علماء ديوبند
اتجاهمم الديني ومزاجهم المذهبي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد
خاتم النبيين ، وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين،
والملائكة المقربين والمعصومين، وعلى أئمة الهدى والدين، الذين تمسكوا بالكتاب وسنة
الرسول الأمين، واستنبطوا منها الشرائع الفرعية ببذل الصدق واليقين، وصدّقوا صحف
الأولين ، وجعلوا الكعبة المقدسة قبلة لقرباتهم وهي مركز للعالمين؛ فرضينا بالله
رباً و إلهاً، وبمحمدٍ S رسولاً ونبياً، وبالإسلام ديناً و شريعةً، وبالإيمان محبة
واعتقاداً، وبالإحسان تزكية ومعرفةً، وبدفاع الفتن إعلاءً و إظهاراً، وبتداول
الأيام عبرةً و نصيحةً وبالقرآن حجةً و إماماً، وبالحديث شرحاً و بياناً، وبالفقه
تفريعاً و تفصيلاً ، وبالكلام تعقلاً و تدليلاً، وبالرسل تصديقاً و إقراراً،
وبالكتب المنزلة إيقاناً وشهادةً، وبالملائكة عصمةً و تدبيراً، و بالشخصيات
المقدسة حباً و انقياداً، وبتربيتهم سمعا و طاعةَ، وبالكلمة الطيبة جمعاً
واجتماعاً، وبالكعبة المعظّمة قبلةً و جهةً، و بجميع شرائع الله تعظيماً و
تبجيلاً، و بالقضاء والقدر رضاءً و تسليماً، وباليوم الآخر حشراً و نشراً، وبالبعث
والوقوف صدقا و عدلاً، وبجميع هذه الأمور مسلكاً (مذهباً) و مشربًا، وكفانا هذا
الرضاء سراً وعلانيةً.
وبعد فإن هذا بيان لمسلك (مذهب) أهل الحق و الإتقان، وشرح
لمشرب أهل الصدق والإيقان، وإيضاح لذوق أهل المحبة والعرفان، فنسأل الله التوفيق
والسداد والعدل والاقتصاد، وبه الثقة وعليه الاعتماد.
ما هي
الديوبندية؟
اتجاه علماء ديوبند الديني و مزاجهم المذهبي أو منهجهم
الفكري و جهة نظرهم و مشربهم وذوقهم ، شيء ظل معروفاً لدى العامة والخاصة؛ حيث
ظلوا يُرَبّون عليه المسلمين منذ أكثر من قرن. وكانت دعوتهم شاملة وعالمية عمّت
الشرق والغرب؛ ولكنهم لم يعتمدوا في نشرها على الدعايات والإعلانات والنشرات:
وسائل الإعلام المعروفة المتبعة، وإنما اعتمدوا في ذلك – ولا يزالون- على الدرس
والتدريس، والتعليم والتربية، والدعوة والتوجيه ، والإصلاح و تزكية الظاهر
والباطن. إن هدفهم الوحيد هو إبقاء الأمة في ضوء الكتاب والسنة على ذلك المزاج
الذي أنشأه النبيS
بصحبته و تربيته في الصحابة ، والصحابةُ في التابعين، والتابعون فيمن بعدهم من
الأجيال المتلاحقة على اختلاف الأمكنة و مرور الأزمنة.
لكن التحرر الفكر والانطلاق العقلي في هذا العصر، قد أنشأ
مدارس فكرية شتى، وظهرت دعوات متنوعة بل متضاربة، وبدأت كل جماعة تدعو الناس باسم
الإسلام إلى توجّهاتها و مزاياها؛ الأمر الذي أدى طبيعياً إلى حدوث بلبلة فكرية و
تقلقل نفسي لدى الجمهور ، ونشأ عن ذلك أن مذهب علماء ديوبند و مشربهم اللذين كانا
لديهم مُتَوَارَثَيْنِ من السلف ومعروفَين و ممتازين، عادا لحد ما مشتبهاً فيهما
لدى العامة، وصارت بعضُ الأوساط تتساءل:
ما هي MالديوبنديةL؟ وأن جماعة ديوبند أهي فرقة حديثة من فيض الساعة، أم أن لها سنداً
من السلف، وأنها من أهل السنة والجماعة أم أنها شيء آخر؛ وإن كانت من أهل السنة
والجماعة فما هي مركزها بين الحشد من المدعين بالانتماء إلى أهل السنة الأحناف،
وما هو الخط الفاصل بينها وبينهم، وما هي النقطة المميزة في معتقداتها، التي تضع
فرقاً واضحاً بينها – جماعة ديوبند – وبين من يختلف عنها. وما إلى ذلك من
التساؤلات التي عادت تطفح اليوم.
ولذلك كله شعرتُ بالحاجة إلى تدوين اتحاههم الديني ومزاجهم
المذهبي لحد مستطاع، ولهذا الغرض أقدمت على كتابة السطور الآتية. وإنها ليست قائمة
كاملة بمعتقدات علماء ديوبند، كما أنها ليست دراسة للمسائل الفرعية الجزئية
المتصلة بمذهبهم ، وإنما هدفتُ منها إلى الدلالة على المبادئ والكليات لمزاجهم
الديني وذوقهم المذهبي، تلك التي تحتل مكانة الروح في عقائدهم و توجهاتهم العملية،
التي تضع خطاً فاصلاً بينهم وبين من يخالفهم.
أمور
أساسيّة :
وقبل أن ندخل في صميم الموضوع، يجب أن نضع في الاعتبار
أموراً أساسيّة توطئ للتوصل إلى الغرض و لفهمه ولإدراك مبادئه الأساسية.
1-
الأمر الأول أن المراد
من علماء ديوبند في هذه المقالة ، ليست فقط تلك الجماعة التي تقيم في الجامعة
الإسلامية دارالعلوم / ديوبند وتقوم فيها بخدمة التدريس والتعليم أو الإفتاء
والقضاء، أو التبليغ والوعظ، أو التأليف والكتابة، وما إلى ذلك؛ وإنما المراد منهم
جميع العلماء الذين ينبع فكرهم من فكر الشيخ مجدّد الألف الثاني أحمد بن
عبد الأحد السرهندي المتوفى 1034هـ / 1624م فمن فكر الإمام الشاه ولي الله
أحمد بن عبد الرحيم المتوفى 1176هـ / 1762م و يتصل بفكر مؤسس جامعة دارالعلوم
ديوبند. الإمام محمد قاسم النانوتوي المتوفى 1297هـ / 1880م والشيخ الفقيه رشيد
أحمد الكنكوهي المتوفى 1323هـ / 1905م والشيخ محمد يعقوب النانوتوي المتوفي 1302هـ
/ 1884م. وسواء كانوا من خريجي جامعة دارالعلوم ديوبند، أم من خريجي جامعة Mمظاهر علومL بسهارنفور، أم خريجي Mالجامعة
القاسميةL
و Mالمدرسة الإمداديةL و Mحياة العلومL و Mجامعة الهدىL بمدينة Mمراد آبادL أم خريجي مدرسة الجامع بأمروهه، أم خريجي Mالمدرسة
الأمينيةL
بدهلي و Mمدرسة عبد الربL و مدرسة جامع فتحبوريL و Mمدرسة كاشف العلومL في منطقة Mنظام الدينL بدهلي ، أم خريجي مدرسة Mمفتاح
العلومL
بمدينة Mجلال آبادL أم خريجي مدسة Mنور
الإسلامL
و مدرسة MدارالعلومL و Mالمدرسة الإمداديةL بمدينة MميروتL ، أم علماء مدارس MمئوL أم علماء Mالجامعة الرحمانيةL بمدينة MمونجيرL أم علماء مدارس بيهار, أم علماء Mالجامعة
الأشرفيةL
و Mالمدرسة الحسينيّةL بمدينة MرانديرL أم علماء مدارس ولاية MغوجراتL أم علماء مدارس ولايتي MبنغالL و MآسامL أو مئات العلماء في الولايات والمديريات الهندية.
وسواء
كانوا مشتغلين بالتعليم أوعمل من الأعمال المدنية والسياسية والاجتماعية، أو كانوا
منتشرين في العالم يقومون بالدعوة والتبليغ، أو كانوا منصرفين إلى التأليف؛ وسواء
كانوا في أوروبا و آسيا وإفريقيا و أمريكا؛ كل هؤلاء يندمجون في Mعلماء
ديوبندL
وكلهم علماء ديوبند في الواقع.
2-
انتماء علماء ديوبند
إلى مدينة ديوبند، أو إسماؤهم بــ Mجماعة
ديوبندL
ونسبتهم MالديوبنديةL أو MالقاسميةL ليست نسبة وطنيّة أو قوميّة أو طائفيّة, و إنما هي نسبة تعليمية
عُرِفَتْ بمكان التعليم: MديوبندL أو شخصية محور الرواية : الإمام محمد قاسم النانوتوي، مما يؤكد
ويبين انتماء الجماعة التعليمي وثقة روايتها ودرايتها الفكرية ؛ ولذلك فهي ليست
عنوان فرقة أو طائفة أو حزب؛ فلا يجوز أن يُفْهَمَ هذا الانتماء إلا في هذا
الإطار، وأن يُوضعَ في الاعتبار أن جماعة ديوبند هي جماعة المشتغلين بالتدريس
والتربية والتوعية والتزكية والدعوة والتبليغ، كما يُعْرَفُ خريج جامعة Mعلي كرهL بــ MعليكL و خريج Mالجامعة الملّية
الإسلاميةL
بدهلي بــ MجامعيL وخريج Mمظاهر علومL بسهارنفور بــ MمظاهريL وخريج ندوة العلماء بلكناؤ بــ MندويL وخريج مدرسة الإصلاح بــ MإصلاحيL وخريج الباقيات الصالحات بــ MباقويL. وكل هؤلاء ليسوا أحزابًا أو فرقاً أو طوائف، وكلذلك فـ MالديوبنديL -أو MالقاسميL لا يشف عن الطائفية أو الحزبية.
3-
إن علماء ديوبند
بالنسبة إلى اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي من أهل السنة والجماعة تماماً ،
وليسوا فرقة جديدة أو جماعة حديثة تحمل معتقدات من نوع جديد، أدت الظروف الراهنة
إلى نشوئها . إن جماعة ديوبند هذه سعدت باتخاذ كل ما كانت تستطيعه للحفاظ على عقائد
أهل السنة والجماعة ومبادئها وأصولها في داخل الهند وخارجها، ولقّنتها الجماهيرَ،
مما ساعد على بقاء أهل السنة والجماعة بهويتها الصحيحة؛ وقد جعل مؤسسوا جامعة
ديوبند هذه المهمة بصبغتها الأصلية علامةً عالميةً عن طريق تلاميذهم و أتباعهم
المُرَبَّينِ لديهم مباشرة أو غير مباشرة.
4-
وبما أن فضائل أهل
السنة والجماعة ومزاياهم مستقاة من النصوص الشرعية – كما ستعرفون من خلال السطور
الآتية – وبما أن علماء ديوبند انتهجوا طريقهم بشكل كامل؛ فانعكست عليهم أنوارهم ،
فثبت لهم من خلال تطبيق صفات أهل السنة والجماعة عليهم، من الفضيلة والمزية ما هو
خاص بأهل السنة والجماعة ، وما جاء ذكره في الحديث عنهم؛ ولكن إثبات هذه الفضيلة
لجماعة ديوبند إنما جاء كبيان للواقع للواقع؛ لأن اتجاهها الديني ومزاجها المذهبيّ
لم يكن ليتضح بدون ذلك؛ ولذلك فلا يجوز أن يوضع ذلك في إطار الفخر والمباهاة أو العصبية
الجماعية، ولا يجوز الظن بأن Mالمثني على
الشمس راح يثني على نفسهL كما يقول المثل الفارسي؛ فإنما صنعنا ذلك كحديث عن النعمة، وإيضاح
للحقيقة ، ولم يكن الغرض هو التفاخر والتعصب أوالإعجاب بالذات.
5-
وما عرضناه في هذه
المقالة إنما جاء في إطار الأصول، وتحدثنا عن القضية بشكل موضوعي، وكميزان فقط ،
يمكن أن نزن به أنفسنا نحن و يمكن أن نزن به الجماعات الأخرى أنفسها؛ لكي يستطيع
كل منا أن يحاسب نفسه و يقيّمها تقييماً صحيحاً، ولم نضع في الاعتبار في حديثنا
هذا شخصية بعينها أو جماعة بعينها أو فرقة بعينها. وما اعترض حديثّنا من كلمة
سلبية أو شبه سلبية، فإنما جاء لتحقيق الجانب الإيجابي وإبانته، ولم يجئ للنيل من
أحد. على كل فهذه المقالة إنما وُضِعَتْ كميزان مبدئي، فمن وزن به نفسه فجاءت
كاملة غير منقوصة، لكان ذلك مكسباً لنا جميعاً يجدر بنا أن نشكر عليه، وإن لم تجئ
كاملة، يجب أن تُبْذَلَ المحاولات للإكمال، ومن ثم فلا يجوز أن يُحْسَبَ هذا
الحديثُ ضد جماعة أو فرقة، أو إساءةً إليها ؛ لأن ضمير الكاتب خالٍ عن ذلك، وكفى
بالله شهيداً.
6-
وفي مبادئ التربية
والإعداد النفسي التي تحدثنا عنها في هذا الكتاب ركّزنا على التعليم والتدريس الذي
قام به السلف باعتباره الآلة الوحيدة لتربية القلب والعقل. وقد صرح الأنبياء عليهم
السلام وعلى رأسهم سيدنا خاتم الأنبيياء S بأن الغرض من بعثتهم هو تعليم الدين وتكميل مكارم الأخلاق، واعتبر
القرآن الكريم MالتدريسL لازماً للعلماء الربانيين لكي يكونوا PرَبانيينQ في قوله Pوَبَمَا كُنْتُمْ
تَدْرُسُوْنَQ
(آل عمران/79). ولذلك على هذه الناحية ركّزنا في هذه المقالة تركيزاً أكثر؛ ولكن
المقالة إذا كانت تتبنى MالتدريسL فإنها لا تتبنى MالمدرسةL ؛ فلو وُجِدَ هناك شخص تلقّى التعليم والتربية بدون مدرسة، على Mطريقة
التدريس المنزليةL
على شيخ في الأسرة، أو على عالم رباني، وبالشروط التي ذكرناها في هذه الرسالة،
وتخرّج عالماً ضليعاً ثقة، فإنه سيُعَدُّ ثقة وإن لم يتعلم في MمدرسةL.
ولكنه بما
أن أداء هذه الفريضة إنما يتم في هذه الأيام عن طريق المدارس الدينية؛ حيث خلت
البيوتات من النظام التعليمي – المتبع لديها في الماضي – في الأغلب ؛ فعاد MالتدريسL و MالمدرسةL شيئًا واحداً؛ وبالتالي أصبح أمراً طبيعياً ومألوفاً أن يقال
بلزوم المدارس الدينية وأن يُعَدُّ تعليمها وتدريسها مِحَكًّا لتقييم الشخصيات.
7-
وكما أن الإسلام هو
أعدل الأديان في العالم بالقياس إلى روايته ودرايته وأصوله و فروعه؛ وكما أن
الشريعة الإسلامية هي أعدل الشرائع بين شرائع الأديان بالنسبة إلى مسائلها
الأصولية والفروعية ؛ كذلك مذهب أهل السنة والجماعة بالنسبة إلى أساسه أعدل
المذاهب بين المذاهب الشرعيةالإسلامية ، وأتباع هذه المذاهب – سواء كانوا أحنافاً
أو شوافع أومالكيين أوحنابلة، على اختلاف أصول تفقههم – من أهل السنة والجماعة؛
حيث يمتازون بعدم الغلو والمبالغة، واللاإفراط واللاتفريط، ولا يوجد فيهم تشدد أو
تقصير، وإنما يوجد فيهم كمال العدل والاعتدال، ويتصلون في أصولهم وفروعهم وكلياتهم
وجزئياتهم بالكتاب والسنة، ويصح أن يوصفوا بــ Mأمة وسطL وهم يشكلون حجة فيما بين جميع المذاهب.
Pوَجَعَلْنَاكُمْ
أُمَّةً وَّسَطًا لِّتَكُوْنُوْا شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُوْنَ
الرَّسُوْلُ عَلَيْكُمْ شَهِيْدًاQ
(البقرة/
143)
8-
وستشتمل هذه السطور
على ثلاثة أجزاء :
أ-
الشرح الأساسي لمذهب
أهل السنة والجماعة وذوقهم و مشربهم و مزاجهم الديني، و تحليل العناصر التي يتألف
منها، وذلك في ضوء الكتاب والسنة.
ب-
تطبيق مذهب علماء
ديوبند على المذهب المذكور والتدليل والتفصيل لكونهم جزءاً أصيلاً من أهل السنة
والجماعة.
ج-
تقديم أمثلة نوعية على
ذلك.
9-
ومن أجل القيام بعملية
التطبيق والتوفيق قد يشعر القراء بالتكرار في محتويات الرسالة؛ لأننا قد احتجنا في
بيان التوافق إلى إعادة الأمور التي كنا قد ذكرناها كمبادئ وأصول لدى الحديث عن
مذهب أهل السنة والجماعة؛ حيث سقناها في الحديث عن اتجاه علماء ديوبند الديني
كنتيجة ؛ وذلك لأن عملية التطبيق والمقارنة لم تكن لتتم بدون ذلك، وبما أن
العناوين ستختلف في الإعادة مهما كانت المعاني واحدة، فلا تبدو الإعادة إعادة
وإنما تبدو معنى جديداً لا يثقل علىالذهن، وإنما يفيض بطرافة وجدة. ومثل ذلك مثل
المحدثين الذين يسوقون حديثاً واحداً مرات عديدة في أبواب شتى، ويستنبطون منه
أحكاماً شتى؛ لكونه مشتملاً حقاً على نواحٍ عديدة تليق بأبواب شتى ؛ فيتحدثون عن
كل ناحية في الباب المخصص لها، مما يُحْوِجُهم إلى ذكر الحديث مرتين أو ثلاث مرات
أو أكثر ؛ ولكن تغيّر ترجمة الباب وعنوان المسألة يجعل القارئ لا يشعر بالتكرار ؛
لأن ذلك يصبح إذاً معنى جديداً. ونفس الصورة حدثت في هذه المقالة؛ فالمرجو من
العلماء أنهم سوف لا يسأمون مثلَ هذه الإعادة والتكرار وإنما سيتمتعون بها - إن
شاء الله.
10-
وقد سبق أن وضع كاتب
هذه السطور مقالات و رسائل في بيان مذهب علماء ديوبند وذوقهم الديني؛ ولكننا كنا
قد احتجنا فيها إلى الإيجاز في هذا الموضوع ؛ لكونها لم يُقْصد منها أصلاً بيانُ
مذهب علماء ديوبند، وإنما تعرضنا له من خلال الحديث عن موضوعات أخرى؛ فلم نتحدث عن
مذهبهم إلا بالقدر الذي اقتضته تلك الموضوعات ولم يتسع المجال للتفصيل.
وصدرت
المقالة الأولى في الموضوع عام 1350هـ تحت عنوان Mتقرير عن
دارالعلوم التي مضى عليها 67 عاماًL . وكان موضوعها بيان إنجازات دارالعلوم ديوبند عبر 67 عاماً من
حياتها، وتحدثنا فيها عن المذهب بشكل فرعي، واكتفينا بإشارة مجملة إليه؛ حيث لم
يكن الموضوع هو الحديث عنه.
وصدرت
المقالة الثانية عام 1375هـ بعنوان Mتاريخ
دارالعلومL
وكان غرضها هو الحديث عن المنهج العام لدار العلوم وأحوالها السنوية، وكان محتوياً
على تعريف موجز بها ، وتعرضنا فيها عبر صفحات عن مذهب علماء ديوبند، ولكننا لم
نتعرض لأي تفصيل في هذ الصدد.
والمقالة
الثالثة صدرت عام 1396هـ كمقدمة لـ Mتأريخ دار
العلومL
وكان موضوعها أيضا تأريخ دار العلوم، والحديث عن مؤلفه ، والتقريظ اللائق بالكتاب،
ولم يكن الموضوع هو بيان المذهب ؛ ولكنه جاء ذكره بمناسبة الحديث عن تأريخ
دارالعلوم ؛ ولكنه اكتفينا هنا بالحيثية التأريخية للمذهب، أي إن هذا المذهب من
تلَقَّاه من علماء ديوبند و متى تلَقَّوه وما هو مبدؤه و مبتدؤه، وكم مرحلة
تاريخية قد مضت عليه، و ما هي الصور التي أخذها لدى الظهور، ولم نتعرض في هذه
المقدمة أيضا عن جميع تفاصيل المذهب؛ حيث لم يكن ذلك موضوعها ، ورغم ذلك تم فيها
تسليط ضوء كاشف عليه يكفي لفهم المذهب.
والمقالة
الرابعة كنا قد وضعناها عام 1383هـ حول موضوع مذهب دارالعلوم ديوبند؛ ولكنها لم
تصدر، وقد تعرضنا فيها للمذهب رأساً ، فتحدثنا فيها عن نوعيته وعناصره و مظاهره
العلمية، مما كان يلقى ضوءاً على نوعية المذهب ، وسقنا في شأنه أمثلة نوعية،
ولكننا لم نتعرض فيها أيضا لذكر الدلائل ومصادرها الشرعية، ولشهادة السلف الصالحين
باعتدال المذهب وتوسطه ؛ لأنه لم يكن هناك داع لكتابة تلك الدلائل والتفصيلات
آنئذ، وإن كان مؤلف تاريخ دارالعلوم ديوبند (السيد محبوب رضوي) المتوفى (1399هـ /
1979م) قد جعل كثيرًا من محتويات المقالة جزءاً من التأريخ بإذن منا وبألفاظنا ،
فهذه المقالة وإن كانت لم تصدر مستقلاً؛ ولكنها صدرت ضمن الجزء الأول من Mتاريخ
دارالعلوم، ديوبندL.
والآن لما ظهرت تساؤلات عن ذوق علماء ديوبند الديني ومزاجهم
المذهبي ، أشرنا إليها من قبل، رأينا الحاجة ماسة إلى إتمام معاني هذه المقالة وأن
تُجْمَع من أجل وجود الدواعي – وهي التساؤلات المشار إليها – الدلائل والشواهد
التي كانت تنقص تلك المقالة وأن يُعَضَّد كل جزء من البحث ببراهين من الكتاب
والسنة وآثار السلف. وبذلك كله فقد حولناها موضوعاً مستقلاً و نقدمه في صورة كتاب
مستقل عام 1400هـ ، وهي المقالة الخامسة في هذا الموضوع، وهي صورة متكاملة لحد ما
لعلماء ديوبند و اتجاههم الديني ومزاجهم المذهبي.
فالمقالات الأربع السابقة تشكل متناً وهذه المقالة أو
الرسالة تشكل شرحاً لها؛ ولكنه بما أن تلك المقالات تتضمن صوراً أخرى للمذهب، فإن
تناولها قارىءٌ دراسةً ولاسيما مقدمة تاريخ دارالعلوم وصفحات أخرى من التأريخ
يتصدرها عنوان Mمذهب دارالعلومL فإنه يكون قد استوعب هذا المذهب والذوق دراسةً ، وتجلت له كل
ناحية من نواحيهما كالمرآة.
ولا بد أن نصرح بأن هذه السطور بما أنها وُضِعَتْ لبيان
المذهب والذوق الديني الذي هو قضية علمية تماماً مشتملة على مباحث علمية ،
فتخللتها كلمات اصطلاحية وتعبيرات علمية و عبارات فنية، ثم إن العبارات المصوغة في
الأردية هي الأخرى ليست أردية سلسة كالأردية التي تُتَدَاوَل اليوم؛ فالمرجومن
القراء ألا يبحثوا فيها عن الحلاوة الأدبية والصبغة الإنشائية ، على أن لغتي هي
الأخرى لغة التلميذ، ولستُ أديباً في الأردية ولا أتمتع بالكفاءة الإنشائية؛
فالملتمس من القراء أن يضعوا نصب أعينهم المعاني والأهداف فقط، وسيفهمونها إن شاء
الله بهذه العبارة المتكسرة أيضا، ومهما خلت العبارة من MالأدبيةL فإنها لا يشوبها سوء الأدب في موضع ما.
وبعد هذه الأمور الموطئة نرجو القراء أن يدرسوا أولاً مذهب
أهل السنة والجماعة ، الذي سيجدون طيه ذوق علماء ديوبند الديني ومزاجهم الإسلامي
متبلوراً، وبالله التوفيق.
مذهب أهل السنة
والجماعة ، تحليل عناصره ومكانته الشرعية :
ولإدراك الذوق المذهبي لأهل السنة والجماعة ، الذوق الذي
عُجِنَتْ طينته بغاية الاعتدال والتوازن، يكفي أن نمعن النظر في لقبهم المذهبي : Mأهل السنة
والجماعةL
لأن النظر فيه يجلي مرتكزاته بشكل تلقائي كما يُبَلْوِرُ نوعيته الاتزانية
والشمولية.
واللقب مركب من الكلمتين : السنة والجماعة، ومجموعتُهما هي
التي تُشَكِّلُ مذهبهم الذي لا يتكوّن من إحداهما. والسنة تشير إلى القانون
والدستور والطريق والهداية والصراط المستقيم الذي أُمِرَتِ الأمة باتباعه: Pهَذَا
صِرَاطِيْ مُسْتَقِيْمًا فَاتَّبِعُوْهُ وَ لاَ تَتَّبِعُوْا السُّبُلَ
فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيْلِهِQ
(الأنعام/153.)
والجماعة ترمز إلى هداة الطريق: الذوات القدسية والشخصيات
المقدسة ذوي الصدق والصفاء، الذين في هدايتهم وصحبتهم وتربيتهم أُمِرْنَا أن نسلك
الصراط المستقيم و ننتهج سبيل التقوى ونعيها.
Pيَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا اتَّقُوْا
اللهَ وَ كُوْنُوْا مَعَ الصَّادِقِيْنَQ (التوبة / 119)
مما يوضح أن الأصول والقوانين في هذا المذهب في معزل عن
الذوات وأن الذوات في غنى عن الأصول والقوانين غير موثوق بها؛ حيث إن القوانين
إنما انتقلت إليها عن طريق هؤلاء الذوات وإن هؤلاء الذوات إنما عُرِفَتْ و
كَسَبَتِ الاعتبارَ عن طريق هذه القوانين.
والسبب الواضح في الجمع بين عنصري المذهب الأساسيين:
القانون والشخصية في تعليم الدين والقانون السماوي، أن الحقائق المعنوية إنما
تُوْجدُ منطويةً على تعبيراتها الخاصة ومعجونةً بها، فلو حدث تغير ما في التعبير
لتغيرت هذه الحقائق من داخلها، وتبدلت بغيرها تماماً، ويتلاشى ما كان المتكلم قد
أراده من ورائها. ولذلك فإنه فيما يتعلق بالقوانين الوضعية هي الأخرى تناقش مجالسُ
التشريع لدى وضعها جملةً جملةً منها لأسابيع، حتى تتوصل إلى كلمات مرضية لديها.
وهذه الكلمات هي التي يكمن فيها غرض القانون الذي تتم تسوية قضايا الدول والأمم في
ضوئه ؛ فكأن الحكومات أيضاً إنما تدار بألفاظ القانون و تغيراتها. ولو وُجِدَتْ
ثغرة ما في ألفاظ القانون أو حصل تغير ما، فإن سياسة العالم تنقلب ظهراً لبطن و
تحدث ثورات كبيرة.
كلمات
القانون تحمل أهمية مثل معانيها:
ومن الواضح أنه إذا كان عماد المعاملات العاجلة في الدنيا
الباقية لأيام محدودة ، وعماد قضاياها و مرافعاتها هو تعبيرات القانون وصياغته
اللفظية ، فإن شؤون الآخرة الأبدية أهم بكثير و أخطر من شؤون الدنيا الفانية. إن
هذه الكلمات الإلهية للقانون الأخروي، وتعبيراته الغيبية واصطلاحاته الدينية، لئن
لم تنزل من السماء أو لم تبق محفوظة أو تسرب إليها تغير، فإن هذه الحقائق هي
الأخرى التي كانت مودعة تلك الألفاظَ، لا تبقى محفوظة ، مما يجعل جهاز الهداية
والنجاة في الآخرة يختلّ بدوره. ولذلك اختار الله عز وجل في كل عصر أن يُنْزِل
قانونه في تعبيراته و تعبيرات رُسُله وألفاظهم ، و أقام تعالى نظاماً دقيقاً
للحفاظ عليها حتى تبقى الحقائق المطلوبة بألفاظها، وحتى يبقى عرض هذه الألفاظ هو
وسيلة لاستحضار الحقائق وتذكرها كلما طرأ عليها نسيان أو خطأ.
ومن الواضح أنه لئن لم تكن قد نزلت التعبيرات اللفظية لكتاب
الله عز وجل ، فإن فهم محتويات قانونه ومضامينه وبقاءها وتذكرها من جديد لدى
النسيان، لم تكن إلى ذلك سبيلٌ ، على حين إن كثيراً من المعاني والأغراض إنما
تُسْتَنْبَطُ من نص الكلام الإلهي، وكثيراً منها تتضح من دلالة أسلوبه، وإشارته،
بينما تتجلى كثيرٌ منها من مقتضيات نصه. ولم تكن لتتجلّى هذه المعاني والأغراض لئن
لم تُوْجَدْ تعبيراته البليغة. وجملة القول: إن هذه المدلولات لا يمكن أن تتضح لئن
لم توجد التعبيرات الإلهية تلك بأسلوبها.
كان القرآن الكريم آخر الكتب السماوية، وأنزله الله ليبقى
ليوم الساعة؛ فأنزل الله تعالي تعبيراته اللفظية هي الأخرى من عنده، وتولى هو
حفظها. ولم يتم الاكتفاء بذلك وإنما تولى الله عز وجل بجانب إعطاء الضمان بحفظ
القرآن، الاهتمامَ بكتابة بيانه وحفظه أعنى الأحاديث النبوية الشريفة. بل كان
الاهتمام بها أكثر لكونها شرحاً عملياً وعلمياً لمعاني القرآن ومراداته، وكونه
تفسيراً أوليًّا لها أثبَت في الأذهان و رَسَّخ فيها مفهومات القانون القرآني
ومراداته الحقيقية؛ فتم حفظها – مثل القرآن – أولاً في الصدور ثم تم تدوينها في
السطور؛ حيث لم يكن ممكناً بدونها فهم المرادات الربانية؛ فلم يكن الاكتفاء بإنزال
تلك الألفاظ والتعبيرات فقط ، وإنما كان الاهتمام باتخاذ تدابير بصيانتها الكتابية
وتدوينها و قراءتها، حتى تكون هذه التعليقات والمذاكرات والقانون المدون ذريعةً
للحفظ والتذكّر لدى الذهول والغفلة. ومن ثم كانت العناية إثر نزول الألفاظ
بكتابتها بشكل دقيق؛ حيث كانت صيانة المعاني متوقفة على صيانة الألفاظ، وقد كان
السبيل الوحيد إلى ذلك هو الكتابة والتقييد، وقديماً جاء المثل قائلاً؛ Mالعلم صيد
والكتابة قيدL.
وكان الله عز وجل هو الذي قيّد تعبيراته تلك بقلمه الأعلى
في اللوح المحفوظ، ثم أنزلها مكتوبة إلى بيت العزة الذي هو مكان سامٍ في السماء
الدنيا، ثم أنزلها منه مُنْجمَّةً على قلب النبي العربي محمد S، فكأنّ هذه الألفاظ هي التي كُتِبَتْ في الأماكن العليا في
السماوات، وهي التي أعيدت كتابتُها في الأماكن السفلى في الأرض، حتى تبقى هي
مُقَيَّدَةً مضبوطةً في جميع دوائر السماوات والأرضين، ثم تلاها النبي Sبلسانه
النبوي على الصحابة رضي الله عنهم فثبتها في قلوبهم.
وجرياً على السنة الإلهية تلك عُنِيَ Sعنايةً
كاملة بكتابة الآيات القرآنية هذه وألفاظها وتعبيراتها، وكلّفَ جماعة خبيرة من
الصحابة رضي الله عنهم بكتابة القرآن، حتى تم جمع هذه الكتابات وتدوينها على عهدي
أبي بكر الصديق و عثمان ذي النورين رضي الله عنهما، وفي صورة المصحف، وبنفس
الترتيب الذي وُجِدَتْ به على عهد النبي S مُوَزَّعَةً في الأوراق والأحجار والألواح الجلدية . وذلك كله لكي
تصل إلى الأمة نفسُ الألفاظ الإلهية عن طريق هذه الكتابات، وتبقى تصل إلى الأجيال
المتلاحقة حتى يوم الساعة.
محاسن
الذات والصفات مكنونة في التعبيرات:
ومن الواضح أنه لما كانت المعاني والمرادات الربانية وأيضا
كانت محاسن الذات والصفات الإلهية مكنونةً في تلك التعبيرات، وكانت الألفاظ
والنقوش مرآة تتجلى فيها هذه المعاني، كانت هذه الألفاظ وسيلة لانتقال المحاسن
العلمية والمعرفية إلى الأذهان. وذلك كما جاء في الشعر الفارسي الذي قال فيه
الشاعر عن نفسه :
Mإني كامن في حديثي
كرائحة الزهرة في وُرَيقَاتِها؛ فكلُّ من يود أن يراني فَلْيَرَني في حديثيL.
وجملة القول إنه فيما يتعلق بنزول الوحي أعطيتِ الأوليةُ
لأداء الألفاظ وقراءتها، ثم ضُبِطَتْ في اللوح المحفوظ بالكتابة، ثم أنزِلَتْ هي
إلى بيت العزة مكتوبة، ثم أنزِلَتْ على قلب النبي S، ثم كُتِبَتْ عن طريقه S في هذه الدنيا، ثم جمعها الصحابة في مصحف بالتدوين والترتيب. وكل
ذلك يؤكد جلياً أن الكلمات والألفاظ هي التي أُعْطِيَتِ الأولويةَ في كل من النزول
والقراءة والحفظ والكتابة، لكونها مداراً لجميع المعاني والأغراض والحقائق
والمعارف، حتى انتشرت مجموعتها – الألفاظ – بشكل كتاب في الدنيا كلها، ودُعِيَ Mكتابَ اللهL ولذلك أطْلِقَ على الكلام الإلهي هذا لقبُ Mقرآن مبينL في جانب؛ حيث قُرِىءَ في العالم الأعلى والعالم الأسفل، وأطْلِقَ
عليه في جانب آخر لقب Mكتاب مبينL حيث كتب في العالم الأعلى والعالم الأسفل.
الحاجة
إلى الشخصية بجانب الكتاب:
وإلى جانب ذلك هناك حقيقة لا تُنْكَرُ أن الكلام الإلهي
مهما كان جامعاً كاملاً وغاية في البلاغة بل كان معجزةً كلامية وكان محفوظاً بصورة
معجزة؛ فإنه مهما جاء إلى الدينا فإنما جاء
عن طريق شخصية تولت إبلاغَه إلى الناس وقراءته عليهم، ولم يحدث أن الكلام
الإلهي نزل على جبل أو حجر لا يقدر على السمع والإسماع والقراءة والإقراء؛ مما
يؤكد أنه من أجل إبلاغ ألفاظ الكتاب وتعبيراته ومن أجل فهم مراداته ، كانت الحاجة
إلى شخصية معلم الكتاب أشدّ منها إلى الكتاب نفسه ونقوشها نفسها، حتى تتلوه على
الناس وتفهّمهم مراداته.
وإذا أمعنا أكثر، أدركنا أن الحاجة إلى الشخصيات بجانب
الكتب، إنما كانت أشد لسبب أكبر آخر، وهو أن الكلام له مزايا كثيرة لا يمكن أن
تُدْرَك إلا بلهجة المتكلم وأسلوب أدائه وطريقة إلقائه وكيفية تفهيمه وحركاته
وسكناته الكلامية، ولا يمكن أن ترتسم هذه الكيفيات في الورق و نقوشه وحروفه ما لم
يكن هناك معلم ومتكلم، بهيئاته الكلامية والإلقائية، يقوم بأدائه باللهجة
والكيفيات الصوتية والحركات الحديثة ، التي لابد منها طبيعيًّا من أجل فهم مراداته
. وجملة القول إن المراد الحقيقي للكلام لا يمكن أن يتضح بمجرد الورق أو بمجرد المكتوب
فيه.
وإلى جانب ذلك إن منبع الكلام إنما هو الكيفيات التي يصدر
عنها الكلام والتي تجعل المتكلم يصوغ بشكل طبيعي أسلوباً خاصاً للهجته وهيئة تكلمه
. فالجملة الواحدة إذا أدِّيتْ بالأسلوب الغاضب وبالعينين المفتوحتين المحمرتين ،
فإنها ستعطي معنى الزجر والملام مهما كانت الألفاظ لينة مُؤَدَّبَةً، وإذا ألقيت
بأسلوب ملؤه الحنان واللطف وبطرف خافض ، فإنها ستشف عن الرحمة والكرم مهما كانت
الألفاظ قاسية خشنة.وكذلك فحركة التعجب إذا أُدِّيَتْ بالأسلوب التعجبي كان الكلام
باعثاً للعجب، وإذا أُدِّيَتْ بهيئة الدهشة كان الكلام باعثاً على الدهشة، وإذا
أدِّيَتْ بلهجة التحكم والبطش كان تعزيرياًّ تأديبياًّ، وإذا أُدِّيَتْ بلهجة الحب
كان نامًّا عن الحب والحنان، وإذا أُدِّيَتْ بلهجة التساؤل دلّ على السؤال. وخلاصة
القول إن هيئة التكلم وكيفية الأداء ونوعية الصوت تنم عن الكيفية الباطنة التي صدر
عنها الكلام والتي تحدد أغراضه وتشخص الأهداف التي أُطْلِقَ من أجلها. وإذا كان
الكلام صادراً عن كيفياته الباطنة فكيف يجوز أن لا تكمن هي فيه وأن لا تبرز هي
بشكل خاص لدى التكلم.
وجملة القول إنه مهما كانت الألفاظ واحدة وموحدة في شتى
المواضع ؛ ولكنها تأتي مصوغة في قالب الكيفيات الباطنة للمتكلم ، التي تدلّ عليه
لهجته وأسلوب أدائه و هيئة تكلمه. فإن تبدلت هيئة التكلم ولهجة الأداء، تبدلت
المعاني وتغيرت الحقائق . ومن الواضح أن اللهجة، وهيئة التكلم، وإحداد النظر،
والحياء المترشح من العينين، أو التموجات المتلبسة بالصوت، والأشكال المعنوية
للعواطف، والكيفيات النفسية، وظهور ذلك كله بالأسلوب الأدائي للألفاظ ، لا يمكن أن
ينطبع ذلك كله في الورق أو الحروف والنقوش، وإنما يتجلى ذلك كله من شخص المتكلم .
وعلى ذلك فالحاجة إلى الشخصية بجانب الكتاب، ليست من أجل ألفاظه فقط، وإنما هي
كذلك من أجل فهم معانيه هي الأخرى. وذلك كما يقول الشاعر الفارسي:
Mإذا حاول المصور أن
يقوم بالتقاط صورة للحبيب القاتل ذلك، فإني أحتار أنه كيف يقدر على التقاط صورة
لدلاله وغَنَاجِهL؟.
الورق
والحروف لا تستوعب الحقائق:
ثم إن مرادات كلام الله تعالى تنطوي على ذخيرة كبيرة من
الحقائق الغيبية المكنونة التي يكون الغرض منها هو الوصول بالمخاطب إلى أبعاد
الأهداف وإحداثُ السمول والتعمق في علمه. وإذا تقدمنا خطوةً وجدنا أن هذه الحقائق
تكون مشتملة على أحوال و مراتب إنما تطرأ على القلب عند ما تتشرب هذه الحقائق، ويكون
الغرض هو صبغ قلب المخاطب وتكييفه بتلك الأحوال والمراتب، كالحب والأنس ، والرغبة
والاشتياق ، والرجاء والخوف، والحرص على الغرض الحق، والأخذ بالعزيمة في ذلك،
والاجتناب مقابل ذلك من الباطل والابتعاد عنه، وامتناع المخاطب عنه وعن مقتضياته،
والخوف من الاقتراب منه، والشعور بعاطفة الاستنكار والرفض تجاهه. ويراد أن يمتلئ
قلب المخاطب بذلك كله حتى لا يبقى هو في مرتبة MالقالL وإنما يتحول إلى مرتبة MالحالL ويعود جزءاً من طبيعته وسارياً مع روحه.
ومن الواضح أنه من غير الممكن أن يستوعب الورقُ هذه الأمورَ
كلها وأن تصل هي إلى القلوب مباشرة بدون واسطة صاحب الكلام أو رسله أو الأشخاص
الذين تربَّوْا عليه وتلقَّوا منه التفهيم والتمرين والتدريب. وبكلمة أخرى: إنه من
غير الممكن أن يقدر قلب المتكلم على صياغة قلب المخاطب في بوتقته بمجرد الورق
والنقوش الموجودة فيه ما لم يؤثّر المتكلّم في المخاطب بهمته الباطنة.
فإذا كان الذهن البشريّ لا يقدر على استيعاب المراد اللفظي
من الكلام بدون شخص من البشر يقوم بتفهيمه إيّاه على حين إن الألفاظ الدالة على
المراد تكون موجودة أمام عينيه؛ فأنّى للورق و نقوشه أن تستوعب تلك الكيفيات
الباطنة والأحوال اللطيفة. إنها لا يمكن أن تَثْبُتَ في القلب بدون معلم يكون قد
تلقّى التربية وبدون تفهيمه و تمرينه، فضلاً عن أن يصطبغ بها القلب و يأخذ صبغة
الله.
وإلى جانب ذلك لا يمكن أن يُنْكَرَ أن القانون الإلهي إنما
الغرض منه هو العمل الذي تتوقف عليه سعادة البشر. ومن الواضح أن القانون مهما كان
جامعاً مانعاً و بالغاً من البلاغة أن يكون دالاً بنفسه على معانيه، فإن قوة تكلم
المتكلم هي الأخرى – فضلاً عن مجرد الألفاظ والنقوش والحروف- لا يمكن أن تكشف
الهيئة المطلوبة للعمل ما لم يكشفها شخص عامل من خلال عمله هو؛ ولذلك فإنّ النبي Sلم يكتفِ
بتلاوة الأمر الإلهي MصَلُّوْاL – أي أيها الناس ! صَلُّوْا كما تشاؤون – وإنما
قال (ليحدّد الهيئة المطلوبة لأسوته الحسنة) : Mصَلُّوْا
كَمَا رَأيْتُمُوْنِيْ أُصَلِّيْL.
وذلك إن دل على شيء فإنما يدل على أن المطلوب بجانب مفهوم
الصلاة هو الشكل المرضيّ لها عند الله تعالى. وذلك الشكل لا يمكن الوصول إليه ما
لم يحدده الرسول الإلهيّ، ولا يمكن أن يحدده الورق أو التكلم ، ولذلك فإن جبرئيل –
عليه السلام – علّمه – S – الصلاة بشكل عملي بجانب إبلاغه إيّاه الأمر الإلهيّ بها، كما حدد
عليه السلام مواقيتها بعمله هو.
ومن الواضح أن جاهلاً أو متعنتاً إذا اعتمد – بعد نزول
القانون – على مجرد الكتاب و نقوشه السوداء في معزل عن المعلم – الذي جاء ليعلم
القانون – تلك النقوش التي لا تشتمل على لهجة التفهيم ولا على مسحة للحركات
والسكنات الكلامية وأسلوب الأداء، ولا على ارتسامة للشكل المطلوب للعمل، ولا على
كيفية معنوية له، ولا على صبغة للحرارة القلبية والوجدان السليم؛ فإنّه لا يفهم من
ذلك الكلام إلا ما تكيفت به نفسه هو من المراد الذي لا يكون المراد الإلهيّ وإنما
يكون مراده هو. ومن الواضح أن ذلك لا يكون منه مجرّد سوء الفهم، وإنما يكون سوء السلوك
والسيرة كذلك، الذي يُعَبَّرُ عنه بــ MالتلبيسL الذي يعني أن يُؤخَذ اللفظ الإلهي ويُحَمَّلَ من المراد ما ترضاه
النفس.
فكان من اللازم أن يجيء مع القانون المنزل من الله الأشخاصُ
المبعوثون من الله كذلك، وأن يتتابع فيما بعد من العصور الأشخاصُ المباركون المتلقون
منهم التربيةَ؛ فيقوموا بتلاوة الكلام وتفهيمه وتعليم مراداته، ويطرحوا النموذج
العملي، وأن يطهروا قلوب المخاطبين بتعليمهم وتربيتهم عن الزيع والضلال، و يزودوها
بالاستقامة والفهم والعقل والكيفيات الروحانية، ويجعلوها صالحة لفهم المراد
الحقيقي والحرص على العمل والتكيف مع الأحوال المعنوية. وذلك كله استلزم أن يصاحب
الكتابَ الشخصُ الذي يقوم بتعليمه؛ حتى يتم تجاوز هذه المراحل كلها في صحبته وتحت
تربيته وتدريبه؛ وإلا فلم تكن هناك حاجة إلى بعثة الأنبياء عليهم السلام مع الكتب
التي نزلت من السماء.
الكتاب
غرضه التذكير والمعلم غرضه التبيين :
وإذاً فإن الكتاب غرضُه MالتذكيرL ، يقول تعالى : Pوَلَقَدْ
يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِQ (القمر/17) والمعلم غرضُ بعثته هو MالتبيينL يقول تعالى : Pلِتُبَيّنَ لِلنَّاسِL (النحل/ 44) حتى تطّلع القلوب على الأغراض الحقيقية للكتاب والحقائق
والكوائف المكنونة في الأغراض . ولهذا كله أعطى الله عز وجل بعد نزول MالذكرL – القرآن الكريم – الأولويةَ لتبيين المعاني
وإيضاح المراد، إذ قال:
Pوَ أَنْزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ
لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُوْنَQ (النحل 44)
والنقطة الجديرة بالتأمل في هذه المناسبة أن الآية الكريمة
قدَّمت Mلتبيين للناسL على Mلعلهم يتفكرونL؛ حيث إن الجملة الأولى تتعلق بشخصية النبي S، وأخَّرت الجملة التي تأمر بالتأمل والتفكير؛ مما يؤكّد أن تبيين
المراد مقدم على التأمل والتفكير الذي يتعلق بالعقل. وذلك يدل على أن التأمل إنما
ينبغي أن يُعْمَلَ في حدود المراد، حتى تتضح حقائق المراد الرباني وأن لا
يُحَدَّدَ المرادُ عن طريق التأمل الشخصيّ، وإنما ينبغي أن يُحَدَّدَ عن طريق
إبانة شخص النبي المعلم، وإلا فإنه يكون مرادَ النفس ولا يكون مراد الله تعالى.
وإذاً فإن مراد النص سماعي؛ حيث أسْنِدتْ إبانته إلى الرسول
S، وليس قياسياًّ حتى يُقْتَدى فيه بالعقل والفكر ، وإنما سُمِحَ
للعقل أن يتأمل ويتفكر في إطار المراد؛ حتى تنكشف عليه حقائق المعنى المراد؛ ولكنه
رغم ذلك أُسْنِدَتْ تربية العقل هو الآخر إلى شخصيات الرسل المقدسة؛ لأن زلة العقل
أشد من زلة الشعور؛ الأمر الذي يدل عليه دلالةً واضحةً تضاربُ أقوال الفلاسفة.
وذلك يؤكد أن حقائق المراد الرباني العميقة هي التي
سُمِّيَتْ بالحكمة، واستنتاجُ النكات من المراد الذي منشؤه النفس ، هو مجرد
الفلسفة التي لا علاقة لها مع الحكمة.
ولذلك فإن مدار كون عالمٍ ما أعلى أو أدنى أو أوسط ليس هو
جودة إخراج الكتاب ورواؤه، أي ليس أنه إذا كان ورق الكتاب من النوعية الممتازة،
وكان مصقولاً ، وكان قطعه متزنا ، فإن العالِم القاريء منه يُعدّ عالماً كبيراً ؛
وإذا كان الكتاب رديء الإخراج والطباعة؛ فإنّ العالم القارئ منه يُعَدُّ عالمًا
سافل الرتبة ؛ وإنما العبرة في كون العالم كبيراً أو صغيراً بقوة أو ضعف ثقة
الشخصيات و مستوى تعليمها وتربيتها؛ حيث يُنْظَرُ إلى شيوخها الذين تلقت منهم وإلى
أسنادهم ، وإلى مدى علمهم وتقواهم، وإلى أن أسنادهم ورواياتهم وإجازاتهم هل ترتفع
إلى النبي S
أم لا؛ فلو لم يكن لهم سند, أو كان سندهم منقطعاً؛ فإن هؤلاء العلماء يُعَدّون
علماء صناعين مزعومين غير حاملين لرصيد سوى قراءة وكتابة وقوة دراسة. ولكونهم غير
مُرَبَّيْنَ – على صيغة اسم مفعوم – إطلاقُ كلمة MالعلماءL عليهم سيكون من قبيل Mقلب الوضع
الصحيحL
؛ فأقوالُهم وأفعالُهم لا تُعْتَبَرُ حجةً في الأمور الدينية ولا يُلْتَفَتُ إليها
فيها.
ثقةالعالم
تقاس بشهادته:
على كل فإن ثقة العالم تقاس بشهادته التي يتم بها الاطلاع
على شيوخه ومربيه، ولا تقاس بأسماء الكتب التي قرأها وبجودة أوراقها وكتابتها
وطباعتها؛ وإذا جاء ذكر الكتاب فإنما يجيء خلال ذكر الشهادة بشكل غير مباشر ولا
يأتي ذكرها مستقلاً. وإلا فإن هناك أدعياء كثيرين للعلم اليوم، لا يستند علمهم
إلاّ إلى قراءة تراجم الكتب، أو إلى بعض الإلمام بالأدب واللغة، أو إلى قوة
المطالعة أو الذكاء الشخصي والفطانة الموهوبة ؛ وقد تحتشد حولهم جموع للجهال أو Mالعلماء
الجهالL
ولكنهم لكونهم محرومين من السند المتصل والتربية المتوارثة، مجردون في الواقع من
الإرث العملي. وإذا كان الأمر كذلك، فلا حاجة إلى الحديث عن مدى ما يتمتعون به هم
ومن يستفيدون منهم، من العلم والفهم وصحة إساغتهم للمراد واستقامتهم على الطريق؛
ولهذا عدّ النبي S
ذهابَ العلم من الدنيا نتيجةً لذهاب العلماء الحق ولم يعدّه نتيجةً لفقدان الكتاب؛
فقد جاء في الحديث فيما يرويه سيدنا عبد الله ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
Mإن الله لا يَقبِض
العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد؛ ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق
عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهّالاً ، فسئُلوا، فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلواL.
( رواه
البخاري ، كتاب العلم 2/ 41، الحديث رقم 100. و رواه مسلم، كتاب العلم باب (5)
الرقم 13)
وذلك يدل على أن العلم ليس معناه مجرد القراءة والكتابة،
وإنما العلم هو التلقي من العلماء الثقات والمسندين والتربي عليهم ؛ حتى يعود
المتلقي المتربي صحيحَ الذوق والمزاج. والأصلُ في ذلك أن العلم في الواقع هو تراث
النبوة، وإنما يستحق هذا الإرثَ من يتصل سنده الروحاني دونما انقطاع بصاحب النبوة.
ومثلُ ذلك مثلُ الإرث الماديّ الذي لا يستحقه المرأ إلاّ إذا ثبت نسبه من جده
وأبيه؛ فإن لم يثبت نسبه منهما يعود محروماً من الإرث. وكذلك فإرث العلم النبوي لا
يستحقه إلا من ثبت سنده المتصل بالنبيS، وذلك السند يصح أن نسميه بـ Mالنسب
الروحانيL؛
إذ قال النبيS
بنفسه:
Mأنا لكم بمنزلة الوالدL. (السلسلة الصحيحة
للألباني 3 / 289)
أي إن النبي S هو الوالد الروحاني للأمة؛ فإن لم ينتهِ هذا السند العلمي للمرإ
وهذه السلسلة التعليمية والتربوية إلى النبي S مارًّا بشيوخه ومعلميه، فإنه يُعَدّ محجوب الإرث بالنسبة إلى علم
النبوة، ويكون علمه لفظيًّا مزعوماً و ناتجاً عن أفكاره وعواطفه هو؛ فلا يُعَدُّ
حجة في الأمور الدينية ولا جديراً بأي اهتمام، ولا يتسبّب في الهداية ، وإنما يؤدي
إلى الضلال.
والحديث يوضح أن السبب في فقدان العلم ليس هو فقدان الكتب،
وإنما هو فقدان رجال العلم؛ وأن مراتب العلم إنما تتفاوت بتفاوت شخصيات العلم
الثقات وكونها العليا والدنيا في السند ، ولا تتفاوت أبداً بكون الكتب جيدة أو
رديئة. ولهذا السبب أوجب القرآن الكريم للمذهب الحق الشخصية الربانية مع الكتاب
الرباني؛ حيث لم يكن بالإمكان – عادةً – بدون هذا الاقتران أن يتم تحديد مرادات
الكتاب الإلهي ، وتحديد هيئة العلم وفق هذه المرادات، وأن تترتب على هذا العلم
والعمل آثارهما من الخوف والتقى ، والرجاء والثقة ، والخشية والأمل، وحبّ الحق،
وعداء غير الحق.
حكمة أخرى في الجمع
بين الكتاب ومعلم الكتاب:
و لا يعزبنّ عن البال بهذه المناسبة أن الجمع بين الكتاب
ومعلم الكتاب لم يكن ضرورياً لمجرد العلم أو فهم مرادات الكتاب أو التكيف مع
الأحوال والكيفيات ؛ وإنما كان ضرورياً من أجل الأخلاق هي الأخرى التي هي منبع
العلم وبمنزلة البذرة للعمل؛ وأيضاً إن الكيفيات الباطنة للعمل إنما تنشأ منها. أي
إننا إذا أخذنا الكتاب واستغنينا عن المعلم أو اكتفينا بالمعلم دون الكتاب، فإننا
لا نخطىء فقط في فهم مراداته، وإنما نخطىء في الأخلاق كذلك، ونتعرض في شأنها
للإفراط والتفريط واللااعتدال. والسبب الأساسي في ذلك أن العلم ليس صفة ذاتية
للإنسان، وإنما هو صفة إلهية؛ فلا يمكن أن تظل سافلة بل إنها رفيعة الرتبة وعظيمة
المكانة بذاتها فلا تقبل الذل والانحطاط في وقت من الأوقات؛ فالشخصية الحاملة
للعلم الإلهي هي الأخرى لا يمكن أن تصبر على الانحطاط.
وإذا كان الأمر كذلك، فإنه كان هناك خطر كبير لأن ينشأ في العالم
عن طريق الرتب العلمية العالية، التكبرُ والتعالي، والإعجابُ بالنفس والأنانية،
وما إليها من العواطف الكريهة من الاستبداد بالرأي، والنرجسية. والشعور بالعلو،
واحتقار غيره ؛ الأمر الذي يجعله لا يبقى عالماً ؛ حيث لم يكن العلم صفته الذاتية
؛ ولا يبقى جاهلاً ساذجاً؛ حيث توجد عليه – على كل حال – مسحة من العلم. وعلى ذلك
فلا تبقى فيه أصالةُ العلم التي كان من شأنها أن تكيّفه بالخشية والتقوى، ولا يبقى
فيه الجهل الذي كان من شأنه أن يجعله لا يتردد لحظةً في الاعتراف بجهله. ومن
الواضح أن تعليمه في هذه الحالة لا يعطي ثمرة، وإن أثمر، فإن نقائصه و معايبه
ستنتقل إلى المستفيدين منه كذلك؛ فكان لزاماً أن يثار في العالم الانكسارُ
والتواضع وإنكار الذات وما إلى ذلك من العواطف. وما كانت لتثور بدون الخضوع لرجل
ربّاني، وما كان لذلك طريق سوى أن يضطر أن يخضع ويستمر خاضعاً أمام المعلم والمربي
بكل أدب و احترام، وتذلل وانقياد، وطاعة واستسلام؛ حيث لم تكن أنانية وتكبره
العلمي ليزولا بدون ذلك. وكلنا يعلم أن ذلك لم يكن ليتحقق بالخضوع للورق الذي هو
والحروفُ والكتابات المُثْبَتَة فيه إنما كانت من صنعه هو؛ فلم يكن ليخضع أمام
صنيعه . وأكثر ما كان ممكناً أن يحترمه تقليدياً ؛ فما كانت هذه العقدة لتنحل إلا
بالمعلم والمربي – مكان الورق – وبالخضوع لديه والإكثار من ملازمته ومصاحبته
والتعامل معه بالتواضع والأدب. وما كانت هذه الأنانية لتتلاشى والأكدار الخلقية
لِتزولَ إلا بتعليم المربي وتربيته وتهذيبه؛ فالقرآنُ الكريم استوجب مصاحبة
الصادقين من أجل هذا الأساس الأخلاقي إلى جانب فهم مراداته كذلك، وفيما أمر
بالتزود بالتقوى والطهارة وتزكية النفس عن طريق العلم، إذ أمر بملازمة الصادقين
فقال: Pيَا أيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوْا اتَّقُوا
اللهَ وَ كُوْنُوْا مَعَ الصَّادِقِيْنَQ (التوبة/119)
وبينما علّم في سورة الفاتحة مسألة الهداية Mاِهْدِنَا
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيْمَL إذاً لم يدع الصراط مطلقاً، ولم يُخيّره أن يختار من الصراط ما
يراه هو مستقيماً بعقله، وإنما نماه إلى Mالَّذِيْنَ
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْL و أمر أن لا يسأل الإنسانُ ربّه إلا الصراطَ الذي سلكه المُنْعَمُ
عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، والذي لا يمكن أن يناله بدون أن
يتعلق بهم ؛ فهو كما يقول الشاعر الأرديّ:
تَعَلَّق بالذين يلاقونه؛ فإنه ليس هناك سبيلٌ إلى لقائه
إلا ذلك.
وليس يعني ذلك إلا الأمرَ – بجانب اتّباع الصراط المستقيم –
باتباع الشخصيات المقدسة – الأنبياء – التي هي التي تهدي إلى الصراط المستقيم وتدع
المرأ يسير عليه دائماً.
فذكرُ هداة الطريق في سورة الفاتحة بجانب تعليم مسألة
الهداية يعني طبيعيّاً وبشكل مؤكد أنه عُلِّمَ المسألةَ للتوفيق لمصاحبة تلك
الشخصيات الهادية ؛ مما يدلّ دلالة صارخة على كون تعليم و تربية وصحبة الشخصيات
المقدسة لازمة.
الصحبة النبوية هي
السبب الأساسيّ في كون الصحابة أفضل أفراد الأمة:
ولو تأملنا وجدنا أن هذه الصحبة النبوية هي السبب الأساسيّ
لكون الصحابة رضي الله عنهم أفضل من جميع أفراد الأمة؛ لأن الصحابي معناه المتمتع
بالصحبة ، وليس معناه مجرد المتلقي للتعليم، ولذلك عُدَّتْ صحبتُهم هذه في موضع
بعد موضع منقبةً عظيمةً لهم و فضيلةً كبرى، على أساسها فَضِّلُوْا على الأمة
تفضيلاً مطلقاً:
Pمُحَمَّدٌ رَّسُوْلُ اللهِ وَ الَّذِيْنَ مَعَه
أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ الخQ (الفتح/ 29)
وجاء في ذكر التهجد : Pوَطَائِفَةٌ
مِّنَ الَّذِيْنَ مَعَكَQ
(المزمل/20)
و في موضع ذُكِرَ المُنْعَمُ عَلَيْهِم فَعُدَّتِ المعية
نعمةً على أتباعهم: Pفَأولئِكَ مَعَ
الَّذِيْنَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّيْنَ وَ الصِّدِّيْقِيْنَ
والشُّهَدَآءِ وَ الصَّالِحِيْنَ وَ حَسُنَ أولئِكَ رَفِيْقًاQ (النساء/69)
ولهذا السبب لم يُطْلَقْ في السلف الصالحين على المستفيدين
والمتلقين للعلم والتربية كلمةُ MالتلاميذL أو MالطلابL وإنما كانت تُطْلَقُ عليهم كلمةُ MالأصحابL فكان يقال: Mأصحاب أبي حنيفةL وهكذا. وكان ذلك اتّباعاً للحديث؛ حيث وصف النبي S المستفيدين منه بلقب MالأصحابL. فقال: Mوددت أنا قد رأينا
إخواننا ! قالوا: أو لسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين
لم يأتوا بعد ويؤيده أثر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الذي وصف فيه الصحابة رضي
الله عنهم بقوله : Mأولئك أصحاب محمدS L.
على كل حال فإن اتّباع السلف والاصطباغ بصبغتهم بشكل كامل
لم يكن ليتحقق بدون مصاحبتهم و ملازمتهم، فكلما ذُكِرَ هذا الاتباعُ المقصود عُدَّتْ
أشخاص هؤلاء البررة سنداً للاتباع وحجة، وجاء التركيز على اتّباعهم بعناوين
مختلفة:
Pوَاتَّبِعْ سَبِيْلَ مَنْ أنَابَ إلَيَّQ (لقمان/15)
وفي بعض المواضع أُمِرَ الأنبياء عليهم السلام بإصلاح الخلق
وبالامتناع عن سبيل المفسدين ؛ فقد قال سيدنا موسى عليه السلام، وهو قاصد للطور
لإتمام ميقات ربه، لأخيه سيدنا هارون عليهما السلام:
Pوأَصْلِحْ ولاَ تَتَّبِعْ سَبِيْلَ الْمُفْسِدِيْنَQ (الأعراف/42)