مجلة الداعي، مجلة الداعي، المحرم - صفر 1441هـ ، سبتمبر - أكتوبر 2019م، العدد: 1-2، السنة: 44

 

 

الدَّاعِيْ

مجلة عربية إسلامية شهرية

تصدر عن الجامعة الإسلامية : دارالعلوم

ديوبند ، يوبي ، الهند

 

 

ISSN 2347-8950

العـــــــــــــــــــــدد : 1-2 ،                السنـــــــــــــــــــــة : 44

المحرم - صفر 1441هـ، سبتمبر - أكتوبر 2019م

تحت إشراف

فضيلة الشيخ أبوالقاسم النعماني

رئيس الجامعة

رئيس التحرير

نـور عـالــم خليـل الأمينـي

أستاذ الأدب العربي بالجامعة

الاشتراكات

·      ثمن النسخة:30 روبية هندية

 

قيمة الاشتراك السنوي

 

·      في الهند : 300 روبية هندية

·      وفي خارج الهند للأفراد : 60 دولاراً

·     وللمؤسسات الحكومية : 80 دولاراً

المـراسـلات

رئيس تحرير مجلة الداعي

دارالعلوم ، ديوبند ، يوبي ( الهند )

الرمز البريدي 247554

 

Chief Editor, AL – DAIE

Arabic Islamic Monthly

Darul – Uloom, Deoband – 247554

(U.P.) INDIA

 

الهاتف والفاكس

Ph. : (00-91-1336) 222429,        Fax : (00-91-1336) 222768

 

المواد التي تنشرها المجلة تعبر عن وجهة نظر كاتبيها و لا تعبّر – بالضرورة – عن رأي المجلة

 

 

 

المحتويات

 

كلمة المحرر

 

  3  يا غافلاً وله في الدهر موعظة

التحرير

كلمة العدد

 

  3  الهجرةُ، دروسٌ حَيَّةٌ وعِبَرٌ مُتَّصِلَةٌ متجددة

نور عالم خليل الأميني

الفكــر الإسلامي

 

  3  من ظلال التفسير

العلامة الشيخ شبير أحمد العثماني الديوبندي رحمه الله

دراسات إسلامية

 

  3  مكانة المسجد النبوي

الأستاذ سعود بن بنيان الجهني

  3  من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند

الأستاذ سيد محبوب الرضوي الديوبندي رحمه الله

  3  نفحات هجرة رسولنا

الأستاذ أحمد البدوي

  3  التوازن والاعتدال ظاهرة كونية وحقيقة شرعية

الأستاذ عبد الله بن إبراهيم الطريقي

  3  المهاجَمَةُ العدوانيّةُ المخطَّطةُ لاغتيال شيخ الإسلام المفتي

      محمد تقي العثماني وفشلُها بقدرة الله العزيز المقتدر

 

الأستاذ عبد الرؤوف خان الغزنوي الأفغاني القاسمي

  3  الوحي حقيقته وأنواعه

الأستاذ أسعد قاسم السنبهلي القاسمي

  3  يا حنظلة .. ساعة وساعة

الأستاذ عبد الحكيم خلفي

  3  تفسير الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا

د. فاطمة سعد النعيمي

  3  سُنة الاصطفاء: مفارقات بين العرب والغرب

الدكتور عبد الوهاب القرش

  3  الدر المنضد في شرح الأدب المفرد

الأستاذ عبد الرزاق القاسمي الأمروهي

  3  بَشَرٌ مثلكم

الأستاذ خالد محمد خالد

  3  من وراء تنحية الإسلام من حياة المسلمين؟

الأستاذ الدكتور الخشوعي الخشوعي محمد

  3  حاجة البشرية إلى الرسل عليهم السلام

الأستاذ الدكتور إبراهيم عبد الشافي إبراهيم

  3  الكرامة الإنسانية وأثرها في البناء الحضاري

الأستاذ الدكتور ربيع خليفة عبد الصادق

  3  أضواء على بعض الأمثال في القرآن الكريم

الأستاذ خالدمعرّك

  3  السعادة عند علماء الإسلام

الأستاذ عبد الكريم بن عوض السلمي

إلى رحمــــــــة الله

 

  3  المدرس القدير الشيخ جميل أحمد السكروروي

مساعد التحرير

محليــــــــــــــــات

 

  3  أسيما نند: المسلمون مبعث القلق للهند

أبو عاصم القاسمي المباركفوري

أنباء الجامعـــة

 

  3  دارالعلوم: مشروع قانون حظر الطلقات الثلاث تدخل في الشريعة

       الإسلامية، يحق لكل واحد في بلد جمهوري العمل بشريعته

 

أبو فائز القاسمي المباركفوري

إشـــراقــــــــــة

 

  3  بين الصاحب و الصديق

أبو أسامة نور

 

*   *   *

إلى المحتويات

 

كلمــة المحــرر

 

يا غافلاً وله في الدهر موعظة

 

     يواجه المسلمون الهنود اليوم وضعًا مقلقًا للغاية لم يكن بحسبانهم؛ فقد تتابعت عليهم  المعاناة والفتن كقطع الليل الكالح الذي ينشر بؤسه، ولايصبحون إلا على أدهى وأمر وأشد منها نيلًا من دينهم ومساسًا بعقيدتهم. وكلما أصابتهم فتنة عمياء عبسوا، وتألموا، وصاحوا، و ناحوا، فإذا انجلت وانفرجت عادوا كما كانوا، وهم لايذَّكَّرون ولايعتبرون بها -والعياذ بالله-. كأنهم يقولون بلسان حالهم: رضينا أن نكون ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة:126].

     إن أول الواجبات على المسلمين عامةً، وعلى المسلمين الهنود خاصةً في الوقت الذي تكالبت عليهم قوى الشر والعدوان والبغي، وانسلت إليهم من كل صوب وحدب، حتى أصبح النيل منهم ومن دينهم موضةً ومطيةً ذلولًا للفوز بالمناصب وكسب الشعبية المنقطعة النظير- أن ينتبهوا من سباتهم العميق، ويعوا سنة الله التي قد خلت في عباده، ويعودوا إلى دينهم، ويتمسكوا بأهدابه، ويصبروا، ويتقوا، قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران:186]. وقال تعالى في المنافقين وكيدهم: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران:120].

     قال ابن كثير في تفسير الآية: «يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكيد الفجار، باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، و من توكل عليه كفاه».

     إن المسلمين في مثل هذه الأوضاع المتدهورة في حاجة إلى الصبر والتقوى والاستعانة بالله تعالى، والرجوع إلى توجيهات دينهم، فقد منَّ الله تعالى عليهم بنعمة الإسلام: دين العز والإباء و السمو، ولايغير الله سبحانه نعمته على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال:53].

     اللهم وفق المسلمين ليحيوا على شريعتك، ولاينجرف بهم سيل المعاناة والاضطهاد عن دينك الذي ارتضيته لهم، ولايغويهم المخاوف و المطامع. وما ذلك على الله بعزيز. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾.[آل عمران:8] ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ [الكهف:10].                                                 [التحرير]

(تحريرًا في الساعة  العاشرة والنصف من يوم الاثنين: 25/ذو القعدة1440هـ=29/يوليو2019م).

*    *    *

إلى المحتويات

كلمــــة العــــــدد

الهجرةُ، دروسٌ حَيَّةٌ وعِبَرٌ مُتَّصِلَةٌ متجددة

 

     ذكرى الهجرة النبويّة التي تعود علينا كلَّ عام تُؤَكِّدُ للمسلمين دائمًا أن حقوقهم المُغَتَصَبَة، وأرضهم السليبة، ودماءهم المُسْتَبَاحَة، وأعراضهم المَدُوسَة، لا تُسْتَرَدُّ إلّا بالكفاح الدائم، والجهاد القائم، والنضال المستميت. كما أنها تُؤَكِّد أنّ الحقَّ لابدّ أن يعلو وينتصر في النهاية، وإن غُلِبَ على أمره في البداية؛ فلا يجوز لأبناء الحق أن يستسلموا في أي مرحلة من مراحل الكفاح لليأس والإحباط، وإنما الواجب عليهم أن يَظَلُّوا واثقين بنصر الله، ومعتمدين على قوّة الحقّ الكامنة المذخورة الموفورة التِّلْقَائِيَّة المفعول.

     والجديرُ بالمُلَاحَظَة العميقة الدقيقة فيما يتعلّق بالهجرة، هو التنظيم الشامل الدقيق المُحْكَم الذي أَعْمَلَه النبيُّ -- فلم يترك أيَّ شيء للصدفة، وإنما بَذَلَ غايةَ الجهد، ورَتَّبَ جميعَ التفاصيل، و وَضَعَ في الاعتبار ما يمكن من حيلة وتدبير وتَحَفُّظ وتَحَسُّب، فصَنَعَ ما كان بوسع البشر أي الرسول -- فجاء من وراء ذلك التأييد الإلهي، والرعاية الربّانيّة، والعناية السماويّة، التي أَمَدَّتْ بأن تَحُفَّه الرسول ملائكةُ الرحمة.

     فالهجرة، عبرتُها المتجددةُ هي التنظيمُ الدقيقُ مع الإيمان العميق، والتصميمُ الحكيمُ مع العزم الأكيد والإرادة القوية، وعظمةُ النفس التي تهون دونها جميع إغراءات المادة والمعدة، مع الثقة بأن الاعتصامَ بالله، والركونَ إلى حماه وجواره، تكون عاقبته هي النصرة والتمكين.

     وقد تَجَلَّىٰ عزمُه -- الأكيد الذي قد لا تقرّ عنده رواسي شُمّ الجبال، حين جاء الوفد القرشي المدفوع بغاية الغضب إلى عمّه أبي طالب يطلب منه أن يَكُفَّ ابن أخيه عنهم، وإلّا نازلوه وإيّاه في معركة حاسمة لا يُعْلَم مصيرُها، وحين جاء ردّ رسول الله -- على عمّه ردًّا حاسمًا واضحًا قويًّا؛ اضْطُرَّ عمُّه أن يقول له: اِذْهَبْ يا ابنَ أخي! فو الله لا أُسْلِمُك إليهم أبدًا.

     قال ابن إسحاق: وحَدَّثَنِي يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه قد حُدِّث: «أن قريشًا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة، بعث إلى رسول الله -- فقال له: يا ابنَ أخي! إن قومك قد جاؤوني، فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له، فأبْقِ عليَّ وعلى نفسك، ولَا تُحَمِّلْنِي من الأمر ما لا أطيق. قال: فظنّ رسول الله -- أنّه قد بدا لعمّه فيه بَدَاءٌ أنّه خَاذِلُه ومُسْلِمُه، وأنّه قد ضَعُفَ عن نصرته والقيام معه. قال: فقال رسول الله --: يا عَمِّ! والله لو وَضَعُوا الشمسَ في يميني، والقمرَ في يساري، على أن أترك هذا الأمرَ حتى يُظْهِرَهُ اللهُ أو أهلك فيه، ما تركتُه. قال: ثمّ استعبر رسول الله -- فبكى، ثم قام، فلمّا وَلَّى، ناداه أبو طالب، وقال: أَقْبِلْ يا ابنَ أخي!. قال: فأقبل عليه رسول الله -- فقال: اِذْهَبْ يا ابنَ أخي!، فقُلْ ما أحببتَ، فو الله لا أُسْلِمُك لشيء أبدًا» (الروض الأنف: 3/46).

     وكان من مقالة قريش لأبي طالب: «يا أبا طالب! إنّ لك سِنًّا وشرفًا ومنزلةً فينا، وإنّا قد اسْتَنْهَيْنَاكَ من ابن أخيك، فلم تَنْهَه عنّا، وإنّا لا نصبر على هذا، من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفّه عنّا، أو ننازله وإيّاك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين، أو كما قالوا له». (الروض الأنف: 3/45).

     ولا بدّ من ملاحظة أنَّ العقبات المُعْتَرِضَة دون نشر الدعوة الإسلامية، قد تأتي نابعة من الجهل، وقلة الفهم، وضعف الإدراك، فيجوز علاجها بالإقناع والتعليم، وإبانة الأمر بتقديم الدليل وإيضاح البرهان.

     وقد تأتي نابعة من العناد والمكابرة، فلا تقبل علاجًا، ولا ترتاح إلى دليل مهما كان بَيِّنًا؛ لأن المعاند لايقبل حجةً، ولا يرتضي دليلًا، فيلجأ إلى التسفيه والاستهزاء وتوجيه الشتائم، فإن واجهه الداعي بإعراض الكريم، وصبر الحكيم، واحتمال الحليم، زاده هذا الموقف النبيل حمقًا وحقدًا، فيلجأ إلى الأذى والشرّ والتنكيل والغدر. وكلما سَمَا الداعي بخلقه وارتفع بسلوكه، تَسَفَّلَ المعاند بحمقه وحقده.

     وهذا الموقف يُفَسِّر لكل دارس الصراعَ الطويل المرير بين الداعي: رسول الله -- والمؤمنين به وبين المشركين الذين لم يتركوا سبيلًا إلّا سلكوه لإسقاط الدعوة وتثبيط همة الداعي؛ لكي يقعد عن القيام بمهمته وتبليغ رسالته. ثلاثة عشر عامًا أمضاها الرسول -- في مكة وهو صابر مُحْتَسِب واثق بنصر الله طوالَ هذه المدة التي رأى فيها دعوته إنما تتحرك إلى الأمام بطيئة الخُطَىٰ، ورأى أن المؤمنين به يَلْقَوْن كلَّ نوع من التعذيب والتنكيل، ورأى العقبات تُزْرَع في سبيله. في هذا الجوّ النابي الخانق المحفوف بالمُحْبِطَات والمتاريس مَكَثَ هذه السنين الطويلة؛ ليُسَجِّل في جانب على مشركي مكة المعاندين جحودَهم وعنادَهم واستكبارَهم، ليَسْتَنْفِد كلَّ ما لديهم من أرصدة الجحود والصَّلَف وحِيَل الحيلولة، وفي جانب آخر ليُسَجِّل للدعاة والمصلحين والقائدين من أمته، الآتين بعده -- كميّة وكيفيّة الإيمان العميق الدقيق الذي لا تخترقه المصاعب والمتاعب، والاستماتة الصادقة في سبيل الدفاع عن الواجب، والصبر العجيب على جميع المُنَغِّصَات والمكاره، ودفع ضريبة الدعوة والإصلاح بنصابها المطلوب من كل من الروح والجسم والراحة والمال.

     حُوصِرَ هو وأتباعُه في شعب أبي طالب طِيلَةَ 18 شهرًا ابتداءً من السنة السابعة من النبوة، ومُنِعَ عنهم كلُّ شيء وقُوطِعُوا كليًّا، حسب قرار سادة قريش للضغط على رسول الله -- و ثنيه عن الدعوة، فتعاهدوا أن لايتعاملوا معهم بأي شكل من الأشكال، كالبيع والشراء والزواج، وقد عَلَّقُوا صحيفةً بهذا المضمون في الكعبة، وهو الشعب الذي وُلِدَ فيه النبي --.

     هَدَّدُوه بكل طريق وتَوَعَّدُوه، وأخيرًا ساوموه ورَغَّبُوه، وفاوضوه و وعدوه. ولنقرأ بهذه المناسبة ما رواه ابن هشام (عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري أبو محمد، جمال الدين، المتوفى 213هـ/828م): «إن زعماء قد اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضُهم لبعض: اِبْعَثُوا إلى محمد فكَلِّمُوه وخَاصِمُوه، حتى تُعْذَرُوا فيه، فجاء رسولُ الله -- سريعًا، وهو يظنّ أن قد بدا لهم في أمر الدعوة بَدَاءٌ، وكان حريصًا عليهم، ويَعِزُّ عليه عَنَتُهم، ويحبّ رشدهم، حتى جلس إليهم، فقالوا له: يا محمد! إنّا قد بعثنا إليك لنكلمك، وإنّا والله لا نعلم رجلًا من العرب أدخل على قومه مثلَ ما أدخلتَ على قومك، لقد شتمتَ الآباءَ، وسَفَّهْتَ الأحلامَ، وعِبْتَ الدينَ، وشتمتَ الآلهةَ، وفَرَّقْتَ الجماعةَ. فإن كنتَ إنما جِئْتَ بهذا الدين تطلب مالًا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون من أكثرنا مالًا؛ وإن كنتَ تطلب به الشرفَ فينا، فإنّا نُسَوِّدُكَ علينا؛ وإن كنتَ تريد به مُلْكًا، مَلَّكْناك علينا؛ وإن كان الذي يأتيك رَئِيًّا تراه قد غلب عليك (أي جِنًّا) بذلنا لك في طلب الطبّ حتى نُبَرِّئَك منه أو نعذر إليك» (السيرة النبوية لابن هشام:1/295).

     فرَدَّ عليهم الرسول -- قائلًا: «ما بي ممّا تقولون شيء، وما جئتُ بما جئتُكم به أطلب أموالَكم ولا الشرفَ فيكم، ولا الملكَ عليكم؛ ولكن بَعَثَنِي اللهُ إليكم رسولًا، وأنزل عليَّ كتابًا، وأمرني أن أكون لكم بشيرًا ونذيرًا، فبَلَّغْتُكم رسالات ربي ونصحتُ لكم، فإن تقبلوا مني فهو حَظُّكم في الدنيا والآخرة، وإن تردّوه عليّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم» (1/296).

     لقد تَأَكَّدَ القوم من هذا اللقاء بينهم وبين نبي الإسلام أن مبادئ الإسلام ليست لتقبل المساومة وتخضع للبيع والشراء، لأنها لا تُبَاع بملء الأرض ذهبًا، إنها مبادئ وُضِعَتْ للخلود، وأُرْسِيَتْ لتبعث أمةً، وتقرر عقيدةً، وتوجد مجتمعًا قوامه الطهر والعفاف، والعدل والمؤاساة، فليسترح القوم من إجهاد نفسه في محاولات ضائعة في سبيل المساومة والإغراء.

     لقد شاع أمر هذا اللقاء التاريخي بين القوم وبين رسول الله محمد بن عبد الله القرشي الهاشمي المطلبي -- وتداولته أندية القوم ومجامعهم، وتَأَكَّدَ الناس أنهم ليسوا أمام رجل عاديّ هيّن يقوم بمساعيه لتحقيق المصالح الأرضيّة، وإنما هم يواجهون رجلًا يسمو سموّ السماء، يسمو عن الإغراء بجميع أنواعه وألوانه؛ لأنّه صمد أمام هذا العرض السخي للمال والزعامة والجاه، والمالُ له سحر لا يُحَطَّم، وللملك والسيادة والزعامة فتنة لا تُقَاوَم، وللجاه بريق يبهر العقول والأبصار؛ لكن ذلك كلّه لم يقع من قلب محمد -- مكانًا.

     توالت بعد ذلك حرب التحدّي والأسئلة التي حاولت قريش من خلالها تعجيز رسول الله -- والتي لم تُؤَدِّ إلى نتيجة تَوَخَّوْها ولم تقف عند حدّ. وقد صَوَّرَ القرآن الكريم هذا الموقفَ كلَّه تصويرًا بليغًا، فقال:

     ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (الإسراء:90-93).

     بعد ذلك شعرت قريش شعورًا ملك عليها الأعصاب أن حيلها كلّها قد عَيِيَتْ في ثني محمد بن عبد الله -- عن دعوته، فحارت في أمر رسول الله، ولجأت في نهاية المطاف إلى التآمر على قتله، والإجماع على القضاء على حياته حتى تَتَخَلَّصَ من أمره، وتستريح للأبد، وتُبْقِيَ على حرمة آلهتها، وعزّ آبائها الذين واصلوا عبادتها!.

     فأمر الله تعالى رسولَه بالهجرة إلى بلد طيب استعدّ ليقبل دعوته، ويستجيب لرسالته، ويحوز سعادة الدنيا والآخرة من خلال إيواء المهاجرين، ومشاركتهم في الأموال والديار والمُمْتَلَكَات، ونصرة رسول الله في كل حال.

     وقد صَوَّر الله ذلك كله في كتابه الخالد، وفضح مكر المشركين الذي لم يكن ليصمد أمام مكر الله العزيز القوي، فقال تعالى:

     ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال:30).

     ولم تكن الهجرة من مكة إلى المدينة إيثارًا للسلامة، أو إخلادًا إلى الراحة، أو طلبًا للنجاة من الأذى، أو إسدالًا لستار الدعوة بعد ما بلغ الأمر مداه؛ حيث مَكَرَ المشركون مكرهم، وعزموا على وضع حدّ لحياة الرسول -- وإنما كانت الهجرة انطلاقًا لمرحلة جديدة من مراحل الدعوة. هي مرحلة الجهاد على طريق الفتح المبين؛ حتى تعلو كلمة الحق، ويُظْهِرَ اللهُ دينَه على الدين كلّه ولو كره المشركون. وقد حصل الفتح المبين بعد ذلك، وخُضِدَتْ شوكةُ المشركين، وسقطت دولة الوثنيين في ديار العرب بإرادة الله العزيز الغالب على أمره.

     إن الهجرة من مكة إلى المدينة قد انتهت؛ فلا هجرة بعد الفتح أي فتح مكة؛ ولكن الهجرة من ديار الظلم والعدوان ما زالت باقية وستظل مأمورًا بها. قال الله تعالى:

     ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (النساء:97).

     لقد كانت الهجرة النبوية كما شَهِدَتْ كلُّ الوقائع بعدها من أخطر وأعظم الأحداث في تاريخ الدعوة؛ حيث خرج بها المهاجرون من موقف الاستضعاف والتضايق إلى موقف التحدي والتحرير والانطلاق، فامتلكوا إرادتَهم، وأَسَّسُوا دولتَهم، وأصبحوا قوةَ مُوَاجَهَةٍ لقوى الشرك والوثنية والطاغوت.

     كما كانت للهجرة آثارُها الإيجابيّةُ غيرُ المعدودة في دعم قوة المسلمين ونشر دين الله في الربوع العربية كلها وتحقيق معاني الخير بأوسع ما تدلّ عليه الكلمة، بعد 13 عامًا من المعاناة المريرة من قبل مشركي قريش وزعمائها الذين تَفَنَّنُوا في كلّ صُوَر الإيذاء والتعذيب والملاحقة.

     ومن المعلوم أن هجرة أيّ نبيّ من قومه، تاركًا أرضَه إلى أرض أخرى غريبة تُعَدُّ مرحلةً خاتمةً لجهاد طويل وشاقّ، خاضه من أجل إعلاء كلمة الله، ولا يرضى لخوض هذه التجربة الجديدة المُتَمَثِّلَة في الهجرة إلّا بعد يأس أكيد من إيمان قومه بدعوته، وبعد ما يكون قد جَرَّبَ كلَّ وسائل الإقناع؛ ولهذا عندما يأذن الله تعالى لنبي من أنبيائه بالهجرة من وطنه الذي ولد فيه وتربي على ترابه وأنس بكل ما فيه ومن فيه، تكون قد حقّت كلمة العذاب على الكافرين؛ لأن الله يكون قد كَتَبَ الغلبةَ والنصرةَ والتمكينَ للنبي ومن آمن معه. وذلك قوله تعالى:

     ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس:103).

     ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾(غافر:51).

     ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الروم:47).

نور عالم خليل الأميني

nooralamamini@gmail.com

      (تحريرًا في الساعة الخامسة عصرًا من يوم الخميس: 16/شوال 1440هـ الموافق 20/يونيو 2019م).

*    *    *

إلى المحتويات

الفـكر الإســــــــلامي

من ظلال التفسير

بقلم: العلامة الشيخ شبير أحمد العثماني رحمه الله

 (1305-1369هـ/1887-1949م)

تعريب: أبو عائض القاسمي المباركفوري

 

          فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ.(52)  

فائدة 1:

     أي شعر بأنهم لايقبلون دينه؛ بل يتصدون لعداوته وأذاه.

فائدة 2:

     (مَنْ أَنْصَارِيْ اِلَى اللهِ) أي يقف بجانبي ويعينني على نشر دين الله تعالى.

فائدة 3:

     ونصر الله تعالى هو نصر دينه وقانونه ورسله، كما نصر أنصار المدينة الرسول والدين الحق، مما شاهدناه.

فائدة 4:

     من هم الحواريون؟ ولم تلقبوا به؟ اختلف العلماء فيه كثيرًا، والمشهور أن أول شخصين تبعًا عيسى عليه السلام كانا قصارين، والقصار يطلق عليه «الحواري». قال لهم عيسى عليه السلام: «إنكم تغسلون الثياب، فهلا تأتوني أعلمكم كيف تغسلون القلوب. فتبعاه، ثم سمي به أصحابه كلهم.

     رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53)

فائدة:

     بعد ما أقروا بين يدي الرسول، أقروا بين يدي الله تعالى قائلين: إننا نؤمنون بالتوراة ونتبع رسولك، فاكتبنا في قائمة المؤمنين بذلك، فكأنه تم تسجيل إيمانهم، فلا يحتمل العودة والارتداد منه.

     وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (54)

فائدة:

     المكر: التدبير الخفي، فإن كان الهدف منه حسنًا كان حسنًا، وإن شرًا فشرًا. ولذا وصف بالسيء في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ﴾، وُصِفَ اللهُ تعالى هنا بـ«خير الماكرين»، والمعنى: أن اليهود بدأوا في نسج أنواع من المؤامرات، ووضع  خطط خفية، ضد عيسى عليه السلام، حتى أوغروا عليه ملك ذلك العهد، وأكدوا له أنه عيسى من الملاحدة، يريد تحريف التوارة، ويخرج الناس من دينهم. فأمر الملك باعتقال عيسى عليه السلام، في حين كان تدبير الله تعالى ، الخفي واللطيف ينقض ما عزموا عليه عروةً وعروةً، كما سيأتي ذكره لاحقًا. إن الله تعالى  أحسن تدبيرًا وأحكمه، هيهات أن ينقضه ناقض.

فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (56) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)

فائدة:

     أمر الملك الناس بضبط عيسى عليه السلام، وصلبه وعقابه رادعًا غيره عن سلوك مسلكه، «فبعث في طلبه من يأخذه ويصلبه وينكل به». (ابن كثير). وبإزاء ذلك ألقى الله تعالى في روعه -تسلية له- أنه سبحانه سَيخيِّبُ نواياهم و يبدد خططهم، يريدون أن يأخذوك، ويقتلوك، ويحولوا دون تحقيق هدف الخلق والبعث، فيتسخفوا بذلك نعمة الله تعالى. وأنا نازع منهم نعمتي، وأستكمل أجلك، والهدف العظيم المنوط به، وأستوفيك كلك سالمًا معافًا. فلايضرونك شيئا.

     وبدلا من أن يأخذوك، يؤويك الله تعالى في كنفه، يريدون أن يصلبوك، ويرفعك الله إلى السماء، ويريدون أن يمنعوا الناس من اتباعك بمعاقبتك عقابًا رادعًا مهينًا. ولن يدع الله تعالى أيديهم النجسة تصل  إليك؛ بل يرفعك مبرءًا نزيهًا من بين هذا التجمع النجس القذر، وبدلا من أن تُفضَج، ويصد الناس عن اتباعك، يجعل الله تعالى أتباعك ومن يلهج بذكرك، فوق الكافرين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. وسيظل الذين اتبعوك ظاهرين على الذين كفروا بك مادام على الأرض اليهود الكافرون بك، والمسلمون والنصارى الذين يتبعونك.

     وسيأتي زمان ترجع فيه إلى أمري أنت من وافقك ومن خالفك، فأقضي بينكم قضاء صارمًا، وتنتهي الخلافات كلها. فمتى يكون هذا الحكم؟ يشير التفاصيل المسرودة من قوله: ﴿فَاَمَّا الَّذِيْنَ كَفَرُوْا فَاُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيْدًا فِي الدُّنْيَا وَالْاٰخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِّنْ نّٰصِرِيْنَ﴾ [آل عمران:56] إلى أنه سيظهر نموذجه في الدنيا قبل الآخرة، أي يكون الكفرة كلهم يومئذ في عذاب شديد، ولاينصرهم  ولايغيثهم أحد منه، وعلى العكس من ذلك، الذين آمنوا لهم جزاء موفور في الدنيا والآخرة، ويقطع الله تعالى دابر القوم الظالمين.

     أجمعت الأمة المرحومة على الاعتقاد بأن الله تعالى رفع عيسى -عليه السلام- إلى السماء حيًّا حين أحكم اليهود حيلهم النجسة، ووردت الأحاديث المتواترة بأن الله تعالى سينزل عيسى  عليه السلام خاتم أنبياء بني إسرائيل  كقائد أوفى لخاتم الأنبياء محمد قريبًا من الساعة حين تمتلئ الدنيا  كفرًا وضلالا و دجلا وخبثًا، ويريهم  مكانة خاتم النبيين من  الأنبياء السابقين.

     ويقتل عيسى-عليه السلام- الدجال، ثم يقتل اليهودَ واحدًا واحدًا، ولا يسع يهوديًّا أن ينقذ نفسه منه. حتى يقول الشجر والحجر: هذا يهودي، فاقتله. ويكسر المسيح الصليب، ويصلح عقائد النصارى الباطلة، ويأخذ العالم كله إلى صراط الإيمان، ويقضي في النزاعات كلها، وينهي الخلافات الدينية برمتها، ويبقى دين الله الواحد الحق، وفيه يقول تعالى: ﴿وَاِنْ مِّنْ اَهْلِ الْكِتٰبِ اِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِه قَبْلَ مَوْتِه﴾ [النساء:59]، وسيأتي بحثه وكيفية رفع عيسى عليه السلام في سورة النساء كاملا. وعلى كل أرى أن قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ  مَرْجِعُكُمْ﴾ لايخص الآخرة، بل يعم الدنيا والآخرة جميعًا. كما يشهد بذلك النص على (فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) فيماسيأتي تفصيله لاحقًا..

     وهذه قرينة على أن المراد بـ(إلى يَوْمِ القِيَامَةِ) قرب الساعة، فقد صرحت الأحاديث الصحيحة بأنه لابد وأن يأتي قبل الساعة زمن مبارك، تنتهي فيه الخلافات كلها؛ ويبقى دين واحد. ولله الحمد أولا وآخرًا.

     ويجب أن نذكر عدة أمور فيما يخص هذه الآية:

     جاء في كلية أبي البقاء في  كلمة (التوفي): «التوفي: الإماتة وقبض الروح على استعمال العامة      أو الاستيفاء وأخذ الحق وعليه استعمال البلغاء».

     فكأنه يرى أن إطلاق التوفي على الموت باعتبار أنه استيفاء الله تعالى الروح كلها لاعضوًا بعينه، فهَب أن الله تعالى أخذ روح أحد وجسده فلَأولَى أن نطلق عليه التوفي. ومن ذهب من أهل اللغة إلى أن التوفي هو قبض الروح، لم يقولوا بأن قبض الروح مع الجسد لايطلق عليه التوفي. كما أنه لاقانون يقول: إن التوفي إذا نسب إلى الله تعالى، و وقع على ذي روح لم يجز حمله إلا على الموت. اللهم إلا أن  قبض الروح عامةً يتم بفصلها عن الجسد، فتعودوا كثيرا إطلاق كلمة الموت بجنب التوفي، وإلا فإن معنى الكلمة يعم قبض الروح مع البدن، ألا ترى قوله تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْاَنْفُسَ حِيْنَ مَوْتِهَا وَالَّتِيْ لَمْ تَمُتْ فِيْ مَنَامِهَا﴾ [الزمر:42]، فإنه دل على وجهين من توفي النفس(قبض الروح): الموت والنوم. فدل بهذا التقسيم، وإيقاع التوفي على النفس، وقيدها بـ(حِيْنَ مَوْتِها) على أن التوفي يختلف عن الموت.

     والأصل أن قبض الروح على درجات: أولاها: ما يتحقق في الموت. وثانيتها: ما يتحقق في النوم. دل القرآن الكريم على أنه يطلق التوفي عليهما جميعًا، دون تخصيصه بالموت. قال تعالى: ﴿يَتَوَفّٰـــكُمْ بِالَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَار﴾ [الأنعام:6]، فكما أنه أباح إطلاق التوفي على النوم في الآيتين، مع أنه لم يتم استيفاء قبض الروح في الموت، فلو حملنا التوفي الوارد في الآيتين من سورة آل عمران وسورة المائدة على القبض الروح مع البدن، فأي استحالة تستلزم وخاصة إذا نظرنا إلى أن القرآن الكريم هو الذي جاء بإطلاق التوفي على الموت والنوم.

     وكان أهل الجاهلية يجهلون أن الله تعالى يستوفي من المرء شيئا في الموت أو النوم، وعليه لم يشتهر إطلاق التوفي على الموت والنوم. وبدأ القرآن الكريم إطلاق هذه الكلمة لتسيلط الضوء على حقيقة الموت وغيره. فلايحق إلا له أن يطلقه على أخذ الروح  مع البدن تلك المناسبات النادرة- مثل الموت والنوم. وعلى كل، ذهب الجمهور إلى أنه ليس المراد من التوفي في هذه الآية الموت. و أصح ما روي عن ابن عباس أن المسيح رفع حيًّا إلى السماء. كما في رو ح المعاني وغيره. ولم يرد إنكار رفعه حيًّا أو إنزاله مرةً ثانيةً عن أحد من السلف؛ بل حكى الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير الإجماع على ذلك. وعدَّ ابنُ كثير و غيره أحاديث نزوله متواترة. وحكى في «إكمال إكمال المعلم» عن الإمام النص عليه. ثم ماجاء به عيسى عليه  السلام من المعجزات يتضمن مناسبة  مع رفعه إلى السماء، بجانب حكم أخرى. فقد نبَّه  عليه السلام على أنه إذا كان  تمثالا من الطين يتحول طيرا بنفخي بإذن الله تعالى، ويرتفع في السماء، ألا يسع بشرا أطلق الله تعالى عليه «روح الله»، و ولد بنفخ جبريل- أن يطير في السماء بإذن الله تعالى؟!.

     إن الذي يبرأ بمسه أو نطقه بكلمات معدودة الأكمهُ والأبرص، ويحيى الموتى إذا أعرض عن موطن الكون والفساد هذا وعاش حيا معافا آلاف السنين مع الملائكة في السماء، فأي استبعاد في ذلك؟ قال قتادة: فطار مع الملائكة فهو معهم حول العرش وصار إنسيا ملكيا سماويا أرضيا (البغوي). وجاءت رسائل وكتب مفردة بهذا الموضوع، إلا أني ألفت انتباه أهل العلم إلى أن سيدنا العلامة فقيد النظير السيد محمد أنور شاه الكشميري أطال الله بقاءه، ألف رسالة «عقيدة الإسلام»، و أودعها لآلئ وجواهر من العلوم. فهلا يروموا للاستفادة منها، فإني أرى أنه لم يأت كتاب جامع مثله في هذا الموضوع.

     ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59)

فائدة:

     حاجَّت النصارى كثيرا في أن عيسى ليس عبدا لله؛ بل هو ابن له، وانتهوا إلى القول بأنه إذا لم يكن ابن الله تعالى، فابن من هو ياترى؟ فنزلت الآية ردًّا عليه بأن آدم ليس له أب ولا أم، فكيف تتعجبون من عيسى إذا لم يكن له أب. (موضح القرآن). وهذا يستلزم أن نؤكد على أن آدم ابن الله تعالى أولى، ولم يقل به أحد.

     الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60)  

فائدة:

     أي أن ما قاله الله تعالى في حق المسيح هو الحق، لامرية فيه ولاشبهة على الإطلاق، وقد تم بيان الحق دون نقص أوزيادة.

     فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61)

فائدة:

     أمر الله تعالى أن يباهلوا نصارى نجران إذا لم ينصاعوا رغم هذا البيان الواضح الجلي، وتقرر أن أكمل وجه لها وأكثره تأثيرا أن يحضر الفريقان بأنفسهما وأولادهما، فيتضرعان إلى الله تعالى أن يلعن الكاذبَ منهما، وينزل عليه عذابه سبحانه. و وجه المباهلة هذه سيبين في أول خطواتها أي الفريقين أشد إيمانًا في نفسه بصدقه وثقته. واستنظر وفد نجران حين سمعوا المباهلة، وقالوا: سنرد عليك بعد ما نتشاور فيها.

     وقالت قياداتهم الواعية المسؤولة ذات التجارب في مجلس التشاور: يا معشر النصارى، والله، لقد عرفتم أنه هو النبي االمرسل، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم وقد علمتم أن الله تعالى وعد بإرسال الرسول في بني إسماعيل، فلا يبعد أن يكون هو هذا النبي، والله ما باهل قوم نبيا إلا هلكوا صغيرهم وكبيرهم وأتاهم عذابه. ويستمر أثر لعنة الرسول مدى عدة أجيال، فالخير أن نوادعه وننصرف إلى قرانا؛ إذ لا طاقة لنا بالعرب كلهم، وهذا ما توصلوا إليه، وعادوا إلى رسول الله ، وخرج رسول الله ومعه الحسن والحسين وفاطمة. فلما رآهم  أسقفهم قال: إنى لأرى وجوها لو سألوا الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله البتة. فلا تباهلوا فتهلكوا جميعًا. فأعرضوا عن المباهلة، والتزموا الجزية كل سنة، ووادعوه وانصرفوا. وفي الحديث: «والذي نفسي بيده لو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير ولاضطرم عليهم الوادي نارًا ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر ولما حال الحول على النصارى كلهم حتى يهلكوا(1).

تنبيه:

     ولم يصرح القرآن الكريم: هل يصار إلى المباهلة بعد النبي ، وهل تصير المباهلة دائمًا إلى ما كان يتوقع المصير إليه حين باهل النبي ؟يشير صنيع بعض السلف وتصريحات بعض فقهاء الحنفية إلى أن المباهلة مشروعة ليومنا هذا فيما كان مقطوعًا ثبوته.

فائدة:

     ولايلزم إحضار الأطفال والنساء إلى المباهلة، ولايجب أن ينزل على المباهلين مثل ما كان ينزل من العذاب عليهم لو باهلوا النبي . وإنما هي نوع مفارقة المجادلة بعد إتمام الحجة. وأرى أنه لايباهل كل كاذب، وإنما يباهل الكاذب المعاند، قال ابن كثير: ثم قال الله آمرا رسوله أن يباهل من عاند الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيان. والله أعلم.

     إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (62)

فائدة:

     بين بعد الدعوة إلى المباهلة أنها تتم على أن ما ذكره القرآن الكريم في خصوص المسيح عليه السلام هو الحق، وأن الله تعالى مبرأ من الشرك وعلاقات الأبوة والبنوة.

     فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (63)

فائدة:

     فإن لم يقنعوا بالأدلة ولا رضوا بالمباهلة فاعلموا أنهم لايريدون إحقاق الحق، ولايؤمنون بصدق عقائدهم بقلوبهم، وإنما يريدون الفتنة والفساد، فاعلموا أن الله تعالى لايحب المفسدين.

*    *    *

إلى المحتويات

دراسات إسلاميـــــــة

مكانة المسجد النبوي

بقلم:  الأستاذ/ سعود بن بنيان الجهني

 

تمهيد

     الجزيرة العربية حرم الإسلام، فهي معلمه الأول وداره الأولى، ولهذا جاء في صحيح السنة ما لهذه الجزيرة من خصائص وأحكام. لتبقى هذه المنطقة قاعدته أولًا ومعقل الإيمان آخرًا، كما كانت سابقًا. فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن رسول الله -- قال: «إن الشيطان ليئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم»(1). فجزيرة العرب وقف في الإسلام على أهل الإسلام، فهي دار طيبة لا يقطنها إلا طيب، ولما كان المشرك خبيثًا بشركه حرمت عليه جزيرة العرب(2). فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله يقول: «لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلمًا»(3). والخصائص السابقة للحجاز قلب الجزيرة وهي للمدينتين المقدستين مكة المكرمة، ومدينة الرسول آكد، علاوة على ذلك اختصمهما الله عز وجل وفضلهما على سائر الأماكن، فمكة المكرمة حرم الله الآمن بها الكعبة المشرفة قبلة المسلمين يتجهون إليها كل يوم في صلاتهم. بها أول بيت وضع للناس(4).

     قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97)﴾ (آل عمران: 96-97).

     يفد إليها المسلمون كل عام، يؤدون شعيرة من أهم شعائره، وركنا من أركانه، قال تعالى:

     ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ (الحج:27).

فضائل المدينة:

     وأما الدار النبوية الشريفة طيبة وطابة دار الهجرة، المدينة النبوية فلها من الخصائص ما لم يكن لغيرها، مدينة أضاءت يوم دخول المصطفى فسبحت بيده حصاؤها، واشتاقت إليه منابرها، ونبعت بين أصابعه مياهها، ونما وتكاثر بين يديه طعامها، وحنت وبكت بين يديه جمالها، وشهدت له بالرسالة ذئابها، وأضاءت لأصحابه العصافى الليلة الظلماء، مدينــــــــة جعل الله ثراها شفاء، وتمرها حرزًا من السم والسحر، ومابين بيته ومنبره روضة من رياض الجنة، ومن أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين، ولا يقبل منه صرف ولا عدل.

     مدينة جعلها الله حرمًا آمنًا، فحرم الصيد فيها، وحرم قطع الشجر فيها، لقطتها حرام، لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها، ولا يحمل فيها سلاح، ولا يهرق فيها دم، حرمها الله تعالى ولم يحرمها الناس، ومن أراد بأهلها سوءًا أذابه الله عزّ وجلّ كما يذوب الملح في الماء أو الرصاص في النار. ذلك لأن لهم قصب السبق في رفع راية التوحيد، ونشر الدعوة الإسلامية، وحمل رسالة الإسلام إلى أصقاع الدنيا، كما كان لهم فضل إضاءة نور ا لعلم ونشره بدءًا من مسجد الرسول الكريم ، والذي كان ولا يزال مدرسة للإيمان، ولمن أراد أن يقتبس من علوم القرآن، والسنة المطهرة. تلك هي المدينة النبوية التي ورد الكثير والكثير عنها وعن فضلها ومكانتها(5).

     ومن ذلك:

     1- المدينة حرم كمكة المكرمة حرمها الله والنصوص في ذلك متواترة، من ذلك حديث عبد الله بن زيد عن النبي قال: «إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وحرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم عليه السلام لمكة»(6). وهي كذلك حرم آمن فعن سهل ابن حنيف رضي الله عنهما قال: «أهوى رسول الله بيده إلى المدينة فقال: إنها حرم آمن»(7). وكما أن لحرم مكة حدودًا معروفة فكذا للمدينة حدودها(8). ومن تلك الأحاديث التي وردت في هذا الخصوص، ما رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه كان يقول: «لو رأيت الضبا بالمدينة ترتع، ما ذعرتها، قال رسول الله : ما بَيْنَ لابتيها حرام»(9).

     ومن ذلك أيضًا ما رواه إبراهيم التميمي، عن أبيه، قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ما عندنا كتاب نقرؤه إلا كتاب الله غير هذه الصحيفة، قال: فأخرجها، فإذا فيها أشياء من الجراحات وأسنان الإبل، قال وفيها: المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل...» الحديث(10).

     ومن هنا يتضح أن حدودها من الشرق والغرب اللابتان وهما حرتان وأما عير وثور هما الحد الشمالي والجنوبي. يقول الرفاعي: «وما تقدم من الأحاديث الصحيحة في هذا المبحث دال على تحريم المدينة ما بين جبل عير إلى جبل ثور، وهما حدا المدينة من جهتي الجنوب والشمال»(11).

     2- خصها الرسول بأدعية عامة وخاصة:

     أ- من الأدعية العامة الدعاء لها بالبركة، وبضعف ما في مكة من البركة فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «اللهم اجعل بالمدينة ضعف ما بمكة من البركة»(12).

     ب ومن الأدعية الخاصة التي اختص بها أشياء معينة بالمدينة، دعاؤه بأن يبارك في صاعها، ومدها، وأن ينقل حماها إلى الجحفة. فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا في صاعنا ومدنا، وصححها لنا، وانقل حماها إلى الجحفة»(13).

     3- أنه خص أهلها بعدة أمور منها:

     أ- الحث على سكنى المدينة والترغيب في ذلك، فعن سفيان بن أبي زهير رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله يقول: «تفتح اليمن فيأتي قوم يبسون فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، وتفتح العراق فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم والمدينة خير لهم لو كانوا يعملون»(14).

     ب الأجر والمثوبة لمن صبر على شدتها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها من أمتي إلا كنت له شفيعًا يوم القيامة أو شهيدًا»(15).

     ج المدينة تنفي خبثها ففي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه، هلم إلى الرخاء، هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده، لا يخرج منهم أحد، رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيرًا منه، ألا إن المدنية كالكير تخرج الخبيث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها، كما ينفي الكير خبث الحديد»(16).

     د- الترغيب على الموت في المدينة، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي قال: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها»(17).

     هـ - عدم دخول الدجال لها، وحمايتها من الطاعون، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال»(18).

     و- التحذير من إحداث الحدث فيها أو إرادة أهلها بسوء فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «من أراد أهل هذه البلدة بسوء يعني المدينة أذابه الله كما يذوب الملح في الماء» (19).

     وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه عن النبي : «المدينة حرم ما بين عير إلى ثور، فمن أحدث فيها حدثًا، أو آوى محدثًا، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل منه يوم القيامة صرف ولا عدل»(20).

     4- اختصاص بعض ثمارها بخصائص فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «من تصبح كل يوم سبع تمرات عجوة لم يضره في ذلك اليوم سم ولا سحر»(21).

     5- اختصاصها ببعض الأحكام الفقهية فلا ينفر صيدها ولا يقتل، ولا يقلع منها شجرة، وأبيح ذلك لرجل يعلف بعيره، ولا تلتقط لقطتها، ولا يهرق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا تقتل حياتها إلا بعد إيذانها ثلاثة أيام(22).

     6- شرف بعض الأماكن مثل المسجد النبوي ومسجد قباء وفضل الصلاة فيه وأن النبي كان يأتيه ماشيًا وراكبًا كل يوم سبت. ومن هذه الأماكن وادي العقيق وأنه واد مبارك، وجبل أحد، فعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: «أقبلنا مع النبي من غزوة تبوك حتى إذا أشرفنا على المدينة قال: هذه طابة، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه»(23).

فضائل المسجد النبوي:

     يحتل المسجد النبوي مكانة عظيمة في قلوب المسلمين، بناه المصطفى ، وهو مقصد الملايين منهم، فكل من حج البيت أو اعتمر شده الشوق والحنين لزيارة مسجده ، ثم السلام على النبي وصاحبيه رضي الله عنهما فأصل شد الرحال للمسجد لا لقبر النبي . وذلك طمعًا في الأجر والثواب من رب العباد سبحانه وتعالى(24). ويحظى المسجد بهذه المكانة لعدة أمور ومن ذلك:

     1- أنه المسجد الذي أسس على التقوى. المقصود من قوله تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ﴾ (التوبة:108) وهناك من يقول: إن المسجد الذي أسس على التقوى مسجد قباء، وهناك من جمع بين هذين الرأيين فيصدق فيهما أنهما المقصودان في الآية، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «دخلت على رسول الله في بيت بعض نسائه، فقلت يا رسول الله، أي المسجدين الذي أسس على التقوى، قال: فأخذ كفًا من حصبائه فضرب به الأرض ثم قال: هو مسجدكم هذا مسجد المدينة»(25).

     فهذا الحديث حدد أن المسجد المقصـــود في هذه الآية هو المسجد النبوي، وقد قال بهذا جماعة من السلف والخلف. وإن كان السياق في الآية إنما هو في معرض الحديث عن مسجد قباء، إلا أنه لا منافاة بين الآية والحديث الصحيح لأنه إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم فمسجد رسول الله الأولى والأحرى بذلك(26).

     2- وهو المسجد الذي تفضل الصلاة فيه عن غيره من المساجد إلا المسجد الحرام بألف صلاة عما سواه. فثواب الصلاة الواحدة في هذا المسجد الشريف أكثر من صلوات ستة أشهر في عامة المساجد(27). فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «صلاة في مسجدي هذا، أفضل من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام»(28).

     3- فضل من تعلم أو علم في هذا المسجد وأنه بمنزلة المجاهد في سبيل الله، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله يقول: «من جاء مسجدي هذا لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلمه فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله، ومن جاء لغير ذلك فهو بمنزلة الرجل ينظر إلى متاع غيره»(29).

     4- وهو أحد ا لمساجد الثلاثة التي تشد الرحال إليها، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول ا لله يقول: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ومسجدي هذا»(30).

     5- وفي المسجد الروضة الشريفة، والتي تقع بين المنبر وحجرته ، حيث ورد فضل هذا الموضع، وأنه روضة من رياض الجنة. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة»(31).

     6- وفي المسجد منبره . فقد كان عليه الصلاة والسلام يخطب قائمًا ويستند إلى جذع نخلة، فلما شق عليه القيام صُنِع له المنبر، ووضع في الجانب الغربي من مصلاه ، وما يزال المنبر في موضعه الأصلي رغم الزيادات والأحداث التي طرأت عليه.

     فعن جابر رضي الله عنه أن النبي كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة فقالت امرأة من الأنصار أو رجل: يا رسول الله ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: «إن شئتم» فجعلوا له فلما كان يوم الجمعة رفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبي، ثم نزل رسول الله فضمه إليه وهو يئن أنين الصبي الذي يسكن، قال: كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها»(32).

     وقد ورد في فضله عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي»(33).

*  *  *

الهوامش:

(1)    مسلم (1972م)، ج4، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب تحريش الشيطان وبعث سرايا لفتنة الناس، حديث رقم 2812، ص2166.

(2)         أبو زيد، 1412هـ، ص21-35.

(3)         مسلم (1972م) ج3، كتاب الجهاد والسير، باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، حديث رقم 1767، ص 1388.

(4)         أبو زيد، 1412هـ، ص35.

(5)         الدوبي، مجلة الحج، الجزء الثامن، ربيع الأول، 1417هـ، ص147.

(6)         البخاري (1415هـ) ج2، كتاب البيوع، باب بركة صاع النبي ، حديث رقم 2129، ص633.

(7)         مسلم (1972م)، ج2، كتاب الحج، باب الترغيب في سكنى المدينة والصبر على لأوائها حديث رقم 1375، ص1003.

(8)         الرفاعي، 1413هـ، ص47-63.

(9)         البخاري (1415هـ)، ج1، كتاب فضائل المدينة، باب لابتي المدينة، حديث رقم 1873، ص554.

(10)    البخاري (1415هـ) ج5، كتاب الفرائض، باب إثم من تبرأ من مواليه، حديث رقم 6755، ص2110.

(11)    الرفاعي، 1413هـ، ص101.

(12)    البخاري (1415هـ) ج1، كتاب فضائل المدينة، باب المدينة تنفى الخبث، حديث رقم 1885، ص557.

(13)    البخاري (1415هـ)، ج1، كتاب فضائل المدينة، باب كراهية النبي أن تعرى المدينة، حديث رقم 1889، ص558.

(14)    البخاري (1415هـ) ج1، كتاب فضائل المدينة، باب من رغب عن المدينة، حديث رقم 1875، ص555.

(15)    مسلم (1972م) ج2، كتاب الحج، باب الترغيب في سكنى المدينــة والصبر على لأوائها، حديث رقم 1378، ص1004.

(16)    مسلم (1972م) ج2، كتاب الحج، باب المدينة تنفي شرارها، حديث رقم 1381، ص1005.

(17)    الترمذي، ج5، كتاب المناقب، باب فضل المدينة، حديث رقم 3917، ص719.

(18)    البخاري (1415هـ) ج1، كتاب فضائل المدينة، باب لا يدخل الدجال المدينة، حديث رقم 1880، ص556.

(19)    مسلم (1972م) ج2، كتاب الحج، باب من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله، حديث رقم 1386، ص1007.

(20)    البخاري (1415هـ) ج5، كتاب الفرائض، باب إثم من تبرأ من مواليه، حديث رقم 6755، ص2110.

(21)    البخاري (1415هـ) ج4، كتاب الأطعمة، باب العجوة، حديث رقم 5445، ص1750.

(22)    أبو زيد، 1412هـ، ص53.

(23)    البخاري (1415هـ) ج1، كتاب فضائل المدينة، باب المدينة طابة، حديث رقم 1872، ص545.

(24)    العباسي، د. ت، ص56.

(25)    مسلم (1972م) ج2، كتاب الحج، باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى مسجد النبي ، حديث رقم 1398، ص1015.

(26)    الرفاعي، 1410هـ، ص272-273.

(27)    عبد الغني، 1416هـ، ص10.

(28)  البخاري (1415هـ) ج1، كتاب فضل صلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، حديث رقم 1190، ص353.

(29)    ابن ماجه، ج1، المقدمة، باب فضل العلماء والحث على طلب العلم، حديث رقم 227، ص82.

(30)  البخاري (1415هـ) ج1، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، حديث رقم 1189، ص353.

(31)  البخاري (1415هـ) ج1، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، حديث رقم 1196، ص354.

(32)    البخاري (1415هـ) ج3، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم 3584، ص1108.

(33)    البخاري (1415هـ) ج2، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل ما بين القبر والمنبر، حديث رقم 1196، ص354.

 

*    *    *

إلى المحتويات

دراسات إسلاميـــــــة

من تاريخ الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ ديوبند

 (الحلقة 73)

بقلم: الأستاذ/ سيد محبوب الرضوي الديوبندي -رحمه اللّه-

 (المتوفى 1399هـ / 1979م)

ترجمة وتعليق: محمد عارف جميل القاسمي المباركفوري(*)

 

خصائص دارالعلوم التعليمية:

     كلمة التعليم تحمل من الأهمية والنفوذ إلى أعماق الروح بالقدر الذي تبدو بسيطة ومختصرة، وليس التعليم عبارة عن مجرد نقوش الحروف، والأصوات، والألسنة والكتب الصغيرة والكبيرة، وإنما هو عبارة عن تربية فكرية عقلية علمية تهدف إلى إبراز القوة الفطرية والطبيعية المودعة في الإنسان وتزيينها وتهذيبها، وتوجيه مشاعر النوع البشري وأحاسيسه إلى هدف طيب وسامٍ وتهذيبه، حتى يتحقق للنوع البشري الفوائد والثمرات المفيدة النافعة. ومن الصعوبة بمكان تعليم الإنسان استخدام قواه استخدامًا صحيحًا، ويحمل من الأهمية والضرورة بقدر صعوبته وعسره.

     وبعبارة أخرى، لِنَقُل: إذا اقتصر التعليم على معرفة ما نجهله من الأشياء فقط؛ فإنه ليس أمرًا غير عادي، وأما إذا تم تقييده بالعمل فإن صعوباته تتضاعف وتزداد كثيرًا. وإن موقف المسلمين من العلم يختلف تمامًا عن موقف غيرهم من البشر منه، فغير المسلمين لايحصلون العلم إلا لتحصيل القوة والسمو والرقي والتغلب في الدنيا، ويعتبرون العلم بصفة عامة سببا إلى تحصيل المال وكسبه، وأما المسلمون فمن خصائصهم أنه اعتبروا العلم هدفًا لا وسيلةً، ولم يعدوه من أسباب كسب العيش، ولم يحصل المسلمون العلم يومًا إلا للعلم، ولم يحصلوه ليكسبوا به المال والعيش. فإنهم المسلمين يرون تحصيل العلم فريضةً من الفرائض. ويحقق به المسلم علاوة على النفع الدنيوي- نجاةً في الآخرة، يقول سيد الكونين محمد : «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»(1).

     وهذه الفريضة ليست إلا للعمل، ويجب على كل أحد بقدر حاجته. ومن الحقائق التاريخية المسلمة أن أمة من الأمم لم ترفع رأسها ولم تشهد الرقي والازدهار ما لم تستيقظ فيها قوى العلم والعمل. والتعليم هو السبب الوحيد الذي يخرج من رحمه الرقي الروحاني والخلقي والحضاري والثقافي. وهو المقصد الأعلى من خلق الإنسان. وهذا الرقي يتطلب منا أن نوفر لكل طالب الفرصة التي  يمكنه من تطوير قدراته وصلاحياته على أحسن الوجوه، وبعبارة أخرى: من واجب المجتمع قبل كل شيء أن يوفر كافة التسهيلات التي تعين الطالب على إبراز جوهره وصلاحيته، والحق أن الأمم تصلح بالعلم وتفسد بالجهل. وعليه يجب أن نوفر فرص التعليم لكل واحد بغض النظر عن انتمائه. لقد حرر الإسلام العلم من يكون حكرا على شريحة معينة من شرائح المجتمع، فكان ذلك نعمة لا يقادر قدرها.

     يشهد تاريخ كل أمة متطورة بأن سر الرقي كامن في تطور أعضائها ورقيهم وازدهارهم، ولايهون ذلك مالم يتوفر التعليم المجاني، فإن النفقات الباهظة في التعليم المعاصر مما حَرَمَ كثيرًا من الناس فوائد التعليم، ولقد توصل خبراء التعليم في القرن العشرين- بعد تجارب استمرت قرونًا إلى أنه يجب تعليم الشعب مجانًا، ومن الصعوبة بمكان انتشار التعليم ما لم يتم اتباع هذه الطريقة والآلية.

منهجنا التعليمي القديم:

     منهجنا التعليمي القديم اتبع بشكل مستمر هذا المبدأ، فقد اتبعت هذه المدارس المنهج التعليمي الذي يحمِّل المؤسسات التعليمية-دون الطلاب- نفقات التعليم والدراسة. ولم يفرض هذا المنهج التعليمي رسومًا دراسيةً على الإطلاق؛ بل وفر للطلاب الكتب الدراسية مجانًا، ولايقتصر الأمر على مجانية التعليم؛ بل السكن مجاني يتوفر لكل طالب بدون مقابل؛ بل تمنح المدارس الطلاب القليلي الدخل منِحًا مالية ينفقونها على الطعام والكسوة والحاجات الأخرى. وخصيصة المدارس العربية هذه يعز مثيلها في نظام تعليمي آخر في الكون.

     أضف إلى ذلك أن المدارس لم تفرض على الدراسة قيودًا وشروطًا قد تعوق دون تلقي شريحة من شرائح الأمة التعليم والدراسة. فإن كل واحد منهم ممن يحمل مذاقا ورغبة في العلم له أن يكسبها من غير عائق يعوق دونه؛ فإن مدارسنا لاتوجب مرحلة عمرية أو حرفة من الحرف لتلقي العلم، ولاتفرق بين أحد من الراغبين على أساس اللون والعرق والثراء والفقر، وذلك مما يفتح الباب في كل حين لكل أحد بغض النظر عن انتمائه العرقي، وقلة ذات يده لتحصيل الدراسات العليا. وما أكثر العلماء في التاريخ العلمي للمسلمين كانوا ينتمون إلى الحرف الأدنى والأعلى. واتبعت  المدارس الإسلامية مبدأ تحرير التعليم والدراسة من القيود والشروط ما أمكن.

     ولم يتعلم العالم إلا من المسلمين رفع الحظر عن التعليم والدراسة على الطبقات الاجتماعية الدنيا، الأمر يُرجع الفضلُ فيه اليوم إلى أوربا، والحق أنه من معطيات المدارس الإسلامية. نعم بقي أن يتعلم العالم منها درس إبطال فكرة تحديد الدراسة والتعليم بمرحلة عمرية معينة. وقد بدأ ذلك متمثلا في نشاطات «تعليم الكبار»(2)، والعهد الذي سيشهد طرد هذه اللعنة من الجامعات غير بعيد.

التعليم المجاني:

     وتقاليد هذا المنهج التعليمي القديم عندنا هي التي يمتاز بها دارالعلوم/ديوبند، فلاتتقاضى من الطلاب رسومًا دراسيةً، وتوفر دارالعلوم/ديوبند الطعام والكسوة والمنح النقدية لمن يعجزه وضعه المادي عن التعليم، وأما كتب المقررات الدراسية والسكن فتوفرهما للطلاب كلهم بغض النظر عن وضعهم المادي، وبالتالي لاتختص الدراسة في دارالعلوم بالطلاب الأغنياء، وإنما يستطيع أفقر الناس أن يزين أولاده بالتعليم والدراسة في دارالعلوم/ ديوبند، فنفحاتها عامة، وتامة ما وسعها ذلك.

     وتعتبر دارالعلوم/ديوبند أول مدرسة قامت على أساس مجانية التعليم والدراسة(Free education) وتقوم دارالعلوم بتنفيذ هذا النظام التعليمي بكل نجاح منذ ما ينيف عن قرن من الزمان.

حرية التعليم والدراسة:

     وتعتبر دارالعلوم/ديوبند أول مؤسسة تعليمية اخترعت مبدأ تحرير التعليم والدراسة في عهد الاستعمار البريطاني، وسعت سعيها للإبقاء على الحرية العقلية للأمة في العهد الذي كان يسوده العبودية السياسية في البلاد، ورغم أن هذا العمل كان على غاية من الصعوبة، إلا أن دارالعلوم/ ديوبند ذللت مسيرها بمباشرتها له، ولم تقبل دارالعلوم /ديوبند مساعدات الحكومة البريطانية رغم العروض المغرية منها ا لحكومة البريطانية- لها، فظلت متسمكة بالحرية من كثير من الشروط والقيود التي يجلبها بصورة عفوية قبولُ المساعدات الحكومية، ويقول بعض الناس: ما كان لدارالعلوم/ ديوبند أن تأبى قبول المساعدات السخية من الحكومة مادامت- الحكومة- مستعدة لتقديمها لها. وأن المساعدات المقدمة من الشعب المسلم-مهما كانت سخية- لم يكن لها أن تقوم في وجه المساعدات الحكومية، وربما لم ينظر هؤلاء إلى أنه كان من اللازم الحفاظ على حرية المدارس الإسلامية من تأثيرات الحكومة وتدخلها، فإن الحكومة ما لم تكن حكومة إسلامية بحتة- لاتخلو سياستها من المصالح والغش، وأما المدارس العربية ففي حاجة إلى تعليم يتمتع بالحرية الكاملة من الضغط غير الإسلامي، والتدخل الخارجي بشتى أنواعه وصوره، فلم تقبل دارالعلوم/ديوبند مساعدات من الحكومة حينًا من الدهر، وإنما تقوم بنشاطاتها ثقة بالله تعالى وهي ماضية في خدمتها للدين معتمدة على تبرعات الشعب المسلم، ولازالت محتفظة بتقاليدها ومكانتها السامية رغم العواصف الهوجاء المتعاقبة ليل نهار.

     ومن الشقاء الذي تتجرع كأسه أمتنا أن أصبح التعليم اليوم هدفه التوصل إلى وظيفة سامية تدر العيش الرغيد علينا، فكأن التعليم انقلب معناه رأسًا على عقب. فأصبح العلم يشكل سببًا من أسباب كسب العيش لا «العلم للعلم». مع أن شرف العلم يتطلب بطبعه أن يكون هدفه ساميًا. ولاشك أن العلوم الدنيوية لايتلقاها الناس إلا للرقي في الدنيا، ولكن إذا ما تم قصر هذا الهدف على المصالح الشخصية، ولا يوضع في عين الاعتبار إلا منفعة النفس، فإنه لايعدو حب الذات والنفعية. ومن إنكار عظمة العلم وقدره أن لا ينفق الإنسان هذا الثراء الغالي إلا فيما يخدم مصالح نفسه. ومن اللازم أن يكون الهدف من وراء تحصيل العلوم الدنيوية إثراء الأمة والرقي بها، ويقصد به الارتقاء بالأمة فضلًا عن نفسه.

     ويجعل طلاب المدارس العربية نصب أعينهم من تحصيل العلم وتلقيه ابتغاء مرضاة الله تعالى، و خدمة خلقه خدمةً رائعةً. فالطالب لايعتبر شيخه إلا شيخا وأستاذًا، ولايغيب عن باله ما ورثه عمن سلفه من مواصفات الطالب ومراتبه قديما، ويحترم الطالب أستاذه احترامه أباه وأمه، و يعتبر كل طالب خدمة الأستاذ والشيخ مدعاة لزيادة العلم والبركة فيه.

     ومن الجدير بالذكر والملاحظة من قصص التاريخ الإسلامي أن المدرسة النظامية حين أقيمت في بغداد، وتم إجراء الجرايات الغالية لأساتذتها وطلابها، وقامت الحكومة بتوفير جميع التسهيلات المعيشية، لم يلبث أن عقد علماء بخارى مآتم على زوال العلم، وأبدوا أسفهم على أنه لم يعد طلب العلم للعلم فقط، وإنما أصبح سببا لكسب الجاه والثروة. وغير خافٍ أن من لم يكن نصب عينيه هذا الهدف السامي من أهداف العلم، لم يكن له أن يتوجه -بدلا عن العلوم العصرية- إلى دارالعلوم/ ديوبند، التي لاتعدو شهادته «تقويما عتيقا» في نظر الحكومة واعتبارها.

     وذات مرة زار حاكم الولاية المتحدة السر/ جيمز مستن دارالعلوم/ديوبند، فسأل طالبا من الطلاب القادمين من الأماكن البعيدة قائلا: «ما الذي جاء بك من هذا المكان القاصي»؟

     فاندفع الطالب قائلا: «ما جاء بي إلا طلب العلم، لأعود إلى وطني وأخدم الدين في أمتي».

     ولايصعب عليك أن تقدر من خلال المنهج التعليمي المتبع في دارالعلوم أنه- المنهج التعليمي- يفوق كثيرًا الامتحانات الرسمية للألسنة الشرقية المعروفة بـ«المولوي» أو «الفاضل». فكان من الميسور على دارالعلوم/ ديوبند أن تطالب الحكومة باعتبار الشهادة الصادرة منها شهادة «المولوي» و «الفاضل». ولكنها أبت أن تتخذ من شهاداتها مطية ذلولا إلى نيل الوظائف الحكومية، وآثرت على ذلك أن تسعى لخلق الكفاءات والقدرات في طلابها مما يحمل الناس على القول بأنه هذا الطالب المتخرج منها والشهادة التي يحملها لهما أهمية وقيمة، وأن حاملها لايتوجه إلى خدمة شعبة من شعب الدين إلا قام بها على أحسن الوجوه. وراعى المنهج التعليمي المتبع في دارالعلوم/ديوبند أن يتصف الطالب بجانب الحفاظ على المثل الروحية والأخلاقية الإسلامية- بالتضلع من العلوم والفنون الإسلامية، والتمهر فيها حتى يستأهل للاضطلاع بأعباء قيادة الأمة بإخلاص بعد التخرج منها. ويقوم بدور هام في جهود التبليغ والدعوة إلى الإسلام. وتحاول دارالعلوم إقناع طلابها بأن تعليمهم ودراستهم لاتستهدف أصلا الإعداد والتهيؤ لنيل الشهادات أو شغل الوظائف الحكومية، وإنما هو تعليم ديني بحت. والأوضاع السياسية والجغرافية الهندية تتطلب تواجد فرقة من المسلمين تنشط في إعلاء كلمة الله تعالى و إحياء السنة النبوية بصورة دائمة. ونحمد الله تعالى على أن دارالعلوم موفقة في هدفها التعليمي هذا، فقد تخرج من هذه المؤسسة التعليمية الآلاف المؤلفة من العلماء والدعاة والمصنفين والقيادات، الذين لم يعرضوا عن هدف دارالعلوم هذا قط.

     يعتبر الحديث النبوي شارحًا لكتاب الله تعالى، ومصدرًا ثانيًا هامًّا للقوانين الإسلامية. وأكثرت دارالعلوم من خدمة العلوم الدينية والدنيوية، إلا أن العلم الذي احتل مكانةً بارزةً في خدمات دارالعلوم/ديوبند هو علم الحديث النبوي الشريف، فإن درس الحديث في دارالعلوم يجمع بين مبادئ وأصول الحديث: روايته ودرايته والتفقه فيه، فإنها تحاول تزويد الطلاب بشرح الحديث وتفاصيله الخاصة به بصورة لايصعب عليهم معها الجمع والتوفيق بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، وترجيح بعضها على بعض في مستقبل حياتهم. فيحتل درس الحديث في دارا لعلوم مكانة تميزها عن غيرها من المؤسسات الدينية. وهذا ما حمل المدارس الإسلامية الهندية كلها على الاحترام والتوقير لدارالحديث في دارالعلوم/ديوبند.

     وتعتبر دارالعلوم ديوبند مؤسسة تعليمية وحيدة في شبه القارة الهندية نظرًا إلى سعة نظامها التعليمي، وثباتها على اتباع السنة النبوية ورسوخها الكامل في العلوم والفنون كلها. وخاصة تدريس الحديث الشريف؛ فإنه يحمل أسلوبًا منفردًا بذاته. وهذا ما يميز دارالعلوم/ديوبند عن غيرها من المؤسسات التعليمية، فيجتمع في دارالحديث بها كل عام نحو ثلاث أو أربع مئة طالب(3) وافد من أكناف العالم كلها يريد دراسة الحديث الشريف، وعدد كبير من هؤلاء الطلاب ممن تخرج في الجامعات العربية الأخرى، ولايتوجهون إلى دارالعلوم /ديوبند إلا رغبةً في التزود بالدارسة العليا الخاصة في هذه الدار.

     هذا، وتشرف دارالعلوم/ديوبند على المدارس الدينية في الهند، وباكستان، وبورما، وبنغلا ديش، وأفغانستان وغيرها من البلاد، وما أكثر المدارس التي تتبع دارالعلوم/ديوبند في منهجها التعليمي ونظامها الداخلي.

     وتم تحرير دارالعلوم/ديوبند من المساعدات والتدخلات الحكومية. ونظام التربية والتعليم الذي نفذته الحكومة البريطانية على عهدها كان يسير على خط معاكس للأهداف والعقائد الإسلامية؛ بل كان ضارا للمسلمين لأقصى الحدود. ولو أن المسلمين اتبعوا هذا النظام الاستعماري لجَهِلَ الجيلُ الإسلامي الجديد الإسلام؛ بل يخشى معه أن يكون قد انحرف عن الإسلام وبغى عليه. وتفطن كبار علماء دار العلوم لهذه الفتنة، واستحدثوا نظام التعليم والتربية القديم لأجل الإبقاء على الحرية العقلية رغم معاناتهم العبودية السياسية. وذلك ليدخل المتخرجون في هذا المنهج التعليمي معترك الحياة بصفتهم رجالا مؤمنين بالله ورسوله.

*  *  *

الهوامش:

(1)

(2) لقد حظيت منطقة «دينور» من أمريكا بشهرة واسعة فيما يخص تعليم الكبار، يزعمون أن نشاطات تعليم الكبار في أوربا وأمريكا مبدأها من مدرسة «دينور» التي أسست عام 1916م.

(3) تضاعف عدد الطلاب في دورة الحديث في الأعوام الأخيرة أضعافا مضاعفة، فقد بلغ عددهم في السنة التعليمية الماضية نحو ثماني مئة وألف طالب.(المترجم)

*    *    *

إلى المحتويات

دراسات إسلاميـــــــة

نفحات هجرة رسولنا

 

بقلم:  الأستاذ أحمد البدوي

 

قبس من نور النبورة

     لقد خلّد الله سبحانه وتعالى ذكر سيدنا محمد ، إذ قال المؤذن عند كل صلاة: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله» فذو العرش محمود وهٰذا محمد، إنه النبي، محمد بن عبد الله ، حيث الكمال الخفي بالذروة التي لا تنال، والسمو الذي لا يسامى، أوفر الخلق عقلًا، وأسداهم رأيًا، وأصحهم فكرًا، أسخى القوم يدًا، وأنداهم راحة، وأجودهم نفسًا. أجود بالخير من الريح المرسلة، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، يبيت على الطوى وقد وهب الكثير، وجاد بالآلاف، لا يحبس شيئًا وينادي صاحبه: «أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرشِ إقلًالا». أرحب الناس صدرًا، وأوسعهم حلمًا، يحلم على من جهل عليه. ولا يزيد الجاهلين إلا أخذًا بالعفو وأمرا بالمعروف. يمسك بغرة النصر، وينادي أسراه في كرم وإباء: (اذهبوا فأنتم الطلقاء).

     أعظم البشر تواضعا: يخالط الفقير والمسكين والشاب والشيخ. ولا يتميز عن أصحابه بمظهر من مظاهر العظمة، ولا برسم من رسوم الظهور. ألين الناس عريكة، وأسهلهم طبعًا، وهو مع هذا أحزمهم عند الواجب، وأشدهم في الحق، وأقواهم في الشدائد والمحن. لا يغضب لنفسه، فإذا انتهكت حرمات الله تعالى لم يقم لغضبه شيء. أشجع الناس قلبًا، وأقواهم إرادة، يتلقى الصعاب بثبات وصبر. ويخوض الغمار وينادي بأعلى صوته: (أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب).

     أعف الناس لسانًا، وأوضحهم بيانا، يسوق الألفاظ مفصلة كالدرر، مشرقة كالنور، طاهر كالفضيلة في أسمى مراتب العفة، وصدق اللهجة. يقيم الحدود على أقرب الناس، ويقسم بالذي نفسه بيده: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها».

     آتى كل ذي حق حقه، فلربه حقه، ولدعوته حقها، ولزوجه حقها. أزهد الناس في المادة، وأبعدهم عن التعلق بالدنيا. يُطعم من يقدم إليه فلا يرد سائلًا. ينام على الحصير والأدم المحشو بالليف. أرفق الناس بالضعفاء وأعظمهم رحمة بالمساكين والبائسين، فقد شملت رحمته وعطفه الإنسان والحيوان، ويحذر أصحابه، فيقول: «إن امرأة دخلت النار؛ بسبب هرة حبستها فلاهي أطعمتها ولاهي تركتها تأكل من خشاش الأرض».

     لقد كان رسول الله الواسطة في حمل هداية السماء إلى الأرض، ذلك «قبس من نور النبوة، وشعاع من مشكاة الخلق المحمدي الطاهر». وسَلِ التاريخ ينبئك هل مر به عظيم أعظم من النبي محمد ، فقد عصم من النقائص، وعلا على الهفوات، وجل مقامه عن أن تلصق به هفوة.

تميز خاتم الأنبياء، وسيد المرسلين

     أجل، فهو محمد بن عبد الله ، وهو البشير النذير، وهو الصادق الأمين، الشفيع يوم العطش الأكبر، حيث لا شفيع لنبي إلا هو. صاحب العلم الكبير، أمته يوم الحشر العظيم شهداء على الناس، وهو شهيد عليهم. اصطفاه رب العالمين، واجتباه فخصه بالتكريم كما يقول الحق جلت قدرته: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.

     بالإضافة إلى تكريمه بعظمة ورفعة الذكر، كما يقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. كما آثر الله سبحانه وتعالى رسولنا من بين جميع رسله بالرسالة الخاتمة رسالة الإسلام، الذي يجب ما قبله. فرسول الله هو بحق (خاتم الأنبياء، وسيد المرسلين، ورسول رب العالمين).

     فصلوات الله وسلامه عليه، فقد اختص رب العالمين سبحانه وتعالى رسولنا بفضيلة النبوة، والرسالة، والخلة والمحبة، والشفاعة، والاصطفاء، والوسيلة، والإيثار، والإسراء والمعراج، والقرب، والفضيلة، والدرجة الرفيعة، والمقام المحمود، والبراق، والبعث إلى الأحمر والأسود، والصلاة بالأنبياء والأمم، وسيادة ولد آدم، ولواء الحمد، والبشارة والنذارة، والمكانة عند ذي العرش، والطاعة والأمانة، والهداية، ورحمة للعالمين، وإعطاء الرضا والسؤال، والكوثر، وسماع القول، وإتمام النعمة، والعفو عما تقدم وتأخر، وشرح الصدر، ووضع الوزر. وعزة النصر، ونزول السكينة، والتأييد بالملائكة، وإيتاء الكتاب والحكمة، والسبع المثاني، والقرآن الكريم، وتزكية الأمة، وصلاة الله تعالى وملائكته على رسولنا الكريم، والحكم بين الناس، بما أراد الله سبحانه وتعالى.

الهجرة

     الهجرة سنة من سنن الله تعالى ولكل حدث حديث، والحدث الذي يجب أن نتوقف أمامه وقفة تعقل وتدبر وتأمل هو «حدث الهجرة النبوية»، فالهجرة لها أبعادها ودلالاتها وانطلاقاتها، ولها قيمتها ومبادئها التي تتعلق بالمكان والزمان والإنسان. إذا نظرنا إلى بعض الانطلاقات التي نستلهم منها الدروس والعبر في تكوين أمتنا الإسلامية، وبناء حضارتنا، وتشكيل مجتمعنا، نجد أن «الهجرة» قد حولت حقيقة هذا العالم من فوضى إلى نظام، ومن جمود إلى حركة، ومن ضعف إلى قوة ومنعة، ومن ذل إلى عزة، ومن وهاد سحيقة إلى قمم شامخة. (فالهجرة في حد ذاتها سنة من سنن الله تعالى). فالكون كله مهاجر من السكون إلى الحركة، ومن انخفاض إلى ارتفاع.

     كل المخلوقات مهاجرة: فالطيور مهاجرة، والرياح مهاجرة، والمياه مهاجرة، «فالهجرة» فيها التجديد والتغيير والحركة والتكيف والاستمرارية والحيوية. وعندما ننظر إلى «هجرة رسولنا الكريم» محمد بن عبد الله نجد أن هجرته كانت من أجل تبليغ الدعوة، وإيجاد «مجتمع»له أهدافه السامية النبيلة، ومقاصده الكريمة. كما نجد أن «الجميع، بلا تفرقة، شارك في هذا الحدث العظيم: شباب وفتيات، ورجال ونساء».

قهر الصعاب والتحديات

     لم تكن الهجرة، ترك وطن ما، إلى وطن ظروفه أفضل، وأمواله أكثر. ولا كانت هروبًا وفرارًا من الأذى والتعذيب، وإنما جاءت امتثالًا للأمر الإلهي، فاستجاب المؤمنون، وتركوا ديارهم، وأموالهم، وأعمالهم، وذكرياتهم، وذهبوا إلى المصير المجهول، إلى حياة جديدة، لن تكون أنعم مما تركوا؛ بل هي أشق وأصعب، فيها حروب، وجهاد.

     ففي طريق هجرتهم، لاقى المسلمون الأوائل الصعاب، والتحديات، والجوع، واستخدمت قريش معهم أساليب متعددة؛ للحيلولة دون هذه الهجرة، فمن بين ما استعملته قريش: أسلوب التفريق بين الرجل وأهل بيته، كقصة «أبي سلمة». وأسلوب «التجريد من المال» الذي استخدموه مع صهيب الرومي. وأسلوب «الحبس». وشتى أساليب «التعذيب».

ما الذي يجب أن نتعلمه من الهجرة النبوية؟

     يجب أن نتعلم من الهجرة النبوية: الإدارة الجيدة، والتنظيم المتقن، والصحبة التي تتسم بالإيثار والتضحية. ولا ننس أن الهجرة يجب أن تعلمنا أيضًا: الانتماء وحب المكان، وهو ما يسمى «الوطن» أو «التراب». فنرى المهاجر الأعظم المخلص لبلده ومسقط رأسه ، نرى حبه واشتياقه، حينما يقف مودعًا «مكة» وعيناه تذرف دمعًا قائلًا ومخاطبًا الوطن الذي منحه الكثير والكثير في طفولته، وصباه، ورجولته، «مكة» مهبط الوحي، كل ذلك يسترجعه النبي قائلا: «والله لأنك أحب بلاد الله إلى الله، وأحب بلاد الله إلي، ولولا أن قومي أخرجوني منك، ما خرجت». لكن قانون العودة يأتي للرسول ، في فترة قصيرة، في اثناء خروجه من مكة المكرمة، فينزل عليه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾. مشفوعًا بقوله تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطٰــناً نَّصِيرًا﴾.

     وعبقرية (المكان) تجلى أيضًا، في «غار ثور» الذي تحول من غار ضيق وكهف إلى مكان متسع فيه النور، والطمأنينة، وفيه حماية الله جلت قدرته، للنبي ، وصاحبه، أبي بكر الصديق رضي الله عنه. فمن هذا المكان خرجت الهجرة بالنبي وصاحبه: إلى عالم أرحب وأفسح، وأكثر اتساعًا؛ ليصبح المسلمون الآن، وبعد 14 قرنا يزيد عددهم عن (مليار وثلث مليار مسلم).

     لذا يجب علينا جميعًا أن نهجر المعصية إلى الطاعة، ومن الرضوخ والاستكانة إلى القوة، ومن التخلف والتقهقر والتراجع إلى التقدم والرقي. وهذه هي الهجرة التي يحتاجها مجتمعنا الإسلامي اليوم.

     اللهم اجمع كلمة المسلمين، واجمع شملهم، وانصرهم على أعدائهم.

*    *    *

إلى المحتويات

دراسات إسلاميـــــــة

التوازن والاعتدال ظاهرة كونية وحقيقة شرعية

 

                                                                  بقلم:  الأستاذ عبد الله بن إبراهيم الطريقي

 

     يقول سبحانه في التوازن الكوني: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفٰــوُتٍ﴾ [الملك:3].

     وأما التوازن الشرعي، أي في أحكام الله وتشريعاته، فيقول الحق تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَٰطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام:153].

     ومن لوازم الاستقامة: التوازن.

     ودين الإسلام دين وسط معتدل في كل أحكامه وتشريعاته: العقدية، والعبادية، والخلقية، والمعاملات، والعلاقات.

     ففي الحديث: «إن لربك عليك حقًا، ولنفسك عليك حقًا، ولأهلك عليك حقًا، فأعط كل ذي حق حقه»(1).

     ونجد الإسلام يحث على التزام المنهج الوسط المتزن في أدلة كثيرة عامة وخاصة.

     فمن النصوص العامة الداعية إلى التوسط:

     قوله تعالى: ﴿قُلْ يٰـأَهْلَ الْكِتٰبِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة:77].

     وقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم هديًا قاصدًا، عليكم هديا قاصدًا، عليكم هديًا قاصدًا»(2) أي طريقا معتدلًا.

     وقوله: «السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزء من أربعة وعشرين جزءًا من النبوة»(3).

     ومدحت الأمة المسلمة بالوسطية، فقال عز من قائل: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنٰـكُمْ أُمَّةً وَّسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة:143].

     ومن النصوص الخاصة بموضوع البحث:

     ما جاء في الحث على الاقتصاد في المعيشة.

     كحديث: «ما عال من اقتصد»(4).

     أي ما افتقر من أنفق قصدًا ولم يتجاوز إلى الإسراف، أو ما جار ولا جاوز الحد(5).

     وحديث: «من فقه الرجل رفقه في معيشته»(6).

     ما جاء في النهي عن الإسراف في النفقة: ﴿وَالَّذِينَ إِذَآ أَنْفَقُوْا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان:67] .

     وحديث: «كلوا واشربوا وتصدقوا ما لم يخالطه إسراف ولا مخيلة»(7).

     ما جاء في النهي عن الإسراف في الأكل والشرب...

     ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف:31].

     ما جاء في النهي عن الإسراف في استعمال الماء.

     كحديث: «لا تسرف وإن كنت على نهر جار»(8).

     ما جاء في النهي عن إضاعة المال.

     كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوٰلَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيٰــــمًا﴾ [النساء:5]

     وقوله : «... وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال»(9).

     كل ذلك ونظائره يؤكد حقيقة (وسطية الإسلام واعتداله وتوازنه في كل أحكامه وتشريعاته).

     وبذلك تستقيم حياة الإنسان الطبيعية والتكليفية، فلا تضطرب ولا تصاب بالكلل والملل!!. فالمقصود من الطاعات هو استقامة النفس ودفع اعوجاجها لا الإحصاء فإنه متعذر!!(10).

     وذلك ما يتلاءم مع العقول المستقيمة.

     يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

     «خير الأمة النمط الأوسط، يرجع إليهم الغالي ويلحق بهم التالي»(11).

     ويقول أبو الدرداء رضي الله عنه (ت 32 هـ): «حسن التقدير في المعيشة أفضل من نصف الكسب»(12).

     وقد جاء في أمثال العرب: «لا تكن حلوا فتسترط ولا مرًا فتلفظ»(13) وقولهم: «خير الأمور أوساطها»(14).

     وفي هذا المعنى يقول الشاعر:

ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد

كلا طرفي قصد الأمور ذميم

     ويقول الآخر:

كن في أمورك كلها متوسطا

عدلا بلا نقص ولا رجحان

     نعم، إن الإسلام دين التوازن والوسطية، ودين الاعتدال والاستقامة، وذلك ما يتفق مع الفطرة السليمة والعقل الصحيح، فإن أخذ الإنسان بهذا المنهج استقام أوده، وانتظمت حياته.

     وإن عدل عنه يمنة أو يسرة عصفت به الأهواء في كل واد، واختل - من ثم - نظام حياته.

     والمال - وهو عصب الحياة وقوام الأبدان- لابد أن يتعامل معه الإنسان بالمنهج نفسه دون إفراط أو تفريط ولا إسراف ولا تقتير، ليكون مصدر سعادة للإنسان، ووسيلة خير للوصول إلى الغايات والأهداف النبيلة، فإن هو حاد عنه صار المال عليه وبالًا وبيلًا(15).

     إذا عرف ذلك فإن اكتساب الحلال الطيب وإنفاقه في المباحات بطريقة معتدلة أمر جائز لا غبار عليه؛ بل إن التوسع في ذلك مما يجوز شرعًا ما لم يصل إلى حد السرف، لما رواه عبدالله بن مسعود رضي الله عنه عن النبي أنه قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة، قال: إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس»(16).

     وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه (ت23هـ): «إذا وسّع عليكم فأوسعوا»(17) وقد كان كثير من السلف على هذا المنهج، ولم يتحرجوا إلا عن الشبهات.

*  *  *

الهوامش:

(1) رواه البخاري في صحيحه، ك: الصوم - الباب 51. وهو من كلام سلمان الفارسي وصدقه الرسول .

(2) رواه الإمام أحمد في المسند: 5/350، والحاكم: 1/312، وصححه وأقره الذهبي. قال الهيثمي: ورجال أحمد موثقون (مجمع الزوائد 1/62) .

(3) رواه الترمذي في سننه، ك: البر والصلة - الباب 66، وقال: حديث حسن غريب.

(4) رواه الإمام أحمد في المسند: 1/447. وقد ضعف الشيخ أحمد شاكر سنده (انظر: المسند بتحقيقه 6/134، دارالمعارف بمصر) .

(5) انظر: فيض القدير شرح الجامع الصغير للمناوي 5/550.

(6) رواه الإمام أحمد في المسند: 5/194. قال المناوي في فيض القدير 6/20: وسنده لا بأس به.

(7) رواه الإمام أحمد في المسند: 2/181. قال المنذري في الترغيب والترهيب: 3/142: ورواته ثقات يحتج بهم في الصحيح.

(8) رواه الإمام أحمد في المسند: 2/221 وابن ماجه في السنن، ك: الطهارة - الباب 48، وفيه ضعف (ينظر: مشكاة المصابيح: ح/427 الحاشية رقم (3) .

(9) رواه البخاري في صحيحه من حديث المغيرة بن شعبة، ك: الاستقراض - الباب 19.

(10) حجة الله البالغة للدهلوي 2/54 راجعه محمد شريف سكر. دار إحياء العلوم/بيروت.

(11) عيون الأخبار - لابن قتيبة - المجلد الأول 3/326.

(12) المرجع نفسه ص331.

(13) المرجع نفسه: 328.

(14) مجتمع الأمثال للميداني: 1/430

(15) ينظر في هذا: السياسة الاقتصادية الإسلامية لترشيد الاستهلاك الفردي للسلع والخدمات. للدكتور بيلي إبراهيم العليمي - بحث في مجلة البحوث الفقهية المعاصرة. العدد 24 – رجب، شعبان، رمضان 1415هـ - ص179 فما بعدها.

(16) رواه مسلم في صحيحه، ك: الإيمان - ح / 147.

(17) رواه البخاري في صحيحه، ك: الصلاة - الباب 9.

 

*    *    *

إلى المحتويات

دراسات إسلاميـــــــة

المهاجَمَةُ العدوانيّةُ المخطَّطةُ لاغتيال شيخ الإسلام المفتي/محمد تقي العثماني

وفشلُها بقدرة الله العزيز المقتدر

 

بقلم:  الأستاذ عبد الرؤوف خان الغزنوي الأفغاني القاسمي(*)

 

     في يوم الجمعة 14/7/1440هـ = 22/3/2019م بعد صلاة الجمعة اتصل بي هاتفيًّا ابني/محمود الغزنوي بصوتٍ مُدهِشٍ قائلًا بعد تحيّة الإسلام: هل علمتم بوقوع حادثة اليوم الأليمة؟ قلت: لاعلمَ لي بأيّة حادثة جديدة، وأرجو اللهَ العافية! أخبِرني ما الحادثة؟ قال: تعرّضَتْ سيّارةُ شيخ الإسلام المفتي/محمد تقي العثماني لإطلاق الرصاصات عليها من كل جانب من قِبَل أعداء الدين المجهولين قبل صلاة الجمعة وهو ذاهب كالمعتاد لأداء صلاة الجمعة في «جامع بيت المكرّم» بكلشن إقبال، ولكن أُبَشِّرك بأن الشيخ بقي بإذن الله تعالىٰ سالمًا تمامًا لم يُصَبْ بأيّ جُرح عاديّ ولاباحتكاكٍ بسيط!.

     فالخبر وإن كان موحِشًا ومُؤلِمًا وحامِلًا على أن أقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون»، ولكن كان مع ذلك دافعًا إلى أن أقول: الحمد لله الذي نجّٰى بفضله وكرمه وقدرته شيخَ الإسلام من إصابته بأيّ أَلَم أو جُرح، وإلى أن أقول: ﴿إِنَّ اللهَ يُدٰفِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [الحج:38].

     بعد هذا الخبر المفاجئ المُقْلِق اتصلتُ أوّلًا بخادم الشيخ وتلميذه الوفيّ وحبيبي في الله، فضيلة الأخ الشيخ/شاكر صدّيق حفظه الله- لمعرفة حقيقة الخبر! فأخبَرَني قبل كل شيء بأن سماحة الشيخ ومن كان معه في السيارة من حَرَمه الكريمة، وحفيدته ذات سبع سنوات، وحفيده ذي خمس سنوات كلّهم سالمون، إلاّ أنه قد استُشْهِد حارسُه الأخ/ فاروق الذي كان معه في سيّارته، وحارسُه الأخ/صنوبرخان الذي كان في السيّارة الأخرى التي كانت تسير خلف سيّارة سماحة الشيخ، كما أُصِيبَ سائقا كِلْتَي السيّارتَين بجروح، أحدهما: الأخ/حبيب الذي كان يسوق سيّارة سماحة الشيخ، وهو في المستشفىٰ وحالته مأمونةٌ بإذن الله، والآخر: الأخ/عامر شهاب الذي كان يسوق السيّارة الخلفيّة، وهو أيضا في المستشفىٰ، وحالته مُقْلِقةٌ (وقد تُوُفّي الأخ/عامر شهاب بعد وقوع الحادثة بثلاثة عشر يوما في 27/7/1440هـ، رحمه الله رحمةً واسعةً ورزق ذويه الصبرَ والسُّلوانَ).

     ثم اتصلتُ هاتفيًّا بعد دقائق بسماحة الشيخ نفسه على رقمه الخاصّ الذي كان قد تكرَّم عليَّ من قبلُ بإعطائه إيَّايَ؛ لكي أسمَعَ صوتَه فيطمئنَّ قلبي، وكنتُ قد قرّرتُ في نفسي أن سماحة الشيخ قد يكون قَلِقًا ومنشغِلًا جدًّا في هذا الوقت، فإن لم يردّ عليّ إلى ثلاثة رنيناتٍ فسوف أقطع اتصالي حتى لا أُزْعِجَه! ولكن الشيخ قد ردّ عليَّ بعد الرنين الأوّل مباشرةً، وبادرني إلىٰ تحيّة الإسلام بصوت هادئٍ مطمئنٍّ لاقلقَ فيه ولا اضطرابَ، وأخبَرَني عن صحته وعافيته شاكرًا للهِ عزَّ وجلَّ- على سلامته وسلامتة أفراد أسرته تمامًا، وداعيًا لمغفرة حارسَيْه الشهيدَيْن ولِصحّة السائقَيْن المصابَيْن بجروح.

     انتشر نَبَأ المهاجَمَة على سماحة الشيخ المفتي/محمد تقي العثماني داخل باكستان وخارجها في مجتمع المسلمين بشكل عامّ وفي الأوساط العلميّة بشكل خاصّ بصفة عاجلة عن طريق وسائل الإعلام الإلكترونيّة الجديدة، وبدأ سُكّانُ مدينة كراتشي من العلماءِ، والطلاّبِ، ومسؤولي المدارس الإسلاميّة (ومنهم مسؤولو جامعة العلوم الإسلاميّة علاّمه بنوري تاؤن)، وعامّةِ المسلمين المحبّين للشيخ، والمسؤولين الحكوميّين، وأصحابِ وسائل الإعلام المتنوّعة يتّجهون إلى «جامعة دار العلوم كراتشي» لِـزيارة الشيخ، ومعرفة حقيقة الخبر، وتهنئته على حفظ الله سبحانه إيّاه وأفرادَ أسرته، وتعزيته على شهادة حارسَيْه. كما اتصل به هاتفيًّا كبارُ المسؤلين الحكوميّين من «إسلام آباد» وغيرها من المدن الباكستانيّة، وأصحابُ العلم والفكر والثقافة الدينية من أماكنَ كثيرة في باكستان وخارجها، كلهم يُعبّرون عن عواطفَ ذات جهتَين، جهةِ إبداء الأسَف والحزن على هذه المهاجمة العدوانية الغاشمة، وجهةِ إظهار السرور والشكر على حفظ الله تعالىٰ إيّاه من شرّها.

رسائلُ علماء العالَم الإسلامي ومثقَّفيه وردودُ فعلهم على هذا الحادث المُفْجِع

     أظهر علماء العالَم الإسلامي ومثقَّفوه ردودَ فعلهم على هذا الحادث الأليم، وأرسلوا رسائلَ التعاطف والمواساة إلى سماحة الشيخ المفتي/محمد تقي العثماني، وأظهروا فيها أسَفَهم الشديد على هذه المحاولة العمياء، واستنكارَهم لهذه العَمَليّة الإجراميّة الدنيئة، وأبدوا تحالفَهم مع الشيخ ومودَّتَهم المخلصة له، ودعوا اللهَ العليّ القدير أن يحفظه من شرور أعداء الدين ومكايدهم، وأن يوفّقه لخدمة الإسلام والمسلمين، ولتوعية طلّاب العلم توعيةً إسلاميةً إلىٰ وقت مديد مع الصحة والعافية المستمرّتَيْن. ولا أستطيع في هٰذه الكلمة المتواضعة القصيرة إحاطةَ أسماء جميع من أرسلوا رسائل ودّيّة إلى سماحة الشيخ، كما لاتتيسّر لي إعادةُ نصوص تلك الرسائل! إلاّ أنني أذكر أسماء بعض أهل العلم ورجال الفكر والثقافة الإسلامية من باكستان على سبيل الأنموذج:

     فمنهم فضيلة الشيخ/صالح بن حُمَيد إمام الحرم المكيّ، وفضيلة الشيخ المفتي/أبوالقاسم النعماني رئيس الجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند- الهند، وسماحة الشيخ المفتي/سعيد أحمد البالنبوري رئيس هيئة التدريس بها، وفضيلة الشيخ/عبدالخالق المدراسيّ نائب رئيس تلك الجامعة، وفضيلة الشيخ الكاتب الإسلامي الشهير/نورعالم خليل الأميني أستاذ الأدب العربي ومدير مجلّة «الداعي» العربيّة التي تصدر عن تلك الجامعة الغرّاء، وفضيلة الشيخ الدكتور/عبد السلام العبادي أمين مجمع الفقه الإسلامي في جدّة، والأستاذ/عاطف أحمد عبد الملك من البحرين، والشيخ/علي زين العابدين بن عبد الرحمان الجفري من أبوظبي، والأستاذ الدكتور /علي أرباش رئيس الشؤون الدينية في تركيا، وسموّ الأمير/غازي بن محمد من المملكة الأردنيّة الهاشميّة، والشيخ/عادل اليماني من القطر، والشيخ/هادي النحوي من موريتانيا، وفضيلة الشيخ/عبد الحميد رئيس دارالعلوم زاهدان في إيران، وفضيلة الشيخ/شبّير أحمد سالوجي رئيس دارالعلوم زكريّا في جنوب أفريقيا، والشيخ/محمد سلمان المنصور بوري (سِبط شيخ الإسلام السيد/ حسين أحمد المدني) المفتي في جامعة شاهي مراد آباد- الهند، وفضيلة الشيخ/ محمد سفيان القاسمي رئيس دارالعلوم (وقف) في ديوبند-الهند، والشيخ/ محمد سليم رئيس أكاديمية الدعوة الإسلامية في بريطانيا، والدكتور/محمد عبد الرحمان الصدّيقي رئيس المركز الإسلامي العالَمي في اليابان، وغيرهم من أهل العلم والفكر والثقافة الإسلامية حفظهم الله ورعاهم-.

     هٰذه المحبّة الخالصة التي ألقاها الله سبحانه وتعالىٰ في قلوب عامّة المسلمين وخاصّتهم من شتى أنحاء المعمورة نحوَ شيخ الإسلام المفتي/محمد تقي العثماني تُذَكّرنا بقول الله عزّ وجلّ-: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّٰـلِحٰتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (مريم:96)، كما تُذَكّرنا بحديث النبي - الآتي:

     «عن أبي هريرة رضي الله عنه- عن النبي - قال: إذا أحبّ الله العبدَ نادىٰ جبرئيلَ أن الله يحبّ فلانًا فأَحبِبْه، فيحبّه جبرئيلُ، فينادي جبرئيلُ في أهل السماء أن الله يحبّ فلانًا فأحِبّوه، فيحبّه أهلُ السماء، ثم يُوضَع له القبولُ في الأرض» (رواه الإمام البخاري في كتاب الأدب من صحيحه:2/892).

إيضاح هذه الحادثة الفاجعة بإيجاز

     من نشاطات شيخ الإسلام المفتي/محمد تقي العثماني الدينية والدعوية المستمرّة أنه إذا كان متواجدًا في مدينة كراتشي يومَ الجمعة يقوم بإلقاء محاضرة إصلاحيّة قبل صلاة الجمعة باللغة المحليّة (الأردو) ثم بإلقاء خطبة الجمعة وبإمامة صلاتها في «جامع بيت المكرّم» في كلشن إقبال-كراتشي، فيخرج يوم الجمعة من منزله الواقع في ساحة «جامعة دارالعلوم كراتشي» قبل بدء المحاضرة بنحو نصف ساعة متجهًا إلى «جامع بيت المكرّم» الذي يستغرق الذهابُ إليه بالسيارة من «دارالعلوم كراتشي» نحوَ نصف ساعة.

     فوفقًا لما سمعناه مباشرةً من سماحته بنفسه ومن خادمه الخاصّ الأخ الشيخ/شاكر صدّيق، وقرأناه في مجلّة «البلاغ» الشهرية التي تصدر عن «جامعة دارالعلوم كراتشي» باللغة الأردية (عدد شهر شعبان عام 1440هـ) أن فضيلته خرج يومَ الجمعة في 14/7/1440هـ= 22/3/2019م طِبقَ البرنامج المنسّق في سيّارته مصطحبًا معه سائقَ السيارة الأخ/حبيب، وحارسَه الحكومي الأخ/فاروق الذي جلس في المقعد الأمامي بجنب السائق، وجلس الشيخ في المقعد الخلفي ومعه حَرَمُه الكريمة وحفيدته وحفيداه الصغيران، وكانت تسير خلف سيّارة الشيخ لحراسته سيارةٌ أخرىٰ فيها حارسُ «جامعة دارالعلوم كراتشي» الأخ/صنوبرخان، وسائقُ السيّارة الأخ/عامر شهاب، فلما وصلت السيّارتان إلى «نيباشورنغي» (دوّارنيبا) هاجم عليهما رُكّابُ ثلاثِ درّاجات ناريّة (إنْ هم إلاّ كالذئاب؛ بل هم أضلّ سبيلًا) بإطلاق الرصاصات عليهما من كل جانب، وقد أدّت هٰذه المهاجمةُ إلىٰ استشهاد الحارسَيْن وإلىٰ إصابة السائقَيْن بجروح، فأما سائق السيّارة الخلفية فقد عجز عن سوقها، وأما سائقُ سيّارة الشيخ الأخُ الوفيُّ المغوار/حبيب أحبّه الله- فقد أصيب بجروح في يده اليمنىٰ ولٰكنّه مع ذلك واصَلَ سَوْقَ السيارة، فلما رأىٰ المهاجِمون أن السيارة لازالت تسير، هاجموا عليها مرّة أخرى بإطلاق الرصاصات عليها من جوانبها المختلفة؛ ولكن السائق أسرعَ يسوق السيارة بيده اليسرىٰ ويدُه اليمنىٰ متعطِّلةٌ ومتلطِّخةٌ بالدم- حتى أوصلها إلى «مستشفىٰ لياقت».

     من عادة الشيخ المستمرّة أنه يهتمّ باغتنام كل لمحة من لَمَحات حياته، فلا يضيعها فيما لاينفع، ولايجلس بدون شغل نافع، فهو إما أن يكتب، أو يقرأ في كتاب، أو يتلو كتابَ الله أو يذكر اللهَ عزّوجلّ- وسواء أكان في مكتبه أو في السيّارة أو القطار أو الطائرة أو في قاعة الانتظار تجده منشغلا بأمر ينفعه أو ينفع الآخرين؛ فإنه لايعرف التعطُّلَ ولاينسجم مع الكَسَل! فوفقا للعادة كان الشيخ عند هٰذه المهاجمة العمياء مشغولًا في سيّارته بتلاوة سورة الكهف من كتاب الله تعالىٰ والمصحف في يديه، وكانت حَرَمُه الكريمة مشغولة بتلاوة سورة يٰسين والمصحف في يَدَيها، وكانت تتلو آيةَ ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنٰــهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (يٰسين:9) إذ بُدئت المهاجَمة من كل جانب! فمن عجيب صنع الله تعالىٰ وصيانته أن الرصاصات كانت تنطلق وتمرّ من كل جانب من جوانب الشيخ وأسرته، وأصبحت السيّارة من جميع جوانبها مثقوبةً، ولكن سماحة الشيخ وأفراد أسرته بقواسالمين تمامًا لم تمسّهم رصاصةٌ واحدةٌ!.

     وصدق الله سبحانه وتعالىٰ إذ قال: ﴿إِنَّ اللهَ يُدٰفِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ (الحجّ:38)، وصدق إذ ذكر في كتابه قصّةَ يونس عليه السلام وهو في بطن الحوت يدعو ربّه قائلًا: ﴿لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَـٰـنَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّٰــلِمِينَ﴾ (الأنبياء:87)، فذكر تخليصه إياه من الغمّ، وأردف ذلك بقوله عزّ وجلّ- الشامل: ﴿وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأنبياء:88).

ما الجهة التي تقف وراء هذه المحاولة؟

     إن هٰذه المهاجَمَة العمياء ليست مهاجَمَة أولىٰ على أهل العلم والمشايخ العظام في باكستان، فقد اغتيل قبل أشهرٍ قليلةٍ العالمُ الكبير فضيلةُ الشيخ/ سميع الحق رئيس الجامعة الحقانية- أكورا ختك، وفي السنوات الماضية اغتيل سماحةُ الشيخ الدكتور/ محمد حبيب الله مختار رئيس جامعة العلوم الإسلامية علاّمه بنوري تاؤن- كراتشي، وعددٌ من مشايخها الكبار واحدًا إثر واحد أمثال فضيلة الشيخ/عبد السميع، وسماحة الشيخ الداعية/محمد يوسف اللُّديانوي، وفضيلة الشيخ الدكتور المفتي/ نظام الدين الشامزئي، وفضيلة الشيخ المفتي/ عبدالمجيد دين بوري، وفضيلة الشيخ/سعيد أحمد الجلال بوري وغيرهم من العلماء، ولم يتمّ القبض حتى كتابة هذه السطور على المجرمين، ولم تتّضح الجهةُ التي تقف وراء هذه الاغتيالات! فيجب على السلطات الأمنيّة الباكستانية أن تشعر بالمسؤولية، وتوفّر الأمنَ والاستقرارَ لِلعلماء ولِسكّان هذا البلد الذي أُسِّس باسم الإسلام، ومتابعة المجرمين ومن يقف وراءهم، وأن لاتخاف إلا الله الواحد القهار، إنه على كل شيء قدير.

*    *    *

إلى المحتويات

دراسات إسلاميـــــــة

الوحي – حقيقته وأنواعه

 

بقلم:  الأستاذ أسعد قاسم السنبهلي القاسمي(*)

 

     لا یخفی على من له عناية بالدراسة الإسلامية   أن الوحي مصدر، وینبوع وحید، انفجرت منه العلوم والمعارف، التي لها بالله ورسوله صلة، و تهدي النوع البشري إلى الصراط المستقیم؛ فإنه لغة - كما قال الإمام الراغب الأصفهاني-: الإشارة السریعة، لتَضمُّنِ السرعة قیل: أمر وحي، و ذلك یكون بالكلام على سبیل الرمز والتعریض، وقد یكون بصوت مجرد عن التركیب، وبإشارة ببعض الجوارح و بالكتابة(1) قال الشاعر الجاهلي:

نظرتُ إ ليها نظرة فتحیرتْ
دقائقُ فكري في بدیع صفاتها
فأوحی إليها الطرفُ أني أحبها
فأثر ذاك الوحيُ في وجناتها(2)

     وبهذا المعنی ورد في الكتاب المعجز الخالد في شأن سیدنا زكریا عليه السلام ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾(3) كما استعمله القرآن الكریم بمعنی الإلهام في قصة النحل، وأم موسی عليه الصلاة والسلام ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾(4) ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾(5) والشواهد لهذا المعنى اللغوي كثيرة في الكتاب والسنة وفي كلام العرب.

     وأ ما معناه شرعًا فقد أشار إليه العلامة بدر الدین العیني رحمه الله قائلًا: «هوكلام الله المنزل على نبي من أنبیائه»(6). و یقول المفسر الأصولي المصري الشیخ عبد العظیم الزرقاني رحمه الله شارحًا ما قاله العیني: «معناه في لسان الشرع أن یعلم الله تعالى من اصطفاه من عباده كل ما أراد  اطلاعه عليه من ألوان الهداية و العلم؛ ولكن بطریقة سرية خفية غیر معتادة للبشر»(7).

     ومعلوم أن الله - سبحانه و تعالى خالق السماوات والأرض، و رب العرش العظیم- فلا یتجلى نوره بغیر حجاب، و لا یتكلم مع الملائكة و الناس إلا عن طریق الوحي  كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾(8) فالوحي وسیلة معنوية لا یدركها إلامن اصطفاه الله - سبحانه و تعالى- من الأنبیاء والرسل، الذین بعثوا في مختلف القرون والأعصار لحمل أعباء النبوة والرسالة، و تبلىغ الدعوة إلى كافة الشعوب والأمم.

     وقبل نزول  الوحي على الأنبیاء والرسل ینزله الله سبحانه و تعالى على سید الملائكة المقربین جبریل عليه الصلاة و السلام، فما شأنه عند نزوله من عُلا العرش إلى  السماوات؟ وكیف یشعر به الملائكة؟ وكيف یتلقاه جبریل؟ هاهي أسئلة مهمة، رد عليها مفصلا ما أخرجه الإمام  الطبراني عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «إذا أراد الله أن یوحي بالأمر تكلم بالوحي، فأخذت السماوات منه رجفة أوقال: رعدة جدیدة خوفًا من الله عز وجل، فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا، وخروا لله سجدا، فیكون أول من یرفع رأسه جبریل، فیكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم یمر جبریل على الملائكة، كلما مر بسماء سأله ملائكتها: ما ذا قال ربنا یا جبریل؟ فیقول جبریل: قال الحق وهو العلي الكبیر. فیقولون كلهم مثل ما قال جبریل، فینتهي جبریل  بالوحي إلى حیث أمر الله عز وجل»(9) أي ینزل على الأنبیاء بما كلفه الله كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرٰهِيمَ وَإِسْمٰعِيلَ وَإِسْحٰـقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهٰـرُونَ وَسُلَيْمٰنَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾(10).

     ینقسم الوحي أصالة عند الأئمة إلى نوعین أحدهما: الذي لا وساطة فيه بین الله و رسوله، وله  أیضا قسمان: الأول: كلام الله، و ذلك صوت یختلف كلىا عن أصوات الدنیا، فلا یدركه إلا النبي الذي یتكلم مع الله بكل مافيه من فرح وسرور، و معرفة ومعانٍ، و لذة وتأثیر، تحقق ذلك لسیدنا موسی عليه الصلاة والسلام كما جاء في القرآن الكریم ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾(11) و أما نبینا محمد فقد ثبت له التكلم على الأصح بالأحادیث التي تسرد كل ما وقع في لىلة الإسراء والمعراج(12) وهذا القسم أرفع مكانة من جمیع أنواع  الوحي كما أشار إليه الإمام ابن القیم رحمه الله في كتابه الشهیر «زاد المعاد»(13).

     والقسم الثاني ما یلقي الله - سبحانه و تعالى  مباشرة في قلوب الأنبیاء عن طریق المنام، ویدل على ذلك قصة سیدنا إبراهیم عليه الصلاة والسلام مع ابنه إسماعیل كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى؟ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾(14) و في شأن الرسول -- أخرج الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: أول ما بدأ به الرؤیا الصالحة في النوم، فكان لا یری رؤیا إلا جاءت مثل فلق الصبح، وقد عد في هذا القسم فضیلة المفتي محمد تقي العثماني قصة السحر، التي رواها الإمام  البخاري رحمه الله عن عائشة في حدیث طویل- أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي، فقال أحدهما لصاحبه: ماوجع الرجل؟ فقال: مطبوب. قال: من طبه؟ قال: لبید بن الأعصم. قال: في أي شيء؟ قال: في مشط ومشاطة، وجف طلع نخلة ذكر. قال: وأین هو؟ قال: في بئر ذروان، فأتاها رسول الله في ناس من أصحابه، إلى آخر الحدیث وذلك كله في المنام، وله أمثلة أخری في أحادیث النبي ، لكن الأئمة والمفسرین صرحوا بأن ذلك القسم یتواجد فقط في الحدیث ولىس شيء منه في القرآن الكریم؛ لأنه نزل كله في الىقظة لا في المنام.

     هذا، و للوحي نوع آخر، وهو أن یكون فيه الوساطة بین الله ورسوله لسید الملائكة المقربین، جبریل الأمین، یشمل ذلك أیضا أنواعا عدیدة أخری، أولها: ظهور جبریل بالوحي لسیدنا محمد في صورته الأصیلة التي خلقه الله عليها، ویوحي إليه بما أمر، قال الأئمة الأعلام: لم یتحقق ذلك إلا ثلاث مرات في حیاته، مرة في لىلة الإ سراء كما أخرج الإمام  مسلم عن مسروق قال: قلت لعائشة: فأین قوله تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ قالت: إنما ذلك جبریل عليه السلام كان یأتيه في صورة الرجال وإنه أتاه في هذه المرة في صورته التي هي صورته، فسد أفق السماء(17) وعن زربن حبیش قال أخبرني ابن مسعود ؓ أن النبي رآی جبریل عليه السلام له ست مئة جناح(18) وثانیا رآه النبي -- في صورته الأصیلة بنهاية فترة الوحي كما روی الإمام  مسلم عن عائشة رضي الله عنها فقالت: «إنما هو جبریل لم أره على صورته التي خلق عليها غیر هاتين المرتین، رأیته منهبطا من السماء سادا عُظم خلقه بین السماء إلى  الأرض»(19) كما رآه ثالثا في أجیاد حيٍّ من أحیاء البلد الأمین - لكن الأولى والثانية ثابتتان بالأحادیث القوية وأما الثالثة فهي ضعیفة عند الأئمة والمحدثین.

     والنوع الثاني: ما أخرجه الإمام البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن الحارث بن هشام سأل رسول الله فقال: یا رسول الله! كیف یأتیك الوحي؟ قال رسول الله : «أحیانا یأتیني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده علي، فیفصم عني وقد وعیت عنه ما قال، وأحیانا یتمثل لي الملك رجلا فیكلمني فأعي مایقول(20) فذلك مثل صلصلة الجرس لكن ماذاأرادبه النبي ؟ وماهي حقیقتها؟ أجاب العلامة أنور شاه الكشمیري رحمه الله قائلا: ووجه الشبه ههنا تدارك الصوت بدون مبدأ ومقطع، فكما أن صوت الوحي یكون بسیطا بدون مبدأ ومقطع، وهذا بخلاف أصوات البشر فإ نه ینطوي على مبادیٔ ومقاطع، فهذا هو وجه الشبه، وما ألطف ما قال الشیخ الأكبر: إن صوت البارئ جل ذكره یُسمع من كل جهة، ولا تتعین له جهة، وصوت الصلصلة أیضا كذلك، فوجه الشبه حینئذ مجیئه من جمیع الجوانب ومن جمیع الجهات(21) وكان ذلك أشد عليه من أنواع الوحي الأخری كما روی الإمام  أحمد بن حنبل في مسنده عن عبدالله بن عمروؓ قال: سألت النبي فقلت: یارسول الله هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله : نعم أسمع صلاصل، ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة یوحی إلي  إلاظننت أن نفسي تُقبض(22) وفي حدیث البخاري قالت عائشة رضي الله عنها: ولقد رأیته ینزل عليه الوحي في الىوم الشدید البرد، فیفصم عنه، وإن جبینه لىتفصد عرقا(23) وأخرج الحاكم من حدیث عائشة رضي الله عنها أن النبي -- كان إذا اُوحي إليه وهو على ناقته وضعت جرانها، فلم تستطع أن تتحرك(24) وفي حدیث الإفك قالت عائشة رضي الله عنها: فأخذه ماكان یأخذه من البرحاء عند الوحي حتی إنه لىتحدر منه مثل الجمان من العرق في الىوم الشتائي من ثقل القول الذي أنزل عليه(25) وأخرج  الإمام  البخاري عن زید بن ثابت في حدیث طویل قال: فأنزل الله على رسوله وفخذه على فخذي فثقلت علي حتی خفت أن ترُضَّ فخذي ثم سُرِّي عنه فأنزل الله ﴿غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ﴾(26) وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كان إذا نزل على رسول الله الوحي یُسمع عند وجهه دوي كدوي النحل(27) وبدا مما تقدم من الآثار والروایات أن ذلك النوع أشد وأثقل على النبي لمافيه من مخالفة عادة البشر كما حقق الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله(28).

     وفي النوع الثالث من الوحي یتمثل له الملك رجلا كما تقدم الحدیث آنفا فیكلمه، فیعي مایقول، وتفید الآثار والروایات أن جبریل كان یتمثل عامة بصورة الصحابي الجلىل دحية الكلبي ،الذي كان أحسن وجها من جمیع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعین، للتشابه فیما بینهما كما یدل عليه ما أخرج  الإمام  مسلم عن جابرؓ: قال النبي في حدیث طویل: «رأیت جبریل عليه السلام فإذا أقرب مَن رأیته به شبها دحية(29) كما تمثل له عليه السلام أحیانا بصورة غیره، وذلك بمناسبات كثیرة، وعلى رأسها حدیث جبریل الذي قال فيه سیدنا عمر رضي الله عنه: بینما نحن عند رسول الله ذات یوم إذ طلع علىنا رجل، شدید بیاض الثیاب، شدید سواد الشعر، لایری عليه أثر السفر ولا یعرفه منا أحد»(30) فبذلك كان لایتحمل النبي لما كان یشق عليه فیما تقدم؛ بل كان هو أسهل وأهون كما أخرج الإمام أبو عوانة في صحیحه أنه قال عليه السلام: «وهو أهونه عليّ» وفي ذلك كان یری الصحابة رضي الله عنهم جبریل واضحا متشكلا بدون حجاب.

     والنوع الرابع: هو النفث في الروع أي یلقي سیدنا جبریل عليه السلام مایلقيه في قلب النبي بدون أن یتمثل له بصورة من الصور كما قال عليه السلام فیما رواه الإمام الحاكم: إن جبریل ألقی في روعي أن أحدًا منكم لن یخرج من الدنیا حتی یستكمل رزقه وقد أخرج الإمام أبو نعیم في الحلية بسند صحیح قال: إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتی تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب(33) ومما تجدر إليه الإشارة أن ذلك النوع  لىس بنوع مستقل في  الوحي؛ بل وقع أحیانا، ولىس منه شيء في القرآن الكریم.

     هذا ما تأكد في  الوحي من ستة أقسام في ضوء الأدلة والبراهین وأما ما أفاد العلامة حسین بن الحسن الحلىمي الجرجاني بأن أقسام  الوحي یبلغ عدده ستة وأربعین(34) فذلك ولاشك- وهم وخطأ كما أشار إليه الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله(35) ولا یفوتنا أخیرًا أن نؤكد أن الوحي قد انقطع كلىا بختم النبوة والرسالة، ولم یبق منه بعد وفاة خاتم الأنبیاء والمرسلىن إلا المبشرات كما روی  الإمام  البخاري أن أبا هریرة قال سمعت رسول الله یقول: «لم یبق من النبوة إلا المبشرات». قالوا: وما المبشرات؟ قال: «الرؤیا الصالحة»(36). وأما إلهام الأتقیاء، وكشوف الأولىاء، وشرح صدور الأئمة والولاة في مهمات الدین، التي شهدها المسلمون منذ فجر الإسلام، ولایزالون یشهدونها إلى أن تقوم الساعة، فهي حقًا من بركات  الوحي، وأشعة نوره، وندی سماواته.

*  *  *

الهوامش:

(1)  مفردات القرآن للإ مام الأصفهاني ص 858 .

(2)  علوم القرآن للدكتور صبحي صالح في الفصل الثاني نقلا عن الأصفهاني.

(3)  سورة مریم ، الآية 11.

(4)  سورة النحل ،الآية 68.

(5)  سورة القصص ،الآية 7.

(6)  عمدة القاري لشرح صحیح البخاري ج 1 ص 18 نقله المفتي محمد تقي العثمانيحفظه الله.

(7)  مناهل العرفان في علوم القرآن ج1 ص51.

(8)  سورة الشوری ،الآية 51.

(9)  مباحث في علوم القرآن للدكتور مناع القطان ص 34 نقلا عن الطبراني.

(10) سورة النساء ،الآية 163.

(11) سورة النساء ، الآية 164.

(12) كما في سورة النجم.

(13) مدارج السالكین ج 1ص 37  كما في علوم القرآن للشیخ محمدتقي العثماني حفظه الله.

(14) سورة الصافات، الآية 102.

(15) صحیح البخاري ج 1 ص 2 باب كیف كان بدء الوحي.

(16) صحیح البخاري ،كتاب الطب ، باب السحر.

(17) صحیح مسلم - كتاب الإیمان ج1 ص98.

(18) صحیح مسلم – كتاب الإیمان ج1 ص97.

(19) صحیح مسلم – كتاب الإیمان ج1 ص98.

(20) صحیح البخاري ،باب الوحي ج1 ص2.

(21) فیض الباري ، ج1 ص19-20.

(22) الفتح الرباني (مسند الإمام أ حمد) ج20 ص211.

(23) صحیح البخاري، باب الوحي ج1 ص2.

(24) المستدرك ج 2 ص 505 صححه الحاكم، ووافق عليه الذهبي.

(25) عمدة القاري شرح صحیح البخاري، الوحي ج1 ص83.

(26) صحیح البخاري ،كتاب التفسیر.

(27) الفتح الرباني (مسند أحمد ) ج 20 ص 211.

(28) فتح الباري ج1 ص16.

(29) صحیح مسلم ج 1، كتاب الإیمان باب ص 95.

(30) اتفق عليه الشیخان وأصحاب السنن الأربعة.

(31) الإتقان ج 1ص 46 كما في علوم القرآن للشیخ محمد تقي العثماني حفظه الله.

(32) المستدرك ج 2 ص 4.

(33) مباحث في علوم القرآن للشیخ مناع القطان ص 40 نقلا عن الحلية.

(34) كما في علوم القرآن للشیخ محمد تقي العثماني حفظه الله ص 36.

(35) فتح الباري ج 1ص 16.

(36) صحیح البخاري كتاب التعبیر، باب المبشرات.

*    *    *

إلى المحتويات

دراسات إسلاميـــــــة

يا حنظلة .. ساعة وساعة

 

                                                                        بقلم:  الأستاذ عبد الحكيم خلفي(*)

 

     جبلت نفس الإنسان على حب اللهو واللعب، والميل إلى ألوان الترويح عن النفس، خاصةً في عصرنا الذي عرف بكثرة وسائله، وتعدد أشكاله، ولم يكن الإسلام ليمنع هذا الميل الفطري جملة، ولا ليتركه جملة دون أن يجعل له ضوابط وأحكامًا تجعل من هذا اللهو والترويح عونًا للعبد على أداء واجباته الدينية والدنيوية، بدل أن يكون وسيلة تصرفه عن هذه الواجبات.

     لا شك أن نظرتنا إلى اللهو وانطباعنا الأولي عنه يختلف باختلاف تعريف هذا المصطلح، وإذا كانت تعاريف اللهو قدتعددت، فإن الكثير من الناس يبنون أحكامهم من خلال تعريفه، فمنهم من اعتبر اللهو كل ما اشتغل به الإنسان ممّا ترتاح إليه نفسه ولا يتعب في الاشتغال به عقله، فلا يطلق إلّا على ما فيه استمتاع ولذّة وملائمة للشهوة(1)، ومنهم من ذكر أنه الشيء الذي يلتذُّ به الإنسان ثم ينقضي، ومنهم من جعله مشغلة للإنسان عما يعنيه ويهمه، ومنهم من جعل أصل اللهو الترويح عن النفس بما لا تقتضيه الحكمة(2)، وبين هذا وذاك، اعتبر الدينوري أن اللعب واللهو من غرائز الإنسان التي لا تملك، وإن غالب نفسه وملكها لم يلبث إلا يسيرا حتى يرجع إلى الطبع، وكان يقال: الطبع أملك(3).

     لقد اعتبر شرعنا الحنيف اللهو والترويح وسيلة لإدخال السرور على النفس، وإراحتها من النَّصب والتعب والسآمة والكآبة(4)، ولنا في رسول الله الأسوة في ذلك، وتجعلنا مجموعة من النصوص الحديثية نستشعر هذا المعنى، ونلمس دوره المهم في حياتنا، فنجده ينفي ما أحسه حنظلة من أنه نافق بسبب مضاحكة أبنائه وملاعبة زوجته، بعدما كان في مجلس ذِكر، فيقول له: «يا حنظلة ساعة وساعة، ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق»(5) ونجده يتخوَّل الصحابة بالموعظة خشية السآمة كما يذكر ابن مسعود رضي الله عنه(6)، ويخاطب أبا بكر الصديق بعد ما منع الجواري من اللهو قائلًا: «دعهن يا أبا بكر فإنها أيام عيد..»(7) ويحمل عائشة رضي الله عنها لتنظر إلى لعب الحبشة(8)، ويسأل زوجته عن امرأة زُفت إلى رجل من الأنصار: «يا عائشة ما كان معكم لهو؟ فإن الأنصار يعجبهم اللهو»(9) ثم يسألها قائلًا: «فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف وتغني؟..»(10) ونجد ابن عباس رضي الله عنه يطلب من يلهو في ختان بنيه مقابل أجرة، فعن عكرمة قال: ختَن ابن عباس بنيه، فأرسلني فدعوت اللعابين، فلعبوا فأعطاهم أربعة دراهم»(11).

     كما أن اللهو والترويح يكون في المناسبات، فإنه مع الزوجة والأولاد أمر مرغوب فيه، وقول النبي لجابر: «فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك»(12)، دليل على أن اللهو مطلوب بين الزوجين، كما هو مطلوب مع حديثي السن، وقد راعى صغر سن عائشة رضي الله عنها وحقها في اللعب، قالت رضي الله عنها: «كنت ألعب بالبنات عند النبي وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله إذا دخل يتقمعن منه فيسربهن إلي فيلعبن معي»(13).

ما يباح من اللهووالترويح:

     يذكر البيهقي في سننه أن النبي قال: «ليس من اللهو إلا ثلاثة: تأديب الرجل فرسه، وملاعبته امرأته، ورميه بقوسه ونبله»(14)، قد يجعلنا ظاهر الحديث نحصرالمباح من اللهو في هذه الأمور الثلاثة المذكورة، إلا أن أحاديث عديدة تذكر أصنافا من اللهو المباح الذي يجوز للمسلم أن يأتيه، لذا نجد من أدخل هذا الحصر في باب ما يؤجر عليه المسلم(15)، وقد قال القاري: وفي معناها كل ما يعين على الحق من العلم والعمل إذا كان من الأمور المباحة، كالمسابقة بالرجل والخيل والإبل والتمشية للتنزه على قصد تقوية البدن، وتطرية الدماغ، ومنها السماع إذا لم يكن بالآلات المطربة المحرمة(16).

     ونذكر من اللهو والترويح المباح: الرياضة بأنواعها وأشكالها، كالعدْو مثلًا، فعن عائشة رضى الله عنها أنها كانت مع النبي في سفر، قالت: فسابقته فسبقته على رِجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني، فقال: «هذه بتلك السبقة»(17). وقد حث النبي الآباء على تعليم أبنائهم السباحة والرمي، وبناتهم المغزل، فقال: «علموا أبناءكم السباحة والرمي، والمرأة المغزل»(18)، وكذا تعلم المصارعة وفنون القتال، فعن أبي جعفر بن محمد بن ركانة عن أبيه، أن ركانة صارع النبي فصرعه النبي (19)، وغيرها من الرياضات التي يروح بها الإنسان عن نفسه، ما دامت مراعية للآداب ومنضبطة بالشرع(20).

     ومن الترويح المباح أيضًا: المزاح، فكان يحبه ولا يقول إلا حقًا، وما زال محمود بن الربيع يذكر مزاح النبي معه فيقول: «عقلت من النبي مجة مجها في وجهي وأنا ابن خمس سنين من دلو»(21). وقد شُهر النعيمان بن عمرو الأنصاري بالمزاح، وكان يُضحك النبي كثيرًا، ومن أخباره: أنه باع رجلًا من قريش اسمه سويبط بن حرملة إلى بعض الأعراب زاعمًا أنه مولى له بعشر نياق، ولما رويت القصة للنبي ظل يضحك منها هو وأصحابه مدة. وكان يذهب إلى السوق، فإذا استطرف شيئا اشتراه وجاء به إلى النبي فيقول: ها، أهديته إليك، ويجيئه صاحب الحاجة يطلب ثمنها، فيحضره إلى النبي ويقول: أعط هذا ثمن متاعه! فيقول: «أو لم تهده لي»؟ فيقول: إنه والله لم يكن عندي ثمنه، ولقد أحببت أن تأكله - إن كان مما يؤكل- فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه(22).

     ومن الترويح المباح: الصيد الذي يجد كثير من الناس متعتهم فيه، هذا إذا كان القصد الانتفاع به لا لمجرد اللهو، لقوله : «من قتل عصفورا فما فوقها بغير حقها سأل الله عزّ و جلّ عنها يوم القيامة، قيل: يا رسول الله فما حقها؟ قال: «حقها أن تذبحها فتأكلها ولا تقطع رأسها فيرمي بها»(23).

     كما يعد الترويح بالشعر متنفس كثيرين ممن تميل أنفسهم إلى هذا الفن، فعن ابن عباس قال جاء أعرابي إلى النبي فجعل يتكلم بكلام، فقال رسول الله «إن من البيان سحرا وإن من الشعر حكما»(24)، ونقل عن الزهري قوله: هاتوا من أشعاركم هاتوا من طرفكم، أفيضوا في بعض ما يخفف عليكم، وتأنس به طباعكم»(25).

     ويعتبر السفر ديدن كثيرين أيضا، لما يجدونه فيه من ترويح واستجمام وتعرف على عادات وثقافات البلدان، واكتساب للخبرات..

     ومن الترويح عن الصغار أن تُجعل لهم اللُّعب والمراجيح، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت ألعب بالبنات، فربما دخل علي رسول الله وعندي الجواري، فإذا دخل خرجن، وإذا خرج دخلن»(26) واستدل الجمهور بهذا الحديث على جواز اتخاذ اللعب وبيعها من أجل لعب البنات بها(27)، وعنها رضي الله عنها قالت: «فلما قدمنا المدينة جاءني نسوة وأنا ألعب على أرجوحة، وأنا مجمعة، فذهبن بي، فهيأنني وصنعنني، ثم أتين بي رسول الله فبنى بي، وأنا ابنة تسع سنين»(28).

     كما يكون الترويح عنهم بنشر روح المنافسة فيما بينهم، وهذا بالمسابقات العلمية والمعرفية والثقافية، ومسابقات حفظ القرآن وتجويده وتفسيره، ومسابقات السيرة النبوية، والتنافس في حفظ بعض المتون، وغير ذلك مما يطول تناوله.

من فوائد وضوابط اللهووالترويح:

     إن للهو والترويح أثرًا بيّنًا في تخفيف ضغوطات الحياة اليومية وتجديد طاقة الإنسان ونشاطه ليتقوى على الأعباء، وقد اعتبر أبو حامد الغزالي اللهو مروحًا للقلب، ومخففًا عنه أعباء الفكر، والقلوبُ إذا أكرهت عميت، وترويحها إعانة لها على الجد(29)، كما اعتبره دواءً للقلب من الإعياء والملال، بشرط عدم الاستكثار منه كما لا يستكثر من الدواء(30)، ورغم ما يبدو عليه اللهو من بُعد عن الحق والصواب؛ بل واعتباره من بعض الناس طريقًا للضلال والبعد عن الله، إلا أننا نجد أبا الدرداء رضي الله عنه يذكر من فوائده أنه يعين على الحق فيقول: «إني لأستجمُّ لقلبي بالشيء من اللهو ليكون أقوى لي على الحق»(31).

     ويعد اللهو وسيلة مهمة للتعلم كما للتعليم، وهو ما صار يعرف عند أساتذة التربية بـبيداغوجية اللعب، فهو يساعد الصغار على إنماء ذكائهم، وتوسيع مداركهم، واكتساب مهارات عديدة تعينهم على الدراسة والتعلم، خاصة إذا عرف الأب أو المعلم كيف يوظف هذا اللهو لتحقيق أهدافه التعليمية، ونجد الإمام الغزالي يحث الآباء على ترك أبنائهم يأخذون حظهم من اللهو واللعب بعد فراغهم من التعلم قائلًا: وينبغي أن يؤذن له بعد الانصراف من الكُتاب أن يلعب لعبًا جميلًا يستريح إليه من تعب المكتب، بحيث لا يتعب في اللعب، فإنّ منْع الصبي من اللعب وإرهاقه إلى التعلم دائما يميت قلبه، ويبطل ذكاءه، وينغِّص عليه العيش، حتى يطلب الحيلة في الخلاص منه رأسًا(32).

     يتخذ بعض الناس اللهو والترويح عن النفس غاية في حد ذاته، فينحرفون بهذا القصد عن الهدى، ويتخذون الهوى قائدًا يسير بهم في أتون المنكرات والمحرمات، لذا كان من الضروري أن توضع له ضوابط تمنع هـــــــذا الزيغ والانحراف، ونذكر من هذه الضوابط: حفظ اللسان عن رديء الكلام، وعدم الإسراف في المال والوقت، وعـــدم الكذب في المزاح لإضحاك الناس، وعدم تأخير الواجب، وأن لا يكون فيه قمار أو خمر أو مجون، أو إهدار لكرامــــــــة الإنسان وكشف للعــــــــورات، وغير ذلك من المحرمات(33). فكلما انصرف هذا اللهو عما أحل الله وأباحــــــــه إلى ما نهى عنه وذمه كان هذا اللهو محــــــــرمًا، وهو ما ذمـــــــــــــه ابن أبي الدنيا في كتابه ذم الملاهي.

*  *  *

الهوامش:   

(1) انظر التحرير والتنوير لمحمد الطاهر بن عاشور، دار سحنون للنشر والتوزيع- تونس، 1997م، 7/193.

(2) انظر التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي، تحقيق: محمد رضوان الداية، دارالفكر المعاصر، دارالفكر- بيروت، ط1410هـ، 1/629.

(3) انظر تأويل مختلف الحديث، لعبد الله بن قتيبة الدينوري، تحقيق: محمد زهري النجار، دار الجيل بيروت، 1393هـ،1/291.

(4) انظر اللهو المباح في العصر الحديث، لأبي حذيفة إبراهيم بن محمد، دار الصحابة للتراث، طنطا، ط2، 1410هـ، ص:18.

(5) صحيح مسلم، دارالجيل ودارالأفاق الجديدة، بيروت. كتاب التوبة، باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات والاشتغال بالدنيا، رقم الحديث: 7143. 8/95.

(6) مسند أحمد بن حنبل، مؤسسة قرطبة – القاهرة. مسند عبد الله بن مسعود، رقم الحديث: 4188. 1/440.

(7) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال للمتقي الهندي، مؤسسة الرسالة، بيروت 1989 م. كتاب اللهو واللعب والتغني من قسم الأقوال، باب الإكمال من اللهو المباح ، رقم الحديث: 40628. 15/304.

(8) صحيح البخاري، تحقيق: محمدزهير الناصر، دار طوق النجاة ط1، 1422هـ، كتاب الصلاة، باب أصحاب الحراب في المسجد، رقم الحديث: 454، 1/98.

(9) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها ودعائهن بالبركة، رقم ح 5162. 7/22.

(10) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد للهيثمي، طبعة دارالفكر، بيروت، طبعة 1412هـ. كتاب النكاح، باب إعلان النكاح واللهو والنثار، رقم الحديث: 7537، 4/334.

(11) تأويل مختلف الحديث، 1/296.

(12) صحيح البخاري كتاب النكاح، باب تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة، رقم الحديث: 5247. 7/39.

(13) صحيح البخاري، كتاب الأدب، باب الانبساط إلى الناس، رقم الحديث: 6130، 8/31.

(14) السنن الكبرى للبيهقي، مجلس دائرة المعارف النظامية، حيدرآباد الهند، ط1، 1344هـ. كتاب الشهادات، باب ما لا ينهى عنه من اللعب، رقم الحديث: 21503. 10/218.

(15) انظر اللهو المباح في العصر الحديث، ص: 53.

(16) تحفة الاحوذي بشرح جامع الترمذي، للمباركفوري، دار الكتب العلمية بيروت، لبنان. 10/249.

(17) سنن أبي داود، دارالكتاب العربي، بيروت. كتاب الجهاد، باب في السبق على الرجل، رقم الحديث: 2580، 2334.

(18) الدر المنثور، 4/88.

(19) سنن الترمذي، تحقيق: أحمد شاكر وآخرون، دارإحياءالتراث العربي بيروت. كتاب اللباس، باب العمائم على القلانس، رقم ح: 1784. 4247.

(20) انظر اللهو المباح في العصر الحديث، ص: 142.

(21) صحيح البخاري، كتاب العلم، باب متى يصح سماع الصغير، رقم الحديث: 77، 1/26.

(22) الأعلام لخير الدين بن محمود الزركلي الدمشقي، دارالعلم للملايين، ط5، 2002م. 8/41.

(23) سنن النسائي، تحقيق: عبدالغفار البنداري، سيدكسروي، دارالكتب العلمية بيروت، ط1، 1411هـ. كتاب الضحايا، باب من قتل عصفورا بغير حقها، رقم الحديث: 4534. 3/73.

(24) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب ما جاء في الشعر، رقم الحديث: 5013. 4/461.

(25) اللهو المباح في العصر الحديث، ص: 125.

(26) سنن أبي داود كتاب الأدب، باب في اللعب بالبنات، رقم الحديث: 4931. 4/466.

(27) انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود لمحمد شمس الحق العظيم آبادي، دارالكتب العلمية، بيروت لبنان، ط2، 1415ه‍. 5/206.

(28) سنن أبي داود، كتاب الأدب، باب في الأرجوحة، رقم الحديث: 4935. 468.

(29) إحياء علوم الدين، لأبي حامد محمد الغزالي، دارالمعرفة، بيروت. 2/287.

(30) انظر إحياء علوم الدين، 2/287.

(31) الوقت وأهميته في حياة المسلم، لعلي بن نايف الشحود، المكتبة الشاملة. 3/270.

(32) إحياء علوم الدين، 3/73.

(33) انظر اللهو المباح في العصر الحديث، ص: 57-58.

*    *    *

 

إلى المحتويات

دراسات إسلاميـــــــة

تفسير الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا

 

بقلم:  د. فاطمة سعد النعيمي(*)

 

المراد بتفسير الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا.

      تفسير الصحابة مركب من كلمتين:

أولًا: التفسير في اللغة والاصطلاح

     التفسير مصدر، على وزن (تفعيل)، فعله الثلاثي( فَسَر) والفعل الماضي من المصدر (تفسير) مضعَّف بالتشديد، وهو(فسَّر).

     والجذر الثلاثي للكلمة هو: الفَسْرُ.

     قال أحمد بن فارس في مقاييس اللغة: (الفَسْرُ: كلمة تدل على بيان الشيء وإيضاحه، تقول فَسْرتُ الشيء، وفسَّرْتُه)(1). 

     وقال الراغب الأصفهاني في المفردات: (الفَسْرُ: إظهار المعنى المعقول...، والتفسير في المبالغة كالفَسر)(2).

     وقال ابن منظور في لسان العرب: (الفسْرُ: البيان. يقال: فَسَر الشيءَ وفَسَّرَه، أي: أبانه، والفَسْرُ: كشفُ المغطَّى.

     والتفسير: البيان. وهو: كشف المراد عن اللفظ الُمشْكِل)(3).

     وقال أبو البقاء الكفَويّ في الكليات: (التفسير: الاستبانة والكشف، والعبارة عن الشيء بلفظ أيسر وأسهل من لفظ الأصل.

     وقال أهل البيان: التفسير هو أن يكون في الكلام لَبْسٌ وخفاء، فُيؤْتي بما يزيله ويفسّرُه)(4).

وللعلماء والمفسرين عدة تعريفات في الاصطلاح:

     الأول: تعريف الزركشي، قال: «التفسير: عِلْم يُفهم به كتاب الله، المنزَّل على نبيه محمد ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحِكَمه...)(5).

     الثاني: تعريف محمد الطاهر بن عاشور: قال: «التفسير: اسم للعلم الباحث عن بيان معاني ألفاظ القرآن، وما يستفاد منها، باختصار أو توسّع..»(6).

ثانيًا: الصحابة في اللغة والاصطلاح

     لغة: «منسوب إلى الصحابة وهي مصدر  صحبَ يَصحُبُ صُحبَةً بمعنى لازم ملازمةً و رافق مرافقةً وعاشر معاشرة..»(7).

     لغة: يقع على من صحب أقل ما يطلق عليه اسم صحبة، فضلًا عمن طالت، وكثرت مجالسته.

     وفي الاصطلاح: «رائي النبي» ، اسم فاعل من رأى، حال كونه (مسلما) عاقلًا (ذوصحبة) على الأصح، كما ذهب إليه الجمهور من المحدثين والأصوليين وغيرهم، اكتفاء بمجرد الرؤية ولو لحظة، وإن لم يقع معها مجالسة ولا مماشاة ولا مكالمة؛ لشرف منزلة النبي ، فإنه كما صرح به بعضهم إذا رآه مسلم أو رأى مسلما لحظة طبع قلبه على الاستقامة؛ لأنه بإسلامه متهيء للقبول، فإذا قابل ذلك النور العظيم أشرف عليه، فظهر أثره على قلبه وعلى جوارحه»(8).

ثالثًا: تفسير الصحابة.

والخلاصة عندما نريد أن نعرف تفسير الصحابة نقول:

     هو تفسير يقول به الصحابي في القرآن بما سمعه من رسول الله مباشرة أو بالواسطة، وبما شاهده من أسباب النزول، وبما فتح الله به عليهم من طريق الرأي والاجتهاد.

أهمية تفسير الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا.

     الحديث عن تفسير الصحابة له أهميته وقيمته في شحذ الهمم وتحفيز النفوس، وإثارتها للإقبال على تفاسيرهم والنظر فيها، لأن قيمة الشيء إذا علت وارتفعت دفعت الإنسان لأن يقبل عليه ويلتفت إليه.

     وتبرز أهمية تفسير الصحابة إذا علمنا مكانتهم فيه، وعلمنا الأسباب والمؤثرات التي جعلتهم يبرزون في التفسير، ويتفوقون على من جاء بعدهم.

     وقد نبه العلماء على فضل الصحابة في العلم، ومكانتهم وعلو كعبهم فيه؛ وذكروا أسبابًا تدل على أهمية الرجوع إلى تفسيرهم، وهذه الأسباب كالتالي:

أنهم شهدوا التنزيل، وعرفوا أحواله:

     لقد كان لمشاهدتهم التنزيل، ومعرفة أحواله أكبر الأثر في علوّ تفسيرهم وصحته، إذ الشاهد يدرك من الفهم ما لا يدركه الغائب.

     ومعرفة أسباب النزول لازمة لمن أراد علم القرآن؛ لأن الجهل بأسباب النزول مُوقِعٌ في الشّبَه والإشكالات، ومُورِدٌ للنصوص الظاهرة مَورِدَ الإجمال حتى يقع الاختلاف.

     وإنما يقع ذلك؛ لأن معرفة أسباب النزول بمنزلة مقتضيات الأحوال التي يُفْهَمُ بها الخطاب، وإذا فات نقل بعض القرائن الدّالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيءٍ منه.

     ومعرفة أسباب النزول رافعة لكل مشكلٍ في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بدّ، ومعنى معرفة السبب هو معنى مقتضى الحال(9). 

أنهم عرفوا أحوال من نزل فيهم القرآن:

     يقول الشاطبي في بيان أهمية معرفة الأحوال في التفسير: «ومن ذلك: معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل، وإن لم يكن ثَمّ سبب خاص، لا بدّ لمن أراد الخوض في علم القرآن منه، وإلا وقع في الشّبه والإشكالات التي يتعذّر الخروج منها إلا بهذه المعرفة»(10).

أنهم أهل اللسان الذي نزل به القرآن:

     لما كان القرآن نزل بلغتهم، فإنهم أعرف به من غيرهم، وهم في مرتبة الفصاحة العربية، فلم تتغيّر ألسنتهم، ولم تنزل عن رتبتها العليا في الفصاحة، ولذا فَهُم أعرف من غيرهم في فهم الكتاب والسنة، فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان صحّ اعتماده من هذه الجهة(11).

حسن فهمهم:

     إن من نَظَرَ في أقوال الصحابة في التفسير متدبرًا لهذه الأقوال، ومتفهمًا لمراميها، وعلاقتها بتفسير الآية، فإنه سيتبيّن له ما آتاهم الله من حسن البيان عن معاني القرآن، من غير تكلّفٍ في البيان، ولا تعمّق في تجنيس الكلام؛ بل تراهم يُلْقون الألفاظ بداهة على المعنى، فتصيب منه المراد.

     وكان مما عزّز لهم حسن الفهم: ما سبق ذكره من الأسباب التي دعت إلى الرجوع إلى تفسيرهم من: مشاهدة التنزيل، ومعرفة أحوال من نزل فيهم القرآن، وكونهم أصحاب اللسان الذي نزل به القرآن، مع ما لهم من معرفة بأحوال صاحب الشريعة ، مما كان يعينهم على فهم المراد وحسن الاستنباط، هذا وإن كان فيه نظرٌ، فلا ريب أنه أولى بالقبول من تفسير من بعدهم، فهم أعلم الأمة بمراد الله عز وجل من كتابه؛ فعليهم نزل، وهم أول من خوطب به من الأمة، وقد شاهدوا تفسيره من الرسول علمًا وعملًا، وهم العرب الفصحاء على الحقيقة، فلا يُعدَلُ عن تفسيرهم ما وجد إليه سبيل(12).

سلامة قصدهم:

     لم يقع بين الصحابة خلافٌ يُؤَثّر في علمهم، بحيث يوجّه آراءهم العلمية إلى ما يعتقدونه، وإن كان مخالفًا للحق؛ بل كان شأن الخلاف بينهم إظهار الحق، لا الانتصار للنفس أو المذهب الذي ذهبَ إليه.

     لقد ظهر خلاف أمرهم في الخلاف فيمن بعدهم من أصحاب العقائد الباطلة؛ كالخوارج، والمرجئة، والجهمية، والمعتزلة، وغيرهم، فظهر في أقوالهم مجانبةُ الحق، وكثر الخلاف بسبب كثرة الآراء الباطلة، مما جعل القرآنَ عُرضةً للتحريف والتأويل، إذ كلّ يصرفه إلى مذهب، وهذا مما سلم منه جيل الصحابة، فلم يتلوّث بمثل هذه الخلافات.

     ولهذا جاء تفسيرهم بعيدًا عن إشكالات التأويل، وصرف اللفظ القرآني إلى ما يناسب المذهب، أو غيرها من الانحرافات في التفسير(13).

مصادر الصحابة رضوان الله عليهم في التفسير.

     الصحابة هم أهل اللسان، وقد شهدوا التنزيل وعرفوا أحواله، كما عرفوا أحوال من نزل فيهم القرآن، مع سلامة مقاصدهم وحسن فهومهم ورسوخهم في العلم، فكان الصحابة يعتمدون في تفسيرهم للقرآن الكريم على أربعة مصادر:

     أولًا: القرآن الكريم.

     ثانيًا: السنة النبوية.

     ثالثًا: الاجتهاد وقوة الاستنباط.

     وذكر الذهبي مصدرا «رابعا»؛ ولكن لا أتفق معه في هذه النقطة، وسوف أبينه في ثنايا هذا البحث.

أولًا: القرآن الكريم

     يعتبر القرآن أول مصدر لتفسيره؛ لأن المتكلم به هو أولى من يوضّح مراده بكلامه؛ فإذا تبيّن مراده به منه، فإنه لا يُعدل عنه إلى غيره.

     لهذا كان لا بد لمن يعترض لتفسير كتاب الله تعالى أن ينظر في القرآن أولًا، فيجمع ما تكرر منه في موضوع واحد، ويقابل الآيات بعضها ببعض، ليستعين بما جاء مسهبًا على معرفة ما جاء موجَزًا، وبما جاء مُبيَّنًا على فهم ما جاء مُجمْلًا، وليحمل المطلق على المقيَّد، والعام على الخاص، وبهذا يكون قد فسرَّ القرآن بالقرآن، وفهم مراد الله بما جاء عن الله، وهذه مرحلة لا يجوز لأحد مهما كان أن يعرض عنها، ويتخطاها إلى مرحلة أخرى، لأن صاحب الكلام أدرى بمعاني كلامه، وأعرف به من غيره.

     وعلى هذا، يقول الذهبي: فمن تفسير القرآن بالقرآن: أن يُشرح ما جاء موجَزًا في القرآن بما جاء في موضع آخر مُسْهَبًا..

     ومن تفسير القرآن بالقرآن: حمل بعض القراءات على غيرها، فبعض القراءات تختلف مع غيرها في اللفظ وتتفق في المعنى،... وبعض القراءات تختلف مع غيرها في اللفظ والمعنى، وإحدى القراءتين تُعيِّن المراد من القراءة الأخرى...

وهنا تختلف أنظار العلماء في مثل هذه القراءات فقال بعض المتأخرين: إنها من أوجه القرآن، وقال غيرهم: إنها ليست قرآنا؛ بل هي من قبيل التفسير، وهذا هو الصواب؛ لأن الصحابة كانوا يفسِّرون القرآن ويرون جواز إثبات التفسير بجانب القرآن فظنها بعض الناس - لتطاول الزمن عليها - من أوجه القراءات التي صحَّت عن رسول الله ورواها عنه أصحابه.

     هذا هو تفسير القرآن بالقرآن، وهو ما كان يرجع إليه الصحابة في تعرف بعض معاني القرآن، وليس هذا عملًا آليًا لا يقوم على شيء من النظر، وإنما هو عمل يقوم على كثير من التدبر والتعقل، إذ ليس حمل المجمل على المبين، أو المطلق على المقيد، أو العام على الخاص، أو إحدى القراءتين على الأخرى بالأمر الهين الذي يدخل تحت مقدور كل إنسان، وإنما هو أمر يعرفه أهل العلم والنظر خاصة(14).

ثانيًا: السنة النبوية

     المصدر الثاني الذي كان يرجع إليه الصحابة في تفسيرهم لكتاب الله تعالى هي السنة النبوية، فكان الواحد منهم إذا أشكلت عليه آية من كتاب الله، رجع إلى سنة رسول الله في تفسيرها، فيبين له ما خفى عليه؛ لأن وظيفته البيان،... أستطيع أن أقسمها على ثلاث صور:

     الأولى: أنه يفسر الآية بسنة قولية يصرح بنسبتها إلى النبي .

     الثانية: أن يفسر الآية بما له حكم الرفع إلى النبي دون التصريح برفعه.

     الثالثة: أن يفسر الآية بنسبة النبي الفعلية، وهو على نوعين:

     أحدهما: أن يصرح بنسبة الفعل الذي فسر به الآية إلى النبي .

     الثاني: أن يفسرها بفعل لم يعزه للنبي ، لكن له حكم الرفع(15).

ثالثًا: الاجتهاد وقوة الاستنباط

     من المعلوم أن صحابة رسول الله كانوا- خاصة العلماء منهم- أعلم الناس بتفسير كتاب الله. فلقد نزل بلغتهم التي كانوا يتكلمون بها، ويعرفون ألفاظها وأساليب تعبيرها. ثم إنهم عاشوا مع رسول الله حيث واكبوا نزوله عليه، ورأوا وقائعه، وتأدبوا بآدابه، واطلعوا عن كثب على حلاله وحرامه، فكان الصحابة إذا لم يجدوا التفسير في كتاب الله، ولم يتيسر لهم أخذه عن رسول الله رجعوا في ذلك إلى اجتهادهم و رأيهم، وهذا بالنسبة لما يحتاج إلى نظر واجتهاد، أما ما يمكن فهمه بمجرد معرفة اللغة العربية فكانوا لا يحتاجون في فهمه إلى إعمال النظر، ضرورة أنهم من خُلَّصِ العرب، يعرفون كلام العرب ومناحيهم في القول، ويعرفون الألفاظ العربية ومعانيها.

ذكر أدوات الاجتهاد في التفسير عند الصحابة:

     وكثير من الصحابة كان يُفسِّر آي القرآن بهذا الطريق، أعنى طريق الرأي والاجتهاد، مستعينًا على ذلك بما يأتي:

     أولًا: معرفة أوضاع اللغة وأسرارها.

     ثانيًا: معرفة عادات العرب.

     ثالثًا: معرفة أحوال اليهود والنصارى في جزيرة العرب وقت نزول القرآن.

     رابعًا: قوة الفهم وسعة الإدراك.

     فمعرفة أوضاع اللغة العربية وأسرارها، تعين على فهم الآيات التي لا يتوقف فهمها على غير لغة العرب. ومعرفة عادات العرب تعين على فهم كثير من الآيات التي لها صلة بعاداتهم.

     ومعرفة أحوال اليهود والنصارى في جزيرة العرب وقت نزول القرآن، تعين على فهم الآيات التي فيها الإشارة إلى أعمالهم والرد عليهم، أنا لا أرى بأن ذلك يعين على الفهم؛ لأن سياق الآية هو المعين على فهم الآيات من خلال معرفتهم باللغة العربية حيث إنهم أفصح الناس(16).

رابعًا: أهل الكتاب من اليهود والنصارى:

     هذه النقطة التي لا أتفق مع الذهبي فيها، والمقصود بها الروايات الإسرائيلية؛ لأن ما سكت عنها القرآن الكــريم ليس من الأشياء الضرورية لكي يلجئ الصحابي لفهم الآية منها ولقد جاء في النهاية لابن الأثير : أن عمر بن الخطاب قال للنبي : إنا نسمع أحاديث من يهود تعجبنا! أفترى أن نكتبها؟ فقال النبي : «أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية»(17).

     قال العلامة أحمد شاكر: «إن إباحة التحدث عنهم فيما ليس عندنا دليل على صدقه ولا كذبه شيء، وذكر ذلك في تفسير القرآن، وجعله قولًا أو رواية في معنى الآيات، أو في تعيين ما لم يُعيّن فيها أو في تفصيل ما أُجمل فيها شيء آخر!!

     لأن في إثبات مثل ذلك بجوار كلام الله ما يوهم أن هذا الذي لا نعرف صدقه ولا كذبه مُبيّن لمعنى قول الله سبحانه، ومُفصّل لما أُجمل فيه، وحاشا لله ولكتابه من ذلك.

     وإن رسول الله إذ أذن بالتحدث عنهم أمرنا أن لا نصدقهم ولا نكذبهم، فأي تصديق لرواياتهم وأقاويلهم أقوى من أن نقرنها بكتاب الله، ونضعها منه موضع التفسير أو البيان؟! اللهم غفرًا...»(18).

خصائص ومميزات تفسير الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا

أولًا: خصائص تفسير الصحابة.

     اتسم تفسير الصحابة بخصائص متعددة أهمها:

     لم يكن التفسير في هذا العهد تفسيرًا مكتوبا، ولا مدونا، وإنما كان شأنه شأن علم الحديث. والسبب في ذلك أن الأمة كلها في هذه الفترة اعتمدت على نقل علمها رواية ومشافهة، لا تدوينا ولا كتابة لوجود النهى الصارم عن تدوين غير القرآن خوف إلباسه بما ليس منه ... اللهم إلا ما كان ينقله البعض من الحفاظ والمفسرين على هوامش مصاحفهم من أوجه القرآن ولغاته فظنها المتأخرون عنهم أنها من تفاسيرهم.

     لم يأخذ التفسير شكلا منتظما يتماشى مع ترتيب السور، أو حتى ترتيب آيات السورة الواحدة.

     لم يستقص أي مفسر من كبار مفسري الصحابة ومكثريهم جميع آيات القرآن الكريم، وإنما فسروا فقط ما غمض فهمه على الناس، أو ما عرفوا له أسبابا للنزول، أو ما كان جوابا نزل به الوحي لسؤال سائل.

     اتفاق جيلهم على الفهم العام لمعظم آيات القرآن باعتبار معايشتهم لنزوله، وعدم اختلاف مفسريهم إلا في النادر القليل.

     قلة الاستنباط الفقهي لقلة الحوادث والواقعات والمستجدات.

     الاقتصار على التفسير لغريب الألفاظ التى كانت تغيب على معرفة البعض منهم لكونه على لغات قبيلة دون أخرى مثلا(19).

ثانيًا: مميزات تفسير الصحابة

     تميزت تفسيرات الصحابة بأنها اشتملت على الألفاظ القليلة والمعاني الكثيرة، ومما امتازت به:

     سلامتها من البدع، وخلوها من الضلال في المعتقد؛ لأنهم أئمة المتقين، وإليهم المرجع في التوحيد والعقيدة، فتفاسيرهم مضمونة لا غلط فيها ولا إشكال ومن أخذ بها يأخذ وهو مطمئن البال.

     كثرة اختلاف التنوع، وقلة اختلاف التضاد، اختلاف التنوع معناه: أن يعبر عن تفسير الآية بشيء كلي، يشمل جميع المعاني لكن ببعض مفرداتها كتفسيرهم مثلًا: (الصراط المستقيم) فسره بعضهم بالقرآن، وفسره بعضهم بالسنة، وفسره بعضهم بالإسلام، وهذه من اختلافات التنوع؛ لأن القرآن والسنة والإسلام بعضها يدل على بعض، ولا يتصور قرآن بلا سنة، أو سنة بلا إسلام، فيعبر كل واحد بعبارة غير عبارة صاحبه تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر مع اتحاد المسمى، بمنزلة الأسماء المتكافئة التي بين المترادفة والمتباينة، كما في اسم السيف والصارم والمهند.

     لم يفسروا القرآن كله حسب ترتيب المصحف، وإنما فسروا منه ما غمض فهمه على بعضهم، وهذا الغموض كان يزداد كلما بَعُد الناس عن عصر النبي .

     قِلَّه الاختلاف بينهم في فهم معاني القرآن، وكانوا كثيرًا ما يكتفون بالمعنى الإجمالي، ولا يُلزمون أنفسهم تفهم معانيه تفصيلًا.

     الاقتصار على توضيح المعنى الُّلغوي الذي فهموه بأخصر لفظ.

     ندرة الاستنباط العلمي للأحكام الفقهية من الآيات القرآنية.

     لم يُدَّون شيء من التفسير في هذا العصر؛ لأن التدوين لم يكن إلا في القرن الثاني.

     اتخذ التفسير في هذه المرحلة شكل الحديث، بل كان جزءًا منه وفرعًا من فروعه، ولم يتخذ التفسير له شكلًا منظمًا، بل كانت هذه التفسيرات تُروى منثورة لآيات متفرقة، كما كان الشأن في رواية الحديث، فحديث صلاة بجانب حديث جهاد، بجانب حديث ميراث، بجانب حديث في تفسير آية...وهكذا.

     خلو التفسير من الإسرائيليات؛ لأن كبار الصحابة كانوا المرجع في التفسير، ولم يكن لمسلمة أهل الكتاب تلك المكانة التي يستطيعون من خلالها نشر الروايات الإسرائيلية(20).

القيمة العلمية لتفسير الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا

     سئل الإمام ابن تيمية رحمه الله عن أحسن طريق للتفسير؟

     فأجاب: إن أصحّ الطرق في ذلك أن نفسّر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسّر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر، فإن أعياك ذلك فعليك بالسنّة؛ فإنها شارحة للقرآن وموضّحة له؛ بل قد قال الإمام أبوعبد الله محمد بن إدريس الشافعي:

     كل ما حكم به رسول الله فهو مما فهمه من القرآن(21).

     لكن إذا لم نجد في القرآن وفي السنة جوابا، فما العمل؟

     العمل: أن نعود إلى تلكم الطائفة التي نقلت لنا القرآن والسنة، بكل أمانة ودقّة، وهم الصحابة الأكارم.

     ونظرا لأهمية ذلك الجهد العظيم الذي قام به الصحابة رضي الله عنهم، فقد نقل المفسّرون في تفسيراتهم كثيرا من آراء الصحابة واجتهاداتهم، مثال ذلك ما أورده الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير قول الله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرٰطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.

     اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة لله وللرسول ، فروي أنه كتاب الله، ... لكن هذا لا يعني أبدا أن نأخذ أقوالهم- أي: الصحابة- على الإطلاق دون أن نزنها بميزان القرآن والسنة!!

     لقد صرّح المفسرون بكل وضوح بأنه لا عبرة بقول الصحابي، وذلك إذا خالف قوله قول القرآن أو السنة؛ لأن الأساس والأصل هو:كتاب الله وسنة النبي (22).

     ويمكن تلخيص قيمة تفسير الصحابة بما يلي:

     كونهم في القرون المفضلة.

     أنهم شاهدوا تنزل الوحي على الوقائع والأسباب، وهذا خاص بالصحابة.

     معرفتهم بأحوال من نزل فيهم القرآن الكريم من المسلمين والمشركين واليهود.

     كونهم أهل اللسان العربي الذي نزل به القرآن، فهم أهل فطرة لغوية سليمة.

     معرفتهم بالاصطلاحات الشرعية.

     سلامة معتقدهم، وحسن فهمهم.

     إضافة إلى عدم تأثرهم بالخلافات العقدية والمذهبية التي حرفت كثيرًا من التفاسير إلى مناهج منحرفة.

     هذه النقاط تنطبق على تفسير الصحابة: كونهم عاشوا في القرون المفضلة، ومعرفتهم بلسان العرب أكثر ممن جاء بعدهم، إضافة إلى أنهم أخذوا كثيرًا من التفسير عن النبي .

موقف العلماء من تفسير الصحابة رضوان الله عليهم جميعًا من جهة حديثية وتأصيلية

     يقرر العلماء في كتاباتهم أن أقوال الصحابة لها مكانتها العالية ومنزلتها الهامة في الدين، فهم الذين شهدوا الوحي والتنزيل، وكان لقرب عهدهم بالوحي ومشافهتهم من شهد عصر النبوة أثره، وهم أبر هذه الأمة قلوبًا، وأصدقهم بيانًا، وأحسنهم فهمًا، وأسلمهم مقصدًا في أخلاقهم وسلوكم وأقوالهم. ولا غرو في ذلك، فقد أثنى الله عليهم، وأثنى على من اتبعهم بإحسان، وهذا الاتباع عام في كل الأمور التي يأتي فيها الاتباع، في أصول الدين وفي الشرائع، ومن ذلك تفسير كتاب الله تعالى.

     وأثنى عليهم رسول الله فزكاهم بقوله: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم..»(23).

     وقال العلماء عن حجية قول الصحابي: «لا شك أن الصحابة أهل للاجتهاد ولا يتهم مثلهم بالتقصير، وقد خطأ بعضهم بعضًا فيما اختلفوا فيه؛ بل جوز كلٌ الخطأ على نفسه في اجتهاده».

     وقالوا أيضًا: «كان الصحابة أعرف بالله تعالى وأبعد نظرًا وأدق فهمًا في نصوص الشريعة ممن جاء بعدهم لصفاء أذهانهم ومكانهم من النبي ، ونزول الوحي عليه، ولم يكن بينهم اختلاف في التوحيد، ولا مناظرات في مسائله لرجوعهم إلى الفطرة السليمة، والأدلة العقلية الصريحة، ونصوص الشريعة الصحيحة، وبعدهم عن موارد الشبه ومنازع الأهواء... وإنما تكلموا في تفاصيل الفروع لوقوعها، وضرورة الناس إلى معرفة أحكامها، واختلفوا في مسائل منها؛ للإجمال في الأدلة، وللتفاوت في البلاغ والفهم، ونحو ذلك من الأسباب، واتفقوا في مسائل لم يوجد فيها المقتضي للخلاف»(24).

     قال المصنف: [وقول الواحد من الصحابة ليس بحجة على غيره، على القول الجديد، وفي القول القديم: حجة].

     هذا نوع آخر من أنواع الأدلة، وهو من الأدلة المختلف فيها، وهو: قول الصحابي، أي: مذهبه.

     والصحابي: هو من صحب النبي مؤمنا به على الوجه المتعارف به في الدنيا، ومات على ذلك، ولو تخلل ذلك ردة على الصحيح.

     وأصحاب النبي هم أفضل هذه الأمة وأعلاها قدرا ومنزلة، وإن كانوا غير معصومين، إلا أنهم أولى بالمغفرة ممن بعدهم؛ لسابقتهم في الإسلام، وصحبتهم لرسول الله ، وهم أجدر الناس بشفاعته ؛ لمعرفته لهم، لذلك فهم جميعا عدول بتعديل الله تعالى لهم -كما سبق- ففي باب النقل والرواية: لا شك أن قول الصحابي حجة مطلقا، سواء عرف اسمه أم لم يعرف، فكل من ثبتت صحبته إذا قال: قال رسول الله ، فقد ثبت ذلك القول عن النبي ، ولا يبحث في ترجمة ذلك الصحابي، ولا في مستوى عدالته وضبطه، فهم جميعا عدول أهل ضبط.

     وأما فيما يتعلق بالاجتهاد، فالذين بلغوا رتبة الاجتهاد من الصحابة: عدهم النسائي واحدًا وعشرين، وعدهم الغزالي تسعة، وعدهم ابن حزم: ثمانية عشر، هؤلاء هم الذين بلغوا رتبة الاجتهاد، الذين تروى عنهم الفتيا والقضاء.

     وقول بعضهم ليس حجة على بعض، فليس قول أحد من الصحابة حجة على غيره من الصحابة، إذ هم جميعا مشتركون في هذه المزية التي سبقت بلقيا رسول الله والرواية عنه والسماع منه، وقد يسمع بعضهم ما لم يسمعه غيره، فليس قول بعضهم حجة على بعض(25).

     هذا الجهد من الصحابة في التفسير يحتاج إلى بذل جهود لإبرازه، وتقريبه، لبركته الكثيرة؛ لأنهم كانوا يؤدون المعنى في تفسير الآية بعبارات موجزة سهلة، قريبة الفهم، من غير خوض في التفصيلات أو استطراد في التشقيقات ، أو تكلف في الإشارات، لذلك تهيأ لهم من المؤهلات ما جعل لتفسيرهم قيمة عالية.

الخاتمة:

وفي نهاية هذا البحث أخلص إلى عدة نتائج أهمها:

     * تفسير الصحابة ما يقول به الصحابي في القرآن بما سمعه من رسول الله مباشرة أو بالواسطة، وبما شاهده من أسباب النزول، وبما فتح الله به عليهم من طريق الرأي والاجتهاد.

     * تبرز أهمية تفسير الصحابة في شحذ الهمم وتحفيز النفوس، وإثارتها للإقبال على تفاسيرهم والنظر فيها؛ لأن قيمة الشيء إذا علت وارتفعت دفعت الإنسان لأن يقبل عليه، ويلتفت إليه إذا علمنا مكانتهم فيه، وعلمنا الأسباب والمؤثرات التي جعلتهم يبرزون في التفسير، ويتفوقون على من جاء بعدهم.

     * حاجة المسلمين عمومًا إلى تفسير ميسر قريب الفهم.

     * الصحابة هم أهل اللسان، وقد شهدوا التنزيل وعرفوا أحواله، كما عرفوا أحوال من نزل فيهم القرآن، مع سلامة مقاصدهم وحسن فهومهم ورسوخهم في العلم، فكان الصحابة يعتمدون في تفسيرهم للقرآن الكريم على القرآن الكريم، السنة النبوية، الاجتهاد وقوة الاستنباط.

     * خلو التفسير من الإسرائيليات لأن كبار الصحابة كانوا المرجع في التفسير، ولم يكن لمسلمة أهل الكتاب تلك المكانة التي يستطيعون من خلالها نشر الروايات الإسرائيلية.

     * تميز تفسير الصحابة بالقيمة العلمية الكبيرة كونهم عاشوا في القرون المفضلة، ومعرفتهم بلسان العرب أكثر ممن جاء بعدهم، إضافة إلى أنهم أخذوا كثيرًا من التفسير عن النبي .

     * قرر العلماء في كتاباتهم أن أقوال الصحابة لها مكانتها العالية ومنزلتها هامة في الدين.

توصيات:

     هذا الجهد المبذول من الصحابة في التفسير يحتاج إلى بذل جهود لإبرازه، وتقريبه، وجمعه للناس في هذا العصر، لذا يجب علينا أن نشمر الأيادي لإخراجه قيمته العالية.

*  *  *

الهوامش:

(1)  ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، 4 / 504.

(2)  الراغب، مفردات ألفاظ القرآن، الراغب،636.

(3)  ابن منظور، لسان العرب، 5/55.

(4)  الكفوي، الكليات، 260.

(5)  الزركشي، البرهان في علوم القرآن، 1/13.

(6)  ابن عاشور، التحرير والتنوير، 1/11.

(7)  ابن منظور، لسان العرب، 5/278.

(8)  السخاوي، فتح الغيث،  4/78.

(9)  انظر: الشاطبي، الموافقات، 3 / 225، بحث مساعد الطيار مصادر التفسير[ بتصرف].

(10)  الشاطبي، الموافقات، 3/229 وقد أحال في هذه المسألة على النوع الثاني من المقاصد (2/44)، والموافقات، 3 / 227. بحث مساعد الطيار مصادر التفسير[ بتصرف].

(11)  انظر: الشاطبي، الموافقات ، 3/218. بحث مساعد الطيار مصادر التفسير[ بتصرف].

(12)  انظر: ابن القيم، بدائع التفسير، 3 /404. بحث مساعد الطيار مصادر التفسير[ بتصرف].

(13)  انظر: ابن القيم، بدائع التفسير، 3 /404. بحث مساعد الطيار مصادر التفسير[ بتصرف].

(14)  انظر: الذهبي، محمد، التفسير والمفسرون،1/37 وما بعدها.

(15)  انظر: الذهبي، محمد، التفسير والمفسرون،1/43 وما بعدها.

(16)  انظر: الذهبي، محمد، التفسير والمفسرون،1/54 وما بعدها.

(17)  ابن الأثير، النهاية 5 / 282 .

(18)  شاكر، أحمد، عمدة التفسير،1/14.

(19)  انظر: الذهبي، محمد، التفسير والمفسرون،1/98 وما بعدها.

(20)  انظر: الذهبي، محمد، التفسير والمفسرون،1/67 وما بعدها، وحمزة، أصول التفسير ومناهجه،63.

(21)  ابن تيمية، مقدمة أصول التفسير،133.

(22)  الحاجي، محمد عمر، موسوعة التفسير قبل عهد التدوين، 209-211.

(23)  أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، باب فضائل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم( الصحيح مع الفتح 7/5)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة، رقم الحديث(210،211،212).

(24)  عسيري، أحمد بن علي الزاملي، منهج الشيخ عبد الرزاق عفيفي وجهوده في تقرير العقيدة والرد على المخالفين،1/ 537.

(25)  الشنقيطي، محمد الحسن ولد محمد الملقب بـ"الددو"، شرح الورقات في أصول الفقه،4/ 32.

 

*    *    *

إلى المحتويات

دراسات إسلاميـــــــة

سُنة الاصطفاء: مفارقات بين العرب والغرب

 

بقلم:  د/ عبد الوهاب القرش(*)

 

     معلوم أن الله سبحانه وتعالى اصطفي من الملائكة رسولًا، ومن الناس رسلًا، ومن الأزمنة أزمنًة، ومن الأمكنة أمكنة، يقول تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَ اللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ (آل عمران:74). ولكن ليس كل المصطفين على مستوى واحد، يقول تعالى: ﴿هُمْ دَرَجٰتٌ عِنْدَ اللهِ وَ اللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (آل عمران:163). فهناك المفضلون والأقل تفضيلًا، وفي آخر الصف غير المغضوب عليهم. وارتقاء درجات التفضيل يكون وفق ميزان الإيمان والعمل الصالح. حسنًا، فمن هم المصطفون؟.

     ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرٰهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعٰـلَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَ اللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (آل عمران:33-34).

     لقد ذكر السياق آدم ونوحًا فردين؛ وذكر آل إبرٰهم وآل عمران أسرتين. إشارة إلى أن آدم بشخصه ونوحًا بشخصه هما اللذان وقع عليهما الاصطفاء. فأما إبراهيم وعمران فقد كان الاصطفاء لهما ولذريتهما كذلك، على القاعدة التي تقررت في سورة البقرة عن آل إبراهم : قاعدة أن وراثة النبوة والبركة في بيته ليست وراثة الدم، إنما هي وراثة العقيدة: ﴿وَإِذْ ابْتَلَى إبْرٰهِمَ رَبُّهُ بِكَلِمٰتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إنِّي جَاعِلُك لِلنَّاسِ إمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظّٰــــلِمِينَ﴾ (البقرة:124).

     من هم ذرية آل إبراهيم وآل عمران اليوم؟. تجد أولاد إسماعيل منتشرين في شبه الجزيرة العربية وعرب فلسطين والشام ومصر وغيرهم من الدول العربية.

     لا شك أن شبه الجزيرة العربية هي مهبط معظم الأنبياء، ثم إن أولي العزم منهم - قبل الرسول - هاجروا من أوطانهم، وأقاموا فترة في مصر وغيرها من بقاع شبه الجزيرة العربية. لذا نجد كثيرًا من نسل الأنبياء وأقاربهم إضافة لنسل الرسول منتشرين - ولا شك - في جميع الدول العربية، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّـٰتِهِمْ وَإِخْوٰنِهِمْ وَاجْتَبَيْنٰـهُمْ وَهَدَيْنٰــهُمْ إِلَى صِرٰطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الأنعام:87).

     إن الاصطفاء لا يأتي صدفة، فلا يوجد صدفة عند الله، وإذا أنعمنا النظر في تاريخ العرب البائدة، نجد أن الله قد أهلك كل الأقوام الظالمة التي كفرت بأنعم الله بأن أتاهم عذابه ونكاله ليلًا أو نهارًا، ولم يبق إلا نسل الصالحين، واقتضت حكمة الله أن يكون هلاكهم بأمره، ولم يجعل أقوام العرب تهلك بعضها بعضًا حتى لا ينالهم الوزر.

     أما في التاريخ الأوروبي فنجد أن الله لم يهلك الأقوام الظالمة؛ بل جعل هلاكهم على يد من هم أكثر منهم ظلمًا وضراوةً، فقد قتل الجرمان الكثير من الكلت والرومان، ثم جاءهم الهن وهم قوم من الجرمانيين؛ ولكنهم كانوا أكثر منهم وحشية، ثم جاءهم الفايكنج، وهم أكثر منهم ظلمًا وقسوة، وقتلوا منهم الكثير، وعاشوا وأيديهم ملوثة بدماء قبائل بأسرها. إذن فقد كانت القاعدة في أوروبا هي البقاء للأقوى وليس للأصلح.

العلامات البينات بين العرب والغرب:

     لقد ترك لنا الحق تعالى الكعبة المشرفة آية واضحة في أرضنا وأمرنا أن نحج إليها، وهذا مقام إبراهيم، وهذا حجر إسماعيل. وفي القدس حيث أسرى برسوله ، وهذا قبر هود، وهذا قبر صالح وهناك قبر يوسف. عليهم السلام جميعًا.

     وكما ترك لنا آثار الأنبياء والصالحين ترك لنا أطلال الأقوام الظالمة التي كفرت بأنعم الله فهنا كانت  ثمود، وهذه قبور قوم عاد، وتلك أطلال سدوم وعمورة باقية عبرة لمن يعتبر بما حدث لقوم لوط. فكل هذه العلامات موجودة وثابتة، حتى يستيقن جيل بعد جيل، ويرى ما فعل آباؤهم في الماضي، كما يقارن الآيات العلمية التي وردت في القرآن الكريم بآخر ما وصل إليه العلم فيجدها سابقة له.

     أما الغرب فلا يوجد لديهم رسالة مباشرة ولا أسوة حسنة، ويخيم على البلاد ظلام دامس من المادة والماديات، فلا نرى أي أثر أو علامة لآثر أحد من الأنبياء أو الصالحين، ولم نجد في تاريخ حكام أوروبا حاكمًا في عدل أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي رضي الله عنهم أجمعين، بل يشهد لمعظم حكام أوروبا بالقوة والقسوة والتجبر والتكبر وحب الدنيا والسلطان.

     والطريف أننا لا نجد حتى أثرًا للقوم الظالمين كعبرة وعظة، لقد انعدم أثر هؤلاء أيضًا وسكن مكانهم من قتلوهم وأخذوا ديارهم. ولكن نسمع عن القديس «جورج» حامي إنجلترا والقديس «دنيس» والحافظ هو الله وإذا أنعمنا النظر في سير هؤلاء القديسين نجد أنهم كانوا من الشرق وعاشوا في الشرق، على سبيل المثال القديس «جورج» الاسم العربي هو «جرور» في اللد كذلك معظم القديسين عاشوا في شبه الجزيرة العربية.

     وهناك ظاهرة أخرى تلفت النظر، وهي أن معظم القبائل العربية التي كانت مسيحية قبل البعثة النبوية قد دخلوا في الإسلام أفواجًا في صدر الإسلام. أما القبائل الأوروبية وهي أيضًا مسيحية - فلم تدخل قبيلة واحدة منها في الإسلام عندما فتح المسلمون الأندلس رغم تسامح المسلمون معهم، وعندما سقطت دولة الإسلام في الأندلس فعلوا بالمسلمين الأفاعيل التي يندى لها جبين الإنسانية. أتحسب أن الله يهدي لنوره من  يعذبون ويقتلون قومًا؛ لأنهم يقولون: ربنا الله؟ إن الله يهدي من يعلم أن في قلبه خيرًا للبشرية.

أسطورة جسد المسيح ولعبة الانتهاك:

     تتفق الأناجيل الأربعة المعتبرة على أن عيسى عليه السلام قام من القبر بعد ثلاث أيام وكلم مريم المجدلية كما ظهر لباقي التلاميذ. والمرأتان اللتان ذهبتا إلى القبر وجدتاه فارغًا وقد زحزح الحجر من على بابه. و نجد أكثرهم يقول بأن قبر المسيح في فلسطين، وأرسلت أوروبا الحملات صليبية تترى، وقتلوا الألاف من المسلمين بحجة حماية قبر المسيح. ولا يعلم مكان المسيح عليه السلام إلا الله سبحانه وتعالى.

     ورغم ذلك يؤكد الغرب - ومن على طريقتهم - على أن المسيح قد صلب لكي يفديهم، وهذه الفكرة أدخلها بولس اليهودي، فكان اليهود قديمًا يأتون بشاة ثم يحملونها أوزارهم ثم يتركونها تهيم في الصحراء اعتقادًا منهم بأنه حملت آثامهم وأوزارهم، وقد بعدت عنهم. فنقل بولس فكرة الفداء إليهم على هذا الشكل حتى يكسب أكبر عدد ممكن من المضللين: «افعل ما تشاء فالمسيح يفديك». فهل هذا عدل الله؟!. ولماذا يفدي المسيح القتلة والمجرمين؟!!. يقولون: لأنهم يؤمنون به. ولكن سنة الله في الظالمين أنه كلما كثرت ذنوبهم زاد تحجر قلوبهم وزاد حبهم للذنوب. والمؤمن الحقيقي لا ينهب ولا يسرق ولا يستغل ولا يقتل ولا يبيد من هم أضعف منه.

     والحقيقة أن كل كذبة من أكاذيبهم احتاجت إلى كذبة أكبر لتغطيها، حتى طمست كتبهم، لأسباب سياسية ويحتفظون بتقاليدهم الرومانية، واليوم أصبح إيمانهم عبارة عن تعصب وتوازنات سياسية ومادية، لذلك قد تركوا الآن الجسد المقدس وفلسطين بأثرها لمن يعتقدون أنهم من صلبوا المسيح.

هل ظلم الغرب؟

     لقد وصلت المسيحية إلى أوروبا سليمة نقية كما جاء بها المسيح عليه السلام بأنه بشر نبي لا ألوهية فيه، وقد أيد هذه الحقيقة (1730) من كبار القساوسة، ولم ينكرها إلا (318)، ومعهم الإمبراطور قسطنطين وجنده، فأخذوا في اضطهاد مخالفيهم. واستمر الباطل يضطهد كل من يقول الحق عبر الأجيال حتى انقرضوا، وبقي الباطل يصول ويجول.

     وتقضي سُنة الله بأن كل من يأتيه الحق ظاهرًا وينكره، لا يأتيه بعدها واضحًا ونقيًا، لذا دخلت عليهم فرق مضللة مثل الغنوصية والنسطورية واليعقوبية وغيرها، حتى جاءهم الحق مع المسلمين الفاتحين. لكنهم انبهروا بحضارة المسلمين، واقتبسوا منها كل ما هو مادي، أما الجانب الإيماني العقدي، فقد فكان صعبًا على عقول وقلوب تهيم عشقًا للذهب والفضة. ثم جاءهم الحق مرة أخرى مع الأتراك العثمانيين عندما فتحوا القسطنطينية وأسقطوا إمبراطورية الروم الشرقية، ولكنهم لم يسلموا.

     بعد أن ضعفت دولة الإسلام في شرق أوروبا وسقطت دول الإسلام في الأندلس. تمكن الغرب من الأرض، ولكنهم عتوا عن الحق، وعاثوا في الأرض فسادًا، يرهبوا الآمنين، ولم يفرقوا بين أطفال رضع وشيوخ ركع، واستولوا على الأرض وهتكوا العرض. وتركهم الله الحكيم الخبير يفعلون ما يشاؤون، وسهل لهم ذلك حتى تنكشف طبيعتهم البربرية، قال تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (آل عمران:187).

     لم يكتف أبناء أوروبا بما فعلوه بمسلمي الأندلس؛ فقد شدوا الرحال إلى قارات العالم الجديد وبلاد الشرق الأدنى والأقصى - بحجة الاكتشافات الجغرافية -، واستولوا عليها ونهبوا ثروات البلاد وأبادوا العباد، ولم يعتبروا بالأقوام التي انتقم الله منها من جزاء ظلمهم، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ﴾ (الشعراء:130-131)، فمن يبطش بخلق الله مصيره محتوم وفي اللحظة التي يختارها الله سبحانه وتعالى. ولا راد لقضائه.

كل إنسان محاسب على عمله:

     لا عذر للغرب إن لم يؤمنوا بالله، فسوف يحاسبهم الله حسابًا عسيرًا وينالون عذابًا أليمًا؛ لأن الله خلق في الإنسان الفطرة السليمة التي تمكنه من الإيمان والاستقامة، ومعنى أنه لم يؤمن أنه قد أفسد فطرته السليمة بظلمه وتكبره بحيث أصبح الظلم حاجبًا بينه وبين نور الله، وكلما تمادى في ظلمه أصبحت رؤيته النور أصعب، ومن ثم يتحجر قلبه، ويصبح كافرًا تمامًا، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ﴾ (الأعراف:172-173).

     إن سُنة الله في عباده الظالمين أن لا يهبهم أولادًا صالحين إلا في حالات نادرة ولحكمة يقتضيها، وقد أكد على ذلك سيدنا نوح عليه السلام حينما أخبر عن قومه: ﴿إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ (نوح:27). وضرب الله سبحانه وتعالى لنا مثلًا آخر في سورة الكهف حينما قتل العبد الصالح الولد حتى لا يرهق والديه طغيانًا وكفرًا في المستقبل. فمبدأ «الطيبون للطيبين» ينطبق هنا أيضًا. يقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كـٰـــــفِرُونَ﴾ (التوبة:85).

     لقد علمنا الله سبحانه وتعالى أن ندعوه بأن يجعل ذريتنا قرة عين لنا: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيّٰـتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (الفرقان:74). لذا فقد دعا إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام لذريتهما بأن يكونوا مسلمين، متقين يقومون بأداء المناسك بما يرضي الله، كذلك دعت امرأة عمران للسيدة مريم رضي الله عنها.

     أما الظالمون فلا يدعون لذريتهم، ولو دعوا ما استجيب لهم؛ لأنهم بدأوا حياتهم بالقتل وسفك الدماء، ثم أنكروا حقيقة الدين لما جاءتهم لأسباب سياسية ثم قتلوا من يقول الحق، وبداية الشيء مهمة عند الله سبحانه وتعالى، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، لذا فقد منع الله سبحانه وتعالى نبيه من الصلاة في مسجد كانت بدايته غير خالصة لوجه الله، يقول تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَ اللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّٰــــلِمِينَ﴾ (التوبة:109).

فترات التمكين:

     من يدرس تاريخ الدنيا يجد أن الله سبحانه وتعالى يعطي كل قوم فترة قوة، ويمكنهم من السيطرة على غيرهم ليرى ماذا يفعلون، فالإنسان لا يظهر معدنه الأصلي إلا في لحظة القوة أو عند الشدائد. فقد مكن الله القدماء المصريين في الأرض قرابة أربعة آلاف سنة - تخللها فترات ضعف ولم يعطِ الحق تعالى أي أمة أخرى فترة تمكين بهذا الطول بعد القدماء المصريين، فباقي الإمبراطوريات لم تلبث أن دالت وزالت بعد بضعة قرون. ذلك بسبب عقيدة التوحيد عند القدماء المصريين وورعهم، وإيمانهم بأن هناك حسابًا في الآخرة، فقد كانوا يعدون لذلك ترتيبات كبيرة، ولذلك حينما بغى فرعون وتكبر لم يهلك أهل مصر؛ بل استدرجه الله سبحانه وتعالى خارجها وأهلكه هو وكل من طاوعه؛ بل نجى الله جسده ليكون آية وعبرة لمن يأتي بعده من القوم الظالمين، يقول تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيٰـتِنَا لَغٰـفِلُونَ﴾ (يونس:92).

     وتميز معظم الجنس العربي بالطيبة والعدل أيام تمكنهم، فلم يقم أي من البابليين أو الأكاديين وعرب شبه الجزيرة العربية بإبادة الناس ليأخذون ما في أيديهم، ويشهد على ذلك تشريعات القدماء المصريين ثم قوانين حمورابي سنة (1800ق.م)، ثم حلف الفضول في مكة قبل الإسلام، ولم تخل جزيرة العرب من الموحدين الذين عبدوا الله جيلًا بعد جيل من عهد آدم ونوح وآل إبراهيم حتى البعثة النبوية. وكانت للعرب أخلاق وبعض العادات الحسنة، لذلك فقد بعث الرسول ليتمم مكارم الأخلاق ويزيد الجمال جمالًا، ويزيل الغبار عما طمسه الزمن، ومدح الله الأمة فقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتٰبِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفٰسِقُونَ﴾ (آل عمران:110). وتستمر نفس الصفات في المستقبل مع تنفيذ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:104).

خيارات النصر بأيدي العرب:

     اليوم العرب مبتلون بالضعف والتخلف والوهن، والغرب مبتلى بالتمكين والقوة والتقدم المادي، ولو صبر العرب وتمسكوا بالإسلام مع الحرص على العلم والأخذ بأسباب التقدم لن يضرهم كيد الغرب شيئًا، كما أن الصبر والجهاد ضد الباطل مطلوب من المؤمن . ومن الممكن أن يكون الجهاد بالعلم والدعوى الحسنة، يقول تعالى: ﴿يٰـأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (آل عمران:200).

*  *  *

المصادر

     القرآن الكريم

-   في ظلال القرآن، سيد قطب، دار الهجرة للنشر والتوزيع، ط2،القاهرة: 1416هـ.

-   تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، حسن إبراهيم حسن، النهضة المصرية، ط 7،القاهرة:1964م.

-   تاريخ الاستعمار والتحرر في إفريقيا وآسيا، عبد الحميد زوزو، ديوان المطبوعات الجامعية  الجزائر:2009م.

-   مدخل إلي دراسة التاريخ الأوربي الوسيط ,علي الغمراوي، القاهرة 1977م.

*    *    *

إلى المحتويات

دراسات إسلاميـــــــة

الدر المنضد في شرح الأدب المفرد

للعلامة نياز محمد الميواتي

 

بقلم:  الأستاذ عبد الرزاق القاسمي الأمروهي(*)

 

     الحديث النبوي الشريف أصلُ ديننا القويم، وأفضل العلوم بعد القرآن الكريم، وعليه مدار الأحكام، وبه يعرف الحلال من الحرام، فالفقه مقتبسٌ من مشكاته، وملتقطٌ من نثار رواياته، مَن ألهمه الله رُشده، وأجزل بالتوفيق رِفْدَه، سعى في طلبه مُخْلِصًا قصدَه، ولا ريب أن أعظم ما يشمِّر إليه طالبُ السنة النبوية الشريفة هو دراسة كتبها المعتمدة التي يعول عليها كل محقق، فمن تلك الكتب الحديثية «الأدب المفرد» لأمير المؤمنين في الحديث محمد بن إسماعيل البخاري.

كتاب «الأدب المفرد» للإمام البخاري

     «الأدب المفرد» هو كتابٌ يتناول الآداب الإسلامية المفردة الواردة في السنة النبوية، فهو من خير ما دوّن في الآداب الدينية الفاضلة، التي يجب أن يتصف بها مسلم يضنّ بدينه وإسلامه، ويستعد في هذه الدار لآخرته، أورد فيه من الأحاديث الصحيحة والحسان والضعاف التي ينجبر ضعفها عن النبي ، وآثار الصحابة والتابعين الثقات ما يتعلق بهذا الباب، كما له مزايا أخر ذكرها جلة من المحدثين والأعلام الراسخين، وشهد بكثرة فوائده الحافظ ابن حجر العسقلانى: 

     منها: أن نصفه من حيث صحة الأسانيد بمدارج الصحيح له، والنصف الآخر في القوة دون الصحيح لمسلم، وأقوى من بقية الصحاح الستة.

     ومنها: أنه وصله بقدر صالح من الأحاديث التى كانت معلقةً في الجامع الصحيح له.

     ومنها: أن ما ذهل عنه كبار المحدثين من تعيين راوٍ أو كلمة وَسَمَ فيه ذلك الراوي وتلك الكلمة.

     ومنها: أنه يوجد فيه من الأخبار ما لا يوجد في غيره، فلا ريب أنه قد حوى أدبًا محمديًّا جمًّا، وعلمًا واسعًا في الأخلاق والآداب وحسن المعاشرة.

     ومن المعروف عند أهل العلم أن كتاب البخاري هذا غير كتابه الذي يتضمنه كتابه «المسند الصحيح» بعنوان «كتاب الأدب» هكذا مطلقًا دون قيد أو وصف، فقوله: «المفرد» صفة كاشفة مميزة له عن «أدب صحيحه». و ليس «الأدب المفرد» عنده في مرتبة الجامع الصحيح؛ لكن تتجلى أهميته في غــــــــــزارة مـــادته أولًا، وكثرة ما فيه من الأحاديث والآثار الصحيحة، وقلة الأحاديث الضعيفة ثانيًا، كما تتبين أهميــــــة تمييز الصحيح من الضعيف منه ثالثًا، فيكون العاملون بآدابه على بصيرة من دينهم، كما قال تعالى: ﴿قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحٰنَ اللهِ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

عناية العلماء بكتاب «الأدب المفرد»: 

     اهتم العلماء بكتاب «الأدب المفرد» اهتمامًا بالغًا، فهو مورد خِصْبٌ، ومعين ثر لكل محبٍّ للآداب الإسلامية، وقد تناولوه بالخدمة في شتى الجوانب، فمنهم من قام بشرحه، ومنهم من اعتنى برجاله، ومنهم من قام بالحكم على أحاديثه، ولا غَرْوَ في ذلك، فهو مُحَبَّبٌ إلى نفس كل مسلم، قريب من قلبه وروحه.

     وبعد الجولة في خدمات شرح هذا الكتاب وجدنا له خمسة شروح:

     الأول: «فضل الله الصمد في توضيح الأدب المفرد» للشيخ فضل الله الجيلاني الحيدرآبادي الهندي، المطبعة السلفية مصورًا عن طبعة القاهرة 1378، والكتاب منشور على الشبكة، يتميز الشرح بتعليقاتٍ مفيدةٍ في السند والمتن، ولكن المصنف ترك كثيرًا من الأحاديث دون شرح.

     الثاني: «رَشّ البرد في شرح الأدب المفرد» للدكتور محمد لقمان السلفي، رئيس جامعة ابن تيمية بمدينة السلام، الهند، طُبع في مجلد سنة 1426هـ من دار الداعي بالرياض، وهو شرح مختصر جيد، وهو شرح أشبه بالحاشية، حيث شرح مفردات المتن،و لم يتطرق إلى الأسانيد وعلاقة الأحاديث بالأبواب، كما أن هذا الشرح يحمل أخطاء كثيرة في المتن.

     الثالث: «عون الأحد الصمد شرح الأدب المفرد» للشيخ زيد بن محمد المدخلي، طبعته دارالميراث النبوي عام 1334هـ في ثلاثة مجلدات، مقتصرًا على الأحاديث الصحيحة منه.

     الرابع: «شرح صحيح الأدب المفرد للشيخ الألباني» للشيخ حسين بن عودة العوايشة، في ثلاثة مجلدات، والشرح مطول وبه فوائد، يكثر الشارح من النقول؛ لكن فيه أخطاء كثيرة في تحقيق نص المتن.

     الخامس: «الدر المنضَّد في شرح الأدب المفرد» للعلامة نياز محمد الميواتي رحمه الله تعالى.

الدر المنضَّد في شرح الأدب المفرد

     هذا الخامس هو الشرح الذي بين أيدينا، قال فيه العلامةُ المحدث الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي - رحمه الله -: «وجدتُه شرحًا يجلو البصائر، ويروق النواظر، ويَنِمُّ عما لمؤلفه من فهمٍ صائبٍ، وذهنٍ ثاقبٍ، وذوقٍ صحيحٍ، وعلمٍ ناضجٍ»، وأسلوب المؤلف في الشرح أنه يذكر أولًا ما قصده الإمام البخاري من عقد ترجمة الباب، ثم يشرح الكلمات الغريبة والمشكلة الواردة في الترجمة والحديث معًا، من حيث يتضح به كل ما أغلق في هذا السفر الجليل من المعاني، ثم يقدّم ما يحتاج إليه طلبة العلم من توضيحاتٍ نافعةٍ وتقريراتٍ قيمةٍ تشرح ما أغمض من المباني، كما يوفق بين الأحاديث المتعارضة لفظًا أو معنًى.

     ولا يعرف فضل هذا الشرح إلا مَن درسه دراسةً كاملةً عميقةً، وقد قرأنا أقوال علماء الأمة والمحدثين وانطباعاتهم فى حق المؤلِّف والمؤلَّف، وأغنتنا كلماتهم الموجزة عن الإطناب فى مدحه والثناء عليه، بَيدَ أنّى أحاول أن أسجل بعض الانطباعات التي أبداها علماء هذا الفن الشريف عن هذا الكتاب الجليل الذى نحن بصدده.

انطباعات العلماء تجاه «الدر المنـضد»

     قال الشيخ المقرئ محمد طيب - طاب الله ثراه - المدير السابق لدار العلوم، ديوبند، الهند: «فإني رأيت عدة مواضع مما علَّق صديقنا المحترم الشيخ نياز محمد الميواتي الهندي، على الكتاب المستطاب الموسوم بـ«الأدب المفرد» للإمام البخاري رحمه الله، فجاء بحمد الله بتقريرات نافعة، وتوضيحات فائقة، تورث الطمأنينة القلوبَ، والبشاشة الأرواحَ، والجلاءَ العقولَ، فجزاه الله عنا وعن جميع المسلمين أحسن الجزاء، وجعَلَ ما ألَّفه كلمةً باقية، وجعلَ أنوارها ساطعة، ولأهل العلم نافعة، والحمد لله أولاً وآخرًا».

     وقال: العلامة المحدث الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي رحمه الله: «فإن كتاب «الأدب المفرد» للإمام البخاري، هو الغاية القصوى في بابه، وله المحل الأسمى بين ما أُلِّف من نوعه، وكانت الحاجة قد اشتدت إلى شرح له، يكفل كشف ما غمُض من معانيه، وحلَّ ما أَغلَق من مبانيه، فوفق الله سبحانه أخانا العالِم الصالح، الشيخ نياز محمد أن يقوم بهذه الخدمة الجليلة، فوجدتُه شرحًا يجلو البصائر، ويروق النواظر، ويَنِمُّ عما لمؤلفه من فهم صائب، وذهن ثاقب، وذوق صحيح، وعلم ناضج».

     وقال الأديب الأريب، المحدث الفقيه الشيخ محمد يوسف البنوري رحمه الله: «وممن ساهمَ في «شرح الأدب المفرد» صديقنا الورِع، الزاهد، العالِم، الصالح، الشيخ نياز محمد الميواتي، وفقه الله للخير، وذلك من مآخذ وثيقة، كعمدة البدر العيني، وتفسير ابن كثير، وإرشاد القسطلاني، ومجمع البحار للفتني، وأذكار النووي، وشرح المناوي على الجامع الصغير، وغيرها، فالثقة به كالثقة بمنابع شرحه».

     وقال العلامة الشيخ محمد بن سالم بن حفيظ الحسيني التريمي رحمه الله: «فقد وفقني الله تعالى للاطلاع على هذه الحواشي المفيدة من تقييدات الشيخ العلامة نياز محمد، فوجدتها من أحسن الحواشي صنعًا وإفادةً، وأعظمها جمعًا وإجادةً، وقد بذل مؤلفها جهده في جمعها من الكتب المعتمدة، وأحسنَ ترتيبها، وسهَّل للطالبين الطريق في الاستفادة، وأنار السبيل، وأوضح الدليل، وحلَّ المشكلات، وأبان المعضَلات، فهي حاشية يحِق أن تكتب بماء الذهب؛ لأن مؤلفها سلك فيها أحسن مذهب، والأعمال بالنيات».

عمل الدراسة والتحقيق لـ«الدر المنضد»

     لكن الأسف فوق الأسف كان هذا الشرح الحافل في حاجة إلى الدراسة والتحقيق من جديدٍ، حتى قدر الله سبحانه وتعالى لفضيلة أستاذي النابغ الشيخ عبدالله المعروفي حفظه الله ورعاه، أستاذ قسم التخصص في الحديث بالجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند، خدمة هذا السفر، فخدمه خدمةً مثاليةًتستحق أن تُحْمَد وتُشْكَر، وفيما يلي خلاصة منهج المحقق:

     أولًا: التعريف الجامع للأدب، وللأدب الإسلامي، ومدى احتواء هذا اللفظ في طيِّه من أحكامٍ في السلوك والعقيدة والفكر، وإلقاءُ الضوء على أهمِّية هذا الجانب العلمي.

     ثانيًا: الكلام على مزاياكتاب «الأدب المفرد» من حيث الحواية والشمول، وعلى منهج المؤلف رحمه الله في عرض المسائل، والاستدلال لها بالأحاديث والآثار، وعلى شرطه فيه.

     ثالثًا: الحديث عن مكانة الآثار والموقوفات ومكانتها في الشريعة الإسلامية، ودورها في فهم النصوص القرآنية والحديثية، وذلك لأنها تنِمُّ عن وجود العمل المتوارَث في الأمة كحجة شرعية فوق أخبار الآحاد.

     رابعًا: الاعتناء بتفصيل الحديث الضعيف، وأنواعه، وأحكامه، وموقف جمهور الأمة وعلمائها من الاحتجاج بالضعيف في الأحكام والفضائل، والمقارنة بين البخاري وغيره من العلماء كـ«الإمام مسلم، ويحيى بن معين، وابن العربي، والحافظ ابن الجوزي، والحافظ المنذري، والحافظ الذهبي» وغيرهم - في هذا الباب، ليتَّضح بها رجاحة «الأدب المفرد» على غيره، وذلك لأن الإمام البخاري- رحمه الله تعالى - تنازل في «الأدب المفرد» إلى حدٍّ كبيرٍ في إخراج الضعيف من الأحاديث والآثار، على خلاف دأبه في «صحيحه».

     خامسًا: الكشفُ عن المقياس الصحيح المتلقَّى والمتبَع لدى الأئمة لنقد الروايات، وبالتالي لمعرفة الصحيح، والحسن، والضعيف وما إلى ذلك.

     سادسًا: تخريج الأحاديث والآثار بشيءٍ من التفصيل من المصادر الأصلية، مبيِّنًا لملتقى أسانيده المختلفة في تلك المصادر، مع التنبيه على بعض ألفاظ الحديث إذا كان بينه وبين لفظ المصنف فرق كبير، حيث لم يلتزم الشارح المؤلف - رحمه الله تعالى التخريج؛ بل ربما أشار إلى بعض تلك المصادر إجمالاً أعم من أن يكون الحديث من الصحابي نفسه أو غيره، ومن أن يكون لفظه ملائمًا له، أم مغايرًا له.

     سابعًا: الالتزام بالحكم على إسناد الحديث أو الأثر بما يليق به كلَّ الالتزام، فإن كان في الصحيحين أو أحدهما؛ فغنيٌّ عن الحكم البتة، وإن كان في غيرهما؛ بحث عن تصريحٍ بحكمه من أحد الأئمة النقاد، فإن وجده نقله، وإلا حكم عليه بنفسه بعد دراسةٍ لإسناده اتباعًا للمقياس التالي الذي قال فيه: «أننا حكمنا على الإسناد في دراستنا هذه بالنظر إلى ما يلي:

     1 إذا كان رواة الإسناد كلهم من المراتب الثانية، أو الثالثة، أو الرابعة؛ قلنا: إسناده صحيح.

     2 وإذا كان أحد الرواة في الإسناد من المرتبة الخامسة، أو السادسة بشقَّيها ؛ قلنا: إسناده حسن بالذات.

     3 وإذا كان أحد الرواة في إسنادنا من المرتبة السابعة، أو الثامنة، أو التاسعة؛ أو كان في الإسناد انقطاع مَّا؛ قلنا: إسناده ضعيف.

     4 إذا كان أحد الرواة في كتابنا هذا في إسنادٍ مَّا، من المرتبة العاشرة؛ قلنا: إسناده ضعيف جدًّا.

     5 وإذا كان أحدهم في إسنادٍ ما من المرتبة الحادية عشرة ؛ قلنا: إسناده متروك.

     6 وإذا كان أحدهم من المرتبة الثانية عشرة ؛ قلنا: إسناده موضوع، وليس في (الأدب المفرد) أيُّ إسناد فيه راوٍ من أصحاب المراتب الثلاثة الأخيرة ليقال له: ضعيف جدًّا، أو متروك، أو موضوع، والحمد لله على ذلك.

     7 وإذا وجدنا راويًا من المرتبتين: الخامسة والسادسة قد توبع؛ قلنا: إسناده صحيح بالغير.

     8 وإذا وجدنا راويًا من المراتب السابعة، والثامنة، والتاسعة قد توبع؛ أو كان في الإسناد انقطاع مَّا، أو مظنة الانقطاع، وقد رُوي الحديث من غير وجه؛ قلنا: إسناده حسن بغيره.

     ثامنًا: محاولة غرَض المصنف من تراجم الأبواب؛ بجانب بيان الموافقة بينها وبين الحديث أو الأثر المخرَّج في الباب، إذ كان هذا الجانب في معظم الأبواب ناقصًا.

     تاسعًا: تعديل عبارة الشارح في شتى المواضع.

     عاشرًا: إعداد جدولٍ مطوَّلٍ، قَارَنَ فيه بين أحكامٍ أصدرها هو على أحاديث «الأدب المفرد» على مقتضى المقياس المتَّبع للحكم خلال الدراسة، وبين أحكامٍ أُصدِرت فيما مضى مِن قِبل المحدّث المعروف في العرب والعجم أبي عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني (1914- 1999هـ).

انطباعات كبار العلماء تجاه تحقيق «الدر المنضد»

     ويناسب لي أن أذكر هنا ما شهد به العلماء النابغون المعاصرون لهذا التحقيق المثالي:

     قال فضيلة الشيخ المفتي أبو القاسم النعماني- حفظه الله- رئيس الجامعة الإسلامية دار العلوم ديوبند، في تقريظه: «زوَّده الْمراجِعُ بمقدمةٍ علمية مبسَّطة، درسَ فيها كتاب «الأدب المفرد» بدقة، فأبان فيها مزاياه من نواحٍ مختلفة، وتكلم عن منهج الإمام البخاري رحمه الله كما قد ألقى الضوء على حجية الآثار ومكانتها في الشريعة الإسلامية، وجاء بمقياس معتدل للدراسة الإسنادية، وشرح طريق المحدثين القدامى فيها، ولا سيما التفهُّم لِما اختطَّه الحافظ ابن حجر رحمه الله في تقريب التهذيب لتلخيص أحوال الرجال من حيث الجرح والتعديل بعبارات وجيزة جامعة معتدلة إلى حدٍّ كبيرٍ، كما حاولَ التوصُّلَ إلى مراتب الموصوفين بتلك الخلاصات.

     ونظرًا إلى غزارة الموادِّ في هذا الشرح، وتقريظات العلماء القيِّمة، مما زاد الكتاب قيمةً اقترحنا على المجلس الاستشاري للجامعة طباعتَه وإخرَاجه من قسم البحوث والدراسات، المسمى بـ«أكاديمية شيخ الهند» التابع للجامعة، فاستحسنه المجلس و وافق على النشر».

     وقال الشيخ المفتي سعيد أحمد البالنبوري - حفظه الله - رئيس هيئة التدريس بالجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند: «إنه قدَّم دراسةً مفصلةً لكتاب «الأدب المفرد»، تعرض فيها لـمزايا الكتاب، ومنهج الإمام البخاري فيه، وخاصةً لجانب إخراجه الضعاف من الأحاديث والآثار فيه، فتكلَّم المراجِعُ عن الحديث الضعيف، وأنواعه، وعن موقف جمهور الأمة وعلمائها من الاحتجاج بالضعيف في الأحكام والفضائل، وفوق كل شيء تقديمُه مقياسًا جامعًا معتدلاً للدراسة الإسنادية مما يسترعي أنظار الباحثين والعلماء إليه خاصة».

     وقال فضيلة الشيخ العلامة نعمة الله الأعظمي- حفظه الله - أستاذ الحديث الشريف وعلومه بجامعة دار العلوم ديوبند: «وفق الله تعالى صاحبنا وأخانا الأستاذ عبد الله المعروفي فراجعه مراجعة دقيقة، فهذَّبه وكمَّله، إضافة إلى ما اعتنى به من تخريجٍ لنصوصه، ودراسةٍ لأسانيده، فصار الكتاب لائقًا بالإخراج، وموثوقًا به في الأوساط العلمية إن شاء الله تعالى».

     وقال فضيلة الشيخ بدر الدين أجمل علي القاسمي- حفظه الله - عضو المجلس الاستشاري للجامعة الإسلامية دار العلوم، ديوبند، ومدير «أكاديمية شيخ الهند»: «قد راجعَه وهذَّبه من جديدٍ الأستاذ عبد الله المعروفي، أستاذ في قسم التخصص في الحديث الشريف وعلومه بجامعة دارالعلوم ديوبند، وعمل له مقدمة نفيسة تحتوي على تعريف الأدب المفرد، ودراسةٍ جادَّة له، وعلى مباحث قيمة حول الدراسة الإسنادية، وهذه المقدمة برأسها تستحق العناية من العلماء المشتغلين بعلوم الحديث».

     وكاتب السطور إذ يهنئ المحقق النابغ والباحث الموهوب على ما بذله من المجهودات البالغة في التهذيب والتذهيب والمقابلة والتصحيح والتعليق والتوضيح، يدعو الله سبحانه وتعالى أن يتقبل هذا العمل العظيم، الذي يتعلق بسنة رسوله الكريم، ويجزل ومثوبته.

*    *    *

إلى المحتويات

دراسات إسلاميـــــــة

بَشَرٌ مثلكم

 

                                                                                بقلم:  الأستاذ خالد محمد خالد

 

     شخصية الداعي، هي الدليل الحق؛ بل الدليل الوحيد على شخصية الدعوة.

     وحقيقة المبشِّر بفكرة، والهاتف بعقيدة، هي حقيقة الفكرة نفسها، والعقيدة ذاتها.

     والمتاجرون بالمبادئ، مهما أوتوا من حذق في التنكُّر ومهارة في التخفي، لا يستطيعون أن يخدعوا الناس عن دخائلهم وما يمكرون.. وهم آخر المطاف عاجزون تمامًا عن أن يُحوِّلوا البهتان إلى صدق، والزَّيف إلى حقيقة!! وكما قال «كارليل» في كتابه «الأبطال» مُوجِّها كلماته وسُخرياته لزعماء «الكنيسة» في الغرب:

     نصيبًا من خيبة الأمل، وسخرية الحققة، أولئك الذين حاولوا يائسين النيْل من شخصية الرسول . وحاولوا يائسين أن يجعلوا عظمته الباهرة، وخِصاله العظيمة، والطَّاهرة موضع هَمس، أو مَدعاة تساؤل. ناهيك عن اتخاذهم إياها موضوع رفض، أو ارتياب.!! وذلك حين كذّبوا بما لم يحيطوا بعلمه، وارتابت قلوبُهم، فهم في ريبهم يترددون!!!

     والذين أُرْكِسُوا بما كسبوا من الغابرين أخفقوا إخفاقًا ما بعده إخفاق، وانتهى بهم طريقهم الزَّلِق إلى الهُوَّة الفاغرة، وصدَّهم عن النيْل من شخصيَّة «الرسول» ما كان لهذه الشخصية من عظمة أصلها ثابت وفرعُها في السماء!!!

     وخَلَف مِن بعدِهم خلْف، ثم خلْف، ثم أخلاف. شهِدَتْهُم عصور تِلْوَ عصور، ماضين على طريق أسلافهم رافعين في بلاهة وخيبة وتطاوُل نزوة التحدى، وسفاهة الانتقاص. فما كانوا أكثر من سابقيهم توفيقًا، ولا أقَلَّ خُذلانًا وإخفاقًا!!.

     ولعلَّ تاريخ البشرية لم يشهد شخصيَّة حيَّرت خصومها وشانئيها، وردَّتْهم على أعقابهم صاغرين، كما فعلت بأعدائها وخُصومها شخصيَّة هذا الرسول العظيم!!.

     ذلك أنها «شخصيَّة» مُضاءة، يُرى باطنها من ظاهرها. مفتوحة، ليس حولها أسوار ولا أستار. واضحة ومجلوة، كانبلاج الفجر وضوء النهار!!.

     ولعلَّ أعظم ما تطالعنا به هذه الشخصيّة، أنَّه ليس بين مبادئ صاحبها وسُلوكه فراغ يتسع لمرور شعرة دقيقة، أو خيط رقيق! وأنه لم يبتعد طوال سِنِي عمره، عن مبادئه ولا بِقيدِ أُنملة!!.

     وكم كانت صادقةً أمُّ المؤمنين «عائشة» رضي الله عنها حين سُئلت عن أخلاقياته فقالت: «كان خُلُقه القرآن»!!.

     ونفس الموقف الذي اتخذه منه شانئوه، اتخذوه تجاه القرآن وتجاه الإسلام. فما ازدادوا إلا صَغارًا، وخَسارًا.

     وبقى «الرسول» و«القرآن» و«الإسلام» منارًا للسماء في الأرض. ونبعًا لا يغيض عذبُه وفُراته. يفيض بالهدى، والخير، والحقِّ. وشرفًا تزكو به أقدار الإنسان وأقدار الحياة!!.

     والسماء حين قدَّمت للأرضِ وناسِها خاتمَ الأنبياء وأجلَّ المرسلين؛ ولم تقدِّمْه في لُفافات من غموض. ولا في طيَّات من الأحاجي والألغاز؛ بل قدَّمَتْه في نور كتابه، وشفافية إهابه. شخصية مقروءة، مثل كتاب مفتوح ومُتاح. صيغت كلماته المسطورة بحروف كِبار!!.

     فمن طفولته، إلى شبابه، إلى رجولته، إلى مبعثه، إلى مماته، وأنباء حياته المباركة منظورة بألف عين. مسموعة بألف أذن. يتعقَّبها الأعداء والأصدقاء!.

     والقرآن العظيم حين قدَّم حامله، ومتلقِّيه، ومُبلغه، ورسوله، لم يُدَثِّره بقداسة زاجرة، تجعل الناس يقفون أمامها رُكِّعًا، وهيابين!!. بل قدَّمه بوصفه «بشرًا» من البشر. وواحدًا بين الجميع. وإن هيَّأه تفوُّقه لأن يكون واحدًا فوق الجميع!!

     ﴿قُلْ إنَّمَا أنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾

     ﴿إنْ أنْتَ إلَّا نذِيرٌ﴾

     ﴿إنّما أنْتَ مُذَكِّرٌ، لسْتَ عليهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾

     هكذا علَّمه القرآن أن يكون، وأن يقول. ولقد كان، ولقد قال. هذه الشخصية المقروءة والمسموعة. المتواضعة والرفيعة. لم يعْزُب عن صاحبها العظيم مثقال ذرة من الوعي بهذه الحقيقة، ولا من اليقين بأن «الصدق» هو الذي سيضحك كثيرًا، لأنه الذي يضحك أخيرًا.!

     وإنَّ للصدق ومضات خاطفةٌ يفجَأ بها الذين عَمُوا، فإذا هم مبصرون. والذين صَمُّوا، فإذا هم يسمعون!!.

     وإنَّ للحقيقة «عبيرًا» يطرد كل ريح مُنتن وخبيث، ولقد كان صِدْقُ «محمَّدٍ» وعبيرُ «محمَّدٍ» يدُلان عليه. ويقودان إليه.

     فأمام «نجاشيِّ» الحبشة، وقف واحد من أتباعه والمؤمنين به يتحدث عنه.

     وأمام «هرقل» الشام، وقف واحد مُمَثِّلا لكل أحقاد قريش، وكلِّ ضِغنها ولؤمها.

     فهل اختلف الحديثان والمتحدِّثان في الشهادة له؟؟ والاطراء الحقِّ لسمِّوه ونُبله وعظمته؟.

     أبدًا لم يختلفا. والتقت شهادة مؤمن الاثنين ومُشركِهما على أمر قد قُدر. وعلى حقّ استبان وظهر.

     وأبدًا، لم يختلفا؛ لأنَّ أَنَفَة المشرك عزَفَت به عن أن يُعهد عليه الكذب!! وجعلته يعترف اضطرارًا وكرها بما كان «محمد الأمين» يُعرف به من نضارة الخُلُق، واستقامة النهج، وجلال بواعثه، وصدق نيَّاته!!.

     كان الذي تحدَّث أمام النجاشيِّ جعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول. وأحد الذين باكروا إلى الإسلام، وبيعة «الرسول» وقف يقول:

     «أيها الملك.

     «لقد كُنَّا قومًا أهل جاهليَّة، نعبد الأصنام. ونأكل الميتة.

     ونأتي الفواحش. ونقطع الأرحام. ونُسيء الجوار. ويأكل القوي منا الضعيف. حتى بعث الله إلينا رسولا منا. نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وفافه. فدعانا إلى الله، لنعبده ونُوحِّده، ونخلع ما كنَّا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان. وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم. وحسن الجوار، والكفِّ عن المحارم الدماء!!.

     ونهانا عن الفواحش. وقول الزُّور. وأكل مالم اليتيم. وقذْف المُحصنات. فصدقناه وآمنَّا به»!!.

     هكذا كان حديث مسلم عن رسوله. قالها في أمانة راشدة، وصدق أبلج وعظيم.

     أما المتحدِّثُ عن «الرسول» أمامَ هِرَقْل فكان «أبا سفيان» زعيم قريش يومئذٍ، وكبيرالمشركين. وإنَّ أيَّ حديث عن الرسول ، ليظل ناقصًا وخِداجًا، ما لم ينتظم هذا الحوار الذكي والصادق، بين هِرَقْل وأبي سفيان.

     بدأ هِرَقْلُ الحوار بسؤال أبي سفيان. عن النبي عليه السلام:

     هرقل: ما حَسَبه فيكم؟

     أبو سفيان: هو فينا ذو حسب.

     هرقل: هل كان من آبائه مَلِك؟

     أبو سفيان: لا.

     هرقل: هل كنتم تتَّهمون بالكذب؟

     أبو سفيان: لا.

     هرقل: هل يتِّبعه أشراف الناس أم ضُعفاؤهم؟

     أبو سفيان: بل ضُعفاؤهم.

     هرقل: أيزيدون، أم ينقصون؟

     أبو سفيان: بلْ يزيدون.

     هرقل: هل يرتدُّ أحد عن دينه بعد أن يدخل فيه، سخْطة له؟

     أبو سفيان: لا.

     هرقل: هل قاتلتموه؟

     أبو سفيان: نعم.

     هرقل: كيف كان قتالكم إيّاه؟

     أبو سفيان: تكون الحرب بيننا وبينه سِجَالًا. يُصيبُ منّا، نُصيب منه.

     هرقل: فهل يغدر؟

     أبو سفيان: لا.

     هرقل: يأمُركم؟

     أبو سفيان: بالصلاة، والزكاة، والصِّلة، والعفاف.

     هاتان شهادتان لعدو، وصديق. لمشرك يحاربه، ولمسلم يصدِّقه. فهل اختلفتا في الهُتاف برفعة مناقبه، وسُموِّ مبادئه؟!.

     ولقد أعطَى «هرقل» في ذلك اليوم البعيد مثلًا نبيلًا لمنهج الرجل الحصيف المنصف في تمحيص الحقيقة، واستطلاع الرأي.

     وعلى الرغم من أن لغط حاشيته، ومخافة التمرُّد من شعبه، قد صرَفاه عن اعتناق الإسلام. فإن الطريقة والحوار اللذين عالج بهما القضية المُثارة، قد أبانَا جَدارة «الرسول» عليه الصلاة والسلام بالتصديق والاتباع بالتوقير والإِكبار. حتى وَفْق مقاييس الحياد والتردد. مادام حيادًا يتوخى النزاهة، وتردُّدًا ينتظر الشجاعة، أو ينتظر البرهان!!.

     وإنا لنستبينُ ذلك من الكلمات الناصعة والبارعة التي عقَّب بها «هِرَقْلُ» على هذا الحوار. فقد قال لتَرْجُمانه:

     «قل له يعني أبا سفيان لقد سألتك عن حسبه فيكم، فزعمْتَ أنه فيكم ذو حسب.

     وكذلك الرُسل تُبعث في أحساب قومها!!

     «وسألتُك: هل كان في آبائه مَلك؟. فزعمت أن.. لا فقُلْتُ: لو كان في آبائه مَلِك، لكان رجلا يطلب مُلك آبائه!!

     «وسألتُك عن أتباعه أضعفاء القوم أم أشرافهم؟ فقلْتَ: بلْ ضعفاؤهم. وكذلك أتباع الرسل!!

     «وسألتُك: هل كنتم تتَّهمونه بالكذِب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمْتَ أن. لا. فعرفْتُ أنَّه لم يكُنْ لَيَدَعَ الكذِب على الناس، ويكذب على الله!!

     «وسألتُك: هل يرتدُّ أحد منهم عن دينه، بعد أن يدخل فيه، سخْطَة له؟ فزعمْتَ أن لا. وكذلك الإيمان إذا خالَطَتْ بشاشته القلوب!!

     «وسألتَك: هل يزيدون، أم ينقصون؟ فزعمْتَ أنَّهم يزيدون. وكذلك الإيمان حتى يتِمَّ!!

     «وسألتك هل قاتلتُموه..؟ فزعمْتَ أنكم قاتلتموه، وأن الحرب بينكم وبينه سجال، وكذلك الرسُل تُبلَى.. ثم تكون لهم العاقبة!!

     «وسألتُك: هل يغدر؟ فزعمْتَ أنَّه لا يغدر. كذلك الرسُل لا يغدِرون!!

     ثم يختتم «هِرَقْلُ» حديثه البليغ قائلًا لأبي سفيان:

     «إنْ يَكُ ما تقول حقًّا، فإنه نبيُّ .. ولقد كنتُ أعلم أنه خارج .. ولم أكُنْ أظنُّه منكم..

     ولو أعلم أني أخلص إليه، لأحببت لقاءه.. ولو كنْتُ عنده، لغَسَلْتُ عن قدميه..»!!

*  *  *

     هكذا كان عبيره. وكان نوره. يَهديان إليه، ويدُلَّان عليه!! حتى أولئك الذين لم يروْه ولم يجلسوا إليه؛ بل كان مصدرهم في معرفتهم به مجرد السماع عنه. وممَّنْ؟؟ من أكثر خصومه لدَادًا، وأقساهم قلبًا، وأعنفهم حربًا..!!

     إن «هرقل» حين تمنى أن ينال شرف لقاء سيدنا «محمد» عليه الصلاة والسلام، وحين ودَّ لو ينال غسل قدميه الشريفتين، لم يكن قد شاهده، ولا عايشه، بل ولا رآه.. فكيف لو كان رآه؟؟!

     إن كل ما عرفه به، بضع كلمات سمعها عنه.. وممَّن؟؟ من ضاغن، وشانىء، وعدو، يقتلع الحقيقة من تحت أضراسه اقتلاعًا. خشية أن يُعرف عنه الكذب إِذا هو تجانَف أو زاغ..!!

     فكيف تفتَّح عقلُ «هرقل» وقلبه لهذا الذي سمع..؟؟ وكيف تضمَّخَتْ روحه بعطرٍ ليس معه قارورته.. عطر قادم من بعيد..؟؟!!

     وكيف انثنى صدره على ذلك الشوق الحميم إلى لقاء «الرسول» وتلك الرغبة الحثيثة في أن يغسل قدميه..؟!!

     وكيف كاد يُسْلم لولا تصايُح رجال حاشيته، وأباطرة كنيسته..؟!

     لا أحسب أن ثمة سببًا يقدِّم لنا جوابًا شافيًا، ويفسِّر لنا هذه الواقعة وهذه الظاهرة سوى ما كانت عليه شخصية الرسول ، وشخصية دعوته من قوَّة الصدق.. وقوة الجذب.. وقوة التأثير..!!

     أمَّا قوَّة «الصدق» فلأنه كان رسولًا حقًّا، لا رسولًا مُنتحِلًا.. وكانت هناك نُبوءات صادقة، وإرهاصات ناطقة بحتمية مجيئه، وقُرْب ظهوره.. نُبوءات كان يعرفها العالمِون والمخلصون من أهل الكتاب وإن اسْتَغْشى عليها ثيابَهم قوم آخرون من أهل الكتاب وأيضًا انحدروا إلى كتمانها، وتردَّوْا في إنكارها!!!

     وأما قوَّتا الجذب والتأثير، فلأنَّ أولئك العِظام الذين يختارهم الله لحمل رسالته، ويصطنعهم لنفسه، ويصنعهم على عينه يُودِع شخصياتهم من الفَيْض ومن الإيحاء ما يُدني منهم القلوب، ويُطوِّع لهم رغائب الآخرين ومَوَدَّتَهم.. حتى إن تأثيرهم وهم غائبون، يكاد ينافس تأثيرهم وهم شهود وحاضرون..!!

     «فالمسيح» عليه السلام، رآه والتقى به في حياته عشرات من الناس أو مئات منهم من آمن به، ومنهم من كفر. لكنَّه منذ أن رحل عن دنيا الناس، ومئات الملايين تدخل مجال جاذبيّته طائعة، راغبة، مشتاقة..

     «والرسول» غادر الدنيا إلى الرفيق الأعلى تاركًا عشرات الألوف من الذين رأوه، وعاصروه، وآمنوا به، واتّبعوه.. لكنّه منذ رحيله، ومئات الملايين كذلك تدخل مجال جاذبيَّته، وتأنسُ بدينه، وتُسارع إِليه طائعة، راغبة، مشتاقة..!

*  *  *

     إِنَّ قوَّة الصدق، وعُرام الطاقة الكامنة فيها قوَّة الجذب والتأثير لرسالة «الرسول» و«شخصيته» لم تَكُفَّا عبر الأجيال عن تقديم النموذج الذي قدمناه منذ أربعة عشر قرنًا من خلال الحوار المُشِعِّ بين «هرقل» و«أبي سفيان»!!

     فكثير من الذين عاشوا على دين غير دين «محمد» ، رفضوا أن يخونوا الحقيقة، ويُزيفوا قول الحقِّ فيه.. ورفضوا أن يُغالطوا أنفسهم، ويكتموا الحقَّ وهم يعلمون.. فمضوا صادقين وشجعانًا يصدَعُون بما عَرفوه عن عظمته، وصدقه، وإخلاصه.. ويصدَحون في كلمة فرح مغتبطة بما بهَرهم من شخصيَّته المُضاءة والمضيئة.. لنقرأ مثلا لواحد من هؤلاء الذين أنجبهم عصرنا الحديث ذلك هو «لامارتين»..

     إنّه كما نعلم يُعرَف عنه إيمان بالإسلام ولا برسوله ولا بقرآنه ومع هذا فقد آمن بما احتشدت به شخصية «الرسول» من صدق، وبرِّ، وسُموّ، ونُبل، ورحمة، وهُدى، وأمانة، وعفة، وذكاء، وخلُق، ومن اقتدار هائل على تحدِّي الباطل وكنس الضلال.. ومن إيمان عميق بالله، وتبتُّل للدعوة، وولاء مُفيض لقيم الحق، والعدل، والخير، والفضيلة، والجمال..!!

     فصوَّر ذلك كلّه في كلمات أعطت التعبير النهائيَّ لما يستطيع إنسان أن يُبدى من حبّ، وتوقير، وإجلال.. ها هوذا يتحدث ويقول:

     «لم يظهر قطُّ رجل مثل «محمد» عَقَدَ نيَّتهُ حول غاية أعظم سُموًّا .. غاية فوق قدرة البشر. تستهدف هدم الخرافات القائمة بين الخلق والخالق.. وإِعادة الرِّبِّ إلى الإنسان، والإنسان إلى الرَّبِّ.. وإصلاح المبدأ العقليِّ السليم تجاه الألوهية في خَواء آلهة الوثنية الغلاظ المشوَّهين..!!

     لم يظهر قطُّ رجل مثله قام في أقل وقت بثورة بالغة الشمول، والاستمرار. فنشر الإسلام في أقسام جزيرة العرب الثلاثة، وفتح لوحدانية الله بلاد فارس، وخُراسان، وما وراء النهرين، والهند، والشام، ومصر، وجميع القارة المعروفة بأفريقيا الشمالية، وكثيرًا من جزر البحر المتوسط، وأسبانيا، وقسمًا من بلاد المغول..!!

     وإذا كان عِظَم المقصد، وضآلة الوسائل، واتساع النتائج مقاييس ثلاثة لعبقرية الرجل.. فمن ذا الذي يجرؤ على تشبيه أحد من عظماء العصر الحديث بـ«محمد» ..؟!

     إن أبعدهم صيتًا لايصنع غير هزَّ السلاح، وزعزعة الدُّول.. ثمَّ لم يُقيموا إذا كانوا قد أقاموا شيئًا سوى سلطات ماديَّة مُنهارة..!!!

     صحيح أن «محمدًا» هزَّ سلاحًا، وأزاح شرائع، وزعزع دُولا وأمما وأباطرة..

     بَيْدَ أنَّه فوق ذلك أزاح أفكارًا، ومعتقدات، وغيَّر نفوسًا، وأقام على كتاب أصبح كل حرف منه شريعة جنسية وروحية لأمم شتى..!!

*    *    *

إلى المحتويات

دراسات إسلاميـــــــة

من وراء تنحية الإسلام من حياة المسلمين؟

 

بقلم:  أ. د. الخشوعي الخشوعي محمد(*)

 

     عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله : «لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرًا بشبر وذراعًا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لَتَبِعْتُمُوْهُمْ، قلنا: يا رسول ا لله، اليهود والنصارىٰ؟ قال: «فمن؟» (أخرجه البخاري ومسلم).

     الإسلام الذي جاء به نبينا وحبيبنا محمد منهج كامل ونظام شامل، فهو عقيدة صحيحة قائمة على النظر والتدبر فيما خلق الله تعالى وأبدع في السماوات والأرض وما فيهما، يتبعها عمل صالح تزكو به نفس العامل، ويعود أثر ذلك على العامل بالصلاح والاستقامة في الدنيا وعلى المجتمع بالأمن والأمان والاستقرار، فهي عقيدة تلد خلقًا طيبًا وسلوكًا مستقيمًا.

العبادات الصحيحة:

     وسائل لتهذيب النفس وتقويم السلوك وتجعل المسلم موصولًا بالله تعالى دائمًا في كل أحواله وأوقاته وليست هناك وسائل أخرى تقوم مقامها وتعمل عملها.

المعاملات:

     تنظم علاقة الناس ببعضهم وذلك بتبيين ما يجوز من المعاملات وما لا يجوز، وذلك يقضي على أسباب التشاحن والتباغض بين الناس والصراع على الدنيا ورغبة كل إنسان في أن يحصل الدنيا بأي وسيلة بغض النظر عما ينشأ عنها من أضرار يعود أثرها على الفرد أو المجتمع أو هما معا.

أما الأخلاق والآداب:

     فقد تميز الإسلام بنظام أخلاقي فريد يجعل الملتزم به محسنًا إلى الخلق جميعًا، وهذا النظام الأخلاقي لا يأتي من فراغ وإنما هو ثمار طيبة لعقيدة صحيحة وعبادات صحيحة متقبلة.

     هذا هو الإسلام الذي جاء به نبينا محمد وهو كل لا يتجزأ بحال من الأحوال والله تعالى أمر المسلمين أن يستمسكوا به كله.

     قال الله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ (الزخرف:43-44).

     وحذر الله تبارك وتعالى المسلمين في شخص الرسول أن يتنازلوا ولو عن جزئية بسيطة من الإسلام فيقبلوا بعض أحكامه ويتركوا بعضها محذرًا إياهم من الاستجابة لمخططات الكافرين، فهدفهم أن يتنازل المسلمون عن دينهم شيئًا فشيئًا ليقبل المسلمون خططهم ولا يفطنوا إليها، ولهذا الهدف يعمل الكافرون بالليل والنهار ليقضوا على المسلمين ويتحولوا إلى ذيل القافلة بعد أن كانوا في المقدمة ولتنزع منهم القيادة.

     قال الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (المائدة:49-50).

     إن من آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه كفر بالكتاب كله؛ لأن القرآن كل لا يتجزأ، والكفر ببعضه كفر به كله؛ ولأن في الكفر ببعض الآيات أو الأحكام الإسلامية تكذيبًا للنبي فيما أخبر به عن الله تعالى وتكذيب النبي كفر ليس فيه خلاف بشرط أن يكون عالمًا غير جاهل وأن يكون مختارًا غير مكره وألا يكون متأولًا.

     ولقد عاب الله على اليهود وحكم عليهم بالكفر والخزي في الدنيا والآخرة حين فرقوا بين أحكام الله فقبلوا بعضها وتركوا بعضها. وهذا الحكم لا يخص اليهود وحدهم؛ بل يشملهم ويشمل كل من يعمل عملهم قال الله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (البقرة:85).

     وفي ذلك تحذير للمسلمين أن يسلكوا سبيل اليهود فيستحقوا ما استحق اليهود من الخزي في الدنيا والعذاب الأليم في الآخرة.

     ولقد طبق المسلمون الإسلام وجنوا ثمار تطبيقه في الدنيا التي وعدهم الله تعالى ورسوله بها نعموا بأمن وأمان واستقرار وحب وتراحم وإيثار وعزة وسيادة وقيادة وتمكين في الأرض.

     لقد علم الكافرون أن قوة الأمة الإسلامية ومناعتها تكمن في استمساكها بدينها فعملوا جاهدين لصرف المسلمين عن دينهم وإخراجهم من حصنهم الحصين وعقدت لذلك المؤتمرات السرية والعلنية ووضعت لذلك المخططات.

     وقد جربوا الغزو العسكري للعالم الإسلامي بعد إضعافه فقسموا العالم الإسلامي إلى دويلات وزعت هذه الدويلات بين الدول الكافرة، ووقعت كل دويلة تحت الاحتلال الأجنبي، فوجدوا في الأمة مناعة شديدة، ووقفت لهم بالمرصاد وردتهم عن ديار المسلمين واستشهد في سبيل ذلك أعداد غفيرة من المسلمين ونحن نغبطهم ونحتسبهم عند الله تعالى ونرجو الله أن يلحقنا بهم على خير.

     علم أعداء الإسلام أن الاحتلال العسكري مع تكلفته الكبيرة وتعرضهم للقتل يأتي بثمار عكسية ولا يحقق هدفهم فالأمة المسلمة يوقظها الاحتلال ويشعل النخوة في نفوس الأمة ويدعوهم إلى الوحدة والتآلف ضد المستعمر، ويملأ صدورهم غضبا على الكافرين، وتعود الأمة إلى دينها وربها تطلب منه النصر والتمكين، فعمد أعداء الله الكفرة إلى وسيلة أخرى للقضاء على الأمة المسلمة بتحويلها عن دينها بأقل تكلفة وبلا خسائر فعمدوا إلى تجنيد أناس من المسلمين للقيام بما عجزوا عن تحقيقه.

     لقد عمدوا إلى أن يعزلوا الإسلام عن قيادة الحياة، ويصوروه بأنه علاقة بين العبد وربه مكانها المسجد تنتهي بخروج المسلم من المسجد فإذا خرج المسلم من المسجد فعل ما يشاء، وتراهم أحيانا يهاجمون الإسلام في أشخاص المسلمين وأحيانا بانتقاصهم لرموز الإسلام وتشويههم إلى غير ذلك من وسائلهم المكشوفة التي لا تخفى على أحد.

     لقد قام هؤلاء الأذناب بحماية القوانين الوضعية التي جلبها المستعمر إلى بلاد الإسلام والدفاع عنها، والتي تخالف الإسلام في أصوله وفروعه وأخلاقه وآدابه وليس بينها وبين الإسلام الذي جاء به محمد أدنى التقاء. إنها تبيح الكبائر والفواحش التي تنفر منها الفطر المستقيمة، والتي حرمها الإسلام تحريما قاطعا؛ بل وشرع بسببها حدودًا زاجرة رادعة لحماية المجتمع؛ ولم يبق للمسلمين من الإسلام إلا الانتساب الاسمي إلى الإسلام والإبقاء على بعض العبادات لمن أراد، وقد يضطهد القائمون بها، وكان ذلك من ثمار الاستعمار الثقافي الذي كان بديلا عن الاستعمار العسكري الذي جلب معه هذه القوانين التي تخالف الإسلام، وحين رحل المستعمرون عن البلاد الإسلامية كان من الواجب أن ترحل هذه القوانين التي جلبوها معهم إلى بلاد الإسلام كواجب شرعي؛ لأن هؤلاء المستعمرين الذين قتلوا آباءنا وأجدادنا وخربوا دورنا ما كان للقوانين التي جلبوها إلى بلادنا أن تبقى لحظة واحدة بعد رحيلهم.

     ولقد حذرنا رسول الله من أولئك الأذناب المنافقين؛ لأنهم أخطر على الإسلام والمسلمين من الكافر الظاهر مبينا هدفهم والغاية التي يعملون لها بالليل والنهار، فهدفهم إيقاع المسلمين في الرذيلة وصرفهم عن الإسلام بكل وسيلة تمهيدا لردتهم.

     قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ اللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَ اللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا * يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ (النساء:26-28).

     وهؤلاء الأذناب هم أولياء الشيطان، تتحد أهدافهم معه وكأنه يتكلم على ألسنتهم فهدفهم إضلال الناس عامة والمسلمين خاصة ليرتد المسلمون عن دينهم وليكون الجميع وقودًا لنار جهنم، ولقد كشف الله عن هذا كله في كتابه الكريم وكذا النبي ، لنكون منهم على حذر ولا ننخدع بما معهم من وسائل فتانة.

     قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيٰطِيْنَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيٰئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ﴾ (الأنعام:121).

     وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطٰنَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾

(فاطر: 6). وكأني برسول الله الذي لا ينطق عن الهوى يرينا بأعيننا أذناب الكافرين وما يقومون به من إفساد للأمة المسلمة ليحذرهم المسلمون ولا ينخدعوا بانتسابهم الاسمي والشكلي إلى الإسلام فالحذر منهم أولى من الحذر من الكافرين الظاهرين.

     وكان من دور الاستعمار الثقافي أن يقلص الإسلام ويحصره في دائرة العبادات الفردية ويعزل الإسلام عن قيادة الحياة فالقرآن يقرأ للتبرك، ولتحصيل الأجر والثواب وتفتتح به الحفلات، ويقرأ على المقابر، وتعلق تمائم للنساء المجانين والأطفال المخابيل، ويصرف به الجن عن الإنسان مع أن الله أنزله لقيادة الحياة من أولها إلى آخرها يحتكم إليه الحياة من أولها إلى آخرها يحتكم إليه المسلمون في كل أمورهم فهو قرآن المحاكم وليس قرآن المآتم.

     قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتٰبَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرٰﯨﻚَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ (النساء:105).

     لقد ترك المسلمون مصدر صلاحهم وسيادتهم في الدنيا وسعادتهم في الآخرة وهو الإسلام العظيم، فكان لابد من أن يعاقبوا ليتداركوا الموقف وليعودوا إلى ربهم وإلى مصدر عزهم وكرامتهم.

     وتبع الضعف المادي هزيمة نفسية نكراء جعلت كثيرا من المسلمين يفقدون الثقة في أنفسهم؛ بل وفي دينهم وفي قيمهم ومبادئهم، ففقد هذا الصنف ولاءه وهويته وانتماءه للإسلام واعتزازه به وانساقوا خلف غير المسلمين يقلدونهم تقليدا أعمى فيما لا ينفع، غاضين الطرف عماينفع رغبة في التقرب والتودد إليهم، وأن يظهروا في صورة المتقدمين الحداثيين العلمانيين لكنهم في الحقيقة منافقون في الدرك الأسفل من النار.

     لقد وصل بعض المنافقين حد السخرية والاستهزاء بالأحكام الشرعية، بغض النظر عن كونها من المعلوم من الدين بالضرورة، ومعروف أن الذي ينتقص التشريع الإسلامي إنما ينتقص المشرع سبحانه وتعالى؛ بل وصل الحال ببعضهم إلى البحث لأعمال النبي محمد عن مبررات فأوقفوا النبي في موقف المتهم الذي يبحثون لأقواله وأفعاله عن مبررات وكأن النبي خالف الفطرة وما يقتضيه العقل وخرج من المألوف، يسترضون بذلك الذين ربوهم على بغض الإسلام ونظمه والاستهانة بالنبي محمد وبما يقول ويفعل.

     ونسي هؤلاء أن الرسول هو القدوة والأسوة والذي توزن أعمالنا وأقوالنا بأعماله وأقواله، فإن وافقت أعمالنا وأقوالنا أعماله وأقواله، فهي صواب، وإن خالفت أعمالنا وأقوالنا أعماله وأقواله فهي خطأ مردود على فاعلها أو قائلها أيًّا كان، فجعل هؤلاء الميزان مقلوبًا فانقلبت الأمور رأسًا على عقب، والناظر يجد أن هؤلاء العملاء قد وزعوا الأدوار التي يقومون بها فيما بينهم مراعين في ذلك الظروف، ومدى قبول الرأي العام المسلم لما يقولون حتى لا يصطدموا بجمهور المسلمين، لذلك فهم يقومون من وقت لآخر بقياس موقف المسلمين من فكرهم المنحل وإلى أي حد قبل بعض المسلمين أفكارهم.. والواجب على المسلم بمقتضى إيمانه بالرسول محمد وأنه رسول رب العالمين أن يسلم للنبي محمد تسليم الواثق الموقن بأن ما قاله رسول الله أو فعله هو الحق والصدق فالرسول محمد مؤيد بالوحي الذي لا يخطئ.

     قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (النور:51-52). وعن عائشة رضي الله عنها أنَّ رَسُولِ الله قَالَ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ. أخرجه البخاري ومسلم.

     وكأني برسول الله يرى بعيني رأسه حال الأمة المسلمة وما تردى إليه أمرها من تفريطها في دينها وتبعيتها للكافرين تحاكيهم وتقلدهم تقليدًا أعمى حتى ولو جلب عليهم الشرور؛ لأنهم غيبوا الإسلام من حياتهم، وعطلوا عقولهم عن النظر والتدبر فيما تجلبه عليهم هذه التبعية.

     عن أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَتَتَّبِعُنَّ سنن الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَ ذرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضبٍّ لَاتَّبَعْتُمُوهُمْ، قُلْنَا: يَا رََسُولَ اللهِ، الْيَهُوْدَ وَالنَّصَارَى قَالَ: فَمَنْ؟ أخرجه البخاري ومسلم.

     ويلاحظ أن (جحر الضب) غير نافذ، والضب يبول فيه ويتغوط فكيف تكون رائحته؟! إنها لرائحة منتنة ومع أن دخول جحر الضب تتأذى منه النفس إلا أن المفتونين بالكافرين المقلدين لهم لو رأوا غير المسلمين يدخلون هذا الجحر مع ما في دخوله من إيذاء نفسي وهذا أمر محسوس لا يحتاج إلى تفكير طويل، فإنهم سيقلدونهم لا لشيء إلا لحبهم لتقليد الكافرين وإن جر عليهم ضررًا ولم يحقق لهم نفعًا، ومرد ذلك إلى فقدان الثقة بالنفس والانتماء والولاء للإسلام العظيم وقد حذر الرسول الأمة من الوصول إلى هذه الدركة من التبعية لغيرهم وذوبانهم في الآخرين أو الكافرين متنازلين عن الحق الذي يدينون به لأن ذلك لن يتحقق إلا إذا فقدت الأمة هويتهاوإنتماءها إلى الإسلام واعتزازها به وعطلت عقلها عن النظر والتدبر والتفكير فصارت تفكر بعقل غيرها وانقادت له، وعند ذلك أصبحت تتبع الكافرين متنازلة عن دينها وقيمها الإسلامية التي أعزها الله بها.

     والحق الذي ندين لله به ولن يحيد باحث منصف من الاعتراف به أن الإسلام دين كامل، ونظام شامل فهو دين الله الذي ارتضاه لخلقه، ليقود حياتهم من أولها إلى آخرها ولينظم حياتهم الخاصة والعامة ولم يترك شيئًا إلا وشرع له فهو دين ودولة أو عقيدة ونظام ولقد حسم الله هذه القضية فقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتٰبَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل:89).

     والمسجد هو المدرسة التي يتزود فيها المسلم للحياة ويبدأ تطبيق الإسلام من خروج المسلم من المسجد ليطبق ما تعلمه في المسجد ويجعل له واقعا عمليا في حياته الخاصة والعامة.

*    *    *

إلى المحتويات

دراسات إسلاميـــــــة

حاجة البشرية إلى الرسل عليهم السلام

 

بقلم:  أ. د. إبراهيم عبد الشافي إبراهيم(*)

 

     لقد كان مجيء الرسل عليهم السلام إنقاذًا للبشرية، وأخذًا بأيدي الناس إلى الطريق المستقيم، فإرسالهم نعمة من الله تعالى على الناس؛ لأن الحاجة إليهم ضرورية، فلا ينتظم حال الناس ولا يستقيم لهم دين إلا بإرسال الرسل، ذلك أن الحق سبحانه قد جعل الرسل وسائط بينه وبين خلقه، يعرفونهم بربهم، ويفصلون لهم الشرائع، ويبينون لهم ما يحبه الله سبحانه وما يبغضه، ويوضحون لهم ما يضرهم وما ينفعهم، ولا سبيل لمعرفة ذلك إلا من جهة الرسل؛ بل إن حاجة البشر إلى الرسل أعظم من حاجة المريض إلى الطبيب، ذلك أن غاية ما يحدث من عدم وجود الطبيب هو وهن البدن، أما ما يحدث من عدم وجود الرسل هو موت القلوب وخراب النفوس وفساد الأخلاق.

     وقد بيّن القرآن الكريم الهدف من إرسال الرسل وشدة حاجة البشرية إليهم قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنٰـــتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتٰـبَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد:25)، وقد بين القرآن الكريم كذلك أن الناس لو تركوا من غير إرسال رسل لاحتجوا بكفرهم وأفعالهم ومنكراتهم، ولتعللوا بأنهم لم يأتهم من يدلهم على الحق ويرشدهم إلى الخير، ومن هنا جاء الرد الحاسم والقاطع ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (النساء:165) ويقول جل شأنه: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنٰـهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ (طه:134).

     لقد كانت دعوة الرسل والأنبياء عليهم السلام إنقاذًا للناس من براثن الشرك والوثنية، وتطهيرًا للمجتمعات الإنسانية من التحلل والفساد، ومن هنا يقول الحق سبحانه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتٰبَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنٰتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَ اللهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَٰطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (البقرة:213)، فالآية الكريمة توضح أن الناس كانوا على الهدى ودين الحق إلا أنهم اختلفوا وتنازعوا وعاثوا في الأرض فسادًا، وحادوا عن الطريق المستقيم فأرسل الله إليهم النبيين مبشرين ومنذرين وجعل سبحانه كل رسول منقذًا لقومه من الضلال والكفر، قال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيٰتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمٰتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّٰــمِ اللهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيٰتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ (إبراهيم:5).

     يقول الإمام ابن القيم: ... ومن هنا نعلم اضطرار العباد فوق كل ضرورة إلى معرفة الرسول وما جاء به، وتصديقه فيما أخبر به، وطاعته فيما أمر، فإنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح، لا في الدنيا ولا في الآخرة إلا على أيدي الرسل، ولا سبيل إلى معرفة الطيب والخبيث على التفصيل إلا من جهتهم، ولا ينال رضا الله البتة إلا على أيديهم» أ. هـ.

     وهنا سؤال دائمًا يطرح نفسه قديمًا وحديثًا في هذه القضية ومفاده: أن العقل البشري قد وصل إلى درجة عالية من التطور العلمي والتقني فهل من الممكن أن يستغني العقل عن الرسالة والوحي؟

     وللإجابة عن ذلك نقول: إن للعقل البشري ميدانه واختصاصه وطاقته، فإذا خرج عن حدوده أصابه الشطط والتخبط، وإذا خرج عن ميدانه كبا وتعثر، والعقول مهما بلغت من الرفعة والسمو والكمال، لا يمكنها الاهتداء إلى حقيقة الإيمان والمعرفة ووجوه الطاعات، وليس أدل على ذلك ما حدث قبل الرسالات الإلهية من الضلال والبغي؛ الذي شمل العالم في الأزمان الغابرة؛ بل ما حدث بعد أن خفت صوت الرسل وضاعت معالم الرسالات الماضية إلى قرب رسالة خاتم المرسلين سيدنا محمد إذ كان الناس يعبدون الأحجار والأشجار، ويؤله بعضهم بعضًا، ويستذل بعضهم بعضا؛ بل إن المصريين القدامى مع ذكائهم وعبقريتهم ألهوا الفراعنة، وعبدوا العجل، وحدث ذلك مع أهل الروم واليونان كل ذلك مع علو كعبهم وعبقريتهم العلمية في الفلسفة والأخلاق والقانون...

     يقول الدكتور: بول كلارنس: «لقد كنت عند بدء دراستي للعلوم شديد الإعجاب بالتفكير الإنساني وبقوة الأساليب العلمية إلى درجة جعلتني أثق كل الثقة بقدرة العلوم على حل أية مشكلة في هذا الكون؛ بل على معرفة منشأ الحياة والعقل وإدراك معنى كل شيء، وعندما تزايد علمي ومعرفتي بالأشياء من الذرة إلى الأجرام السماوية، ومن الميكروب الدقيق إلى الإنسان، تَبَيَّنَ لي أن هناك كثيرًا من الأشياء التي لم نستطع حتى اليوم أن نجد لها تفسيرًا حتى يُكشف عن أسرارها النقاب.

     ويؤكد هذا الكلام وليم جيمس الذي يقول أيضًا: «إن علمنا ليس إلا نقطة؛ ولكن جهلنا بحر زاخر، والأمر الوحيد الذي يمكن أن يقال بشيء من التأكيد هو: أن عالم معرفتنا الطبيعية الحالية محاط بعالم أوسع منه من نوع آخر، لم ندرك خواصه المكونة له.

     وأضيف إلى هاتين الشهادتين السابقتين شهادة العلامة المشهور كميل فلامريون الذي يقول: «إن من التناقض البين أن نرى أن الرقي الذي حصل في العلوم مما لامثيل له في التاريخ وأن هذه الفتوحات المتتالية التي تمت للإنسان في الطبيعة... قد رفعت عقولنا إلى الدرجات العالية؛ لكنها أهبطت إنسانيتنا إلى أخس الدركات، ومن المحزن أنه بينما نشعر بنماء قوتنا يومًا بعد يوم تنطفئ حرارة قوتنا، وتنصرم زهرة حياتنا القلبية بتأثير المطامع المادية والشهوات الجسدية».

     ومن هنا يمكننا القول: إن إرسال الرسل فضل ورحمة من الله تعالى للبشرية جمعاء، ولولاهم لظل الناس يهيمون في الضلال والخسران، مهما بلغت حدة ذكائهم، ومهما وصلوا إلى أعلى الدرجات في التطور العلمي والتكنولوجي.

     إن كل ما عرفته البشرية من خير حقيقي مرجعه إلى الوحي الإلهي الذي جاء به الرسل عليهم السلام وإن كل ما أصاب البشر من شر وضلال مرجعه إلى البعد عن تعاليم السماء وعدم الاقتداء بالرسل عليهم السلام وأن ما تزهو به البشرية الآن من الحرية والإخاء والمساواة وحقوق الإنسان مستمد في منبعه الأصيل من منهاج الرسل مع فارق واحد وهو أن هذه المبادئ كانت على يد الرسل الكرام حقائق واقعة، اتخذوها سلوكًا في حياتهم، وطبقوها في مجتمعاتهم، بينماهي على يد المتاجرين بها اليوم كلام جميل يخدعون به الناس، وليس له أدنى رصيد من الواقع، كما نسمع بمنظمات حقوق الإنسان، وجمعيات الرفق بالحيوان ومنظمات العفو والعدل المنتشرة في العالم.

     إن الناظر إلى حال الإنسانية اليوم ليبكي بدل الدموع دمًا لتلك المبادئ الأخلاقية المهدرة حتى أصبحت الضمائر تلبس وتخلع تبعًا للحاجة والمصلحة، والنتيجة الحتمية لهذا المقياس هي تلك الأنانية البشعة التي حولت الإنسان إلى وحش كاسر، يندفع وراء غرور المادة وطغيانها، فلا اعتبار عند ذلك الإنسان لقيم ولا لمبادئ إلا بقدر ما تحققه له من منفعة أو تحقق له غرضًا معينًا.

     إن ما يدعو إليه أنبياء الله عليهم السلام من مبادئ وقيم وأخلاق وسلوكيات ليس متأثرًا برؤيتهم الخاصة، أو من زاوية شخصية كشأن المصلحين والزعماء والساسة؛ بل بتوجيه رباني مؤيد بالوحي من قبل الله سبحانه وهذا التوجيه الرباني، لا يمكن أن يقع في الخطأ الفادح، الذي يقع فيه بعض الساسة والقادة، الذين يقدمون الحلول للناس برؤيتهم الخاصة أو بمصالحهم الذاتية كما فعلت الشيوعية من قبل، وفشلت نظرياتها فشلًا ذريعًا.

     وأنبياء الله عليهم السلام قبل أن يقدموا الحلول للناس في كل مناحي الحياة كانوا هم بذواتهم قدوة حية لفعل الخير والنموذج الذي يحتذي به في الطهر والنقاء، ولا يمكن أبدًا أن تجد مفارقة بين ما يفعلونه وما يدعون إليه، بخلاف ما نجده في حياة الكثير من المصلحين والمفكرين والقادة، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب:21)، وقال سبحانه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام:90).

     ومنهج الرسل يتقرر كذلك دون غيره بالعلم النافع الذي يقرب الإنسان من ربه، وينجيه من العذاب يوم القيامة.

     إن الموجهين والمرشدين فيما عدا القلة المؤمنة منهم قلما يوجهون البشر إلى الإيمان بالله واليوم الآخر، ذلك أن آفاقهم محدودة ومحصورة في الحياة الدنيا وزينتها ومتاعها، وهذا العلم الذي يقدمونه للناس عل فرض أنه نافع، ويحقق المصالح للناس في الأرض إلا أنهم لا يدركون ما في الكون من أسرار أودعها الله سبحانه كل ذرة من ذراته تبرهن على عظمته وقدرته ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَوٰةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ (الروم:7).

      إن أنبياء الله يقدمون للبشرية العلم النافع، والذي يكمن في معرفة الله سبحانه معرفة يقينية، معرفة لا تشوبها ريبة ولا يساورها شك، معرفة تورث القلب أمنًا وطمأنينة، معرفة تطمئن الناس على حاضرهم ومستقبلهم فيصلح حاضرهم ويستقيم باتباعِ منهج الله، مصداقا لقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيٰوةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (النحل:97).

     نعم: إنه العلم النافع الذي يصلح الدنيا ويسوق الناس إلى رضوان الله في الآخرة، علم تلقاه الأنبياء تلقيًا مباشرًا من لدن حكيم خبير عن طريق الوحي، يؤمنون به إلى أعلى درجات اليقين ويدعون الناس إلى الإيمان به، لتصلح به دنياهم وآخرتهم، وبدون هذا العلم النافع الذي انفرد به الأنبياء عليهم السلام لن يتم صلاح للبشرية؛ بل العكس هو الصحيح، فقد استخدم الناس كثيرًا من العلوم في إفساد الإنسان وتدميره، وليس أدل على ذلك من مخزونات الأسلحة النووية، والكفيلة بتدمير العالم كله أكثر من مرة كما يدعونه.

     لو أننا سرنا على منهج الرسل واقتفينا أثرهم لأصبحت كل العلوم نافعة سواء كانت طبًا أو هندسة أو رياضيات أو كيمياء أو فيزياء.. لأنها حينئذ تحقق المنهج الرباني، الذي أراده الله، وهي في نفس الوقت لا تفتنهم مهما كانت إغراءاتها عن اليوم الآخر، ولن تغرقهم في الضلال والإفساد والتدمير.

     لعلنا نلاحظ في الآونة الأخيرة أن التقدم العلمي الكاسح والذي أصاب دهشة الناس لم يرافقه أي ارتقاء أدبي أو خلقي يذكر؛ بل على العكس نلاحظ أن الدول التي تقدمت تقدمًا علميًا وتكنولوجيًا تعانى الآن من أزمات خانقة في الدين والأخلاق، فنراها سادرة في غيها، غارقة في مستنقع الشهوات والآثام؛ بل آثر بعض أفرادها العرى، وإباحة الشذوذ، والتفنن في استعباد الأمم الضعيفة وابتزاز خيراتها، ودفعهم الجشع والطمع إلى خوض الحروب من أجل الهيمنة والسيطرة على بعض الدول، ألا ما أحوج البشرية المتردية اليوم إلى منهج الرسل عليهم السلام الذي تلقوه من ربهم، الذي خلق الخلق وهو أدرى بما يصلحهم وينفعهم ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك:14).

     إنه لا سبيل إلى السعادة والفلاح والفوز في الدنيا والآخرة إلا بالسير على هذا المنهج، ولا يمكن معرفة الضار والنافع من العلوم إلا على أيديهم، ولا معرفة الطيب من الخبيث إلا من خلال هديهم، ولا ينال رضا الله سبحانه إلا عن طريقهم، ولا يمكننا أبدًا أن نميز بين الهدى والضلال إلا بمعرفة أحوالهم ودراسة تاريخهم واقتفاء آثارهم.

     لقد أعدهم الله سبحانه لهذا الشرف العظيم يذكِّرون الناس بالله، ويطبقون منهج الله، ويحرسون دينه، ويبطلون حجج المعاندين والمشككين... إنهم السفراء الذين اختارهم الحق سبحانه لأجل وأخطر الأعمال.

     إن النبوة ليست نظرية فلسفية يثرثر بها المثرثرون أو يلوكها المجادلون، وليست قضية لاهوتية يتباحث فيها مؤرخو الأديان، إنما هي اختيار أعلى من خالق البشر جل في علاه واصطفاء لأمر عظيم ممن يعلم السر وأخفى، إن الرسل هم الطريق الأوحد لهدايات السماء، والترجمة العملية لمراد الحق سبحانه من خلقه، وصدق الله العظيم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ (الأنعام:124)،

﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلـٰـئِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ الحج:75).

     والله أعلى وأعلم.

*    *    *

إلى المحتويات

دراسات إسلاميـــــــة

الكرامة الإنسانية وأثرها في البناء الحضاري

 

بقلم:  أ. د. ربيع خليفة عبد الصادق(*)

 

     شاء الله سبحانه وتعالى أن يكون الإنسان هو أعظم مخلوق وأسمى كائن ميزه الله عز وجل بالعقل والإرادة، وأمر ملائكته بالسجود له تحية وتكريما، ومن هنا أعطى الله سبحانه وتعالى لهذا الإنسان الحق في الكرامة والسمو عن بقية المخلوقات. وكان من مقتضى نعمة هذا التكريم، حرمة النفس، وبعث الرسل، وتنزيل الشرائع الضابطة لعلاقة الإنسان بالإنسان، والمنظمة لها تنظيما يحفظ ما منحه الله إياه من تكريم ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنٰــهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنٰـهُمْ مِنَ الطَّيِّبٰتِ وَفَضَّلْنٰـهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيْلًا﴾ (الإسراء:70).

     فالكرامة قيمة عليا جامعة، خص الله عز وجل بها الإنسان، وتعني فيما تعني: النفاسة، والرفعة، والعزة، وعلو الشأن، وانتفاء أي معنى من معاني الخسة والصغار والذل والهوان والابتذال.

أولا: من تجليات التكريم الإلهي للإنسان

     تأتي خلافة الإنسان في الأرض بطاقاته وقدراته الروحية والعقلية والعملية الخلاقة في مقدمة تجليات هذا التكريم الإلهي؛ قال تعالى: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ (هود:61) والمعلوم أن كرامة الإنسان، قد شملتها أصول الرسالة المحمدية، على مستوى العقيدة أولًا، ثم في الجانب السياسي والاجتماعي والحضاري، بكل مظاهره وكامل أنشطته.

     والذي تتعين الإشارة إليه هو أن ما خص الله سبحانه وتعالى به الإنسان من عطايا ونعم متمثلة في صورة قويمة في الخلقة وسامية في الفطرة ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (التين:4) وعقل رفع به فوق جميع الكائنات كل ذلك هو للإنسان من حيث هو إنسان، فلا يتوقف على عقيدة أو جنس أو لون أو ثقافة أو قوة أو ضعف.. إلخ.

     ويمكن أن نجمل هذه التجليات أو المظاهر في نقاط محددة، طبقا لآي القرآن الكريم، فيما يأتي:

     * خلقه الله تعالى بيده ونفخ فيه من روحه، وهذا لم يحصل لكائن آخر ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سٰجِدِينَ﴾ (ص:71-72).

     * أسجد الملائكة له تكريمًا، وتحديدًا للأدوار ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلٓئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ﴾ (البقرة:34).

     * أعطاه العقل الناقد المميز بين الحق والباطل. وهو مالم يعط لغيره، وأمره بالتفكر ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا﴾ (سبا:46).

     * خيره بَيْنَ الخير والشر ﴿وَهَدَيْنٰـهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (البلد:10) ولا يوجد معه كائن مختار غير الجن والكائنات كلها بعد ذلك مسيرة.

     * سخر له الكون كله له بسمائه وأرضه، أحيائه وجماداته كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمٰـوٰتِ وَمَا فِي الأَرضِ جميعًا مِنْه﴾ (الجاثية:31).

     * كافأه بعد ذلك إن وفق، وعاقبه إن أساء ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلّٰـــمٍ لِلْعَبِيْد﴾ (فصلت:46).

ثانيًا: من مقتضيات الكرامة الإنسانية

أ‌-   المساواة في الكرامة الإنسانية:

     انعكست تلك الرؤية للكرامة انعكاسًا تامًّا على مسألة جليلة الأهمية؛ وهي قضية (المساواة).

     المساواة في الأساس، وطبقا لما أقره الإسلام تعم الجنس البشري كله، وهي المساواة في القيمة الإنسانية المشتركة، التي تتمثل في الاعتقاد بأن جميع الناس «سواسية» في طبيعتهم البشرية، وعنصرهم الإنساني من حيث هم، وخلقهم الأول وأن ليس هناك جماعة تنحدر من سلالة خاصة، ينتقل أصلها هذا إليها بطريق الوراثة، إنما يقوم التفاضل بين الناس جميعا على أسس خارجة عن ذلك كله، مثل الكفاية والعلم والأخلاق والعمل... إلخ.

     إن مبدأ المساواة في الإسلام يتأسس على قاعدتين راسختين؛ هما: وحدة الأصل البشري، وشمول الكرامة الإنسانية لكل البشر، وذلك من منطلق قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا﴾ (فاطر:11) وقوله عزَّ وجل: ﴿يٰأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنٰـكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنٰـكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات:13) وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بِنِيْ آدَمَ﴾ (الإسراء:70) وقوله : «الناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب». رواه الترمذي.

     ولو تلمسنا سر هذه المساواة، لوجدناه نابعًا من عقيدة التوحيد ذاتها، ومايتأسس عليها من عبادات وتعاليم، فالجميع طبقا لهذه العقيدة ينتظم سلك العبودية المطلقة لله تعالى وحده. ومن تطاول فوقها وجب قمعه حتى يستكين في مكانته، لا يعدوها ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمٰوٰتِ وَالأَرْضِ إلا آتِيَ الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ (مريم:93) كما أن المسلم في نظرته إلى الناس؛ قويهم وضعيفهم يدرك أن زمام أمورهم في النهاية بين يدي الله تعالى، فلا يكون هيابًا لجبار، أو أسيرًا لتقسيم طبقي عنصري يسلبه إنسايته، لثقته في قول الله عز وجل له: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *  وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (الأنعام: 17-18) فلا شك أنه: «بهذا الروح المفعم باليقين والإباء، أبى الإنسان المسلم الاعتراف بأن لأحد من الخلق، اختراق أسوار المساواة العامة، والاستعلاء على غيره من الناس.

     إذن فلا تفريق بين الناس كل الناس من هذه الجهة، على اعتبار الديانة أو المذهب أو العرف أو الجنس أو الشعب أو الدولة أو الأمة أو اللون أو اللغة أو النسب أو السلالة، أو أي امتياز طبقي و وراثى.

     ولقد اتخذ الإسلام ذلك دعامة لجميع ما سنه من نظم لعلاقات الأفراد، بعضهم ببعض، وطبقه على جميع العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان. وإنمايكون التفضيل على أساس بعيد عن نطاق الجوهر «الإنساني» الواحد عند جميع البشر. ولا شك أن تحقق المساواة يتطلب أو يلزم عنه بالضرورة قيام العدالة واقعًا، وتمتع الناس بها.

      ب كفالة الحريات:

     إن الحريات على اختلافها التي ضمنها الإسلام للإنسان، من حرية الاعتقاد، إلى حرية التفكير والتعبير، والعمل، والحرية السياسية وضرورة حفظ العرض والنفس والمال مع التأكيد الشديد على أن ذلك كله أساسه عدم الاعتداء على حق الآخر هي في الحقيقة من أهم مقتضيات الكرامة، وهي في الوقت نفسه تعزيز لقيمة الإنسان، وعمل على ترسيخ التكريم الإلهي له. وغضبة الفاروق عمر رضي الله عنه، عندما اشتكى القبطى إليه عمرو بن العاص وابنه، وقوله عمر المشهورة - «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهم أحرارًا» - دلالة على احترامه البالغ، للكرامة الإنسانية، وهذا نابع من روح الإسلام ونظرته السامية إلى الإنسان؛ مسلمًا كان أم غير مسلم.

ثالثًا: من أسس البناء الحضاري

أ‌.      الإنسان:

     ليس من شك في أن بحث العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها، أمر ضروري وبالغ الأهمية، ولعل من الدقة القول بأن مشكلة كل أمة هي في جوهرها مشكلة حضارتها، ولا يمكن لأمة أن تفهم مشكلتها وتعالجها ما لم ترتفع بفكرتها إلى الأحداث الإنسانية، التي تكمن فيها وفيها وحدها عملية قيام الحضارة أو انهيارها. ومن هنا فإن مسألة بناء الحضارة، تتطلب أن نفكر أول ما نفكر، في عناصر ومقومات هذا البناء.

     ويرى فلاسفة الحضارة أن هناك عوامل عديدة تؤسس لقيام أية حضارة، منها: العلم، والقيم، من حق وخير وجمال. وللقيم دور كبير ليس في تأسيس الحضارة فحسب، ولكن في الحفاظ عليها وضمان استمرارها. ومع هذا يمثل الإنسان الأهمية المقدمة في هذا الصدد. فالحضارة تعتمد على أقصى تطور ممكن في قوى الكائنات الإنسانية الفردية، وما القيم المذكورة إلا تجليات لتجربة الأفراد. ولهذا يرى المنظرون لإشكالية قيام الحضارات وانهيارها أن أي نظام سياسي أو ديني أو تعليمي أو ثقافي أو اجتماعي لا يوفر المناخ الإنساني المناسب مآله الفشل والانهيار؛ لأن خصوبة الحياة والعطاء والإبداع لا تلبث أن تتلاشى وتتبخر في حرارة الطغيان والاستبداد.

     إن المفكر المسلم مالك بن نبي، واتساقًا مع ما سبق شرحه يرى أننا إذا أردنا تحليل منتجات أية حضارة، لنقف على أسس بنائها، نجدها تتكون من ثلاثة عناصر:

     1- الإنسان، لأنه ولد هذه المنتجات بفكره، وصنعها بيده.

     2- التراب، ومنه كل شيء على الأرض وفي باطنها.

     3- الزمن، وهو الوقت الذي اختمرت فيه فكرة هذا المنتج أو ذاك، وتبلورت في صورتها القائمة.

     ويمكن صياغة ذلك في معادلة رياضية، ويحرص مالك بن نبي على إيرادها في غير موضع، على هذا النحو:

     الحضارة = الإنسان + التراب + الوقت

     وتأتي العقيدة مفاعلًا ممازجًا ومحركًا لهذه الطاقات.

     وبقليل تأمل نقف على الدور المحوري المقدم للإنسان في المسألة الحضارية، وهذا يستوجب إعداد هذا الإنسان وتكوينه وبناءه، بناء يجعله قادرا على صنع الحضارة، لا على (تكديس) منتجاتها واستهلاكها.

      ب- الروح والمادة في البناء الحضاري:

     ليست غائبة عنا فكرة الدين، ودورها الأساسي في بناء الحضارة، بما تقدمه من رؤية مرجعية في الثقافة والسياسة والاجتماع والاقتصاد، بل ورؤية أشمل، إلى الكون والوجود والإنسان ذاته تتبدى على مكونات الحضارة ومقوماتها المختلفة، وهنا تبرز أهمية الإنسان وقيمته وكرامته في الثقافة الإسلامية. فالفكرة الدينية رافقت دائما تركيب الحضارة خلال مسيرة التاريخ الطويل. وهو أمر معروف أو محسوم في أكثر الأحيان لدى الباحثين والمفكرين.

     وفي هذا الإطار، يرى بعض فلاسفة الحضارة، أن الحقيقة الأولية الواضحة، التي تنذر بانحلال الحضارة الغربية، هي أن تقدمها المادي أكبر بكثير من تقدمها الروحي، وهذا اختلال للتوازن. فالاكتشافات التي جعلت قوى الطبيعة تحت تصرفنا على نحو لم يسبق له مثيل، هي نفسها التي أحدثت ثورة سلبية في العلاقات بين الأفراد، بعضهم وبعض، وبين الجماعات والدول.

     إن أي مجتمع إنساني يجعل السمة الحضارية إذا توافرت فيه شروط أساسية، تتجاوز المظاهر المادية إلى القيم المعنوية. فالوحدة في أصل النشأة لدى البشر قيمة معنوية ذات مدلول بالغ وأثر فاعل في المسألة الحضارية؛ لما ينشأ عنها من التعاون وتضافر الطاقات فيما ينفع البشر جميعًا؛ لأن هذه القيمة المعنوية توفر الاستقرار النفسي والاطمئنان الوجداني، الذي يدفع إلى الإنجاز المثمر.

     ولهذا يمكن الجزم بأن إنجاز الحضارة ونموها يتحقق متى حفظت للإنسان حقوقه الأساسية في الكرامة والحرية والمساواة، حتى تجد طاقته بما تحفل به من مواهب وطاقات متعددة مناخها الصالح الذي يتيح لها أن تنمو وتنتج، وإن فقدت هذا المناخ انكمشت وضمرت، وفقدت قابلية التحرك المجدي، والإنتاج النافع.

     والخلاصة: أن الكرامة التي يقررها الإسلام للشخصية الإنسانية، تشمل الحماية والحصانة المكفولة للإنسان، والتي يستمدها من طبيعته: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ (الإسراء: 70) ﴿وَ للهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِه ولِلْمُؤْمِنِيْن﴾ (المنافقون:8) ليرتب على ذلك، كرامة أخرى، هي كرامة استحقاق وجدارة، يستوجبهابعمله وسيرته، في حقل الإثمار الحضاري بأبعاده المختلفة، قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجٰتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (الأحقاف:19) وقال تعالى ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَه﴾ (هود:3).

     وإجمالًا، تنتهي الحضارة أية حضارة عندما تفقد في شعورها معنى الإنسان. والحضارة الإسلامية انطفأت جذوتها يوم فقدت في أساسها قيمة الإنسان، وإذا كانت هناك محاولات نهوض حقيقي في العالم الإسلامي، فلن تنجح إلا بقدر ما تضع في ضمير المسلم من قيمة وكرامة، له وللآخر، حتى لا يقع في هاوية العبودية أو الاستعباد.

*    *    *

إلى المحتويات

دراسات إسلاميـــــــة

أضواء على بعض الأمثال في القرآن الكريم

 

بقلم:  الأستاذ خالد معرّك(*)

 

     إذا كانت الأمثال صفوة تجارب العقول والقلوب، وميراث حكمة الأمم عبر الحياة، فأمثال القرآن الكريم خير الأمثال وأعظمها؛ لأنها من كلام العليم الحكيم، والمثل السائر منها هو الحكمة البالغة للناس والحجة الدامغة للعقل، ولما استحوذت آيات القرآن الكريم على قلوب المسلمين منذ فجر الإسلام، فقد جرت بعض آياتٍ منه على الألسنة مجرى المثل. وأضحت من أصدق الوسائل الأدبية تعبيرًا.

     ولقد صنِّفت في مجال الأمثال القرآنية كتب عديدة، منها المفقود الذي لا نعرف إلاّ اسمه واسم مؤلفه ككتاب «أمثال القرآن» للقواريري، من رجال القرن الثالث الهجري، ومنها ماوصلنا ككتاب «الأمثال من الكتاب والسنة» للحكيم الترمذي من رجالات القرن الثالث الهجري أيضًا، وجمع في كتابه هذا طائفة من أمثال القرآن الكريم، والحديث الشريف والحكماء إضافة إلى الأمثال التي اهتدى إليها بنفسه، وأمثاله تدور في فلك حكمة القرآن الكريم، والمعاني الإسلامية. أما السيوطي فقد نقل لنا عن الماوردي مجموعة من أمثال القرآن الكريم، فشرحها وعلّق عليها وساهم علماء آخرون بجهود محمودة في هذا المجال.

     وكثرت في العصر الحديث الكتب التي تناولت الأمثال عامة، والأمثال القرآنية خاصة، ومعظم جهود المعاصرين تنحصر في جمع تلك الأمثال. وثمّة من بحث في الأمثال القرآنية بوجه عام، منهم الدكتور بكري شيخ أمين، في كتابه «التعبير الفني في القرآن» وعبد الرحمن حبنكة في كتابه «الأمثال القرآنية» حيث وجّه عنايته إلى الجانب البلاغي والفنّي في الأمثال.

     وللأمثال أهمية كبرى في حياة الشعوب، ولها قيمة عظيمة في عمر الحضارات؛ لأنها مرآة صافية تعكس خبرة قرون طويلة، وصورة ناصعة ترتسم على قسماتها حكمة الأيام، فهي عصارة فكر السلف، وصفوة تجارب الإنسان، في عبارة  قصيرة تندرج حكاية طويلة، وفي جملة موجزة بليغة تكمن قصة مسهبة، إنها «وشي الكلام، وجوهر اللفظ، وحَلْي المعاني... فهي أبقى من الشعر، وأشرف من الخطابة، لم يسر شيء مسيرها، ولا عمّ عمومها، حتى قيل: أَسْيَر من مثل...»(1).

     والجذر الثلاثي م، ث، ل، جذر قديم عرفته اللغات الساميّة، فهو في اللغة العربية (مَثَلٌ)، وفي الآرامية (مَطْلا)، وفي الحبشية (مِسِل بالإمالة)، وفي العبريّة (ماشال). وفي الأكاديّة (مِشلُوم). وحسب اشتقاق هذه الأسماء فإنها تتضمّن معنى المشابهة والمماثلة.

     والمَثَل في المعاجم العربية يعني: الشبيه والنظير، والحديث نفسه، والشيء الذي يضرب لشيء مثلًا، فيكون مثله، وهو بمعنى الصفة، وربما استُعير لفظ (المَثَل) للحال العجيب والشأن الغريب(2).

     والمَثَل في الأدب قول محكيّ سائر، يُقصَد منه تشبيه حال الذي حُكيَ فيه بحال الذي قيل لأجله، كقول العرب: «ربّ رميةٍ من غير رامٍ» أي ربّ إصابة هَدَف حصلت من رامٍ شأنه أن يخطئ، فهذا المثل وضع في أصله لمعنى معيّن، ويجوز أن يقال ويتمثّل به في كل حال تشبه الحال الأصيلة الأولى... ولا تختلف صيغة المثل في استعمالاته كلها، فإذا خوطب رجلٌ أو اثنان أو أكثر أو امرأة أو اثنتان أو أكثر قيل: «ربّ رمية من غير رام» دون زيادة أو نقصان(3).

     والفرق بين المثل والحكمة هو أن الحكمة تعني الإصابة في القول والفعل والفهم، وتفيد معنى واحدًا من نهي أو أمر أو إرشاد. أما المثل فإنه يفيد معنيين: المعنى الظاهر وهو إمّا حدث تاريخيّ أو قصة أو حادثة لها شأن غريب، والمعنى الباطن الخفي، ومرجعه إلى الحكمة والإرشاد، وفيه يلتقي المثل بالحكمة في المؤدّي، وإن كانا مختلفين في بعض صفاتهما وخصائصهما.

المثل في القرآن الكريم

     إنه توضيح بعد غموض، وجلاء يعقب خفاء، وهو وعد ووعيد، وهديٌ وإرشاد وتوجيه، وتأنيب وتحذير وتقريع، وأحوال سالفة، فيها موعظة وعبرة ودعوة إلى الخير والحق والفلاح، فالأمثال في القرآن الكريم لون من ألوان الهداية الإلهية، تحض النفوس على الخير، وتحثها على البر، وتحذّرها مانعةً إياها من ارتكاب الآثام. «وكل آية قرآنية ذكر فيها لفظ (مثل) هي من الأمثال، كذلك فإنّ ما يضربه الله للناس من أقوال تتضمّن مافيه غرابة، من تشبيه أو استعارة أو قصة يُعَدُّ من الأمثال القرآنية»؛ التي تتصف بإيجاز اللفظ وإصابة المعنى وحسن التشبيه وجودة الكناية.

     وقد استخدم القرآن الكريم الأمثال في مدلولها العربي وكما يفهمها عامة الساميين، في إبراز المعقول في صورة المحسوس، وكشف الحقائق، وتقريب المعاني إلى الأفهام، وعرض الغائب في معرض الحاضر، وجمع المعنى الرائع في عبارة موجزة، تثبت المعنى في الذهن، وتسهل طريق التأسّي والوعظ، وتدفع إلى الإقناع بأوجز سبيل.

     ويتفق أغلب الدارسين على تقسيم أمثال القرآن إلى الأنواع التالية:

الأمثال الكامنة، والأمثال الصريحة أو القياسيّة، والأمثال السائرة

     فالأمثال الكامنة هي التي يُفهَم من معناها أنها تشبه أمثالًا من الأمثال العربيّة، ولا ذِكر فيها لكلمة (مثل)، إنها «أمثال بمعانيها لا بألفاظها»(5) لذلك سوَّغ الباحثون لأنفسهم تسميتها بالأمثال الكامنة.

     وينقل السيوطي(6) عن الماوردي أن رجلًا سأل الحسن بن الفضل أسئلة عن بعض أمثال العرب ووجود ما يقابلها في القرآن الكريم من آيات، منها سؤاله أين أجد في كتاب الله كقولهم: «خير الأمور أوساطها»؟ فأجاب: تجده في أقواله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾(7). ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (8) ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾(9). ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلوٰتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾(10) فسأله: وأين أجد قول العرب: من جَهِل شيئًا عاداه. فقال: تجده في قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ﴾(11) ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾(12).

     ويمضي السيوطي في ذكر أمثال هذه الآيات، فيورد أحد عشر مثالًا من هذا القبيل، ويبدو لنا الإفراط في التكلّف، لأنه لا يمكننا إطلاق كلمة (المثل) على تلك الآيات، وإن حملت معنى مثل دارج سائر؛ لأن الصيغة التي تشترط في المثل لا تتوافر فيها، لذلك نرّجح رفض ما جاء به السيوطي ومن نسج على منواله، ولا نعدّ الأمثال الكامنة تندرج في بحث الأمثال.

     والأمثال الصريحة أو القياسيّة هي التي وردت فيها عبارة (مثل) كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمٰتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ﴾(13) وكقوله تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَوٰةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ...﴾(14) وكقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحٰبَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءهَا الْمُرْسَلُونَ...﴾(15) وغير ذلك.

     إن كلمة (مثل) قد وردت في صدر الآيات، وإن الغاية من ضرب المثل تصوير حادثة يُقصَد منها التأديب أو التحذير أو إيضاح طريقة السلوك الإنساني أو الإخبار بما يفيد العلم بطريقة تمثيليّة، ويلاحظ الإطناب فيما يسمّى بالأمثال الصريحة إذا ما قارنّاها بالمثل السائر الذي يتّصف بالإيجاز كما أن هذه الأمثال تجمع عمق الفكرة إلى جمال التصوير، فهي لا تلخّص قصّة أو حادثة، ولا تشير إليها إشارة لمّاحة، وإنما هي قصّة كاملة، وردت على صورة مثل، يهدف إلى التأديب أو الإرشاد، لذلك اتّصف هذا النوع من الأمثال بقلة السيرورة.

     علمًا أن البلاغيين والمفسّرين لم يقتصروا على هذه الأمثال في أثناء حديثهم عن التمثيل في القرآن، بل أضافوا إلى ذلك أمثالًا من القصص والصور المجازية وعدّوها من المثل القياسي، على الرغم من أن لفظ «مثل» لم يرد فيها صراحة. من ذلك قول الشيخ محمد عبده في تفسير قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِـي هَـَذِهِ اللّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ ...﴾(16) قال: «ويحتمل أن تكون القصة من قبيل التمثيل والله أعلم»(17).

     وإذا أمعنّا النظر في مادة الأمثال القياسيّة، استطعنا تبيُّن طائفتين منها: الأولى يتجه موضوعها إلى السلوك الإنساني إزاء رسالة الله ودعوته. والثانية تتجه مادتها إلى مخلوقات الله وملكوته. والأمثال المصرّحة أو القياسية في القرآن يبلغ عددها اثنين وعشرين مثلًا من الطائفة الأولى وثمانية أمثال من الطائفة الثانية.

     وأما الأمثال السائرة فهي في جملتها مبادئ دينية وخلقيّة مركّزة، وقد اكتسبت صفة المثل بعد نزول القرآن الكريم، فلم تكن أمثالًا في وقت النزول. وتمتاز بأنها جُمل مُرسَلة من غير تصريح بلفظ التشبيه، ويمكن استعمالها فيما يشبه ما وردت فيه. وتَتَّسم بالإيجاز في العبارة والشمول في المعنى، لذلك فهي أشدّ وقعًا وأبعد أثرًا في النفوس والقلوب، تتوغّل بعمق بمعانيها في العقول فتكون أشد إقناعًا للمتلقي من وصف الشيء ذاته. فمن عَقلَ الأمثال القرآنية سمّاه الله عالمًا، لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾(18).

     ونذكر من الأمثال القرآنية السائرة التي يربو عددها على مئتين وخمسة وأربعين مثلًا طائفة على سبيل المثال لا الحصر:

     ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾(19). ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾(20). ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾(21). ﴿لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ﴾(22) ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾(23). ﴿لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ﴾(24). ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾(25). ﴿الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾(26). ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾(27). ﴿أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾(28). ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ﴾(29). ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾(30). ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾(31). ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾(32). ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾(33). ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾(34). ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾(35). ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾(36). ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾(37). ﴿هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إِلا الإحْسَانُ﴾(38) ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾(39). ﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾(40). ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾(41) ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾(42) ﴿إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾(43). ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾(37). ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرً﴾(48).

     وقد درس البلاغيّون الأمثال القرآنية السائرة منهم الجرجاني في «دلائل الإعجاز»(49) والقزويني في «التلخيص في علوم البلاغة»(50) والزمخشري في «الكشّاف»(51) فتحدثوا عنها في أبواب الاستعارة والتشبيه والمجاز على أنها شواهد تنطوي على نكتٍ بلاغيّة،ولم يبحثوا في إطارها الفكري والفنّي العام.

دراسة وتحليل لبعض الأمثال القرآنية

     قال الله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرٰﯨﺔَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾(52) لقد شبّه الله تعالى اليهود الذين حُمِّلوا التوراة فقرأوها، وحفظوا ما فيها، لكنهم لم يعملوا بما جاء فيها، بحال الحمار الذي يحمل الكتب القيّمة، وهو جاهل بمضمونها، ووجه الشبه بين اليهود والحمار في هذا المثل شقاء كلٍّ منهما باستصحاب ما يحتوي على المنافع العظيمة، من غير أن يحصل على شيء من فوائدها، وغرض التشبيه أوالتمثيْل هو ذمّ اليهود وتقبيح أمرهم بتلك الحال.

     وقال الله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُورًا﴾(53). إنها قاعدة إلهية، يعلّمها الله الناس، كي يحسنوا تصريف أمورهم المعاشيّة، فلا بخل إلى درجة الشحّ والمنع، ولا إنفاق من غير داعٍ إلى درجة التبذير، ففي كلتا الحالين يكمن عظيم الضرر، فيكون صاحبهما عرضة للّوم أو الفاقة والعجز، وجاء التمثيل باليد المغلولة كناية عن التقتير والبخل، أما التصوير ببسطها فهو كناية عن التبذير والإسراف. وكلاهما مذموم. والاستعارة في هذه الآية تبدو من خلال استعمال (اليد) بهذا المعنى، فمنْعُ النائل بمنزلة تقييد اليد إلى العنق، وهي من قبيل استعارة المحسوس للمعقول.

     وقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيَ﴾(54). يسوق الله تعالى هذا الكلام على لسان امرأة العزيز في معرض دفاعها عن نفسها بعد حادثة تمزيقها لقميص يوسف عليه السلام، فتنفي العصمة عن نفسها، وتصف النفس بأنها داعية إلى الغيّ والأمر بالسوء، إلّا الذي عصمه الله من الزلل والخطأ، فأحاطه برحمته وعنايته، فهو في منجاة من ذلك(55). ويرى الشريف الرضيّ أن النفس في الحقيقة لا تأمر. ولكنّ الإنسان لمّا تبع ميلها إلى الشهوات، فانقاد وراء دواعيها، كانت آمرة له، وكان مطيعًا لها. وفي صيغة المبالغة (أمّارة) تعبير دقيق عن صفة النفس التي تستهوي الفساد وتستلذّ الرذيلة. ويرى القزويني(56) في الجملة الثانية المستأنفة «إن النفس لأمّارة بالسوء» معنىً لطيفًا، يُنزلُ السؤال منزلة الواقع، وذلك بتقدير سؤال، وتَرْكِ العاطف بين الجملتين، وهو ما يسمّى بالفصل، فكأنّ الجملة جواب السؤال: هل النفس أمّارة بالسوء؟ فأتي الجواب: إنّ النفس لأمّارة بالسوء. ويظهر بجلاء الإلحاح على تأكيد المعنى، بوساطة (إنّ) و(لام التوكيد، المزحلقة). ولايخفى أنّ هذه الآية الكريمة التي تجري مجرى المثل السائر، تنقسم إلى ثلاثة أقسام، كل قسم منهابمثابة مثل سائر بمفرده، فيقال في موقف الاعتراف بالخطأ: «وما أبرئ نفسي». وفي مقام ذمّ النفس: «إن النفس لأمّارة بالسوء». وفي حال الاستثناء من الخطايا: «إلّا ما رحم ربّي».

     وقال الله تعالى: ﴿يٰأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ﴾(57). في هذه الآية ثلاث وصايا إلهية جاءت بصيغتي الأمر والنهي، يأمر الله المؤمنين باجتناب الظن؛ لأن أغلب الظن في غيرمحلّه. ثم ينهاهم عن التجسّس وتتبّع أخطاء الآخرين وزلّاتهم وعيوبهم. ثم ينهاهم عن ذكر الآخرين بما يكرهون. وكل وصية من هذه الوصايا قد جرت بعبارتها مجرى المثل السائر. ففي موقف ذم الظن وبيان خطورته نتمثّل بقوله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾. وفي مقام النهي عن تتبّع الناس في خلواتهم نتمثّل بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجسَّسُوا﴾ وفي حال بيان فظاعة الغيبة والنهي عنها نتمثل بقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾. كماأن الآية بوصاياها الثلاث التي انطوت عليها تجري مجرى المثل الواحد. ويبدو بوضوح ما تتضمنه الوصية الثالثة من تمثيل وتصوير لما يلحق المغتاب من ذمّ على أفظع وجه، منها المبالغات المنفِّرة التي جاءت بصيغة الاستفهام الذي يعني التقرير في قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ ومنها جعلُ ما هو في الغاية من الكراهية موصولًا بالمحبّة، ومنها مالم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان حتى جعل الإنسان أخًا، ومنها الإغراق في التنفير، فلم يقتصر الأمر على أكل لحم الأخ حتى جعله ميتًا. كما نلاحظ التمثيل المركب في هذه الآية، وهو تمثيل أمر حسّي ومعنويّ بصورة حسيّة.

     وعندما يتأمل المرء مثل هذه الآيات يلاحظ سماتٍ عديدة تشترك في آن معًا. منها ما يتعلّق بالفكرة، ومنها ما يتصل بالأسلوب فالإيحاء والدلالة والتكثيف في العبارة، والتصوير الدقيق بأقلّ الكلمات وأبسطها، كلّ ذلك في رأيي كان من أهم الأسباب التي جعلت تلك الآيات الكريمة تجري على كل لسان، ويتمثّل بها كل عاقل.

     تتفق الأمثال القرآنية والأمثال السائرة عامة في الموضوعات التي تدور حولها الأمثال من عبرة وعظة وإرشاد ومدح أو ذمّ وإقناع وحجّة. وتشمل الفضائل الإنسانية والقواعد الأخلاقية والمبادئ المثلى في الحياة الإنسانية العامة، وحقائق الوجود وإبداع الخالق تعالى جلّ شأنه.

     إن الفكر العميق والبعد الإنساني الرحيب والتركيز الدقيق في كل آية من آيات كتاب الله ولاسيما الآيات التي تتضمن أمثالًا، كان له أبلغ الأثر في مسير الآيات القرآنية تلك على نحو لم يُتَحْ لكثير من أمثال العرب القديمة في اللحاق بالآيات أو مجاراتها في التبليغ والذيوع ولله المثل الأعلى.

*  *  *

الحواشي:

(1)    ابن عبد ربه، العقد الفريد (القاهرة، 1965) 3:63.

(2)    ابن منظور، لسان العرب.

     مادة (مثل).

(3)    شيخ أمين، بكري،التعبير الفنّي في القرآن (بيروت والقاهرة: دارالشروق، 1973) ص227.

(4)    حسين، محمد الخضر، بلاغة القرآن (دمشق: المطبعة التعاونية، 1971) ص31-32.

(5)    شيخ أمين، بكري، التعبير الفني في القرآن، ص228.

(6)    السيوطي، الإتقان في علوم القرآن (القاهرة: مطبعة البابي الحلبي، 1935) 2:132.

(7)    سورة البقرة:68.

(8)    سورة الفرقان:67.

(9)    سورة الإسراء:29.

(10)  سورة الإسراء:110.

(11)  سورة يونس:39.

(12)  سورة الأحقاف:11.

(13)  سورة البقرة:20.

(14)  سورةالنور:35 وما بعدها.

(15)  سورة يس: 13 وما بعدها.

(16)  سورة البقرة: 259.

(17)  عبده، محمد، تفسير المنار، ط8 (القاهرة: مطبعة المنار، 1346هـ) 3:52.

(18)  سورة العنكبوت:43.

(19)  سورة البقرة: 249.

(20)  سورةالبقرة: 286.

(21)  سورة البقرة: 216.

(22)  سورة الأنعام: 67.

(23)  سورة آل عمران: 185.

(24)  سورة المائدة: 100.

(25)  سورة آل عمران: 92.

(26)  سورة يوسف: 51.

(27)  سورة الحج: 10.

(28)  سورة هود: 81.

(29)  سورة فاطر: 43.

(30)  سورة الإسراء: 84.

(31)  سورة الرحمن: 26.

(32)  سورة القصص: 77.

(33)  سورةالمؤمنون: 53.

(34)  سورة الحج: 73.

(35)  سورة الحشر: 14.

(36)  سورة المدّثر: 38.

(37)  سورة يوسف: 41.

(38)  سورة الرحمن: 60.

(39)  سورة الصافّات: 61.

(40)  سورة النجم: 58.

(41)  سورة الكهف: 80.

(42)  سورة النور: 55.

(43)  سورة العنكبوت: 41.

(44)  سورة الشعراء: 277.

(45)  سورة المؤمنون: 96.

(46)  سورة الكافرون: 6.

(47)  سورة الصفّ: 3.

(48)  سورة الانشراح: 5.

(49)  الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز (دمشق: دار قتيبة، 1983).

(50)  القزويني، محمد عبد الرحمن، التلخيص في علوم البلاغة، ط2 (بيروت: دار الكتاب العربي، 1932).

(51)  الزمخشري، محمود بن عمر، الكشّاف (بيروت: دار المعرفة).

(52)  سورة الجمعة: 5.

(53)  سورة الإسراء: 29.

(54)  سورة يوسف: 53.

(55)  ابن كثير، تفسير القرآن (القاهرة: مطبعة المنار، 1343) 2:416.

(56)  القزويني، التلخيص في علوم البلاغة، ص178.

(57)  سورة الحجرات: 12.

 

*    *    *

إلى المحتويات

دراسات إسلاميـــــــة

السعادة عند علماء الإسلام

 

بقلم:  الأستاذ عبد الكريم بن عوض السلمي

 

     ونجد من علماء المسلمين الأوائل من ذكر السعادة في كثير من الكتب، والمؤلفات، بمفاهيم مختلفة أكتفي منها بما يلي:

     1- يذهب فخر الدين الرازي(1) إلى نفي أن تكون هناك لذة غير الحكمة، وقال لا لذة إلا في المعارف، وأما ما يسميه الناس لذة حسية كالأكل، والشرب إنما هو لدفع ألم الجوع، والعطش وما يسمونه لذة خيالية كالرياسة إنما هو دفع ألم القهر(2).

     والرازي لا يفرق بين اللذة والسعادة؛ بل يعتبرهما بمعنى واحد، وذلك ما أورده عنه بعض الباحثين، من خلال استقراء لآرائه في السعادة(3)، حيث قسم السعادة إلى مراتب ثلاث: روحانية، وبدنية، وخارجية، والروحانية تشمل العلم والعمل، والبدنية تشمل الصحة والجمال، والخارجية تشمل المال والجاه.

     2- ويرى أبو النصر الفارابي(4) أن السعادة هي غاية يتشوقه كل إنسان، وأنها أكمل ما يؤثر ويسعى إليه من الخيرات، وذكر أن الخيرات التي يؤثرها الناس ويتوجهون إليها ثلاثة أنواع:

     الأول: مايؤثر لتنال به غاية أخرى كالثروة فإنه يرغب فيه ليتوصل بها إلى مآرب أخرى إما محمودة كالإنفاق في وجوه البر، أو غير محمودة كإغراق النفس في ملاذها وشهواتها الطاغية.

     الثاني: ما يؤثر لذاته، وقد يقصد منه غاية أخرى مثل الرياسة؛ فإنها مرغوب فيها لذاتها، وقد يسعى إليها من يبتغيها وسيلة إلى غرض بعدها كجمع المال أو الانتقام من العدو أو نحو ذلك، وقال بعد أن ذكر النوعين السابقين: إن هذين النوعين ليسا من السعادة ولا السعادة منهما.

     الثالث: ما يؤثر لذاته ولا يقصد في وقت من الأوقات لتنال به غاية أخرى، وما هو إلا الخلق الجميل وقوة الذهن ثم قال: «وهذا هو أكمل الخيرات وهذا ما يسمى سعادة»(5).

     3- يرى ابن مسكويه(6) أن الغايات التي يتوجه إليها الناس ترجع إلى قسمين:

     الأول: ما يشترك فيه الناس والحيوان كالمأكل والمشرب ونحوهما وهو ما يسميه الناس لذيذا، هذا مما يظنه الناس سعادة وليس الأمر كما يظنون، فإن ما كان مشتركًا بيننا وبين البهائم ليس من شأنه أن يكون كمالًا لنا من حيث أنا أناس فلا يدخل في باب سعادتنا(7).

     الثاني: ما يختص به الإنسان ولا يشاركه فيه غيره من الحيوان وهو الأفعال الفاضلة والخلق الجميل وقوة الذهن، وبهذه الأمور الثلاثة تتحقق السعادة(8).

     4- الإمام ابن الجوزي(9) رحمه الله تعالى يرى: أن لذة العلم والأخلاق الفاضلة هي سعادة حقيقية وذلك بقوله: «لقد غفل طلاب الدنيا عن اللذة فيها، واللذة فيها شرف العلم، وزهرة العفة، وأنفة الحمية، وعز القناعة، وحلاوة الإفضال على الخلق فأما الالتذاذ بالمطعم والمنكح: فشغل جاهل باللذة لأن ذلك لا يراد لنفسه؛ بل لإقامة العوض في البدن والولد. وأي لذة في النكاح وهي قبل المباشرة لا تحصل، وفي حال المباشرة قلق لا يثبت عند انقضائها، وكأن لم يكن، ثم يثمر الضعف في البدن، وأي لذة في جمع المال فضلًا عن الحاجة، فإنه مستعبد للخازن، يبيت حذرًا عليه، ويدعوه قليله إلى كثيره، وأي لذة في المطعم وعند الجوع يستوي خشنه وحسنه، فإن ازداد الأكل خاطر بنفسه»(10). وقال أيضًا مبينًا أن لذات الدنيا جميعها مشوبة بالنغص:

     «من تأمل الدنيا علم أنه ليس فيها لذة أصلًا، فإن وجدت لذة شيبت بالنغص التي تزيد على اللذة أضعافًا، فمن اللذات النساء، فربما لم تثبت المستحسنة، وربما لم تحب الزوج، فمتى علم ذلك، انعـزل عنها، وربمـا خانت، وذلك الهلاك، فإن تمت المرادات، فذكر الفراق زائد في التألم على الالتذاذ.

     ومن اللذات الولد، ومقاساة البنت إلى أن تتزوج، وماتلقى من زوجها، وخوف عارها محن قبيحة، والابن إن مرض، ذاب الفؤاد، وإن خرج عن حد ا لصلاح زاد الأسف، وإِنْ كان عدوًا فمراده هلاك الأب، ثم إن تم المراد فذكر فراقه يذهب القلوب.... ومن هذا الجنس الالتذاذ بالمال، وفي تحصيله آثام، وفراقه حسرة، وذهاب العمر بـه غبينــة». إلى أن قــــال: «فينبغي لمن وفقه الله أن يأخذ الضروري، الذي يميل إلى سلامة الدين والبــــدن والعافيـــــة، ويهجر الهوى الذي نغصه تتضاعف على لذته، ومن صبر على ما يكره قصد النفع في العاقبـــــــــة، التذ أضعافًا كطالب العلم، فإنه يتعب يسيرًا، وينال خير الدارين مع سلامة العاقبة»(11).

     ولعل ابن الجوزي رحمه الله عندما خص طلب العلم بالذكر من بين سائر الأعمال الصالحة لم يقصد حصر اللذة فيه، وإنما ذكره مثالا للعبادات، والأعمال الصالحة التي يراغم العبد فيها هواه، وليبين فضل العلم ومعرفة الله تعالى.

     5- الإمام أبو حامد الغزالي(12) يقول: «إن كيمياء السعادة لا تكون إلا في خزائن الله سبحانه وتعالى، ففي السماء جواهر الملائكة وفي الأرض قلوب الأولياء العارفين، فكل من طلب هذه الكيمياء من غير حضرة النبوة فقد أخطأ الطريق(13)، وقد قسم السعادة إلى قسمين:

     الأول: سعادة مطلقة، وهي السعادة الروحية (النفسية) التي اعتبرها أفضل أنواع السعادات وأشرفها؛ لأن لها صلة عظيمة بسعادة الآخرة.

     الثاني: سعادة مقيدة، وهي ما كانت مقصورة على زمان أو مكان محدد(14).

     6- الإمام ابن القيم(15) يرى أن أنواع السعادة التي تؤثرها النفوس ثلاثة:

     الأولى: سعادة خارجة عن ذات الإنسان تتمثل في المال والحياة. وذكر أنها ليست حقيقية، فإنها سرعان ما تتبدل وتتغير.

     الثانية: السعادة البدنية، وتتمثل في الصحة، واعتدال المزاج، وتناسب الأعضاء وحسن التركيب، وصفاء اللون، وقوة الأعضاء، وعبر عن هذه السعادة بقوله: «وهذه ألصق به من الأولى ولكن هي في الحقيقة خارجة عن ذاته؛ فإن الإنسان إنسان بروحه وقلبه، لا بجسمه وبدنه كما قيل:

ياخادم الجسم كم تسعى لخدمته

أتطلب الربح في ما فيه خسران

انهض إلى الروح واستكمل فضائلها

فأنت بالروح لا بالجسم إنسان

     فنسبة هذه إلى روحه وقلبه كنسبة ثيابه ولباسه إلى بدنه»(16).

     الثالثة: السعادة الروحية (النفسانية) القلبية:

     يرى ابن القيم رحمه الله أن هذه السعادة حقيقية، وأنها سعادة العلم النافع وهي الباقية على تقلب الأحوال والمصاحبة للعبد في جميع أسفاره في دوره الثلاث: دارالدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار وبها يترقى في معارج الفضل ودرجات الكمال.

     ويلخص رحمه الله الفرق بين تلك الأنواع الثلاثة السابقة بقوله: «أما الأولى فإنها تصحبه في البقعة التي فيها ماله وجاهه، والثانية تعرضه للزوال والتبدل بنكس الخلق والرد إلى الضعف، فلا سعادة حقيقة إلا في الثالثة التي كلما طال الأمد ازدادت قوة وعلوًا، وإذا عدم المال والجاه فهي مال العبد وجاهه وتظهر قوتها وأثرها بعد مفارقة الروح البدن إذا انقطعت عنه السعادتان الأوليان، وهذه السعادة لا يعرف قدرها ويبعث على طلبها إلا العلم بها فعادت السعادة كلها إلى العلم وما يقتضيه والله يوفق من يشاء لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع»(17).

     هذا ما استطاع المؤلف الوقوف عليه من آراء العلماء والفلاسفة حول مفهوم السعادة، وذلك من خلال كتاباتهم مباشرة أو عمن نقل عنهم، ويظهر التفاوت الكبير في المفاهيم بين من نور الله بصيرته بنور الوحي فهوعلى نور من ربه، وفي معرفة عظيمة بربه، وهم علماء الإسلام وبين من تخبط في ظلمات الجهل، فضلّ عن سواء السبيل وهم أهل الفلسفة البحتة، الذين اعتمدوا على العقل وأهملوا النقل.

*  *  *

الهوامش:

(1)    هو محمد بن عمر بن الحسين بن علي القرشي الطبرستاني ولد عام 544هـ وتوفي عام 606هـ.

(2)    انظر السعادة عند بعض علماء الإسلام – لمحمد الخضر حسين، ص5، المطبعة السلفية ومكتبتها، ص8.

(3)    انظر السعادة في المنظور الإسلامي – للباحث/ عبد الله محمد العامري رسالة ماجستير غير منشورة من جامعة بغداد. ص73.

(4)  فيلسوف عربي إسلامي لقب بالمعلم الثاني ولد في فاراب من خراسان عام 260هـ وتوفي بدمشق عام 339هـ، انظر الموسوعة العربية العالمية 17/178.

(5)    انظر السعادة عند بعض علماء الإسلام – لمحمد الخضر حسين، ص5، المطبعة السلفية ومكتبتها، ص10.

(6)  هو أحمد محمد يعقوب مسكويه، مؤرخ بحاث، أصله من الري، وسكن أصبهان وتوفي بها عام 421هـ اشتغل بالفلسفة، والكيمياء والمنطق ثم بالتاريخ، انظر الأعلام لخير الدين الزركلي.

(7)    انظر الاتجاه الأخلاقي في الإسلام، د. مقداد يالجن، ص60.

(8)    المصدر السابق، ص12.

(9)  هو جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، ولد عام 510هـ وتوفي عام 597هـ من الأئمة الأعلام والعلماء الأفذاذ صاحب التصانيف الكثيرة.

(10)  صيد الخاطر، دار اليمامة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الأولى 1420هـ ص302.

(11)  المصدر نفسه، ص502.

(12)  هو حجة الإسلام محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي، ولد بطوس عام 450هـ وتوفي عام 505هـ.

(13)  كيمياء السعادة، ص106 نقلًا عن بحث السعادة في المنظور الإسلامي، مرجع سابق.

(14)  انظر السعادة في المنظور الإسلامي، ص69 مرجع سابق.

(15)  هو العلامة أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية ولد عام 691-751هـ.

(16)  مفتاح دارالسعادة لابن القيم 1/107، وانظر السعادة في المنظور الإسلامي، مرجع سابق.

(17)  المصدر السابق 1/108.

*    *    *

إلى المحتويات

إلى رحمـــــــــــة اللّه

المدرس القدير الشيخ جميل أحمد السكروروي

 

بقلم:  مساعد التحرير

 

     انتقل إلى رحمة الله تعالى المدرس القدير فضيلة الشيخ جميل أحمد السكروروي أستاذ الحديث والفقه في الجامعة الإسلامية دار العلوم/ديوبند- في الساعة الخامسة مساء من يوم الأحد: 23/رجب1440هـ الموافق 31 / مارس 2019م عقب مرض استمر طويلا، فإنا لله وإنا إليه راجعون. فلله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده لأجل مسمى.

     نزلت وفاته صاعقةً على الأوساط العلمية الهندية وغيرها، وصلى عليه بالناس فضيلة الشيخ المقرئ محمد عثمان حفظه الله رئيس جمعية علماء الهند، وأستاذ الحديث بالجامعة الإسلامية دارالعلوم/ديوبند في دائرة «مولسري» بالجامعة، وشهد جنازته جمع غفير من أساتذة دار العلوم/ ديوبند وغيرها من مسؤولي وأساتذة وطلاب المدارس العربية داخل المدينة وخارجها بجانب عدد هائل من أهالي ديوبند وأهالي قريته «سكروره» بمديرية سهارن فور. وثوي جثمانه في المقبرة القاسمية بالقرب من أساتذته ومشايخ الجامعة الكبار. وخلف الشيخ وراءه فراغًا يعز ملؤه من بعده.

     وأسرة الداعي إذ تنعاه تدعو الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأدخله فسيح جناته، و أنزله منزلا مباركا في جنات النعيم، وألهم أهله وذويه الصبر والسلوان، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، لا معقب لحكمه ولا رادَّ لقضائه، طبتَ حيًّا وميتًا يا أبا خليل، اللهم إنا نؤمن بقضائك ونحتسب عندك أجر الصبر على بلائك.

مرضه:

     قبل ثلاث سنوات أجري فحص كلي لجسده، فتبينت نقطة سوداء في رئته، وقال له الأطباء: لايهمك أمرها، فهذا شيء عادي. وقبل سنتين ونصف ابتلي بمرض السعال بصورة غير عادية، وأجري الفحص الطبي لرئته مرة أخرى، فتبينت النقطة السوداء من جديد ،وفي نهاية الأمر توصل الفريق الطبي إلى أنه مصاب بالسرطان، واستمر علاجه في مستشفى جي تي بي (G.T.B) بدهلي العاصمــــــة الهنديــــــة مـــــــدة سنتين كامـــلتين. وكان يقاوم المرض بجلــد وصبر، و لايشكوه إلى أحد، فإذا عاده أحد قال لهم: أيُّ بني آدم لم يلم به المرض، وكل حي مصيره إلى الممات، فكيف نخافه؟ وقبل وفاته بنحو شهر نقل إلى المستشفى المعروف في ديوبند بمستشفى الدكتور/دي كي جين. و عُدته فيه فوجدته مغشيا عليه لايعرف أحدًا إلا بشق النفس، و حـــــاول ابنه المتـــــــواجـــــــد بجـــــــــــوار ســـــريره أن ينبهه على مقدمي، ولكن بدون جدوى. وقبل عشرة أيام من موته نقل إلى مستشفى في دهلي للعلاج، وقد اشتدت عليه وطأة المرض في هذه الأيام، و فقد أهله وذويه كل أمل في حياته، حتى جاء الأجل المحتوم ولبّٰى نداء ربه، وفارق إلى الرفيق الأعلى. وخلف الشيخ وراءه بجانب آلاف من أولاده  الروحانيين- ثلاثــــــــــة بنين، وهم كل من: الحافظ خليل، والحافظ عبد الله جميل، وعبد الرحمن جميل، وبنتًا واحدةً. كلهم متزوجون ولهم بنون وبنات إلا عبد الرحمن جميل، فلايزال عزبًا.

مولده:

     ولد الشيخ جميل أحمد بن جان محمد السكروروي في «سكروره» من مديرية «هريدوار» بولاية «أترا خاندا»، الهند، في 22/جمادى الآخرة 1369هـ=10/أبريل عام 1950م.

دراسته:

     بدأ دراسته في بلده «سكروره» فقرأ القرآن الكريم نظرًا، واستكمل دراسة المرحلة الابتدائية ذات خمس سنوات فيها، ثم توجه إلى جامعة كاشف العلوم/تشتمل فور، والمدرسة الخليلية فرع جامعة مظاهر علوم سهارن فور- والتحق بدارالعلوم/ديوبند عام 1385هـ/1966م، ومكث فيه بضع سنوات، وقرأ على كبار علمائها ومشايخها، وتخرج في الحديث منها عام1390هـ/1970م على الشيخ فخر الدين رحمه الله تعالى. ومن أبرز مشايخه في دارالعلوم/ديوبند كل من:

     1. حكيم الإسلام المقرئ محمد طيب رحمه الله.

     2. الشيخ فخر الحسن رحمه الله.

     3. الشيخ شريف الحسن رحمه الله.

     4. الشيخ ميان أختر حسين رحمه الله.

     5. الشيخ نصير أحمد خان رحمه الله.

     6. الشيخ وحيد الزمان الكيرانوي رحمه الله.

حياته التدريسية:

     بعد تخرجه من دارالعلوم/ديوبند بدرحات ممتازة تنقل في عدة مدارس معلمًا ومربيًا و موجهًا تربويًّا، منها الجامعة الرحمانية/ هابور ميروت، ومدرسة كاشف العلوم/تشتمل فور، ومدرسة قاسم العلوم/غاغل هيري بمديرية سهارن فورحيث ولي التدريس ورئاسة هيئة التدريس.

ترشيحه للتدريس في دارالعلوم/ديوبند:

     نظرا إلى نبوغه وتضلعه من التدريس رشحته دارالعلوم/ديوبند عام 1397هـ/1977م للتدريس فيها، ثم عمل مدرسًا في دارالعلوم وقف/ ديوبند عام 1982م بعد نشأتها. وعاد إلى التدريس في دارالعلوم/ديوبند عام 1420هـ/2000م، وتدرج في المراحل التدريسية حتى وصل إلى ذروتها.

خصائصه ومزاياه:

     كان الشيخ السكروروي مدرسًا نابغًا، ومعلمًا قديرًا ناصحًا ونافعًا للطلاب إلى أقصى الحدود، عرف بجده وجهاده وتمكنه ونبوغه في تدريس المقررات الدراسية. وكان منهجه في التدريس سهلا ميسورًا، يسعى سعيه لتقريب الكتاب المقرر إلى ذهن الطالب وفهمه. وكان له درك كبير في حل معضلات الكتب الدراسية، فلايكاد يخرج الطالب من درسه إلا وقد وعى الكتاب وفهمه و استوعبه، واطمأن إليه. ويرغب أن يَدْرُس على الشيخ أهم الكتب الدراسية العويصة.

     كما عرف الشيخ السكروروي بتواضعه الجم، ولين جانبه، وحسن خلقه.

     كان الشيخ السكروروي شديد التقيد بالمواعيد وخاصةً مواعيد الدروس فكان لايدق الجرس إلى وهو في فصله مع الطلاب والكتاب، و ذلك عادة مستمــــرة لــــه، قال ذات يوم لطلابه: أتململ تململ السليم إذا ما دق الجرس وأنا خارج الفصل، فأسعى سعيًا حثيثًا أن يدق الجرس وأنا في الفصل.

     وكان الشيخ السكروروي معروفًا بالوفاء بالوعد، صريح القول والمعاملة مع الناس. يوافق لسانه ما في قلبه. كثير الاحترام لمشايخه وكبار العلماء. قؤولا بالحق ولايخاف في ذلك لومة لائم.

     ورغم معاناته لمرض شديد واظب على حضور الدروس، ما وسعه ذلك، وإذا لقي أحدًا لقيه هشًّا بشًّا لايكاد يعرف المرض في أسارير وجهه أو دله وسمته.

صلتي بالشيخ:

     لم أسعد بالقراءة على الشيخ؛ فقد كان يدرس في دارالعلوم وقف/ديوبند أيام تحصيلي في الجامعة الإسلامية: دارالعلوم/ديوبند، وكنت أسمع عن تمكنه من التدريس والشرح والبيان في الأوساط الطلابية. وتم ترشيحي مدرسًا في الجامعة عام 1431هـ فكان اجتماعي به، ولقائي معه، فوجدته من خير الرجال وأرحمهم بالصغير، وكان يلاطفني حين يجمع بنا الاجتماعات في الجامعة أو أمرّ به في ردحاتها فيستوقفني، ويتحدث إلي. وذات مرة بلغنا مرضه فاتجهنا إلى بيته نعوده، فلم نجده وقالوا: الشيخ في مكتبته التجارية غير بعيدة من مقر دارالعلوم/ديوبند، فأزمعنا في اليوم التالي أن نعوده فيها، فتوجهنا إليها، فإذا الشيخ وسط حلقة من الطلاب والمشايخ الذين جاءوا لأداء واجب العيادة والسلام عليه. فجلسنا عنده ساعةً، وتحدث معنا كأنه سالم معافى، وما به من علة. وقدم لنا الشأي الحار وبعض المرطبات. وتوطدت صلتي به فيما بعد بصورة لم أتخيلها. و ذات مرة مررت أنا وبعض أساتذة الجامعة على مكتبته التجارية وهو داخلها، ولم نشعر بأنه قد رآنا، وكنا على عجل، فآثرنا المرور أمام المكتبة دون السلام عليه. ولم يعجبه ذلك، وبعد بضعة أيام واجهته في رحاب الجامعة فوقف واستوقفني، وقال: لم أكن أتصور أنك تمر من أمامي دون السلام علي؟ يا له من عطف، عطف الكبير على الصغير وعنايته به!! موقف لا أنساه ماحييت. فاعتذرت إليه، وتعللت ببعض الأعذار، ولم يقبل شيئا من ذلك. ومن هنا عظم في عيني وسمت مكانته في قلبي، فقد كان في عمر والدي رحمه الله وسميَّه.

     ويبلغ مني العجب والحيرة كل مبلغ حين كنت أراه في قاعة الامتحانات، يمشي على رجليه طوال ساعتين متتاليتين لايعرف الكلل والملل والتعب والنصب في حين كثير من الأساتذة المسنين؛ بل الشباب من المدرسين يأخذون قسطًا من الراحة بالجلوس على الكراسي المختصة لهم خلال مراقبتهم لسير الاختبارات.

من أعماله:

     1. أشرف الهداية شرح باللغة الأردية على الأجزاء الثلاثة الأولى من الهداية للمرغيناني أشهر المتون الفقهية الحنفية.

     2. تفهيم الهداية شرح على الجزء الرابع من الهداية للمرغيناني.

     3. قوت الأخيار شرح باللغة الأردية على كتاب نور الأنوار في أصول الفقه الحنفي.

     4. فيض سبحاني شرح الحسامي.

     5. أجمل الحواشي شرح أصول الشاشي.

     6. تكميل الأماني شرح مختصر المعاني.

     7. درس طحاوي شرح معاني الآثار للطحاوي.

     8. التقرير الحاوي شرح تفسير البيضاوي (مشارك).

ثناء العلماء عليه:

     لقد هز نعي وفاته قلوب الأوساط العلمية وشتت تفكيرها؛ فقد كان رحمه الله مدرسًا قديرًا وشارحًا لأشهر كتب الفقه الإسلامي على مذهب الحنفية- وهو «الهداية» للمرغيناني- حليمًا متواضعًا قؤولا بالحق عاملا به، وذا همة عالية، وقد أثنى عليه كثير من أهل العلم في الهند و غيرها، ونسرد أقوال بعضهم مخافة الإطالة:

     1. فقال فضيلة الشيخ المفتي أبوالقاسم النعماني رئيس الجامعة الإسلامية دارالعلوم/ ديوبند في كلمة عزائه على وفاته: «إن وفاة الشيخ جميل أحمد السكروروي- صاحب أشهر شروح الهدايـــــــة: أشــــــرف الهداية وأعظمها قبولا في الأوساط العلمية،- ومدرس الحديث والفقه، القدير البارع في دارالعلوم، تشكل وفاته خسارةً للأمة الإسلامية لاتعوَّض. كان الشيخ ملئ إلى مشاشه علمًا وعملا، وعلى ذروة من العزيمة والاستقلال والثبات، والصبر والاستقامة، قد منَّ الله تعالى عليه بكفاءات وقدرات مختلفة كثيرة، له عدة كتب».

     2. وقال الشيخ محمد سفيان رئيس دارالعلوم وقف/ديوبند: «لقد خدم الشيخ دارالعلوم وقف كثيرًا».

*    *    *

إلى المحتويات

محليــــــــــــــــــــــات

أسيمانند: المسلمون مبعث القلق للهند

 

بقلم: أبو عاصم القاسمي المباركفوري

 

دهلي الجديدة(الوكالات):

     قال سوامي أسيمانند- المتهم بالتفجيرات في مدينة أجمير، ومكه مسجد، وقطار التوافق السريع، وقد تم تبرئة ساحته من الاتهامات: «إن المسلمين مبعث قلق ليس للهند فقط، وإنما للعالم كله». قال في مقابلة صحفية: «حيث إن عدد المسلمين يتزايد في العالم، وعادوا يسيطرون عليه، وهم يعتبرون كل من لم يؤمن بالقرآن الكريم لايستحق البقاء على الأرض، فإنهم مبعث قلق للهند وللعالم كله».

     وأضاف قائلا: «المجتمع يعاني القلق بسبب المسلمين ورغم ذلك لم أفكر بالقضاء عليهم قط، ولقد بلغ مني العجب والحيرة حين سمعت أن الشرطة تتابعني وتبحث عني».

     (صحيفة «خبرين» الأردية اليومية، دهلي الجديدة، ص1، السنة:8، العدد:305، 13/رمضان 1440هـ الموافق 19/مايو 2019م).

متى يكبح جماح الكراهية والنفور ضد المسلمين

تصريحات رئيس الوزراء فيما يخص الأقليات تذهب مهب الريح

مسلم يتعرض للضرب المبرح في ولاية Mماديا براديشL الهندية على أيدي حفظة البقرة المزعومين

دهلي الجديدة:

     لقد نشطت القوى الطائفية المتطرفة من جديد من «هريانه» المتاخمة للعاصمة الهندية: دهلي إلى بنغال الغربية. فقد تعرض شاب مسلم للضرب المبرح على أيدي مجموعة حفظة البقرة المزعومين لدى عودته في الليل المتأخر من المسجد في منطقة «غوروغرام» بولاية «هريانه» المتاخمة للعاصمة الهندية. يقول الضحية: لقد حالوا في طريقي وأمروني بأن أنزع الطاقية من على رأسي، وحملوني على النداء بما ينافي ديني وعقيدتي. فأبيته، فأقبلوا إلي ضربا باليمين والشمال. ونزعوا الطاقية من على رأسي ورموها بعيدًا.

     حدث ذلك بعد ما أدلى رئيس الوزراء الهندي بيانا صرح فيه بضرورة كسب ثقة الأقليات في الهند.

     والجدير بالذكر أنه ولأول مرة أدلى عضو البرلمان الهندي من قبل حزب «بي جي بي» المنتخب حديثًا وهو اللاعب الشهير بكرة الكركيت المدعو/كوتم كمبهير بيانًا ندد فيه بالحادث، وقال في تغريدة له: «لقد نزعوا الطاقية من على رأس مسلم، وحملوه على النداء بما يعارض دينه وعقيدته، وهو أمر يستحق التنديد والذم لأقصى الحدود، وعلى السلطات المحلية اتخاذ إجراءات لازمة في هذا الصدد».

     (صحيفة «انقلاب» الأردية اليومية، دهلي الجديدة (ميروت)، ص1، السنة:7، العدد:115، الثلاثاء: 22/رمضان المبارك 1440هـ الموافق 28/مايو 2019م).

*  *  *

سوامي أكني ويش: يجب الحظر على البرقع في العالم كله

دهلي الجديدة(الوكالات):

     دافع الناشط الاجتماعي المتظاهر بالتعاطف مع المسلمين: سوامي أكني ويش عن الحظر على البرقع. وقال: «يجب الحظر على النقاب والبرقع كليهما. والذي على جسده برقع يبدو حيوانًا لابشرًا، يثير العجب والخوف. وعلى النساء المسلمات أن يتقدمن بمطالبة الحظر عليه لا في الهند؛ بل في العالم كله. ولا أقل من اتخاذ إجراءات إيجابية بعد أحداث «سري لانكا».

     وأضاف قائلا: «أزور ولاية «راجستهان»، ولاية «هريانه» فألتقي بعمدات القرى وهن متنقبات، فأقول لههن: اضربن  بهذه النقابات عرض الحائط؛ فإن أزواجكن يستغلون السلطة المخولة لكنَّ.

     (صحيفة «خبرين» الأردية اليومية، دهلي الجديدة، ص1، السنة:8، العدد:293، الثلاثاء غرة رمضان1440هـ الموافق7/مايو 2019م).

*  *  *

اضربوا أعناق الشباب المسلم

بيان استفزازي يدليه عضو في البرلمان الهندي من حزب Mبي جي بيL

 

حيدر آباد (الوكالات):

     هدد عضو في البرلمان الهندي من حزب «بي جي بي» المدعو/سويم بابو راؤ الشباب المسلم بقطع حلقومهم، متهما إياهم بأنهم يستغلون نساء القبائل. وقام رئيس شعبة الأقليات في حزب المؤتمر الهندي المدعو/ساجد خان بتسجيل بلاغ ضد سويم بابو راؤ.

     وطالب خان المدعو/سويم راؤ بضرورة الرجوع عن تصريحاته؛ لأنه عضو في البرلمان الهندي ولايليق بمثله أن يدلي مثل هذه التصريحات التي لا أساس لها من الصحة ضد الأقليات. ولم يحرك ذلك ساكنا في عضو البرلمان من حزب «بي جي بي».

     والجدير بالذكر أن سويم بابو راؤ كان من أعضاء حزب المؤتمر الهندي، وترشح لعضوية المجلس الإقليمي من قبل حزب المؤتمر ولم يحرز النجاح فيه، ثم رغب في الترشح لعضوية البرلمان الهندي فرفض الحزب طلبه، فانضم إلى حزب «بي جي بي» الذي رشحه لعضوية البرلمان الهندي، وفعلا أحرز المقعد، ولم يلبث أن عكف على إدلاء التصريحات الاستفزازية ضد الأقليات شأن غيره من الزعماء السياسيين الذين يبدأون بإدلاء التصريحات الاستفزازية بمجرد تحولهم من حزب المؤتمر الهندي إلى الأحزاب الأخرى.

     (صحيفة «خبرين» الأردية اليومية، دهلي الجديدة، ص1، السنة:8، العدد:340، الثلاثاء: 21/شوال 1440هـ الموافق 25/يونيو 2019م).

*  *  *

قتل شاب مسلم على أيدي جموع حاشدة يزلزل أطراف البلاد

تعرض المدعو/تبريز للضرب المبرح حتى الموت على أيدي مجموعة جنونية

تشكيل لجنة (S.I.T) للتحقيق في القضية،وتوقيف رجلين من رجال الشرطة عن العمل

 

رانجي( الوكالات):

     تعرض شاب مسلم للضرب المبرح حتى الموت على أيدي جموع جنونية حاشدة في قرية من قرى ولاية «جهاراخاندا» مما زلزل البلاد كلها. وسُمِع دويُّه في مجلس الشعب ومجلس الشيوخ في البرلمان الهندي. بعد التنديدات المتتالية من كل جانب اضطرت شرطة المنطقة إلى إلقاء القبض على أربعة من المشتبه بهم في الضلوع في الحادث، ولايزال البحث جارٍ عن خامسهم. وتم توقيف اثنين من رجال الشرطة عن عملهم بتهمة التقصير في القضية، وعدم إبلاغ السلطات العليا إياها.

     وتفيد التفاصيل أن المدعو/ تبريز (24 عامًا) تعرض للقتل على أيدي جموع جنونية يوم الثلاثاء الماضي بتهمة سرقة درّاجة عادية. وطالب أهل الضحية بعد وصولهم إلى المشرحة لتشريح الجثة بتسجيل البلاغ ضد كل من مسؤول الشرطة، ومسؤول السجن، وطبيب المستشفى المركزي.

     قال أحد قرابة الضحية /تبريز: إنه سافر من «جمشيد فور» إلى قرية من قرى «سرائى كيلا ساوان»، وعلى بعد خمسة كيلومترات من بيته تعرض لهجوم مباغت على أيدي مجموعة جنونية تتهمه بسرقة الدراجة غير النارية.

     وتفيد فيديو المحملة على مواقع التواصل الاجتماعي أن المجموعة الجنونية التي انهالت عليه ضربا أرغمته على النداء بما يعارض دينه وعقيدته، فلما فقد وعيه بعد الضرب العنيف سلموه إلى الشرطة. وقدمته الشرطة إلى المستشفى للعلاج بعد خمسة أيام قضاها في السجن، وتوصل المستشفى إلى أنه قد لفظ نفسه الأخير سابقا.

     واتهمت عائلة الضحية أن الشرطة قصرت في علاج «تبريز» رغم تضرعه إليها بذلك. ولم تسمح له بلقاء عائلته.

     (صحيفة «خبرين» الأردية اليومية، دهلي الجديدة، ص1، السنة:8، العدد:340، الثلاثاء: 21/شوال 1440هـ الموافق 25/يونيو 2019م).

*  *  *

رئيس لجنة الحريات الدينية العالمية الأمريكية: نندد بشدة بما حدث في ولاية

Mجهار خانداL الهندية ونطالب باتخاذ الإجراءات الصارمة

واشنغاطن(الوكالة)

     أهابت اللجنة الأمريكية وهي تندد بأحداث جهارخاندا الهندية- بالحكومة الهندية إلى ضرورة إنزال العقوبة الرادعة على الضالعين فيها.

     والجدير بالذكر أن الشاب المسلم/تبريز أنصاري قتل على أيدي جموع حاشدة جنونية بتهمة السرقة في الأسبوع الماضي في قرية «ديهه» التابعة لمحافظة «سرائ كيلا» بولاية «جهارخاندا». وتفيد التفاصيل أن المجموعة الجنونية ربطت الضحية ببعض الأعمدة، ثم انهالت عليه بالعصي والهراوي، وأرغمته على النطق بكلمات مناوئة لدينه وعقيدته حتى لفظ نفسه الأخير.

     قال رئيس اللجنة الأمريكية /توني بركس: نندد بهذه القتلة الظالمة بشدة، التي تشي بأن المجموعة الإجرامية أرغمت الضحية على التلفظ بكلمات دينية هندوسية.

     وأضاف قائلا: «نطالب الحكومة الهندية بضرورة اتخاذ إجراءات قانونية صارمة رادعة تحول دون تكرر مثل هذه الأحداث المخزية.

     واستطرد قائلا: إن الشعور بعدم المسؤولية مما يشجع أمثال هؤلاء الذين يستسهلون استهداف الأقليات الدينية- على أعمالهم الإجرامية.

     والجدير بالذكر أن مصلحة الشؤون الخارجية الأمريكية صرحت في تقرير لها في الأيام الأخيرة بأن الهجمات على الأقليات وخاصة المسلمين مستمرة على أيدي جموع جنونية حاشدة من القوى الطائفية الهندوسية المتطرفة في عام 2018م.

     وقال التقرير: «لقد فشلت الحكومة في اتخاذ الإجراءات اللازمة ضد الضالعين في الهجوم الجماعي على الأقليات المسلمة، والمجتمعات الضعيفة ومنتقدي سياسة الحكومة».

     ورفضت الحكومة الهندية بدروها ذلك.

     وطالب وزرير الخارجية الأمريكية بضرورة تكاتف الأديان المختلف الهندية لأجل الحفاظ على الحرية الدينية في البلاد.

     (صحيفة «خبرين» الأردية اليومية، دهلي الجديدة، ص1، السنة:8، العدد:343، الجمعة: 24/شوال1440هـ الموافق 28/يونيو 2019م).

*    *    *

إلى المحتويات

أنباء الجامعــــــــــــة

دارالعلوم: مشروع قانون حظر الطلقات الثلاث تدخل في الشريعة الإسلامية

يحق لكل واحد في بلد جمهوري العمل بشريعته