولعلَّ موقع البلد الحرام في سرة الأرض ورحلات أهل مكة إلى شتَّى القارات سهَّل أمرَ الدعوة الإسلامية، وأتاح لهم إبلاغ رسالة الإسلام العظيمة إلى الأمم كلها.

    إن الله -تبارك وتعالى- أرسل سيد الأنبياء وخاتم الرسل محمد بن عبدالله –صلى الله عليه وسلم- بدين كامل ورسالة عظيمة إلى تلك النقطة المركزية التي كانت محطَّ الأنظار لكل الأمم، كما أنه كان من قبيلة شريفة، فقد كانوا من سَدَنة الحرم المكي، ومن تلك القبيلة ومن حولها انطلقت الرحلات العديدة إلى بلاد نائية، واستطاعوا حمل الدعوة الإسلامية والرسالة النبوية إلى أمم كثيرة بيسر وسهولة(4).

    فبعد صلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة أرسل النبي –صلى الله عليه وسلم- رسالة دعوية إلى ملوك الفرس والروم، كما أرسل إلى ملك الحبشة في قارة أفريقيا؛ فبلَّغ الرسول –صلى الله عليه وسلم- الأمانة، وأدَّى الرسالة، وأوفى المسؤولية ممتثلًا أمر ربه: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْاٰنًا عَرَبِيًّا لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرٰى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى:7] حتى خطت الأقوام العديدة خطوة سريعة إلى دائرة الإسلام و دخلت كثير من البلاد في الإسلام في العصر النبوي، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر:1-2].

    وأما في زمن الخليفة الثاني أمير المؤمنين عمر الفاروق -رضي الله عنه- فــوطئ المجاهدون بأقدامهم بلاد الفرس إلى شاطئ «غجرات»، كما فُتحت الشام ومصر وغيرهما ودخل أهلها في الإسلام.

    وتفيد القرائن أن الشعب الهندي وأهل الصين دخلوا في الإسلام في السنة الخامسة من الهجرة، وكان أول أثر للدعوة الإسلامية في الهند في ولاية «غجرات» و «مالابار» الواقعة على شاطئ البحر، ولعل الإسلام تسرَّب إلى هذه الولاية بفضل دعوة بعض الصحابة والتابعين.

    وقبل ظهور الإسلام غرقت الهند في الظلمات الجاهلية، وتلاشى كيانُها، وانحَطَّ شأنها، وفُقِد قدرها في مجال رعاية الحقوق الإنسانية، وظلت الهند تهوي في هوّة الانحطاط والخسران، فقد تغلغلت الأنظمة الفوضوية والقوانين العشوائية والأفكار الطبقاتية في الشعب الهندي فصاروا فريسة للاضطهاد والاستبداد، ووقعوا في ورطة الظلم حين أغلقوا أبواب العدل والإنصاف.

    وعندما أعرضوا عن المؤاخاة والمواساة دبَّ فيهم التميُّز والتفرق بين الطبقات من: البرهما، والكاشتريا، والشودرا، والمنبوذين، ونظر المجتمع الهندوسي إلى الطبقة المنبوذة على أنها أضل من الأنعام عقولًا، وأقل من البهائم قدرًا، وأشد من الثعالب مكرًا وكيدًا؛ فوضع المنبوذين تحت مستوى البهائم، وحرمهم التعاملَ الإنساني.

    وكان أمراء الهنادك يستَمِرُّون في الاقتتال بينهم، وشعوبُهم فاغرين أفواههم لطلب العدل من حكامهم. وينادون: هل من عادل يقوم بالمحاكمة بينهم؟! هل من رجل رشيد يرشدهم إلى طريق يؤدي إلى نَيل الحقوق؟! فلا رادَّ لهم ولا إجابة على ندائهم، إلا صدى أصواتهم في فضاء صامت.

    وأما سدنة المعابد ورجال الهندوسية فكانوا يأكلون أموال الناس وثرواتهم بالباطل، ينشبون مخالبهم في مكاسب الناس وأرزاقهم، ويتركون مالًا يسيرًا للناس لبقاء رمقهم.

    في ذلك الوقت كانت الهند غنية بالثروات المتنوعة، و بالأشجار والأنهار، ومزينةً بالجبال والحيوانات؛ وذلك ما دعا إلى شن الغارات عليها ممن حولها.

    وأول من تسلط على الهند هم الآريون الذين تغلبوا شيئًا فشيئًا على جميع الهند.

    وأما الشعب الأصلي للهند فاضطروا إلى اللجوء إلى الكهوف والجبال والغابات والفلوات لا سيما جنوب الهند التي كانت لهم معقلًا ملائمًا ومخبأً حصينًا، وبناء على ذلك سكن كثير من قبيلة «دَرَاوَر» جنوب الهند وجعلوا ولاية «تامل نادو» مأواهم ومقرهم. وتلك القبيلة المنهزمة كانت بعدد وفير لم يمكن إهمالها. ثم أصبحت تلك القبيلة المنكسرة من طبقات الشودرا والمنبوذين خدمًا وعبيدًا للطبقات العليا، واحتُقر شأنها، واعتبرت أحطَّ قدرًا؛ حتى وصل الأمر إلى أن أقدام البرهما لو وقعت على آثار وخطى الشودرا والمنبوذين أو اقترب المنبوذون من أبيارهم نجست الأقدام والأبيار.

    ولهذه العوامل حدثت في أنفس المنبوذين داعية إلى طلب دين صادق ودين حق يُرشدهم إلى العدل والمساواة، ووصلت الدعوة الإسلامية إليهم نعمة مرتقبة.

    وقال الدكتور «أمبيدكر» عن هذه الحقيقة: إن الشعوب الهندية التي دخلت في الإسلام كانت سبعين في المئة من الطبقات السفلى من الشودرا والمنبوذين.

    ولو أقامت الدعوة الإسلامية في ذلك الوقت مهمتها على نطاق كبير لاعتنقت هذه الطبقات الإسلام بأعداد وفيرة؛ لكن الإسلام وصل متأخرًا إلى شمال الهند، فمن المسلمين الفاتحين من اتجه إلى الهند للسياسة والسلطة، ولم تكن الدعوة الإسلامية من أهدافهم الأصيلة، لذلك لم تنتشر الدعوة الإيمانية  على نطاق واسع، وما وصل نور الإسلام إلى بيوت الأغلبية، وما نفحت رائحة الإيمان إلى أغلب سكان الهند.

    وبعد سقوط سلطتهم حاول الهنادك ما استطاعوا ألا يقترب أحد من الإسلام، ودعوا إلى وحدة الأديان في زمن الملك «أكبر جلال الدين» وطفقوا يصرخون بأن الأديان كلها واحدة توصل إلى معرفة الله، فلا حاجة إلى اعتناق الدين الجديد.

    إن هذه المهمَّة الخطيرة كانت تشكل عقبة أمام الهندوس لاعتناق الإسلام وكانت سدًّا منيعا أمام الدعاة لإضاءة بيوت الهندوس من مشكاة الإيمان.

    وفي زمنه قام «تُلسِي داس» بتأليف كتاب «رامائن» لإحياء الهِندُوتفا، وبادر إلى تثبيت المعتقدات الهندوسية في أذهانهم؛ كي تكون الهندوتفا راسخة في أعماق القلوب.

    وفي زمن الاستعمار البريطاني ظل المسلمون يناضلون لاستقلال البلاد وأخذ حقوقهم، وأما الهندوس فإنهم وجدوا دعمًا لإبراز الهندوكية فاشتدت المهمة الهندوسية لإحياء معتقداتها.

    وبعد الاستقلال حدثت قضايا عديدة من أهمها قضية تقسيم الهند مما أدى  إلى تصعيد الصراع الدائم بين الهنادك والمسلمين، ولم تخمد شعلة النزاع الثائرة حتى الآن.

    وبعد الانقسام انتقل كثير من علماء الهند وكبار أهل السياسة والسيادة من الهند إلى بلاد أخرى، وغرق من تبقى منهم في بحار السياسة ونسوا مكانة ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:110] التي حملتهم مسؤولية إبلاغ الرسالة، وفرضت عليهم توصيل تلك الدعوة الإيمانية إلى أقوامهم.

    كما لم يُقدِّم المسلمون أخلاقهم وعاداتهم إلى المواطنين كأسوة ونموذج تدعوهم إلى اعتناق الإسلام وتوقفت نشاطات الدعوة إلى الإسلام لحد كبير. ونسي المسلمون أنفسهم حتى ابتعدوا عن مقتضيات الدين وصاروا فريسة للإهمال في مجال الأعمال الدينية والامتثال لأحكام الشريعة.

    ولو أقبل المسلمون على الدعوة ونشر الدين؛ ورَكَّزُوا أنظارهم على دعوة المسلمين لترك المعاصي والآثام حتى لا ترجع الأيام الخالية، وحتى لا يسيء المواطنون الهندوس الظن بالإسلام والمسلمين.

    ولا ننكر الخدمات الجليلة للمدارس الدينية والجامعات الإسلامية التي تقوم بتنمية المهارات العديدة في الفرد والمجتمع الإسلامي، وتزويد أجيال الأمة بالعلوم الدينية، وتزيين أشبال المسلمين بالأخلاق الحميدة، وتحلية الأمة الإسلامية بالعقائد النقية، و ردّ الزيغ والضلال والمذاهب المنحرفة والبدع الرذيلة. ونحن نحتاج إلى بناء الأفراد الفذَّة الملمّة بتاريخ إخوة الوطن ومعتقداتهم ولغاتهم كي يتحملوا مسؤولية نشر الدعوة الإسلامية وبثِّ العقائد الصحيحة فيهم بأسلوب حسن، عملًا بالآية الكريمة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن...﴾ [النحل:125].

    وبعد الجهود الدعوية سوف نصل إلى نتائج جيدة، ومعطيات حسنة، والتي تكون -إن شاء الله- سببًا في انتشار الإسلام.

*  *  *

الهوامش:

الشرق الاوسط 6/1/2013 الميلادي.

تفسير مفاتيح الغيب ج/2 ص:378، تفسير أبي حيان ج/2 ص:51، تفسير البقاعي ج/1ص: 200.

إنك لعلى خلق عظيم ص/472.

راه اعتدال1/2/1421هـ، ص/34.

*  *  *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلامية

الشيخ محمد سالم القاسمي – رحمه الله– ترجمانا للفكر الإسلامي الوسَطي

بقلم:   الأستاذ محمد شمشاد عالم القاسمي(*)

توطئة

    ظلت دارالعلوم/ ديوبند ولا تزال تُنجب رجال العلم والفكر والدعوة والمعلّمين المثاليّين والمدرّسين الناجحين والأساتذة البارعين والمربّين القديرين الذين تحلوا بصفات مختلفة من المعلومات الواسعة، والثقافات المتعددة، والأفكار الواسعة، وحسن الخلق والإخلاص، والحب المفرط للتدريس والتعليم وإصلاح الناس، وقيادة الأمة الإسلامية، والدأب المستمرّ في العمل، ولم يبغوا وراء ذلك سمعة وصيتًا ولا مدحًا وثناءً، كما لعبوا دورًا قياديًّا هامًّا في إعداد الجيل الجديد الصاعد وتربيته وإصلاحه بشتى الجوانب علميًّا وفكريًّا وثقافيًّا وعمليًّا وخلقيًّا فجنّدوا أقصى طاقاتهم وقواهم في تزويد الطلاب بالعلوم والمعارف وإرشادهم إلى المستقبل النيّر، وحوّلوا اتجاهات الشباب إلى اتجاه صحيح وسليم.

    وكذلك سعوا جاهدين للإصلاح الشامل للشعب المسلم عامة والطبقة غير المثقفة والجماهير منهم خاصة فكريًا وعقائديًا وعمليًا وخلقيًا على منهاج النبوة ووفقًا للأفكار الإسلامية الوسَطية البعيدة عن الإفراط والتفريط، والسليمة من الشوائب، والنقية من البدع والخرافات.

    ومن هؤلاء الأساتذة المثاليين والمربين القديرين والمفكرين النابغين الذين تركوا آثارًا خالدة على الكوكب الأرضي، هو الاسم العذب الجميل المتألق، والاسم الذي كان يحتلّ مكانة رفيعة وحبيبة في نفوس الكبار والصغار معًا من رجال الدين والأساتذة والطلبة من جانب، وفي قلوب عامة المسلمين كافة من جانب آخر، وهو الأستاذ النابغة الشيخ محمد سالم القاسمي الملقب بـ«خطيب الإسلام» (أمطر الله تعالى عليه شآبيب رحمته).

    وفتح الشيخ سالم القاسمي رحمه الله تعالى- عينيه في بيئة محافظة وأسرة دينية وبيت كريم الأصل، وفي بيت تُشَمُّ منه رائحة العلم والمعرفة ساطعةً زكيةً، ويغلب عليه الجد والجهد، فيقول محمد سفيان القاسمي: «وُلد عام 22/جمادي الثانية 1344هـ الموافق 8/يناير 1926م في أسرة دينية علمية كريمة، ظلت محترمة لدى المسلمين في الهند بسبب طول جهادها في خدمة الإسلام وحسن بلائها في الدفاع عن ذماره»(1)، فبدأ ينشأ في مثل هذه البيئة.

    وقد برز فيه أثر الذكاء والنبوغ منذ نعومة الأظفار مما لفت أنظار أبيه حكيم الإسلام الشيخ محمد طيب القاسمي رحمه الله تعالى- الذي توسّم فيه الخير والنجابة والموهبة والطموح، فاعتنى بتربيته تربيةً صالحةً، وحرص على تعليمه وتثقيفه؛ لأن التربية الصالحة والتزويد بالمعرفة والثقافة خير ما يُقدَّم لناشىءٍ، وكان الشيخ جدِّيًّا ومتفكرًا في أمر مستقبل ابنه، فأخذ يكمل نقصه ويوسّع نفسه ويفتح أفقه ويملأ فراغه، فجعله يلتحق بالجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند ليتلقى العلوم الإسلامية، فبدأ رحلته الدراسية فيها، فأخذ ينشأ ويترعرع في جو السكون الصافي ذي الطابع الديني والروحي، والبيئة العلمية، وبذل جهوده المضنية؛ لأنه كان يعلم جيدًا أن أيّ علم هيهات أن يفتح مغاليق كنوزه إلا لمن يبذل الثمن غاليًا من ماله وجهده ونور عينيه فلم يأل جهدًا فيه إلى أن نال شهادة الفضيلة في العلوم الشرعية (أكبر شهادة علمية في المدارس الإسلامية الهندية آنذاك) عام 1948م من نفس الجامعة.

    وقد ساهم عديد من العوامل والمؤثرات في تكوين شخصية الأستاذ الشيخ محمد سالم القاسمي العلمية والثقافية والفكرية، وتشكيلها، فمن أهمها والده النابغ الشيخ محمد طيب القاسمي الملقب بـ«حكيم الإسلام»، الذي تربّى الشيخ سالم تحت رعايته الخاصة وعنايته البالغة، فهو الذي قد أثّر أكبر تأثير في تكوين عقلية الشيخ سالم وأفكاره المعتدلة.

الإسلام دين الوسَطية والاعتدال

    ويقول الفيروزآبادي: «الوَسَط، محركةً، من كل شيء: أَعْدَلُهُ»(2)، فالوسطية هي الاعتدال في كل أمور الدين والدنيا من تصورات وأفكار ومناهج ومواقف، وهي تَحرٍّ متواصل للصواب في التوجهات والاختيارات، فهي ليست مجرد موقف بين التشدد والانحلال؛ بل منهج فكري أخلاقي وسلوكي.

    ويتميز الإسلام عن غيره من الأديان والشرائع بأنه دين الوسطية والاعتدال، فهو دين العدل والخير والكمال، ودين وسط بين الإفراط والتفريط، فالوسطية ميزة فريدة من مزايا الإسلام، وسمة بارزة من سمات الشريعة المحمدية الحنيفة، فهذا الدين يتسم بأنه دين السماحة، ورفع الحرج؛ حيث إنه موافق للفطرة البشرية السليمة، فالإسلام وسط في جميع القضايا الدينية والدنيوية من المعتقدات، والعبادات، والمعاملات، والأخلاق، والأفكار، والمناهج، والأنظمة وما إلى ذلك، مما جعل الأمة الإسلامية تتميز عن غيرها من الأمم بأنها أمة الوسطية والاعتدال، تبعد عن الانحراف والتطرف، والتشدد واللّين، ومنهجها منهج الاستقامة والاعتدال.

    فالوسطية ميزة خاصة لهذه الأمة؛ بل من أبرز سماتها، وبها تُعْرف بين الأمم، وهي حالة محمودة تدفع أهلها للالتزام بهدي الإسلام فيقيمون العدل بين الناس، وينشرون الخير، ويحققون عمارة الأرض، وعبودية الله، وحقوق الإنسانية بين بني البشر، ويُعطَى في ظل الإسلام كل ذي حقٍّ حقَّه؛ فلذلك جعل الله تعالى هذه الأمة أمة وسَطًا، ومنهجها منهجًا وسَطًا قائلًا: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا»(3)، يعني كما أن الكعبة وسط الأرض كذلك جعل الله – عزّ وجلّ – هذه الأمة أمة وسَطًا، والوسَط هو الخيار أوالعدل، والآية تحتمل كِلا المعنيَيْن، ويقول الحافظ ابن كثير –رحمه الله-: «الوسَط ههنا: الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي: خيرها. وكان رسول الله – صلى الله عليه وسلم- وسَطًا في قومه، أي: أشرفهم نسبًا.... ولَما جعل الله هذه الأمة وسَطًا خصّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب»(4).

    فالوسطية والاعتدال وصف لحقيقة الإسلام كما أمر به الله - تعالى- دون إفراط أوتفريط؛ إذ الإفراط هو المبالغةُ بقصد التزام أحكام الدين، والتفريط هو التهاونُ بأحكامه.

دار العلوم/ديوبند حاملة لواء الفكر الإسلامي الوسَطي

    وتُعتبر دار العلوم/ديوبند أقدم وأكبر مركز إسلامي ومعقل ديني للمسلمين في القارة الهندية، وهي أعرف من أن تُعرَّف؛ لأن خدماتها وجهودها في سبيل الحفاظ على الإسلام، ودعوته، ونشر العلوم الإسلامية، وإخراج المسلمين من البدع والخرافات والتقاليد الجاهلية، والنضال والكفاح ضد أعداء الإسلام والمسلمين، كلها تنطق بها صفحات التاريخ الإسلامي بالهند داخلها وخارجها أصدق نطق.

    وقد تبنّت دار العلوم/ديوبند وعلماؤها منذ ما تأسست طريق جمهور الأمة المسلمة فكريًا وعلميًا وعمليًا، فيقول المفتي محمد تقي العثماني: «إنهم يتبعون في تفسير الإسلام وعرضه نفس المسلك الذي سلكه جمهور علماء الأمة عبر أربعة عشر قرنًا. إن الدين وتعاليمه الأساسية إنما تنبع من الكتاب والسنة، وإنها تعاليم الكتاب والسنة في شكلها الشامل هي أساس مذهب علماء ديوبند»(5)، فهي ما زالت ولا تزال تعض على طريق أهل السنة والجماعة، ومذهبهم بالنواجذ فكريًا وعمليًا، وتعليمًا وتعلّمًا، ونشرًا وبلاغًا.

    وإن الدين عند الله الإسلام، والإسلام دين الوسطية والاعتدال كما وصف القرآن الكريم هذه الأمة بـ«أمة وسط»، فيُعتبر التوسط والاعتدال ميزةً أساسيةً لهذه الأمة، «وبما أن علماء ديوبند يتبنّون هذا الدين الوسط، فإن مذهبهم ومزاجهم وذوقهم الديني معجون بهذا الاعتدال، طريقهم يمر بين الإفراط والتفريط بشكل لا يتورط ذيلهم في أي من الطرفين المتقاصيين»(6)، هذا هو المذهب الوسط والفكر الإسلامي المعتدل الذي ظلت وتظل دارالعلوم/ديوبند تنشره تدريسًا وتعليمًا وتربيةً، ودعوة وتوجيهًا، وإصلاحًا وتزكيةً لظاهر الشعب المسلم وباطنه.

    ويقول الشيخ المقري محمد طيب القاسمي رحمه الله- وهو يعرّف المذهب الجامع المعتدل الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة، والذي يتبنّاه علماء ديوبند: «المذهب الجامع إنما يكون المذهب الذي يجمع بين العقل والنقل في توازن كامل يسمح للعقل أن يظلّ فاعلًا بجانب النقل، ولكن بشكل خادم للنقل وليس متحكمًا فيه، فيوفّر لكل كلّي وجزئي منه براهين عقلية ودلائل معتبرة، وشواهد ونظائر ملموسة، الأمر الذي يجعل المذهب مُتَّبَعًا لدى كل فئة من فئات الأمة، ودستورًا للحياة شاملًا مقبولًا لديها جميعًا؛ فيعود المتبعون له مصداقًا لقوله تعالى: «وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَّسَطًا»، وهذا هو المذهب الذي يُسمّى مذهب أهل السنة والجماعة، وهو الذي يتبنّاه علماء ديوبند، ولكونهم يتبعون هذا المذهب الجامع، ويحوزون عناصره وموادّه كلها هم مفسّرون ومحدّثون معًا، وفقهاء ومتكلمون معًا، وزاهدون ومجاهدون معًا، ومقلّدون ومفكّرون معًا، وبامتزاج هذه العناصر والعلوم الدينية جاء مزاجهم معتدلًا متوسّطًا يتنزّه عن الغلوّ والمبالغة»(7)، فـ«علماء ديوبند بالنسبة إلى اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي من أهل السنة والجماعة تمامًا... إن جماعة ديوبند هذه سعت لاتخاذ كل ما كانت تستطيعه للحفاظ على عقائد أهل السنة والجماعة، ومبادئها وأصولها داخل الهند وخارجها، ولقّنتها الجماهيرَ، مما ساعد على بقاء أهل السنة والجماعة بهويتها الصحيحة، وجعل مؤسسو جامعة ديوبند هذه المهمة بصبغتها الأصلية علامةً عالميةً عن طريق تلاميذهم وأتباعهم المربَّينِ لديهم مباشرة أو غير مباشرة»(8).

الشيخ سالم ترجمانًا للفكر الإسلامي الوسَطي

    وكان الشيخ محمد سالم له يد عليا وتفوق بارز في جميع العلوم والفنون، كما كان نادر النظير والمثيل في سعة علمه وغزارته، وعمق فكره، ودقة نظره، وطول باعه في معارف الكتاب والسنة ودقائق علومهما، وورث ذلك أبًا عن جد بداية من الإمام محمد قاسم النانوتوي الملقب بـ«حجة الإسلام» رحمه الله ونهاية بحكيم الإسلام محمد طيب القاسمي رحمه الله -.

    وقد مثّل الشيخ الإسلامَ خير تمثيل محليًا وعالميًا من خلال كتاباته العلمية المبرهَنة الرشيقة وخُطَبه المقنعة البليغة، يقدّم الفكر الإسلامي الوسطي، ولم يقم بدور الترجمان لدارالعلوم/ديوبند فحسب؛ بل قام بدور ترجمان الإسلام خير قيام، كما أدّى مسؤولية لسان أهل السنة والجماعة، وكذلك كان يُعتبر أمينًا موثوقًا به لفلسفة الشاه ولي الله الدهلوي رحمه الله تعالى -، وكان وارثًا حقيقيًا وخلَفًا صادقًا للأفكار الوسَطية المعتدلة لأبيه حكيم الإسلام محمد طيب القاسمي، وكان مصبوغًا بصبغة قاسمية في العلوم والفنون، ومن مزاياه الفريدة أنه كان يشرح المعاني العميقة والموضوعات الدقيقة والقضايا المعقّدة جدًّا بأسلوب سهل جدًّا، كما كان يشرح الفكر الإسلامي على أساس العقل؛ بل قد خصّص حياته للشرح العقلي للإسلام، مما يجعله يستحق مكانة مفكر وفيلسوف إسلامي.

    وقد عمل الشيخ  طول حياته على تبليغ رسالة الإسلام المعتدلة، وتعزيز مفهومه الوسطي وشرحه، وإحياء الفكر الإسلامي الوسطي، وتثبيته في المجتمع الإسلامي في النوادي والحفلات والندوات والمؤتمرات وطنيًا ودوليًا، من خلال بحوثه العلمية وكتاباته الرشيقة وخطاباته الممتعة، وقد ركّز جُلّ عنايته على تقديم ونشر رسالة الإسلام المبنية على الوسطية والاعتدال، مدعمًا بالمعارف التي تتفاعل وتتماشى مع المستجدات والقضايا المعاصرة، بعيدة عن النظريات المتعصبة والمتطرفة والتعصب المذهبي، والتي تكون مقبولة لدى مختلف فئات وجماعات إسلامية وعقول مستنيرة، كما ساهم مساهمة نشيطة في نشر فكر إسلامي يقوم على الانفتاح، والتعاون، والتفاهم، والتعايش السلمي، والاعتدال، والرحمة، والأمن، والسلام.

    ويرى الباحث أنه كان شخصًا آخرًا من بين العلماء ورجال الدين المعاصرين، يحتل المرجعية في اعتدال الفكر والنظر ووسطيتهما، فيعترف الداني والقاصي جميعًا بهذه الميزة الفريدة لــه، ويعرفها خير معرفة من يطلع على كتابات الشيخ وخطاباته، ولم يلطّخ ذيله طول حياته بالتعصب الديني والمذهبي، والخلافات الفئوية، والانحياز والعصبية المذهبية والفكرية، وكان يعترف بفضائل الآخرين كبارًا وصغارًا ومحاسنهم، ويقبل اختلاف الآراء بسعة صدره وقلبه، وطلاقة وجهه وجبينه؛ فلذلك كان يترأس المنظمات والجمعيات التي ينتمي إليها أشخاص المذاهب المختلفة، ورجال الآراء والأفكار المتضاربة، مما يعكس اعتدال ذهنه وعقله ووسطية فكره.

    وفيما يلي نقدّم بعض النماذج والأمثلة للفكر الإسلامي الوسطي والمعتدل مستقيًا من خُطب الشيخ التي ألقاها في مختلف الحفلات والندوات والمؤتمرات والمناسبات وطنيًّا ودوليًّا، والتي تم جمعها وطبعها في كتاب «خطبات خطيب الإسلام» (مجموعة خُطَب الشيخ).

من تجليات الفكر الإسلامي الوسَطي في خُطَب خطيب الإسلام

    من يقرأ خُطَبه المطبوعة يجد من الأفكار والآراء المعتدلة ما تقرّ به أعينه، ويشرح صدره، ويطمئن به قلبه، فحينما يتحدث الشيخ عن حقيقة الدين يقدم جوانبه النادرة والدقيقة، وعندما يتكلم حول دور الأمة المسلمة في إصلاح المجتمع وبناء الإنسانية، يوقظ وعي المسؤوليات الكبيرة في ذلك لدى القارىء والمتلقي، ويعثر المتلقي على عمق العلم ودقته، والتفكير في قضايا الشعب المسلم، والشعور بالمسؤولية، وعاطفة الإصلاح والبناء في كل خطبة من خطب الشيخ.

    وتتحلى خُطَب خطيب الإسلام بمزايا كثيرة ومميزات بارزة مختلفة، ولكن من أبرزها وأظهرها كما يرى الباحث - هي ميزة الاعتدال والوسطية والدعوة إليهما، فيبدو الاعتدال جانبًا أبرز من الجوانب العلمية والفكرية من شخصيته في ثنايا خطبه.

    ولا شك أن التدين لا بد له من الاعتدال؛ لأن كل جزء من أجزاء الدين يتحلى بالاعتدال تمامًا وكاملًا، وإن الإفراط أوالتفريط في التدين، أوالرغبة الكثيرة في النقد اللاذع، أوالسكوت عن النقد حينما يجب النقد والانتقاد، كل ذلك يُسّمى باللااعتدال واللاوسطية التي تعارض الفطرة والدين كليهما؛ لأن الإسلام دين الفطرة، «فطرة الله التي فطر الناس عليها»(9)، فيقول الشيخ: «إن الإسلام عبارة عن دين الاعتدال تمامًا في أصوله وفروعه جميعًا، بعيدًا تمام البُعد عن الإفراط والتفريط؛ فلذلك إن الاقتضاء الطبيعي النابع من المنابع الداخلية لوتُرِك محرّرًا غير مقيَّد بالقيود الشرعية لأدّى إلى الإفراط الذي يعارض الطبيعة والفطرة، وكذلك لو فُرضت القيود الصارمة على ذلك الاقتضاء الطبيعي، المعارضة لغرض خلقه، بدون البحث عن التيسيرات الشرعية في ذلك، لكان ذلك فعلًا غيرطبيعي أيضًا، يُسَمّى بالتفريط»(10).

    يلاحظ الباحث في النص السابق أن الشيخ قد انتقد عدم الاعتدال المذكور أعلاه، ولكن بكل اعتدال، هذه هي ميزة خاصة للشيخ؛ بل هو جزء من طبيعته ومزاجه الموروث أبًا عن جد، وفي الواقع هذا الاعتدال هو الفكر الإسلامي الوسطي الذي مثّله الشيخ خير تمثيل طول حياته.

    وإن التقوى والفتوى لكل منهما مقتضيات وفوائد، فمن مزايا الفتوى أنها تمتاز باليسر والسعة، بينما التقوى على العكس، فإن اختار أحد طريق التُقى والورع لنفسه ودعا الآخرين إلى ذلك، فهذا فعل محمود ومشجَّع عليه، ولكن لا بد له من الاعتدال في ذلك أيضًا، فيقول الشيخ مشيرًا إلى ذلك: «إن طريق التُقى والورع هو لأهل الهمة والعزيمة، ولكن تيسيرات الفتوى وسعتها هي لعامة المسلمين الذين هم قليلو الهمة والعزيمة من هذا الدين، دين الفطرة والسماحة، فالسعي لأن يسلكوا مسلك أهل الهمة والعزيمة، يمكن أن يتسبّب في صدّهم عن الصراط المستقيم، ولكن لا يُرجى تبنّيهم طريق التُقى بسبب عدم الهمة والعزيمة لديهم، فضلًا عن استقامتهم عليه»(11).

    ففي النص السابق نجد وعيَ الشيخ العميقَ لكل من الامتثال المثالي وامتثال عامة المسلمين بالدين، ومراعاتهما الجميلة واعتدالهما مما يلفت نظر المتلقي، والذي هو تمثيل الفكر الإسلامي الوسطي.

وإن الشدة المفرطة المتجاوزة حد الاعتدال في التدين تقود إلى نتائج خطيرة كثيرة، فيقول الشيخ وهو يحدّد ذلك: «وتظهر فتنة جديدة في هذه الأيام، وهي أن الجماعة اللبرالية المثقفة ثقافة غير إسلامية، خالية الوفاض من العلوم الدينية والشرعية، قد ترى الإفراط والتفريط للتوجيه الديني غير المعتدل، ولكن لا تعرف الهداية الشرعية الصحيحة، فتظن أن تلك الهداية غير قابلة للعمل بها، فلا تنتقد فحسب العلماءَ المزعومين الذين يوفّرون لها توجيهات خاطئة؛ بل تشن الحرب اللاذعة بالقلم واللسان على جماعة العلماء ورجال الدين جميعًا بدون الاستثناء، وإلى جانب ذلك، لا تخاف هذه الجماعة الحديثة تقديم أفكارها المزيَّفة ونظرياتها المفتعَلة دينًا حقيقيًا في حين لا صلة لتلك الأفكار والنظريات بالإسلام الذي هو دين الفطرة، فتصبح الإباحة الكاملة والجواز التام في القضايا المتعلقة بالمدنية، غرضَها المنشود وهدفها المقصود فقط تحت ضغوط أهوائها النفسية ورغباتها الداخلية الجامحة، فلا تبقى إمكانية عدم الإباحة في أي جزء من أجزاء الدين لدى هؤلاء القادة المزعومين للدين»(12).

    ومما يجدر بالملاحظة في النص السابق أن الشيخ لفت أنظار العلماء بأسلوب جميل إلى محاسبة أنفسهم، إلى جانب انتقاد المواقف غير المعتدلة لحب التجديد والحرية، فقد ذكر انحراف هذه الجماعة المنحرفة من جانب، ومن جانب آخر، قد جعل العلماء المزعومين الذين يوفّرون توجيهات دينية خاطئة غير معتدلة، مسؤولين عن هذه الأوضاع المتدهورة أيضًا، فمن هنا يلاحظ الباحث الجانب المعتدل والوسطي في النقد والانتقاد، الذي هو جزء لا يتجزّأ من طبيعة الشيخ ومزاجه الديني.

    ويكون الإفراط والتفريط في الحضارة والمدنية كما يكونان في التدين، ومن الحقائق المريرة أن كلًّا من اللااعتدالَين يسبّب ضررًا كبيرًا للدين والأمة المسلمة، فيقول الشيخ ممثّلًا للفكر الإسلامي الوسطي في ذلك: «كما يؤدّي التخلّي الكامل عن التدين إلى الإلحاد والردة، فكذلك يمهّد عدم العناية بالمدنية، والرغبةُ عنها، سبيلَ سوء الظن بالإسلام بأنه لا يستطيع أن يواكب الحضارة والمدنية المعاصرة المتطورة السريعة جدًّا»(13).

    وهناك اتجاهان للأمة الإسلامية في الحضارة والمدنية المعاصرة المتطورة السريعة جدًّا: اتجاه ينكرها كليًا، بينما الاتجاه الآخر مولَع بها، ففي كل منهما إفراط وتفريط، ويتجاوز حد الاعتدال والوسطية، ففي النص السابق قدّم الشيخ موقفَ الإسلام المعتدل من ذلك خير تقديم.

    و الشدة والعجلة في تنفيذ أحكام الدين وتطبيقها على الرغم من الحصول على الحكومة والسلطة وتولّيهما، والإغماض عن الأوضاع الحقيقية، وإهمال حكمة التدريج، كل ذلك لا ينفع مساعي تنفيذ الدين وجهود تطبيق الشريعة؛ بل يضرّها ضررً كثيرًا، وبهذا الصدد يقول الشيخ ناقدًا لموقف حكومة مسلمة معاصرة وسلوكها: «إن الإسلام دين الرحمة، وليس هذا بدين الضيق والعسر والعنف، وإن الشعوب التي ظلت تعيش عيشة وحياة عبودية منذ ثلاثة قرون متوالية، وظل شعب أجنبي بكل من ثقافته وحضارته يسيطر عليها لمدة طويلة، صارت عقولها وأذهانها وأمزجتها وأذواقها مختلفة ومتغيرة تمامًا، فإن فرضتَ عليها الإسلام بغتةً وفجأةً لم تقبل ذلك؛ بل هذا التصرف يعارض العقل والمنطق، وإنما يحتاج ذلك إلى فرض الإسلام وأحكامه على مثل هذه الشعوب تدريجيًا، وإن تقديم فوائد الإسلام لهم تدريجيًا هو خير لهم»(14)، وأضاف قائلًا: «يجب تكوين أذهان الناس وأمزجتهم أولًا، مما يتطلّب الجهود المكثفة لمدة طويلة، ثم يتكون الذهن الإسلامي، وفي الواقع لم تبذل (يشير الشيخ إلى حكومة مسلمة معاصرة) الجهود في تكوين الذهن الإسلامي لشعبها تدريجيًا؛ بل بدأت تفرض أحكام الإسلام عليه بقوة وشدة مما كان معارضًا للحكمة والمصلحة، والعقل والطبيعة البشرية، وطبيعة الشريعة أيضًا»(15).

    وفي النصوص السابقة يتجلى موقف الإسلام المعتدل والوسطي في تنفيذ الدين وتطبيق أحكامه على الجماهير، وهو التمسك بمبدأ التدريج والتدرج في ذلك، وقد قدّمه الشيخ بكل وضوح وصراحة ولكن بكل اعتدال، ومن هنا يلاحظ الباحث أن الشيخ قد قام بتمثيل الفكر الإسلامي الوسطي خير تمثيل بكل عدالة وأمانة.

    وكان الشيخ دائمًا يفكر في توحيد صفوف الأمة المسلمة ووحدتها، ولكن لا يبعده ذلك عن حد الاعتدال والوسطية، وكان يواصل البحث عن أسباب اختلاف الأمة وانشقاقها، فيقول فارقًا ومميّزًا بين الدين والمذاهب الفقهية بكل صراحة ووضوح: «إن مناط النجاة ومستحق الدعوة والتبليغ هو الدين فقط، وإن مذهبًا فقهيًا من المذاهب الفقهية ليس بمناط النجاة، ولا بمستحق التبليغ والدعوة» يعني أن الدين وحده هو مناط نجاة الآخرة، وقابل للتبليغ والدعوة وهو الذي يستحق النشر بالدعوة والتبليغ، وأما مذهب فقهي محدَّد من المذاهب الفقهية فليس بمناط النجاة في الآخرة، وهو غير قابل للنشر بالدعوة والتبليغ؛ بل هو قابل للترجيح فقط. فيرى الباحث أنه خير نماذج تمثيل الفكر الإسلامي الوسطي والمعتدل الذي باح به الشيخ بكل صراحة ووضوح، وقدّمه مرارًا وتكرارًا على أعين العلماء ومسمع ومرآى من الناس جميعًا، وهذه ميزة خاصة وفريدة من مزايا الشيخ الكثيرة، يتحلى ويمتاز بها، مما يجعله يتميز عن العلماء المعاصرين له.

خاتمة

    وبعد رحلة غير سريعة ودراسة متأنية وغيرعابرة لكتابات الشيخ محمد سالم رحمه الله تعالى وخطبه المطبوعة، ومايتعلق من المعلومات المتوفرة بحياته الشاملة الحافلة بالجد والاجتهاد في سبيل خدمة الدين، ونشر العلوم الإسلامية، وتنشئة الجيل المسلم الجديد وتربيته الشاملة، وإصلاح عامة المسلمين عقيدةً وفكرًا وعملًا، يصل الباحث إلى أن الشيخ قد نشأ وترعرع في بيئة دينية محافظة، وبيت كريم الأصل، وأسرة متدينة، وجو علمي روحاني بدار العلوم/ ديوبند، وتحت رعاية كبار العلماء الربانيين والأساتذة الموهوبين، فكل ذلك ساهم في تكوين شخصيته الشاملة، وتزويده بالعلوم والمعارف والثقافة الإسلامية، وإعداد فكره الإسلامي الوسطي والمعتدل، ثم لما بدأ حياته العملية نشر العلوم الإسلامية، والفكر الإسلامي المعتدل الموروث أبًا عن جد في دوائر العلماء والطلبة، والأوساط العلمية، وفي عامة المسلمين من خلال كتاباته العلمية المبرهنة الرشيقة وخُطَبه البليغة المقنعة، فقام بتمثيل الإسلام خير تمثيل، ولعب دور ترجمان لفكره الوسطي والمعتدل وطنيًا ودوليًا في الحفلات والندوات والمؤتمرات والمناسبات الأخرى، مما جعله يتميز عن العلماء المعاصرين الآخرين، ورزقه الله تعالى قبولًا واسعًا لدى جميع العلماء ورجال الدين وعامة المسلمين معًا بصرف النظر عن مذاهبهم وأفكارهم وميولهم واتجاهاتهم.

*  *  *

الهوامش:

(1)  القاسمي، محمد سفيان، سيرة موجزة للشيخ خطيب الإسلام محمد سالم القاسمي، مجمع حجة الإسلام، ص:11، ديوبند، الهند، (تاريخ الطبع غيرمكتوب).

(2)  الفيروزآبادي، مجد الدين، القاموس المحيط، مراجعة وتحقيق: أنس محمد الشامي وزكريا جابر أحمد، دار الحديث، ص: 1752، القاهرة، (2008م).

(3)  سورة البقرة، الآية: 143.

(4)  ابن كثير، أبو الفداء إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)، ط1، دار ابن حزم، ص: 217، بيروت، (2000م).

(5)  العثماني، المفتي محمد تقي، مقدمة كتاب "علماء ديوبند: اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي"، مكتبة دارالعلوم، ص: 2، ديوبند، الهند.

(6)  نفس المرجع والصفحة.

(7)  القاسمي، المقري محمد طيب، علماء ديوبند: اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي، تعريب: الأستاذ نورعالم خليل الأميني، مكتبة دارالعلوم، ص: 97- 98، ديوبند، الهند، (تاريخ الطبع غير مكتوب).

(8)  نفس المرجع، ص:7- 8.

(9)  سورة الروم، الآية: 30.

(10) القاسمي، الشيخ محمد سالم، خطبات خطيب الإسلام، (مجموعة خُطَبه)، الجمع والترتيب: محمد يامين القاسمي، إداره دارالإشاعت، ج1، ص: 721، حيدرآباد، الهند، (2006م).

(11)      نفس المصدر.

(12)      نفس المصدر، ص: 921.

(13)      نفس المصدر.

(14)      نفس المصدر، ج2، ص: 684.

(15)      نفس المصدر، ص:784.

*  *  *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلامية

المال والولد

بقلم:  الأستاذ: أحمد سحنون

 

 

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخـٰسِرُوْنَ﴾. وقال: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبٰــقِيٰتُ الصّٰـــلِحٰتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾. يدفعنا حب البقاء إلى حب الولد، والاحتياط لمستقبله، ويدفعنا حب الولد إلى حب المال، والاحتيال لتحصيله، وفي هذا بعض السر في ذكر المال والولد مقترنين في الآيتين، وليس في هذا ما يضير، فلا يضير حب الولد، والاحتياط لمستقبله، ولا حب المال، والاحتيال لتحصيله، ما لم يتجاوز ذلك الحد المعقول، إنما الذي يضير حقًا أن ينسيك الولد واجبك مع الله، أو يلهيك المال عن أداء رسالتك في الحياة، وهو ما ينصب عليه النهي في الآية الأولى ... ﴿لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾، وتتضمنه خاتمة الآية الثانية: ﴿وَالْبٰـقِيٰتُ الصّٰــــلِحٰتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ إثر قوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا﴾.

    نعم إن الله أرحم وأحكم من أن يؤاخذنا على حب شيء جعله لنا طبيعة وفطرة، وله طابعا و صبغة، وللحياه زينة وبهجة، إنما ينهانا عن الغلو في كل شيء، حتى في دينه الذي ارتضاه لنا، إذ قال: ﴿لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾، فكيف لا ينهانا عن الإفراط والغلو فيما يلهينا عنه ويشغلنا عن طاعته، و نحن الأمة الوسط التي جعلها الله المثل الأعلى للأمم في الاعتدال والقصد في كل شيء، وأهلنا بذلك للاختصاص بفضيلة الرقابة والشهادة على خلقـــه، إذ قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنٰـكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾، فلا كان هؤلاء الذين استبد بهم حب المال، حتى أنساهم ذكر الله، وشغلهم عن أداء رسالة الحياة، وأصبحوا لا يبالون أجاء المال من حلال أو حرام، واكتسبوه أم اغتصبوه، حتى إذا استغنوا تجبروا وطغوا، ومنعوا الحقوق الواجبة وبغوا، كما أخبر بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغٰى* أَنْ رَآهُ اسْتَغْنٰى﴾، وكما نشاهده في جل أغنيائنا، وهكذا، فالمال الذي جعله الله من أجل النعم، ومن أهم وسائل الإصلاح ينقلب في أيدي هؤلاء أداة عاطلة، أو وسيلة شر وفساد.

    ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.

    ولا كان أولئك الذين اتخذوا من أولادهم أوثانًا، يعبدونها من دون الله، فيحلون في سبيلهم ما حرم الله، ويشغلهم الاهتمام الشديد بهم عما يجب عليهم لله، ويحملهم على البخل والجبن اللذين هما من أقبح ما يتصف به المؤمن بالله، كما يصرح بذلك الحديث: (الولد مبخلة مجبنة)، وكما يشير إليه اقتران ذكر المال بالولد، في الآية المفتتح بها الفصل.

    وشر من هؤلاء وأولئك الذين يقصرون عنايتهم بأولادهم، على الجانب المادي وحده، فيجعلون جمع المال لهم غايتهم القصوى، ولا يربونهم على الدين، والخلق، ولايهذبون نفوسهم بالعلم والمعرفة، كأن المال، هو كل ما يحتاج إليه الناس في دنياهم، وكل ما تتطلبه الحياة من وسائل النجاح، حتى إذا فصل الموت بينهم وبين أبنائهم، وجد هؤلاء الأبناء أنفسهم بلا سلاح، في دنيا الكفاح وإنما وجدوا مالًا وفيرًا، وجهلًا كبيرًا، فلا يفي مالهم بجهلهم، بل يبددون بجهلهم ما جمعه الآباء بكدهم، ويبقون أسرى الجهل والفقر معًا.

    -وإذن- فخير ميراث يورثه الآباء للأبناء، هو الإعداد الصالح والتوجيه الصحيح وهو ما عناه عمر رضي الله عنه بقوله: (الأدب خير ميراث).

    إن الولد الذي أحسن أبواه إعداده وتوجيهه، لايحتاج إلى المال؛ لأنه لا يعجزه الحصول على المال، وإن الولد الذي أهمل- أو أساء- أبواه إعداده وتوجيهه، لا ينفعه المال؛ لأنه لا يعرف كيف يحتفظ بالمال، ويجهل طرق استثمار المال، فسرعان ما ينفلت من بين يديه المال، وإذا كان الولد من زينة هذه الحياة، كما قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فخير لنا أن نحرص على تكميل هذه الزينة، ونجتهد في العناية بها، والحياطة لها، ليكون أولادنا ﴿زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ حقيقة، وإلا كانوا على حد قول شاعرنا المتشائم أبي العلاء المعري:

أرى ولد الفتى عبئًا عليـــــــــه

لقد سعد الذي أمسى عقيمًا

فإمـــــا أن يربيــــــــــــــه عـــــــــــــــــدوًا

وإما أن يخلفـــــــــــــــــــــه يتيمـــــًـــــــا

    ولكن على رسلك- يا قارئي العزيز- فقد نسينا بداية الطريق: إن صلاح الولد يبدأ من صلاح الوالد إذ (لا يستقيم الظل والعود أعوج)، ويوم أن كان آباؤنا صلحاء كان أبناؤهم صلحاء، ولأضرب لك مثلًا يكون لك منارة في هذا الطريق: لما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة، وخطب الناس خطبته الأولى، وذهب ليقيل (ينام القيلولة)، أتاه ابنه عبد الملك فقال له: ما تصنع؟ قال: أقيل؛ لأني سهرت البارحة، قال: أتقيل، ولا ترد المظالم؟ قال: إذا صليت الظهر رددتها، فقال له: من أين لك أن تعيش إلى الظهر؟ فقبَّله وقال: الحمد لله الذي أخرج من ظهري مما يعينني على ديني.

    إن ولدًا كهذا لا يحتاج إلى مال يرثه عن أبيه، فإن له من هذا الرصيد الديني الخلقي ما يكفيه، ولذا روي أن عمر بن عبد العزيز لما مات خلف أحد عشر ابنًا- هذا أحدهم- وتركهم فقراء إلا من هذا الرصيد الديني الخلقي العظيم، وقال لهم عند وفاته: ليس لي مال، فأوصي فيه، يا بني: إني خيرت نفسي بين أن تفتقروا إلى آخر الدهر وبين أن يدخل أبوكم النار، فاخترت الأولى يا بني عصمكم الله، وقد وكلت أمركم إلى الله ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْكِتٰبَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّٰـــلِحِينَ﴾، وخلف هشام أحد عشر ابنًا- كذلك- ورث كل واحد منهم ألف ألف دينار، فأما أولاد عمر بن عبد العزيز فما رئي أحد منهم إلا وهو غني، ومنهم واحد جهز من ماله ألف فارس، على ألف فرس في سبيل الله، وما رئي أحد من أولاد هشام إلا وهو فقير، ولقد رئي أحدهم وهو يوقد النار في التنور أجرًا.

    وبعد: فالولد لا تنفعه الثروة المادية، إذا لم تحصن بثروة روحية تثقيفية تكون شبه ضمان مما يحدث لهذه الثروة المادية من الحوادث فيعصف بها، والوالد لا ينفعه- يوم يلقى ربه- لا ماله الذي جمعه، ولا ولده الذي جمع له، وإنما ينفعه أن يصلح قلبه ويحسن عمله، كما قال تعالى: - حكاية لقول إبراهيم-: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.

    وروى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «يتبع الميت ثلاثة: أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله».

    والرجل الصالح يستطيع أن يجعل من حسن عمله، حسنَ تربيته لولده، وحسنَ تصرفه في ماله، أما الغبي الجاهل فلا يزيده المال والولد، إلا شقاء على شقاء، وصدق الله العظيم: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾.

*  *  *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلامية

التجديد والمجددون

بقلم:  الأستاذ قاسم السنبهلي القاسمي(*)

 

 

خلق الله الكون، وجعل الإ نسان خلیفةً في الأرض، وبعث الأنبیاء والرسل في مختلف الأزمنة  وفي جميع الرقاع والبقاع؛ ليهدوا النوع البشري إلی الإیمان، ویخرجوه من الظلمات إلی النور، فأنذروا، وذكَّروا، وبشروا إلی أن أخبر كل واحد منهم-كما تؤكد عليه الأدلة والنصوص - عن بعثة النبي الخاتم –صلى الله عليه وسلم- الذي یظهر في آخر الزمان بالرسالة العظیمة الخالدة، التي تلغي جمیع الشرائع والأدیان، وتدعو الناس كافةً إلی دین قیم، یصلح لكل زمان ومكان. ویستمر إلی أن تقوم الساعة، وتنشق الأرض، وتكون الجبال كالعهن المنفوش.

    فقد حدث ما أخبروا عند ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم في العالم بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، فإنه قد بلَّغ الرسالة، وأدى الأمانة، وجاهد في سبيل الله حق جهاده حتى أتم الله نعمته، وأكمل دينه، وأكرمه بهزيمة الباطل، وغلبة الحق، وإقامة النظام الشرعي على وجه تام نموذجي، يدعو الملوك والسلاطين إلى اتباع خطواته، ويحذرهم من الخروج عن جادته ولو قيد شبر. وأخيرًا أعلن الرسول –صلى الله عليه وسلم- مرارًا وتكرارًا ختمَ النبوة، وخلود الإسلام، ودوام الشريعة والدين.

    هذا، و يشهد لنا التاريخ أن المجتمع الديني لم يستمر دائمًا على ما تركه عليه الأنبياء من رسوخ العقيدة وإخلاص العمل، وسلامة الفكر والقلوب؛ بل تأثر حينًا لآخر بتقلبات الزمن، وخضع لناموس التغير والانحراف، وانهار بما يطرأ عليه من زيغ القلوب، وخيانة التوفيق، وتعثر الأهداف، وخيبة الأعمال، وظهور المفاسد والفتن، ففي ذلك العهد القاتم يحتاج المجتمع احتياجًا أكيدًا إلى من يجدد الإيمان والعقائد، ويبعث فيه النشاط والقوة، ويكشف الغبار عن لجينه الصافي المشرق المنير. ذلك مما كان يمارسه الأنبياء قبل ظهور الإسلام عبر القرون والدهور؛ ولكن من يقوم بذلك؟ ومن يحمل هذه المسؤولية الكبرى بعد ما انقطعت الرسالة والنبوة؟ ذلك سؤال مهم، رد عليه النبي –صلى الله عليه وسلم- قائلًا: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها(1).

    وهناك نقطتان، الأولى: ما أخبر عنه النبي –صلى الله عليه وسلم- بقوله: «على رأس كل مئة سنة» فقد ذهب المحدثون عامة إلى أن المجدد يظهر في غرة القرن أو بنهايته كما ورد في الحديث، بينما رد عليه العلماء والمشايخ الآخرون ردًا بليغًا، وقالوا: إن ذلك القيد اتفاقي لا احترازي. استعمله النبي على سبيل الإقحام، وأراد به كل قرن فقط؛ فإن نظام العام الهجري لم يكن مشهورًا في عهد النبوة فلا يلزم أن يكون المجدد في بدايته ونهايته؛ وإنما يظهر في كل قرن، سواء كان في بدايته أم في وسطه ونهايته، فلا يخلو منه زمن إلى قيام الساعة كما صرح به النواب صديق حسن خان البوفالي(2) والشيخ محمد منظور النعماني(3).

    والنقطة الأخرى في الحديث كلمة «من» هو اسم موصول، يفيد الإطلاق من الجمع والإفراد فيحتمل أن يكون المجدد فردًا، أو طائفةً من كبار العلماء، ذهب إلى الأول بعض الأئمة، ومال إلى الآخر العباقرة الأعلام مثل الإمام الذهبي(4) والحافظ ابن حجر العسقلاني(5) والعلامة ابن كثير الدمشقي(6) قال الملا علي القاري:

    «والأظهر عندي، والله أعلم، أن المراد بمن يجدد ليس شخصًا واحدًا؛ بل المراد به جماعة، يجدد كل أحد في بلد في فن أو فنون، من العلوم الشرعية، ما تيسر له من الأمور التقريرية والتحريرية ويكون سببًا لبقائه، وعدم اندراسه وانقضائه إلى أن يأتي أمر الله»(7).

    وأما المعاصرون العاملون في حقل الدعوة والإرشاد، وإحياء الدين، وإصلاح العمل، فيعترف بهم جلهم حيث إنهم يعظمونهم ويقدِّرون نبوغهم، ويوافقون على رأيهم وموقفهم، ويقفون بجانبهم في سبيل الرد على الباطل، وإحياء ما كان عليه المسلمون في القرون المشهود لها بالخير، و لايعترف بهم البعض نظرًا للمطاعن والافتراءات التي يثيرها ضدهم أصحاب البدع والضلال، ويصبون عليهم وابلًا من اللعن والشتائم دائمًا للحيلولة دون مسيرتهم، ومنع دعوتهم؛ لكن الله سبحانه وتعالى يؤيدهم بروح من عنده، فيقشع الظلام، ويشرح صدور الناس، ويلهمهم حب المجددين وتقديرهم، وانقيادهم وطاعتهم في أمر الدين. فلا تزال تروج فكرتهم، ويكثر سوادهم، ويحتلون أخيرًا رئاسة الشريعة والدين بين العلماء وعامة المسلمين الذين يولعون بشخصياتهم، ويثمنون خدماتهم، ويتهافتون عليهم تهافت الظمآن على الماء والفراش على النور.

    ولو نظرنا في أغوار التاريخ لشهدنا ما أخبربه النبي –صلى الله عليه وسلم- في كل قرن من ظهور العباقرة، وحركات الإصلاح، ومساعي التزكية والتجديد، التي نشأت حينًا بعد حين لتأييد الحق ومقاومة الباطل، فما إن ظهرت الفتن واستفحلت، إلا وقد بعث الله سبحانه وتعالى الفحول الأفذاذ، الذين أدهشوا العالم بشخصياتهم، وزلزلوا البر والبحر بمآثرهم وبطولاتهم، وغيروا تاريخ الإسلام والمسلمين بإخلاصهم ونبوغهم، وهم بفضل الله تعالى في صفوف الأئمة والعلماء بعدد لا يُعَدَّ على رؤوس الأصابع، ولسنا نحن الآن بصدد تحديدهم، وتعريفهم شخصيًا، إنما نود أن نؤكد أن المجدد الأول بعد الخلافة الراشدة الكبرى هو سيدنا عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-؛ فإنه وضع حقًّا بذرة الإصلاح والتجديد، التي نمت، وترعرعت شجرتها بما سقاها المجددون الآخرون عبر الزمن بجهودهم المشكورة، ودمائهم الزكية، ودموعهم المقدسة التي أفاضوها في ظلام الليل ساجدين متهجدين، وهي لاتزال تخضر وترتفع إلى أن تكون دوحةً كثيفةً باسقةً في عهد الخليفة المهدي(8) الذي يظهر كآخر المجددين ليقوم بالإصلاح والتجديد في آخر الزمن، ويحدث الثورة العظيمة الكبرى في العالم كله.

*  *  *

الهوامش:

أخرجه الإمام أبوداود في كتاب الملاحم بسند جيد، صححه العلامة السخاوي في المقاصد الحسنة، ص1490.

حجج الكرامة، ص137.

مجلة الفرقان الشهرية الخاصة بتذكرة مجدد الألف الثاني، ص18.

تاريخ الإسلام للإمام الذهبي، ج23، ص180.

فتح الباري 13/295.

البداية والنهاية 6/256.

مرقاة المفاتيح، الفصل الثاني من كتاب العلم 1/302.

كما قال الشيخ رشيد أحمد الكنكوهي (م1323هـ) في الكوكب الدري شرح سنن الترمذي 2/57.

*  *  *

إلى المحتويات

 

دراسات إسلامية

من حقوق المرأة المالية في الإسلام: المهر

إعداد:  د. عبد العظيم أبو زيد(*)

 

 

مهر المرأة يسمى صَداقًا، وسبب تسميته بذلك أنه دليل على صدق الرجل في طلب المرأة للزوج، إذ يبذل في سبيل الزواج منها أكثر ما يحرص عليه المرء عادة وهو المال، ففي شرعة المهر إظهار لخطر عقد الزواج ومكانته وإعزاز وتكريم للمرأة.

    والمهر حق المرأة في الإسلام، فليس لأحد أن يشاركها فيه أو ينتزعه منها ولو أبًا أو أخًا أو كائنًا من كان. وقد كان المهر قبل الإسلام يأخذه أبو البنت أو إخوتها، فأتى الإسلام وأبطل هذا، وأوجب المهر للمرأة فلا يشاركها فيه أحد إلا عن طيب نفس منها. قال تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقٰتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ (سورة النساء:٤). وقوله تعالى ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (سورة البقرة:٢٢٩).

    وفي بعض المجتمعات الشرقية الآسيوية والغربية تدفع المرأة مهرًا للرجل مقابل زواجه منها، يدفعه أهلها وكأن الزوج قد تفضل على المرأة بموافقته على الزواج منها، لا العكس. وهذا حط من كرامة المرأة وإسفاف بمنزلتها.

    يقول أحد الباحثين: «لا تمنع المرأة في أوربا فقط من التصرف في أمورها الاقتصادية؛ بل عليها بحكم العرف - والعرف قانون- أن تؤسس لخطيبها بيت الأسرة المقبلة التي ستتكون منها مبدئيًا. ولهذا لا يفهم الأوربي المادي ما فرضه الإسلام على الرجل من صداق لزوجته، ويحاول أن يصور المرأة المسلمة بالسلعة القابلة للبيع والشراء، ولا يستحي حتى فيما يسميه أبحاثًا علمية، أو فيما تطلع به الجرائد اليومية على الرأي العام، من تسمية المهر في الإسلام ثمن شراء (Kaufpreis) »(1).

    ولأهمية المهر في الإسلام، فقد كان شرطًا من شروط صحة عقد الزواج، فيفسد عقد الزواج مع نفي المهر، لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقٰـتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (سورة النساء:4). وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (سورة النساء:٢٥). وعليه، لو تزوج رجل امرأة وشرط عليها أن لا مهر لها، فسد عقد الزواج هذا(2).

    وليس للمهر في الإسلام حد أعلى لا يصح تجاوزه، فيصح بالغًا ما بلغ، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدٰهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ (سورة النساء:٢٠).

    واختلف الفقهاء في وجود حد أدنى للمهر، فبعضهم قال: لا يصح المهر إن كان أقل من ربع دينار ذهبي أو ما يساويه، وهذا قول المالكية. وقال الحنفية: أقله دينار ذهبي (عشرة دراهم)(3).

    ولو تزوج رجل امرأة ولم يفرض لها مهرًا، وجب لها المثل إن لم يتفقا على تحديد مهر بعينه، والمثلية هنا هي باعتبار حال منزلتها الاجتماعية ومهر قريباتها عند بعض الفقهاء، وهم الحنفية والشافعية، وباعتبار مالها وجمالها ومنزلتها الاجتماعية أي مهر قريباتها عند المالكية استنادًا إلى الحديث «تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك»(4).

    وقد يقسم المهر إلى قسمين: معجل ومؤجل، ليثبت الأول مع الزواج، والثاني في حال الطلاق أو الوفاة. وقد يكون المعجل مقبوضًا، تقبضه المرأة قبل الدخول أو بعده، أو غير مقبوض يجب على الرجل دفعه عند طلب المرأة. وفي كل الأحوال، سواء مع تجزئ المهر أو عدم تجزئه فإنه حق ثابت للمرأة، مآله إلى الانتقال إليها.

رابعًا: أهلية التصرفات المالية

    للمرأة في الإسلام أهلية أداء وتصرف تمامًا كأهلية الرجل، وهي التي تسمى فقهًا بأهلية الأداء الكاملة، وهي تثبت لكل عاقل بالغ دون اعتبار جنسه. وتعني ذمة مالية مستقلة، تخوِّل لصاحبها الحق في أن يلي ما شاء من التصرفات المالية دون حاجة لموافقة طرف آخر. قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ﴾ (سورة النساء:٣٢). وليس يجوز في الإسلام لشخص أن يتصرف في مال من هو متمتع بأهلية الأداء الكاملة إلا بمقتضى توكيل مسبق منه كعقد شركة مثلًا؛ إذ الشراكة تتضمن توكيلًا ضمنيًا بالتصرف، أو بمقتضى عقد وكالة مستقل، أو بمقتضى إجازة لاحقة إن تصرف أجنبي في مال غيره دون توكيل. وعليه، لا يجوز لأي رجل أن يتصرف في مال امرأة دون تفويض أو إجازة منها؛ فلا ولاية أو وصاية عليها في مال من زوج أو أب. هذا بخلاف بعض قوانين الغرب التي لا تجعل ذمة الزوجين المالية واحدة، فتعطي الرجل الحق بالتصرف في مال زوجته دون تفويض منها. وفي القانون الفرنسي الذي صدر عام 1942، تشترط موافقة الزوج على تصرف الزوجة في مالها. ولم يحدث قبل سنة 1938 أن ألغت فرنسا القانون الخاص بمنع المرأة المتزوجة:

    × من توقيع أذونات الصرف المالية (الشيكات).

    × من فتحها حسابًا جاريًا في أي بنك من البنوك.

    × من توقيع أي عقد مالي.

    × من استيلائها على الإرث مباشرة بدون إذن القاضي في ذلك كله(5).

الخلاصة والخاتمة

    لقدكرم الإسلام المرأة أيما تكريم، فاعترف بخطر وأهمية عملها ودورها الأسري، فجعله مقابلًا لعمل الرجل وكده، ففرض له أجرًا، كما كان لعمل الرجل أجر. هذا الأجر لها هو الضمان المالي، أو النفقة المفروضة لها، فأراد الإسلام المرأة وقد ضمن لها النفقة ألا تمارس عملًا بعد ذلك إلا مختارة، لم يضطرها إليه ضنك العيش وشظفه.

    وليخيّر الرجال الوارثون في أيامنا بين ضمان عيش كريم لهم مدى الحياة مقابل تنازلهم عن نصف الميراث، وبين منحهم ميراثهم دون انتقاص ولا ضمان لهم، إنهم لو خيروا، لاختار كثير منهم دون ترددٍ الأولَ. ولو خيرت النساء غير المسلمات اللائي ينلن ميراثًا يعادل ميراث الرجل، بين أن يتنازلن عن نصف ميراثهن مقابل منحهن ضمانًا ماليًا دائمًا لاختار الأغلب منهن الثاني ذلك!

    لقد كان حال المرأة المسلمة، ولا يزال، في ظل الإسلام أفضل بكثير كثير من حال بنات جنسها في الأمم الأخرى، فهي هناك مضطرة إلى العمل الذي قد يليق أو لا يليق بها، وعلى أن تمضي الساعات الطويلة في المعامل التي تذهب بجمالها وأنوثتها، وتفقدها الشعور بالمكانة والتكريم، لترى نفسها في النهاية امتدادًا للآلة التي تعمل عليها طيلة النهار؛ أما في الإسلام، فهي مصونة عن اضطرار إلى العمل، ليكون عملها من قبيل ممارسة الهواية، أو الرغبة بخدمة مجتمعها، أو الرغبة في التوسع في الرزق، وليس من قبيل الاضطرار.

    والمهر، كا الميراث، حق إضافي للمرأة يمكن أن يشكل لها مصدر ادخار؛ لأنها بعد الزواج مكفية النفقة، فيسلم لها مهرها، لتلي به وبمال ميراثها بعد ذلك ما شاءت من الأعمال، متمتعة بحرية التصرف الكاملة، وبالذمة المالية المستقلة، دون تسلط من قريب أو زوج؛ فأي مغانم مالية بعد ذلك خير من هذه! ولولا ما تقدم من عدالة الإسلام بين الجنسين، لكان مشروعًا لنا أن نظنّ أن الإسلام قد حابى المرأة في الأموال!!

*  *  *

الهوامش:

(1)  انظر مقال الأستاذ محمد البهي في مجلة الأزهر المجلد 9 ص 135.

(2)  بداية المجتهد 1/687.

(3)  بداية المجتهد 1/688.

(4)  أخرجه البخاري في صحيحه 5/1958، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين، حديث رقم (4802)؛ مسلم في صحيحه 2/1086، كتاب الرضاع، باب استحباب نكاح ذات الدين، حديث رقم (1086).

(5)  انظر مقال الأستاذ محمد البهي فيمجلة الأزهر المجلد 9 ص135.

*  *  *

إلى المحتويات

 

محليات

شاب مسلم يتعرض للضرب على أيدي جموع غاضبة حتى الموت بتهمة سرقة الجاموس

بقلم: مساعد التحرير

 

 

بريلي (الوكالات):

    تعرض شاب مسلم للضرب المبرح بتهمة سرقة الجاموس حتى لفظ نفسه الأخير. وتفيد المصادر أن بعض سكان قرية «بهولابورهندوليا» قاموا بضرب شاب مسلم يدعى «شاه رخ» ضربًا مبرحًا حتى الموت بتهمة سرقة جاموس. وقالوا: كان معه ثلاثة آخرون من زملائه لاذوا بالفرار. وتفيد الأنباء أن الحادث وقع في الساعة الثانية عشرة ليلًا من يوم الثلاثاء. وأبلغ سكان القرية الشرطة بالحادث في الساعة السادسة صباحًا، ووصلت الشرطة إلى مكان الحادث فوجدت الضحية في وضع حرج للغاية، وتم حمله على إثره إلى المستشفى للعلاج، ولفظ «شاه رخ» نفسه الأخير في الساعة العاشرة صباحًا.

    وقال مسؤول في شرطة مدينة «بريلي»: إن سكان القرية أبلغوا الشرطة الحادثَ، فتوجهت الشرطة إلى مكانه، وحملت الجريح إلى المستشفى لتلقي العلاج، وكان قد تناول الكحول وبعض الجرعات من الدواء. كما أفاد سكان القرية أيضا أن الجريح تناول الدواء حين كان يتعرض للضرب.

    هذا، وأفادت تقارير الفحص الطبي بما يعارض ذلك، فقد صرحت بأن موته تسبب فيه الجروح الداخلية؛ فقد تعرض كبده وكليته لضرب مبرح.

    وقال أهل  الضحية:«إنه لم يكن ضالعًا يومًا من الأيام في سرقة أو أعمال إجرامية أخرى، وكان يعمل نجّارًا في «دبي»، وعاد إلى بيته قبل شهر فحسب.

    وقال شقيق الضحية: فيروز خان: «إن شاه رخ» خرج مع بعض أصدقائه من البيت، وأهمَّنا أمره حين تأخرت عودته حتى الهزيع الأخير من الليل، فقلنا في أنفسنا: إنه سيعود صباحًا، إذ تلقينا اتصالًا من الشرطة، يفيد بأنه داخل المستشفى يتلقى العلاج ويُتَّهم بسرقة الجاموس».

    وسجلت الشرطة بلاغين في القضية: بلاغًا يخص قتل «شاه رخ»، ضد خمسة وعشرين نفرًا، وبلاغًا آخر خاصًا بسرقة الجاموس ضد «شاه رخ» وثلاثة آخرين.

(صحيفة «خبرين» الأردية اليومية، دهلي، ص1، السنة:8، العدد:49، يوم الجمعة: 19/ذوالحجة عام 1439هـ الموافق31/أغسطس 2018م).

*  *  *

فرمان جديد صادر من منظمة وشواهندو بريشاد للشباب الهندوس تزوجوا البنات المسلمات، ولِتَتَّبِعْ البنات الهندوسيات دينهن

كلكوتا (الوكالات):

    أصدرت منظمة وشوا هندو بريشاد للشباب الهندوس فرمانًا جديدًا في «كلكوتا» يقضي بضرورة زواجهم بالبنات المسلمات، ثم تحويلهنَّ إلى الهندوسية، وذلك لمواجهة ما يسمى بجهاد الحب. وأفاد تقرير لصحيفة «إنديا تودى» بأن المنظمة قالت: على الشباب الهندوس أن يتزوجوا البنات المسلمات اللاتي هن أقرب إلى الهندوسية عقلًا وفكرًا. كما يجب تحويلهن إلى الدين الهندوسي.

    كما نبهت المطويات المنشورة من قبل المنظمة الهندوسيات على ضرورة اجتناب جهاد الحب. وتضمنت المطوية سبعة عشر بندًا من التوجيهات الخاصة بما تفعله الهندوسيات وما لاتفعله.

    وركزت المطوية على أن عبادة الأصنام نوع من حب الوطن. وتزعم المنظمة أن الشباب المسلمين يراودون الهندوسيات عن دينهن عن طريق الحب.

    وظلت المنظمات المتطرفة أمثال «وشواهندو بريشاد» و«بجرانغ دال» تبدي قلقها على جهاد الحب المزعوم. وليس هناك ما يؤكد أن المسلمين يجهزون شبابهم لمراودة البنات الهندوسيات.

    (صحيفة «انقلاب» الأردية اليومية، دهلي الجديدة/ميروت، ص13، السنة:6، العدد:234، يوم الجمعة: 10/ المحرم الحرام عام 1440هـ الموافق21/سبتمبر عام 2018م).

*  *  *

شاب مسلم يتعرض للضرب المبرح بتهمة جهاد الحب المزعوم عناصر متطرفة تمنع شابًا مسلمًا من تسجيل الزواج رسميًّا في محكمة في غازي آباد تم تسجيل قضية ضد مجهولين

 

دهلي الجديدة(وكالة الأنباء):

    قام أعضاء في المنظمات الهندوسية المتطرفة بضرب شاب مسلم في رحاب محكمة في «غازي آباد»، يحاول تسجيل زواجه رسميًّا مع امرأة هندوسية. وأفادت شرطة غازي آباد بأن المدعو/ساحل من سكان بهوبال يشتغل في شركة في منطقة «نوفيدا» المتاخمة للعاصمة دهلي، وبها لقي بنتًا هندوسية فوقعا في الحب بعضهما لبعض، وتوصلا إلى عقد الزواج، ولم يرض آباء الفريقين بهذا الزواج، وكانا يرغبان في تسجيل الزواج في محكمة في «غازي آباد»، و وصلا إليها بنفس الهدف، إذ فوجئا بجموع حاشدة في مكتب المحامي، تصرخ في وجههما، و تتناول المدعو/ساحل بالأيدي والأرجل. ثم وصلت الشرطة إلى مكان الحادث ونقلتهما إلى مركزها. وأبى الزوجان تسجيل بلاغ ضد أحد، وقامت الشرطة بدورها بتسجيل بلاغ ضد مجهولين.

    والجديد بالذكر أنه عقد مسلم وهندوسية قرانهما في المحكمة نفسها في شهر ديسمبر العام الماضي وفق قانون الزواج الخاص(Special Marriage act)، وعملت المرأة مراسم الزواج في بيتها، فاشتاطت المنظمات الهندوسية غضبًا على ذلك، واتهمت الزوجين بجهاد الحب، وكان أبواهما شهدا مراسم الزواج ورضيا به. وأعرب وزير في الحكومة المركزية عن غضبه قائلا: إنه قضية جهاد الحب، ولن نصبر على مثل هذه الظاهرة بصورة أو أخرى.

(صحيفة «خبرين» الأردية اليومية، دهلي، ص1، السنة:8، العدد:15، يوم الأربعاء: 11/ذوالقعدة عام 1439هـ الموافق25/يوليو 2018م).

*  *  *

محاولة لإفساد الجو الطائفي في "بلول" بإلقاء خنزير ميت في فناء مصلى العيد مسؤولو المصلى يبلغون الشرطة على الفور، ولم تصل الشرطة إلى المصلى إلا بعد ساعات من البلاغ

بلول :

    ألقت بعض العناصر المعادية للانسجام الاجتماعي في مدينة «بلول» الخنزير الميت في فناء مصلى العيد في الليل. وما إن علم بذلك إمام المصلى وخطيبه حتى اتصل بالشرطة وأبلغها الحادث.

    وأفادت المصادر أن الشرطة لم تأخذ ذلك بجدية، ولم تتوجه إليه إلا بعد مضي ساعات عدة. ووقف سكان المدينة عن بكرة أبيهم- بغض النظر عن انتمائهم الديني- بجانب المسلمين في القضية، وأصروا على ضرورة تسجيل بلاغ ضد المتهمين في القضية، حتى اضطرت الشرطة إلى ذلك، وسجلت البلاغ وألقت القبض على ثلاثة متهمين في القضية.

قال عضو في المجلس الإقليمي المدعو/ كرن لال: «لن نسمح لأحد أن يشتت نسيجنا الاجتماعي والأخوي في المدينة».

    (صحيفة «انقلاب» الأردية اليومية، دهلي الجديدة/ميروت، ص5، السنة:6، العدد:57، الأحد: 6/رجب 1439هـ الموافق 25/مارس 2018م).

*  *  *

إلى المحتويات

 

أنباء الجامعة

رئيس الجامعة: من واجبنا توفير نظام تربية وتعليم أحسن

بقلم: مساعد التحرير

 

 

قال رئيس الجامعة المفتي أبو القاسم النعماني حفظه الله- وهو يلقي كلمة في لقاء عقدته لجنة من لجان النشاط الطلابي في رحاب الجامعة، ويسلط الضوء على أهمية التعليم و فائدته-: «نسعى لتحقيق مستقبل مشرق، و توفير نظام تربية وتعليم أحسن لصالحكم، وأنتم أمانة في أعناقنا، إن آباءكم وَكَلُوكُم إلينا حتى نزوِّدكم بتربية وتعليم على أحسن ما يرام، فاعرفوا مكانتكم، واقدروا أوقاتكم حق قدرها. وعليكم أن تكونوا إنسانًا مثاليًا نموذجيًا. وأنتم على أرض ديوبند، التي أخرجت كبار أولياء الله تعالى والمفكرين بجانب المجاهدين في سبيل تحرير البلاد من براثن الاستعمار الغاشم، والتي تشكل مصدر إشعاع علمي للعالم كله. وشنَّ هؤلاء العظماء حركةً قويةً ضد الاستعمار الغاشم حتى اضطروه إلى مغادرة الهند والارتداد على الأعقاب.

 

وفد مكون من أربعة نفر يرأسه الأمين العام لمصلحة ضرائب الدخل يزور الجامعة

 

    زار وفد مكون من أربعة نفر يرأسه الأمين العام لمصلحة ضرائب الدخل الهندية: راجني كانت غوبتا الجامعة: دارالعلوم/ديوبند. واجتمع الوفد برئيس الجامعة الشيخ المفتي أبو القاسم النعماني - حفظه الله ورعاه- ومسؤولين آخرين، في مجلس جمعهم في مضيف الجامعة. وتحدث الوفد مع رئيس الجامعة عن دارالعلوم وتاريخها وخدماتها والعلوم التي يتم تدريسها وعدد الطلاب وغيرها من الموضوعات الخاصة بالجامعة.

    وقال فضيلة رئيس الجامعة في حديثه مع الوفد: «إن هذه المؤسسة التعليمية قامت في عوز وشحٍّ في الإمكانيات منذ ما ينيف عن قرن ونصف من الزمان، وتهدف إلى تحرير البلاد من براثن الاستعمار البريطاني، ونشر العلوم الدينية في المسلمين، وتغطي حاجاتها كلها بالتبرعات الشعبية الهندية، ولاتملك موارد مالية أخرى. وتقدم المؤسسة الدراسة والطعام والسكن والعلاج والكتب الدراسية إلى الطلاب بصورة مجانية، دون مقابل.

    وقال «غوبتا» في حديثه إلى رئيس الجامعة: «كنت أتمنى زيارة دارالعلوم منذ زمن غير قصير، وها قد تحققت هذه الأمنية في مثل هذا اليوم الذي أشعر بالراحة والطمانية والروحانية وأنا في رحابها. وأضاف قائلا: «كنت سمعت عن دارالعلوم ديوبند كثيرًا من ذي قبلُ، ولم أتمكن من زيارتها والاجتماع بمسؤوليها إلا اليوم.

    واستطرد قائلًا: «أعتبر خدمات دارالعلوم محسودة يغتبط بها، وأعدّ زيارتي هذه سعادة لي أي سعادة.

    هذا، وتجول الوفد في مرافق الجامعة وأبنيتها القديمة والحديثة، كما اعتبر الوفد المرافق له زيارته للجامعة سعادةً له.

*  *  *

إلى المحتويات

 

إشراقة

من صفعات الحياة و دروسها

 

 

الحياةُ مدرسةٌ شاملةٌ مليئةٌ بالصدمات القاسية، والصفعات المُمِضَّة المُؤْلِمَة، واللدغات المميتة، والإخفاقات المُتَّصِلَة المُحْبِطَة؛ ولكنها في الوقت نفسه، آمالٌ مُشْرِقَةٌ، وأمانٍ مُبْتَسِمَةٌ، وأحلامٌ معسولةٌ، وانتصاراتٌ رائعة، ونجاحاتٌ لاحدودَ لها، وأرباحٌ ومنافعُ لا تعرف نهايةً؛ ولكن أغلبها صفعات ولطمات، تستنفد البصرَ، وتستنزف ما عند الإنسان من قُدُرَات على التصبّر والاحتمال والتَّجَلُّد.

    والسعيدُ الناجحُ في الحياة هو من يُصافِح الأشواكَ كما يُعَانِق الأزهار، ويَتَسَامَحُ مع الآلام كما يُرَحِّب بالأحلام، ويتعامل بحكمة وتَعَقُّل مع الإخفاقات، كما يَتَبَنَّى الانتصاراتِ ويستقبل النجاحاتِ، ويَتَّسِع قلبُه للأحزان والمكاره، كما يتّسع تِلْقَائِيًّا للمسّرات والمحبوبات.

    تَأَكَّدْ دائمًا أن الحياة ليست عبارةً عن النور والسرور وحدهما، وإنما هي في الوقت نفسه قُتُومٌ وجَهَامَةٌ يتركان آثارًا عميقةً على النفس قد لاتَـمَّحِي على مرّ الأزمان، وتُخَلّف ذكرى مريرة تَصْدِم الصدورَ، وتُدْمِع العيون، وتُضَيِّق النفوس، وتؤذي الضمائر في أعماقها.

    فقد يَحْدُث أَنَّك تُصَافِي أحدًا؛ ولكنه لا يَصْفُو لك، وأنك تَبْقَىٰ له على الودّ القديم والعهد العريق، لم تتغير له مهما تَغَيَّرَ الزمانُ، وقَسَتِ الأيّامُ، وجَفَتِ الظروفُ، ونَبَتْ بك الأوضاعُ، ونَاوَءَتْك الأقاربُ والأباعدُ؛ ولكنه هَبَّ مع الرياح، وتكَيَّف مع الأوضاع، واسْتَبْدَلَ الولاءَ كالخُلْقَانِ من الثِّياب.

    وأنك ظِلْتَ تُحْسِن إلى شخص، وتصنع معه كلَّ معروف؛ ولكنه لمّا استغنى عنك؛ لأنه قد سَعِدَت حالتُه، وحَسُنَت ظروفُه، ورَغِدَ عيشُه، انقلب عليك، وجزاك بكل حسنة سيئةً، وتعامل معك بكل نوع من الإساءة قَدَرَ عليه، فتَذَكَّرْتَ المثلَ العربيَّ: «اتَّقِ شَرَّ من أحسنتَ إليه» ورَدَّدْتَ قول الشاعر العربي - وهو معن بن أوس المزني الذي أدرك الجاهلية والإسلام  -:

أُعَلِّمُهُ الرِّمَايةُ كُلَّ يَــــــــوْم

فَلَمَّا اسْتَدَّ سَاعِدُهُ رَمَانِي

وَكَمْ عَلَّمْتُهُ نَظْمَ الْقَوَافِي

فَلَمَّا قَالَ قَافِيَــــــــةً هَجَـــــانِي

أُعَلِّمُهُ الفُتُوَّةَ كُلَّ وَقْتٍ

فَلَمَّا طَرَّ شَارِبُـــــهُ جَفَانِي

    وأنك أحببتَ أناسًا، وضَحَّيْتَ من أجلهم، و وَهَبْتَ لهم حياتَك، وأَنْفَقْتَ عليهم كلَّ مَا لَك، وكنتَ وقفًا على خدمة مصالحهم، وقضاء كل ما يَمُسُّهُمْ من حاجة، ويرغبون فيه من أَهْوَاء، ويَتَطَلَّعُون إليه من مَلَذَّاتِ الحياة، فعُدْتَ تَعْتَقِد أنهم يُبَادِلُونَك الفداءَ نفسَه، والشعور ذاتَه؛ ولكنك فُوجِئْتَ بأنه قد صَدَرَ منهم من التصرُّفات ما عَكَسَ تمامًا حقيقةَ ما في قلوبهم وتنطوي عليه نفوسهم من إهانة ونفاق ورياء وازْدِوَاجِيَّة.

    وأنك كنتَ يدَ رحمةٍ وعَطْفٍ ولُطْفٍ ومُوَاساةٍ وإغاثةٍ على شخص عندما كانت المظالم تَنْهَمِر عليه، والاعتداءاتُ تَهْطِل، وكان عُرْضَةً لكل من القساوة والعداوة، وغمطٍ للحقوق؛ فلما انْقَشَعَتْ عنه الاعتداءاتُ، وانتهى فصلُ العِدَاء والقساوة، قال لك: عليك بشأنك، لماذا تُلَازِمُني مُلَازَمَةَ الظِّلِّ، وتُصاحِبُني مُصاحَبَةَ العدوّ المُلَاحِق. وهنا أيقنتَ أنه ليس كلُّ أحد لديه ضميرٌ واعٍ، وإنسانيةٌ حَيَّةٌ!.

    وأنك قد تُحْسِن الظنَّ بشخصيَّات، وتُعْجَبَ بها الإعجابَ كُلَّه، وتُحَاكِيها في مسيرة الحياة في كثير من المواقف؛ لأنك قد اتخذتَها المثلَ الأعلى، والقدوة المُحْتَذَاة؛ ولكنك فُوجِئْتَ أنها ليست في الواقع كما بَدَتْ في الظاهر، فأُصِبْتَ بصدمة عنيفة قاسية؛ لأنك شاهدتَ ظنّك فيها يخيب ويتلاشى.

    وأنك عِشْتَ مع أناسِ زمنًا لا بأسَ به وعاشرتَهم أيامًا غير قليلة، وجَرَّبْتَ معهم الحياةَ، ورافقتَهم في محطاتها، وقضيتَ معهم أيامَ الحُلْوِ والمُرِّ، وقاسمتَهم الأسرارَ، وبادلتَهم الأحلامَ، وشاطرتَهم الأحزانَ، ورافقتَهم في الأسفار، وزاملتَهم في الأشغال.. ثم عَرَضَتْ لك مواقف تُمَاسُّ الحياةَ في أعماقها، اكتشفَتَ من خلالها أنك لم تعرفهم بعدُ في إطار الواقع وعلى أرض الحقيقة، فتأكّدتَ أن الحقائق لايتم اكتشافُها إلّا بصعوبة أَيِّ صعوبة، وقد لا يَتَأَتَّى كتشافُها على مدى الحياة.

    وأنك قد تُجَرِّب أن الناس يَتَزَلَّفُون إليك إذ تَرَفَّهَتْ حالُك، وتَوَفَّرَتْ عليك الصحةُ، وتَيَسَّرت لك العافيةُ، وتجمعت لديك الأسبابُ، وسَاعَدَتْك الوسائلُ، ويَنْفَضُّون من حولك إذا سَاءَتْ حالتُك، وقَــــلَّ مالُك، وفَســـدت صحتُك، وابْتَعَدَ عنك الأثاثُ والرياشُ، ونَبَا بك الزمانُ، وثَمَّ إذا نظرتَ إليهم بعين المحبّ الصادق القديم، نظروا إليك شزرًا، وظَنُّوك ساذجًا، وعَدُّوكَ طَامِعًا، وسَمَّوْكَ عاجزًا.

    وأنك قد تُوَاجِهُ مواقفَ وفاةِ قريب، أو وَدَاعِ حبيب، أو فراق صديق، أو ضياع أحد من معارفك في غمار الحياة، أو خيبةِ أمل، أو انهيار حُلْم، أو فوت نجاح، أو وقوع خسارة، أو لِحَاقِ ضَرَرٍ، أو حدوث أَلَمٍ، أو حصول مأساة، أو هزيمة في معركة، أو إخفاق في التوصّل إلى هدف، فَتَركَتْ في ذاتك أثرًا سلبيًّا أليمًا، جعلك تتقلب على أحرَّ من الجمر.

    وقد يحدث أَنَّك تُوَاجِهُ المحسوبيَّةَ (Nepotism) الجائرة فقد يُؤْثَرُ عليك في التوظيف، أو الترقية، أو الإكرام، أوالتقدير والتشجيع و الثناء، أو مَنْحِ الجوائز والميداليات، مَنْ يكون أقلَّ منك أهليةً وثقافةً وخِبْرَةً ومدةَ عملٍ وأداءً وعطاءً ونفعًا، فَيَتَأَلَّمَ قلبُك، وتتَأَذَّى نفسك، ويضيق صدرُك، وتعود تُفَكِّر في الانتقام من الممارسين لهذا الظلم الفاحش، والتصرّف الأثيم، وتشكو ذلك إلى من هو أولى بقلبك، وتكاد تَتَخَلَّىٰ عن العمل الذي ظِلْتَ تُمَارِسه، وتَنْحَسِر من المجال الذي كنتَ بطلاً فيه لأهليّتك وبفضل تقيّدك بالنظام والانضباط ومواعيد العمل والمبادئ.

    ولكن هذه المواقف كلَّها يجب أن لا تجعلك تنهار، وتجني اليأسَ، وتَحْوِي الإحباطُ، وتَبْقَىٰ هدفًا للأسف والتَّثَبُّط، فتقعد حَسْرَانَ مُحَطَّمًا، لأن صفعات الحياة ليست دائمًا سَلْبِيَّةَ النزعة، وإنما قد تكون - إذا استثمرتَها- إيجابيةً للغاية، فهي تكون لاسعة؛ ولكنها تكون مفيدة، تُجَنِّب الأخطاءَ، وتُسَدِّد لخُطَىٰ، وتُصَحِّح المسارَ، وتُعَلِّم دروسًا لا تُنْسَى، فلا تَقْعُدْ تشكو ألمَ صفعات الحياة، وتَتَذَمَّر منها بحجة أنها آلَمَتْكَ وتُؤْلِمُكَ، وسَاهَمَتْ في انهيار مَعْنَوِيَّتِك، وتَضَرُّرِ نفسيَّتك، وجَرَحَتْ جرحًا غائرًا مشاعَرك، وصَيَّرْتكَ تَتَحَطَّم من الداخل أُفُقِيًّا وعَمُودِيًّا؛ بل انْهَضْ، وانْتَعِشْ، وارْكُضْ، واسْتَفِدْ، ولا تَسْتَسْلِمْ لأحزانك وهَمَساتِ التثبيط ودواعي الإحباط؛ لأن الصفعات لا تدعو بالضرورة للاستجابة لدواعي التَّحَطُّم والقُنُوط، والمؤمنُ دائمًا هو الأقوى الأنْشَطُ الأَقْدَرُ على التغلُّبِ على المشاكل وأداء دوره في الحياة، إذا تَوَكَّلَ على الله القويّ العزيز.

    إن صفعات الحياة وقساوتها، تُؤْلِم في البداية وللوَهْلَة الأولى؛ ولكنها في النهاية تُشَكِّل خبرةً، وتُصْبِح مُعَلِّمة لما لا تُعَلِّمه المدرسةُ ولا تُعَلِّمه الأمُّ، ولا يُعَلِّمه الأبُ، ولا يُعَلِّمه المُرَبِّي الحكيم. اِعْلَمْ أن الظلم الذي صُبَّ عليك مُعَلِّم بارعٌ للنجاح الذي حَقَّقْتَه أو تحققه في المستقبل. الخذلانُ والشقاءُ اللذان عَانَيْتَهُما مُعَلِّم حاذق يُعَلِّمك الاستغناءً. إن الحاجةَ التي مَسَّتْك مُعَلِّم مُتْقِن للعملِ فالعمل فالاستثمار.

    الأوجاعُ النفسيَّةُ التي قَرَصَتْك جَعَلَتْكَ أَقْوَىٰ وأَقْدَرَ على التعامل مع مشاكل الحياة العويصة، ودَفَعَتْك بقوة وسرعة ودونما تأجيل، إلى اختطاف السعادة والهناء والمسرة والسكينة الروحية، من أيدي الحياة الغلاّبة القاسية.

    على أنَّ الحياةَ كثيرةٌ مَتَاهَاتُها ومُظْلِمَةٌ مُبْهِمَةٌ غَامِضَةٌ، ولذلك قد يحتاج المرءُ إلى صفعات تُوقِظُه من غَفَلَاتِه، فيدرك أَيَّ طريق يَسْلُك في مَتَاهَات الحياة الوَعِرَةِ؛ لأن الطريقَ على عكس ما نظن لايكون دائمًا مُمَهَّدًا سهلًا يساعد المسافرَ على الوصول إلى غايته، كما أن الطريقَ قد يَعْمَىٰ على المسافر، فيبتعد عنه، ولا يعود إلى الجَادَّة إلّا بفضل صفعة قوية تُنَبِّهه فيدرك أنه حَادَ عن الجادّة وأنه لابدّ من العودة إليها؛ لكي يَسْلُكَها إلى منزله.

    لاشَكَّ أن صفعات الحياة تجربةٌ مُرَّةٌ لحدٍّ لا يوصف، تترك أثرًا يَعْلَقُ بالنفس لآخر شوط للحياة؛ ولكنها يجب أن لا تترك أثرًا سلبيًّا على الأخلاقيّات والتعاملات، وإنما الواجبُ أن تُكْسِبَ الإنسانَ ضياءً يُبَدِّد كلَّ ظلام، ويُبَخر كلَّ غموض وإبهــام، فيما يتعلــــق بالتخطيط والإقــــــدام والمُضِـيِّ قُدُمًا إلى الأمام، يجب أن لاتكون الصفعاتُ قسوةً حَلَّت، وإنما ينبغي أن تكون رحمة اتَّسَعَتْ، وأن لا تكون تَذَمُّـــــــرًا وتَكَـــدُّرًا وسَخَطًا، وإنما ينبغي أن تكون انشراحًا وسِعَةَ صدرٍ، وإيمانًا بقضاء الله وقدره.

    إن الحياةَ دروبٌ وخُطُوَات، وتجارب ومُمَارَسَات، وأَنْشِطَة وتَحَرُّكَات، وزَلَّات وعَثَرَات، قد تُؤْلِم الإنسانَ للنهاية بل لآخر الغاية؛ ولكنّها في نهاية المطاف تُرِيحُه وتُعَلِّمه، وتُنْضِج وعيَه، وتَجْعَلُه ثابتَ الخُطَىٰ على دروب الحياة، فيكتشف مواهبَه الكامنةَ وذواتَه المخبوءة، وطاقاته المذخورةَ، وقُدُرَاتِه الموهوبة من قبل الله عزَّ وجلَّ، فيدرك أن لديه كنوزًا كان يَجْهَلُها، ويَطَّلِع في الوقت نفسه على نقاط الضعف فيه، وعلى مكامن المساوئ والعيوب عنده، وعلى ما تَرَسَّبَ فيه من الشوائب والأكدار، فيسارع إلى تخليص نفسه منها، ويُغِذّ الخُطَىٰ إلى استرداد صفائها، فتسمو روحُه، ويرتقى هو إلى درجات المجد المُؤَثّل في سهولة ويسر وطموح وعزيمة؛ فإذا هو غيرُ ما كان من قبل التعرض للصفعات واللسعات.

    ينبغي أن لَا نأْسَفَ على حُبٍّ اخْتَفَىٰ، ولا على علاقة بيننا وبين شخص جفا، إثر وفاء دام حِقْبَةً من الزمن، ولا على صداقة أثمرت طويلًا، ثم اصْفَرَّتْ وذَبُلَت وذَوَتْ حتى جَفَّتْ، ولا على وعد كان مَصِيرُه الإخلافَ المؤسفَ، ولا على آمال تَحَوَّلَتْ خيبةً وإخفاقًا؛ لأن ذلك كله وغيره مثله أَكْسَبَنَا مشاعرَ مُضِيئَةً احتفظت بكل ذكرى مشرقة مُسْعِدة، ومَزَّقَتْ وبَخَّرَتْ منها السوداءَ القائمةَ التي كانت تفيض مرارةً وأسفًا وألمًا.

    تَذَكَّرْ دائمًا أن الجانبَ العابسَ المُتَجَهِّمَ القاتمَ للحياة، هو الذي يجعلك تتذوق السعادة المتناهية اللَّامَحْدُودة التي يفيض بها الجانبُ الباسم المُشْرِق الطَلْقُ الوَضَّاء للحياة . وبضدّها تتبيّن الأشياء.

(تحريرًا في الساعة الحادية عشرة والنصف من ضحى يوم الجمعة: 2/صفر 1440هـ الموافق 12/أكتوبر 2018م).

 

أبو أسامة نور

 nooralamamini@gmail.com

 

إلى المحتويات



(*)     أستاذ العقيدة ووكيل كلية الدراسات الإسلامية – جامعة الأزهر.

(*)     أستاذ التفسير واللغة العربية وآدابها بالجامعة.

(*)     خريج: جامعة أم القرى مكة المكرمة.

(*)     باحث الدكتوراه، مركز الدراسات العربية والإفريقية، جامعة جواهرلال نهرو، دهلي الجديدة، الهند.

(*)     عميد جامعة الشاه ولي الله مراد آباد، يوبي، الهند

(*)     أستاذ في كلية الشريعة من جامعة دمشق، معار حاليًا إلى كلية الاقتصاد من الجامعة العالية بماليزيا.