الموضوعات
أنباء الجامعة
إشراقات الداعي
الأحكام والقضايا الفقهية
الأدب الإسلامي
الأشعار والقصائد
الأعلام العربية
الأعلام من الهند
الأمور السياسية
الإصدارات الحديثة
الإعتقادات
التراجم والوفيات
الجامعة الإسلامية دار العلوم / ديوبند
الحكمة الدينية والأخلاق الفاضلة
الدراسات الإسلامية
السيرة والتأريخ
العالم الإسلامي
العلم والتعليم
العلوم الإسلامية
الفكر الإسلامي والاجتماع
القرآن وعلومه
القضايا العربية المعاصرة
اللغة والأدب
المحليات والأوضاع الراهنة
المدارس والمعاهد الإسلامية
كلمات التحرير
الاستماعُ لنصيحة ناصحٍ أولُ درجة في سلّم النجاح
الكاتب: الشيخ نور عالم خليل الأميني
المصدر: مجلة الداعي الشهرية الصادرة من الجامعة الإسلامية دارالعلوم ديوبند
محـرم – صفـر 1429هـ = ينايـر- فـبراير 2008م ، العـدد : 1-2 ، السنـة : 32.
الموضوعات: | إشراقات الداعي | | الحكمة الدينية والأخلاق الفاضلة |
الداعي ، محـرم – صفـر 1429هـ = ينايـر- فـبراير 2008م ، العـدد : 1-2 ، السنـة : 32

 

الاستماعُ لنصيحة ناصحٍ أولُ درجة في سلّم النجاح

 

أبو أسامة نور

  

 

  

 

 

       في مرحلة النشأة والتكوّن يحتاج المرأ إلى تلقّي النّصح والتوجيه من مُجَرَّب – بفتح الرأي أفصحُ – حَلَبَ الدهرَ أشطرَه . إنّ عمليّةَ التلقّي هذه تُسَهِّل عليه تعلُّمَ الحياة وأساليبَها ومناهجَها في التعامل مع أفراد الجنس البشري؛ من هنا قال الحكماءُ – المُجَرَّبون – : الاستماعُ لنصيحة ناصح أوّلُ درجة في سلّم النجاح؛ فمن صَعِدَها صَعِدَ الدرجاتِ كلَّها، فحاز النجاحَ الذي كان يتوخّاه في شأن من شؤون الحياة. ومن أعرض عن الاستماع لها فَشِل في معركة الحياة، ولم يكسبها رغم كل محاولة بذلها؛ لأنه لم يَصْعَدِ الدرجةَ الأولى في سلّم النجاح؛ فكيف يَصْعَد ما فوقها من الدرجات ؟.

       من سنّة الله التي وَضَعَها لحكمة يعلمها هو، ولا يعلمها أيٌّ من خلقه، أنّه جَعَلَ الإنسان في هذه المرحلة – مرحلة النشأة والتكوّن – لايُبَالِي بشيء مهما كان غاليًا بالنسبة إلى غده ومُسْتَقْبَله ؛ فلا يكثرت لنصيحة نَاصِح، مهما كان مخلصًا له، عطوفًا عليه، مُهْتَمًّا بكلّ ما يصنع شخصَه، ويَصْقُل مواهبَه، ويُنْمِي قُدُرَاته الكامنةَ، وإنما يضع في عين الاعتبار دائمًا تَوَافِهَ الأمور، والملذّات الآنيّةَ، التي تستهوي – في الأغلب – الأحداثَ والأغرارَ من الصبيان والغلمان، الذين كثيرًا ما يَحْدُث أنّهم لايُفَرِّقُون بين المنافع والمضارّ، والصديق والعدوّ، والحمرة في الوردة من الأزهار، والحمرة في الجذوة من النّار.

       والطبيعةُ الصبيانيّةُ الغلمانيّةُ هذه هي المزلقُ الخطيرُ في حياة الناشئين الأحداث؛ لأنّ ما فُطِرُوا عليه من اللاّمبالاة واللاّاِكتراث يجعلهم يكرهون مُجَرَّدَ كلمةَ نصح تنطلق من فم رجل يفوقهم سنًّا وتجربةً ونضجًا في شأن الأمور الحياتيّة التي لا يَتأَتَّىٰ البصرُ بها واكتناهُها إلاّ بعد تخطّي مراحل النشوء في حياة الإنسان، وإنّما يهتمّون كثيرًا بالأفكار الغرّة الفجّة من أمثالهم وأترابهم، الذين هم بدورهم لايدركون الأمورَ على حقيقتها؛ فهم «أضلاّء» في طرق الحياة، يتخبّطون خبطَ عشواءً، وكيف يهدي من يضلّ بدوره؟! إنّ «هدايتَه» بدورها تأتي «ضلالاً» و«إضلالاً» مهما ظنّ أنه مُصِيبٌ فيما يَرَىٰ ويُفَكِّر ويَصْنَع.

              هذه الطبيعةُ المفطورةُ على التحرّر، وعدمِ التقيُّد بما ينبغي لصنع الذّات، والاستعداد – أخذ العُدَّة – لما سيأتي من الأحوال، وقضايا الحياة، ومشكلات الأيّام؛ هي التي تمنع الأحداثَ الناشئين عن الإصغاء لما ينفعهم في ذلك كلّه من توجيهات الناصحين، وإرشادات المُرَبِّين، ونصائح المخلصين، من الآباء، ووُلاة الأمر، والأساتذة، وغيرهم من الذين جَرَّبَتْهُم الحياةُ فحَنّكَتْهم؛ ولكنَّ من يُرِدِ الله بهم خيرًا منهم، يُحَالِفْهُم توفيقُه، فيستمعون لها، ويتّبعون مُقْتَضَياتها؛ فَيَتَخَرَّجُون في مدرسة الحياة مُؤَهَّلِين لمُوَاجَهة كل ما يعرض لهم من الأوضاع والمشكلات؛ فيقدرون على فتح كلّ قفلٍ صعبٍ فتحُه، ويسهل عليهم حلُّ جميع مُعَقَّد من أمور الحياة، لأنهم سبق أن أَعَدُّوا لذلك أنفسَهم وصنعوها بحيث تستجيب لجميع مطالب الحياة صغيرةً كانت أو كبيرةً، سهلةً كانت أو صعبةً.

       إنّ كثيرين من الأحداث ضاعوا؛ لأنهم ما صنعوا أنفسَهم؛ لأنهم ما استمعوا لنصيحة ناصح، نَبَّهَهُم لما ينفعهم ويُحْيـِيهم – في التعبير القرآني البليغ – وما يحول دونهم ودون ضياعهم من التدابير التي لو مارسوها في وقتها بالقدر الذي ينبغي وعلى النحو الذي يجب، لما ضاعوا، ولما زَهِدُوا فيما يصنع ذواتَهم، ويُؤَهِّل أشخاصَهم، ويبني قدراتهِم المُوْدَعَةَ داخلَ كياناتهم من قبل الله الحكيم. ومن سنّة الله أن الأحداث – الكائنين في دور النشوء والتكوّن – لا ينتبهون للضياع والتيه إلاّ عندما يجتازون مرحلةَ الاستعداد والتكوّن والانبناء، إلى مرحلة لاحقة لايمكن فيها تلافي ما فاتَهم في المرحلة السابقة: مرحلة التكوّن وصنع الذات .

       وهنا يأسفون على ما فاتهم، وقد يُلْقُونَ باللَّوْم على وُلاَة أمورهم ويقولون: إنهم ما عُنُوا بإعدادهم، وتجهيز ذواتهم، وصنع أشخاصهم، وإثارة ما كان مخفيًّا فيهم من المواهب والقدرات؛ وما نَبَّهُوهم إلى الأخذ بما يُرَبِّي فيهم الرغبةَ إلى صنع الذوات؛ فيُحَمِّلُونَهم كاملَ المسؤولية بشأن ضياعهم وعدم كونهم قادرين على العمل الذي يُحْسِنُ ما يتعلّق بدينهم ودنياهم. على حين إنّ وُلاة الأمر، ما قَصَّروا في بذل أقصى ما يمكن من الجهد، لصرفهم إلى الأخذ بما يُعِدُّهم لِهذا الغد الذي يعيشونه ضائعين هائمين مهملين؛ ولكنهم نسوا مِنّتَهم تلك المتمثلة في الجدّ المتّصل لترغيبهم وتحريضهم على أن يجدّوا وقتَ ما ينفعهم فيه الجدّ، ويحترزوا من حالة الإهمال واللاّمبالاة واللااِكتراث التي تهدم ولا تبني، وتُقَوِّض ولا تفتل، وتُفْسِد ولاتُصْلِح.

       إنّ الانتباهَ لحالة الضياع القادمة، هو الذي ينفع الأحداثَ الناشئين، ولن ينفعهم أبدًا الانتباهُ لها إذا داهمتْهم، ففاتهم الوقتُ: وقتُ الإعداد، وأتاهم وقتُ العمل والتنفيذ والمُمَارَسة. من سوء الحظّ أنهم في الأغلب لاينتبهون للمصير السيء المشؤوم الذي ينتظرهم فيما إذا لم يُعِدُّا أنفسهم، ولم يُفَجِّرُوا طاقاتهم، إلاّ عندما يواجهونه وهو ماثلٌ أمامَه مُكَشِّرًا أنيابَه، فاغرًا فَاه، هائلاً مظهرُه، خَطِرًا مخبرُه؛ فمن انتبه منهم لذلك حالةَ الإعداد والتربّي والنشؤ؛ فهو حَسَنُ الحظّ، مُشْرِق المستقبل، مستنير المصير، مقدورٌ له الخيرُ، ممنوع عنه الشرُّ، مُرَادٌ له من الله الحكيم العزُّ والكرمةُ.

       الذي يُوَفّق من الأحداث الناشئين لتركيز الاهتمام على ما يضمن له مستقبلاً آمنًا ومصيرًا مكفولاً فيه مجرّدُ النجاح الذي لايشوبه إخفاقٌ وخيبةٌ، هو وحده المغبوط من بين الأحداث اللاّمُبَالِين المُهْمِلِين الذين لايهمُّهم التفكيرُ في تأمين المستقبل وجعلِ قابلِ العمرِ من حياتهم مُثْمِرًا مُنْتِجًا. الأغلبيةُ الساحقةُ من الأحداث بموجب ما فُطِرُوا عليه وعُجِنُوا به من التحرر وعدم الالتزام بما يُقَيِّد حرّيتَهم الزائدة التي هي أحبّ إليهم من الماء البارد في فصل السموم اللاّفحة، تَكْرَهُ كل شي يدخل في إطار النصح والدلالة على الرشد والمنهج القويم من العمل والسلوك؛ فتـزهد في كلّ شخص تتوسّم فيه الميلَ إلى بذل النصح والإرشاد، وتُحِبُّ كلَّ من لايمسّها بـ«سوء» من الزجر والملام وتصحيح ما انحرف من مسارها. وذلك هو مكمن البلايا في حياة الأحداث والناشئين الذين يجتازون مرحلةَ التكوّن والانبناء الشخصيّ والنشوء الفكريّ.

       الناشئون الذين يحبّون النصحَ، ويتقبّلون التوجيهَ، ويستمعون لمقال الإصلاح يُوَجَّه إليهم، مهما كانوا مُهْمِلِين لامُبَالِين لايهتمّون بالجدّيّة والأمور التي تصنع ذواتهم وتبني قدراتهم، فإنهم موضعُ الأمل، يجوز أن تُعَلَّق عليهم الأماني، ويوثق بأنهم سيثبون إلى الرشد، ويأخذون عاجلاً أو آجلاً بما يصنع لهم مستقبلاً زاهرًا؛ لأن قبول النصح وحبّ التوجيه أوّلُ درجة في سلّم النجاح .

       أما الناشئون الذين يكرهون كلَّ شيء يمتُّ إلى النصح بصلة ويرتبط بالإرشاد والتصحيح بنسب، فإن العودة بهم إلى المسار الصحيح والدرب القويم، ليس مرجوًّا إلاّ رجاءً بعيدًا؛ ولكن لايجوز أن نقنط منهم ونقطع كلَّ رجاء فيهم؛ لأن رياح اللطف الربّاني، والنفحات الإلهيّة الكريمة متى ستهبّ؛ فتهزّ كلَّ قلب متنكّر قاسٍ جافٍّ، لايعلم ذلك بالتأكيد أحد من الخلق، مهما كان مُتَفَرِّسًا لأبعد الاحتمالات؛ ولكنّه صَحَّ ما قلتُ: من أن الاستماعَ لنصيحة ناصح أوّلُ درجة في سلّم النجاح؛ لأنّ كلَّ ماردٍ طاغٍ عاتٍ من الأحداث الناشئين، إنما يصحّ مساره ويستقيم معوجُّه بهذا الطريق وحده، استمع للنصح عاجلاً أو استجاب له آجلاً.

 

          ( تحريرًا في الساعة 9 من الليلة المتخللة بين الأحد والاثنين: 3–4/محرم  1429هـ الموافق = 13–14/يناير 2008م ) .

 

*  *  *

محـرم – صفـر 1429هـ = ينايـر- فـبراير  2008م ، العـدد : 1-2  ، السنـة : 32