الموضوعات
أنباء الجامعة
إشراقات الداعي
الأحكام والقضايا الفقهية
الأدب الإسلامي
الأشعار والقصائد
الأعلام العربية
الأعلام من الهند
الأمور السياسية
الإصدارات الحديثة
الإعتقادات
التراجم والوفيات
الجامعة الإسلامية دار العلوم / ديوبند
الحكمة الدينية والأخلاق الفاضلة
الدراسات الإسلامية
السيرة والتأريخ
العالم الإسلامي
العلم والتعليم
العلوم الإسلامية
الفكر الإسلامي والاجتماع
القرآن وعلومه
القضايا العربية المعاصرة
اللغة والأدب
المحليات والأوضاع الراهنة
المدارس والمعاهد الإسلامية
كلمات التحرير
اِكْسِبِ الأهليّةَ تَغْنَ عن الأسناد والتوصيات
الكاتب: الشيخ نور عالم خليل الأميني
المصدر: مجلة الداعي الشهرية الصادرة من الجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند
رمضان – شوال 1431 هـ = أغسطس - أكتوبر 2010م ، العدد :9-10 ، السنة : 34
الموضوعات: | إشراقات الداعي | | الفكر الإسلامي والاجتماع |
اِكْسِبِ الأهليّةَ تَغْنَ عن الأسناد والتوصيات

 إشراقة

اِكْسِبِ الأهليّةَ تَغْنَ عن الأسناد والتوصيات

 

 

 

     كانت لديه رِزْمَةٌ من الشهادات الثانويّة والجامعيّة إلى جانب كومة كبيرة من التوصيات والتزكيات التي كانت تُعَزِّزها توصياتٌ شفويّةٌ ومساعٍ عمليّةٌ من قبل كثير من ذوي الوجاهة الاجتماعية والدينيّة والعلميّة. وكان يحمل تلك الرزمةَ وهذه الكومةَ كلَّ يوم إلى عدد من مكاتب الشركات والمُؤَسَّسات التجاريّة والمعاهد التعليميّة والدواوين الوزاريّة، يعرضها على المديرين والمسؤولين، علَّه يجد لدى أحد منهم وظيفةً تُؤَمِّن له مصدرًا للرزق وموردًا للمعاش، وتُكْسِبه مكانةً في المجتمع يحتاج إليها المرأُ لكي يعيش ما يعيش عزيزًا مُحْتَرَمًا؛ ولكنه لم يفلح في مطلبه؛ لأنّه كان خاليَ الوفاض بالنسبة إلى المُؤَهِّلات العلميّة الحقيقيّة؛ فكان يسقط لدى كلّ حوار كان يُجْرَىٰ معه من قبل أي شركة أو مُؤَّسَّسَة أو معهد أو وزارة، رغم كل المساعي التي كان يبذلها مُحِبُّوه من ذوي الوجاهة الكبيرة في كل إخلاص؛ لأنَّ جميعَ التوصيات الكتابيّة والمساعي العمليّة كانت تصبح هبَاءً منثورًا أمام فقدانه للأهليّة والغَنَاء الذاتيّ الذيّ هوالسبب الأساسي في كل ما يفوز به المرأ من منصب أو وظيفة.

     وعلى العكس منه خرج زميلُه في الدراسة يحمل شهادةً واحدةً ثانويّةً، لاتُعَزِّزها توصية، ولاتُسْنِدها شفاعة، ولاتزيد قيمتَها تزكية شفويّة أو كتابيّة أو مدحُ مادح وثناءُ مُثْنٍ؛ ولكنه طرحها إلى مدير محلّ تجاريّ كبير قد يصعب الحصول على وظيفة لديه على مُؤَهَّل لديه خبراتُ سنوات طويلة للعمل في المحلاّت التجاريّة، فتجاوز عددًا من الحوارات الصعبة التي أجراها معه المدير في نجاحٍ أيّ نجاح ونال وظيفةً مرموقةً يسيل لها عادةً لعابُ الشباب المُؤَهَّل.

     وبَاشَرَ العملَ في وقت قريب لاحق، فأثبت كفاءَتَه وغَنَاءَه بشكل منقطع النظير، فنال خلال سنوات قليلة ترقيات لايُعْطَاها المُؤَهَّلون في الأغلب إلاّ أن يكون ذاغَنَاء ثرّ وكفاءة غير عاديّة مثله. ثم صار مُحْتَرمًا لدى الجميع لغَنَائه وكفاءته أوّلاً، وأدائه المثاليّ وعطائه الكثير ثانيًا، وحسن أخلاقه وجميل تعامله مع الجميع ثالثًا؛ فصار مغبوطاً لدى أقرانه، ومحسودًا لدى عدد من زملائه، ومحبوبًا لدى أقربائـــه وأفراد أسرته وجميع الذين كانوا يحبّونه لتلك الصفات المذكورة التي حَقّقت له هذه المكاسبَ، وجمعت له هذا الانتصارَ في معركة الحياة، التي لاينتصر فيها إلاّ المُؤَهَّلُ الحقُّ الذي يكون قد أتعب نفسَه، في كسب الأهليّةَ، وزَهِدَ لها في كثير مما لَذَّ وطاب.

     إنّ الأهليّة تُغْنِي عن الالتجاء إلى سند بشريّ، والاحتجاج إلى توصية أو تزكية، والركض من أجل جمع رِزْمَة من الشهادات التي لاتُغْنِي لدى الاختبار الذّاتيّ والامتحان الصعب الحقيقيّ الذي يُمَيِّز بين الغثّ والسمين. كلُّ الشهادات تضيع والتوصيات تفقد معناها إذا لم تشهد النفسُ أنّها قد كسبت في حياتها خيرًا ينفعها لدى الاختبار. بناءُ الذاتِ لايعدله شيءٌ، وصقلُ الصفات لايساويه رصيدٌ ماديٌّ في هذه الحياة الواسعة.

     كم من أناس ينخدعون بأنّ الأهليّة تُكْسَب بكثرة الشهادات، وأنها تُثْبَت بكثرة التوصيات والتزكيات، وقليلٌ من الناس يعلمون ويعملون بأنّ الأهليّة تعني بناءَ الذات وصقلَ المواهب، وتفتيقَ الصفات بما يجعلها تؤتى أُكُلَها كلَّ حين بإذن ربّها. الشهاداتُ وحدَها لاتُوَفِّر لك خبزًا، ولا تُسِيغ لك لقمةً، ولاتُنْضِج لك رزًّا، ولا تُنِيْلُك وظيفةً، ولا تُكْسِبُك احترامًا في المجتمع؛ لأنّها مُجَرَّدُ وثائق لاتنطق، وأرواقٌ عجماء لا تَنْبِس، وليس لديها قوّةُ عمل حتى تضرّ أو تنفع أو تعطي أوتمنع. مخدوعون من يثقون بها الثقةَ كُلَّها ويحسبون أنّها عصا سِحْرِيَّة أو حجرُ فلاسفة إذا لامست ترابًا حَوَّلته ذهبًا، وإذا لامست إنسانًا حَوّلته كيانًا خارقًا يفعل العجائب، ويصنع المعجزات ويعمل ما لايعمله غيرهم من أفراد الجنس البشريّ!.

     إنّ العصا السحريّة هي الأهليّة التي يتعذّب المرأ من أجل كسبها ويستحلي كثيرًا من الأشياء المرّة في سبيلها؛ لأنّه يعلم أن المرارة التي يتجرّعها إنما هي ماضيةٌ وأن الحلاوة التي تلحقها هي باقية بإذن الله تعالى، الأهليّةُ التي كَسَبْتَها تبقى معك بقاءَك بل أكثر من بقائك؛ لأن نتائجها ستبقى بعدك مدةً من الزمان يُقَدِّرها الله عزَ وجلّ. إنّها لايسلبها إيّاك أحد مهما حاول، ولايسرقها سارق مهما أراد، ولايسطو عليها قاطعُ طريق مهما احتال؛ لأنها شيء يستعصي على جميع حِيَل السلب والنهب، والسطو والسرقة.

     أمّا الشهادات: الأورق فهي مُعَرَّضة لكلّ ذلك، فإذا بحاملها، يداه خاليتان من كل شيء، كما كان عقله خاليًا من أيّ شيء من حرف العلم والفضل والمعرفة. وكذلك التوصيات والأسناد البشريّة التي سعيتَ للحصول عليها لاتُكْسِبك خيرًا بالتاكيد في كلّ وقت؛ لأنّها شيء يوجد في غيرك، ولا يوجد في نفسك، وكلُّ الأشياء الموجودة خارج نفسك ليس كلَّ وقت وبشكل مُؤَكَّد منك ولك وإليك؛ لأنّه لايد لك فيها ولاسيطرة لك عليها. إنّما تَصَرُّفُك مُوَجَّهٌ إلى الأهليّة الذاتيّة التي كَسَبْتَها بإجهاد نفسك وإزهادها في المطايب والملذات.

     كسبُ الأهليّة – وهو عمل شاقّ لحدّ ما يحتاج إلى إرادة صلبة وعزيمة ماضية تَثْبُت ثبوتَ الجبال ولاتقبل هزيمةً رغم أشدّ المُثَبِّطَات – دواءٌ لكل داء، وشفاء من كل بلاء، وإغناء عن كلّ الاحتياجات، واللجوءِ إلى الالتماس من الأنصار والأعوان، والاعتمادِ على الأسناد التي كثيرًا ما تخون وقليلاً ما تفي، ولا تنفع الفاقدين للأهلية وإنما تساعد المُؤَهَّلِين الأكفاء.

     الفاقدُ الأهليّةِ لاينفعه الأسنادُ، ولايغنيه التوصياتُ؛ لأنّ عدم غنائه وكفاءته يتعرّيان لدى العمل والاختبار اللذين إنّما ينفع فيهما الأهليّة، وتخـذل فيهما الأسنـاد والتوصيات. الأهليّة لاتنفكّ منك إلاّ إذا انفكّتِ الروحُ من الجسد، فهي قرينتُك في كلّ حال، ومُسَاعِدَتك لدى كل مركب، و وفيّةٌ لك في كل موقف صعب، مهما خانتِ المعارف والأعوان.

     مسكينٌ ذلك الذي يُرَكِّز على جمع الشهادات، واقتناء التوصيات، ويكدّ ليكسب الشافعين، ولايُرَكِّز على بناء الذات، وكسب الأهليّة. يهتمّ بأن يبقى "فقيرًا" كما كان، ولا يهتمّ – وهو هيّن على من أراد، فعَزمَ، وصَبَرَ وتَوَكَّلَ – بأن يعود غنيًّا لايحتاج إلى أن يتكفّف المُوَصِّين والمُزَكِّين وأن يداري المُتَعَالِين والمُتَرَفِّعِين، فيكسب الأهليةَ ويجتهد أن يتزوّد بالكفاءة اللائقة التي تُغْلِي قيمةَ المرء رغم فقد كل الوسائل الماديّة، وتُكْبِره رغم كونه صغيرًا في أعين الناس الذين في الأغلب ينظرون إلى المظهر ولايتعمّقون في قعر المخبر، ويقيسون المرأ بما يتراءى ولا يقيسونه بما يختفى وراء "الأكمة".

     الإنسان يَغْلَىٰ بالأهليّة، ويَثْمُن بالكفاءة، ويسمو ببناء الذات، ويعلو بصقل مواهبه وإثارة كوامن صفاته؛ فإذا به هو إنسانٌ يختلف عن الماضي كلَّ الاختلاف، وإذا به قد وُلِدَ ولادةً جديدةً، وإذا به قد لايعرفه المعارف وكلُّ الذين حوله، وإذا به قد سما على كل ما حوله ومن حوله، وإذا به يكتشف بدوره أنه كائن آخر غير الذي كان قبل أوان، وأنه هو الآخر لايقدر على تقييمه بشكل صحيح دقيق.

     أمّا المُتَنَكِّر لقيمة الأهليّة، والمهتمّ فقط بكل الذي سواها؛ فهو يبقى كما كان، بل أخسّ وأرذل مما كان، ويبقى يجهل قيمة هذه الحقائق التي أشرنا إليها، فلا ينتبه لها، ولا يتحرّك لعرفان أهميّتها، بل يُحَمِّق من يُحَرِّضه على ذلك.

     الأهليَّةُ لايحتاج صاحبُها معها إلى شيء لأنّها كلّ شيء، واللاأهليَّةُ يحتاج صاحبُها معها إلى كلّ شيء، ولاينفعه أيُّ شيء؛ لأنّها لا تقبل الانتفاع، ولاتعرف جهتَه وأسلوبه ومأتاه؛ لأن الانتفاع قُدِّر وخُصِّص للمؤهلين.

أبو أسامة نور

 

( تحريرًا في الساعة 5 من مساء يوم الخميس : 11/ رجب 1431هـ الموافق 24/ يونيو 2010م) .

 

*  *  *

 

 

رمضان – شوال 1431 هـ = أغسطس - أكتوبر 2010م ، العدد :9-10 ، السنة : 34